تواضع الانبياء

و لقد دخل موسى بن عمران و معه أخوه هارون عليهما السّلام على فرعون ، و عليهما مدارع الصّوف . و بأيديهما العصيّ ، فشرطا له إن اسلم بقاء ملكه ، و دوام عزّه ، فقال : « ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العزّ ، و بقاء الملك ، و هما بما ترون من حال الفقر و الذّلّ ، فهلاّ ألقي عليهما اساورة من ذهب » ؟ إعظاما للذّهب و جمعه ، و احتقارا للصّوف و لبسه و لو أراد اللَّه سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذّهبان ( 2578 ) ،

و معادن العقيان ( 2579 ) ، و مغارس الجنان ، و أن يحشر معهم طيور السّماء و وحوش الأرضين لفعل ، و لو فعل لسقط البلاء ( 2580 ) ، و بطل الجزاء ،

و اضمحلّت الأنباء ، و لما وجب للقابلين أجور المبتلين . و لا استحقّ المؤمنون ثواب المحسنين ، و لا لزمت الأسماء معانيها . و لكنّ اللَّه

[ 281 ]

سبحانه جعل رسله أولي قوّة في عزائمهم . و ضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم ، مع قناعة تملأ القلوب و العيون غنى . و خصاصة ( 2581 ) تملأ الأبصار و الأسماع أذى .

و لو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام ، و عزّة لا تضام ، و ملك تمدّ نحوه أعناق الرّجال ، و تشدّ إليه عقد الرّحال ، لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار ، و أبعد لهم في الاستكبار ، و لآمنوا عن رهبة قاهرة لهم ، أو رغبة مائلة بهم ، فكانت النّيات مشتركة ، و الحسنات مقتسمة . و لكنّ اللَّه سبحانه أراد أن يكون الاتّباع لرسله ، و التّصديق بكتبه ، و الخشوع لوجهه ، و الاستكانة لأمره ، و الاستسلام لطاعته ، أمورا له خاصّة ، لا تشوبها من غيرها شائبة . و كلّما كانت البلوى و الاختبار أعظم كانت المثوبة و الجزاء أجزل .