الكعبة المقدسة

ألا ترون أنّ اللَّه سبحانه ، اختبر الأوّلين من لدن آدم صلوات اللَّه عليه ، إلى الآخرين من هذا العالم ، بأحجار لا تضر و لا تنفع ، و لا تبصر و لا تسمع ، فجعلها بيته الحرام « الّذي جعله للنّاس قياما » . ثمّ

[ 282 ]

وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرا ، و أقلّ نتائق ( 2582 ) الدّنيا مدرا ( 2583 ) ،

و أضيق بطون الأودية قطرا . بين جبال خشنة ، و رمال دمثة ( 2584 ) ،

و عيون وشلة ( 2585 ) ، و قرى منقطعة ، لا يزكو بها خفّ ، و لا حافر و لا ظلف ( 2586 ) . ثمّ امر آدم عليه السّلام و ولده أن يثنوا أعطافهم ( 2587 ) نحوه ، فصار مثابة لمنتجع ( 2588 ) أسفارهم ، و غاية لملقى ( 2589 ) رحالهم . تهوي ( 2590 ) إليه ثمار الأفئدة من مفاوز ( 2591 ) قفار سحيقة ( 2592 ) و مهاوي ( 2593 ) فجاج ( 2594 ) عميقة ، و جزائر بحار منقطعة ، حتّى يهزّوا مناكبهم ( 2595 ) ذللا يهلّلون للَّه حوله ، و يرملون ( 2596 ) على أقدامهم شعثا ( 2597 ) غبرا ( 2598 ) له . قد نبذوا السّرابيل ( 2599 ) وراء ظهورهم ، و شوّهوا بإعفاء الشّعور ( 2600 ) محاسن خلقهم ، ابتلاء عظيما ،

و امتحانا شديدا ، و اختبارا مبينا ، و تمحيصا بليغا ، جعله اللَّه سببا لرحمته ، و وصلة إلى جنّته . و لو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ،

و مشاعره العظام ، بين جنّات و أنهار ، و سهل و قرار ( 2601 ) ، جمّ ( 2602 ) الأشجار داني الثّمار ، ملتفّ البنى ( 2603 ) ، متّصل القرى ، بين برّة ( 2604 ) سمراء ،

و روضة خضراء ، و أرياف ( 2605 ) محدقة ، و عراص ( 2606 ) مغدقة ( 2607 ) ،

و رياض ناضرة ، و طرق عامرة ، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء . و لو كان الإساس ( 2608 ) المحمول عليها ، و الأحجار

[ 283 ]

المرفوع بها ، بين زمردة خضراء ، و ياقوتة حمراء ، و نور و ضياء ،

لخفّف ذلك مصارعة الشّكّ في الصّدور ، و لوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ، و لنفى معتلج ( 2609 ) الرّيب من النّاس ، و لكنّ اللَّه يختبر عباده بأنواع الشّدائد ، و يتعبّدهم بأنواع المجاهد ، و يبتليهم بضروب المكاره ، إخراجا للتّكبر من قلوبهم ، و إسكانا للتّذلّل في نفوسهم ، و ليجعل ذلك أبوابا فتحا ( 2610 ) إلى فضله ، و أسبابا ذللا لعفوه .