بيان

« الأساورة » جمع للأسورة الّتي هي جمع السوار . و « الذهبان » بالكسر و الضمّ ، جمع « الذهب » . و « العقيان » بالكسر ، و هو الذهب الخالص ، و قيل : ما ينبت منه نباتا . و « البلاء » الامتحان . و « اضمحلّ الأنباء » أي سقط الوعد و الوعيد .

قال الثعلبيّ : قال العلماء بأخبار الماضين : لمّا كلم اللَّه موسى و بعثه إلى مصر خرج و لا علم له بالطريق ، و كان اللَّه تعالى يهديه و يدلّه و ليس معه زاد و لا سلاح و لا حمولة [ 821 ] و لا شي‏ء غير عصاه و مدرعة صوف و قلنسوة من صوف و نعلين ،

يظلّ صائما ، و يبيت قائما ، و يستعين بالصيد و بقول الأرض حتّى ورد مصر ، و لمّا قرب مصر أوحى اللَّه سبحانه إلى أخيه هارون يبشّره بقدوم موسى و يخبره أنّه قد جعله لموسى وزيرا و رسولا معه إلى فرعون ، و أمره أن يمرّ يوم السبت لغرّة ذي الحجّة متنكرا إلى شاطي‏ء النيل ليلتقي في تلك الساعة بموسى .

قال : فخرج هارون و أقبل موسى عليه السلام فالتقيا على شطّ النيل قبل طلوع الشمس ، فاتّفق أنّه كان يوم ورود الأسد الماء ، و كان لفرعون أسد تحرسه في غيضة محيطة بالمدينة من حولها ، و كانت ترد الماء غبّا ، و كان فرعون إذا ذاك في مدينة حصينة عليها سبعون سورا ، في كلّ سور رساتيق و أنهار [ 822 ] و مزارع و أرض واسعة ، في ربض كلّ سور [ 823 ] سبعون ألف مقاتل ، و من وراء تلك المدينة غيضة [ 824 ] تولّى فرعون غرسها بنفسه و عمل فيها و سقاها بالنيل ، ثمّ أسكنها الاسد فنسلت [ 825 ] و توالدت

[ 821 ] في المصدر بعد ذلك : و لا صاحب له و لا شي‏ء . ا ه . م .

[ 822 ] في المصدر : و كان بين كلّ سورين بساتين و أنهار . ا ه . م .

[ 823 ] « الربض » ما حول المدينة من بيوت و مساكن ، سور المدينة . و في المصدر : و أرض واسعة في ربض ، لكلّ سور . ا ه . 824 « الغيضة » مجتمع الشجر في مغيض الماء ، الأجمة .

[ 825 ] في المصدر : فتناسلت . م .

[ 286 ]

حتّى كثرت ، ثمّ اتّخذها جندا من جنوده تحرسه ، و جعل خلال تلك الغيضة طرقا تفضي من يسلكها إلى أبواب من أبواب المدينة معلومة ليس لتلك الأبواب طريق غيرها ، فمن أخطأ وقع في الغيضة فأكلته الاسد [ 826 ] و كانت الاسود إذا وردت النيل ظلّت عليها يومها كلّها ثمّ تصدر مع اللّيل .

قال : فالتقى موسى و هارون يوم ورودها ، فلمّا أبصرتهما الاسد مدّت أعناقها و رؤوسها إليهما و شخصت أبصارها نحوهما ، و قذف اللَّه تعالى في قلوبها الرعب ،

فانطلقت نحو الغيضة منهزمة هاربة على وجوهها تطأ بعضها بعضا حتّى اندست في الغيضة ، و كان لها ساسة يسوسونها و ذادة يذودونها و يشلونها بالناس [ 827 ] فلمّا أصابها ما أصابها خاف ساستها فرعون و لم يشعروا من أين أتوا ، فانطلق موسى و هارون عليهما السلام في تلك المسبعة [ 828 ] حتّى وصلا إلى باب المدينة الأعظم الّذي هو أقرب أبوابها إلى منزل فرعون ، و كان منه يدخل و منه يخرج ، و ذلك ليلة الاثنين بعد هلال ذي الحجّة بيوم ، فأقاما عليه سبعة أيّام . فكلّمهما واحد من الحرّاس و زبرهما [ 829 ] و قال لهما : هل تدريان لمن هذا الباب ؟ فقال موسى عليه السلام : إنّ هذا الباب و الأرض كلّها و ما فيها لربّ العالمين ، و أهلها عبيد له ، فسمع ذلك الرجل قولا لم يسمع مثله قطّ و لم يظنّ أنّ أحدا من الناس يفصح بمثله ، فلمّا سمع ما سمع أسرع إلى كبرائه الّذين فوقه فقال لهم : سمعت اليوم قولا و عاينت عجبا من رجلين هو أعظم عندي و أفظع و أشنع ممّا أصابنا في الاسد ، و ما كانا ليقدما على ما أقدما عليه إلاّ بسحر عظيم ، و أخبرهم القصّة فلا يزال ذلك يتداول بينهم حتّى انتهى إلى فرعون .

و قال السدّيّ بإسناده : سار موسى عليه السلام بأهله نحو مصر حتّى أتاها ليلا فتضيّف امّه و هي لا تعرفه ، و إنّما أتاهم في ليلة كانوا يأكلون فيها الطفيشل و نزل في جانب الدار ، فجاء هارون فلمّا أبصر ضيفه سأل عنه امّه ، فأخبرته أنّه ضيف

[ 826 ] في المصدر : فتأكله الأسود . م

[ 827 ] في المصدر : و يسلّطونها على الناس . م

[ 828 ] في المصدر : في تلك الغيضة . م

[ 829 ] « زبره عن الأمر » منعه و نهاه عنه ، « زبر السائل » انتهره . و ليست هذه الكلمة في المصدر .

[ 287 ]

فدعاه فأكل معه فلمّا أن فعد تحدّثا فسأله هارون فقال : من أنت ؟

فقال : أنا موسى .

فقال كلّ واحد منهما إلى صاحبه فاعتنقه ، فلمّا أن تعارفا قال له موسى : يا هارون انطلق معي إلى فرعون ، فإنّ اللَّه عزّ و جلّ قد أرسلنا إليه .

فقال هارون : سمعا و طاعة .

فقامت أمّهما فصاحت [ 830 ] و قالت : أنشدكما اللَّه أن تذهبا [ 831 ] إلى فرعون فيقتلكما .

فأتيا و مضيا [ 832 ] لأمر اللَّه سبحانه فانطلقا إليه ليلا فأتيا الباب و التمسا الدخول عليه ليلا فقرعا الباب ففزع فرعون و فزع البواب ، و قال فرعون : من هذا الّذي يضرب بأبي هذه الساعة ؟ فأشرف عليهما البّواب فكلّمهما ، فقال له موسى : أنا رسول ربّ العالمين .

فأتى [ 833 ] فرعون فأخبره و قال : إنّ ههنا إنسانا مجنونا يزعم أنّه رسول ربّ العالمين .

و قال محمّد بن إسحاق بن يسار : خرج موسى لمّا بعثه اللَّه سبحانه حين قدم مصر على فرعون هو و أخوه هارون حتّى وقفا على باب فرعون يلتمسان الإذن عليه و هما يقولان : إنا رسولا ربّ العالمين ، فأذنوا بنا هذا الرجل [ 834 ] ، فمكثا سنتين يغدوان إلى بابه و يروحان لا يعلم بهما و لا يجتزي‏ء أحد على أن يخبره بشأنهما حتّى دخل عليه بطّال له يلعب عنده و يضحكه فقال له : أيّها الملك إنّ على بابك رجلا [ 835 ] يقول قولا عجيبا يزعم أنّ له إلها غيرك .

[ 830 ] في المصدر : فصاحت و ضجّت . ا ه . م

[ 831 ] في المصدر : أن لا تذهبا . م

[ 832 ] في المصدر : فأبيا عليها و مضيا . م

[ 833 ] في المصدر : ففزع البواب و أتى . ا ه . م

[ 834 ] المصدر خال من هذه الجملة . م

[ 835 ] في المصدر : رجلين ، و هكذا ثنّي جميع الضمائر الآتية . م

[ 288 ]

فقال : ببابي ؟ [ 836 ] أدخلوه .

فدخل موسى و معه هارون عليهما السلام على فرعون . 837 قالوا : فلمّا أذن فرعون لموسى و هارون دخلا عليه فلمّا وقفا عنده دعا موسى بدعاء و هو : « لا إله إلاّ اللَّه الحليم الكريم لا اله الاّ اللَّه العليّ العظيم سبحان اللَّه ربّ السموات السبع و ربّ الأرضين السبع و ما فيهنّ و ما بينهنّ و ربّ العرش العظيم و سلام على المرسلين و الحمد للَّه ربّ العالمين . اللّهمّ إنّي أدرؤك [ 838 ] في نحره و أعوذ بك من شرّه و أستعينك [ 839 ] عليه فاكفنيه بما شئت » .

قال : فتحوّل ما بقلب موسى من الخوف أمنا ، و كذلك من دعا بهذا الدعاء و هو خائف آمن اللَّه خوفه ، و نفّس كربته ، و هوّ عليه سكرات الموت .

ثمّ قال فرعون لموسى : من أنت ؟

قال : أنا رسول ربّ العالمين .

فتأمّله فرعون فعرفه فقال له : ألم نربّك فينا وليدا و لبثت فينا من عمرك سنين و فعلت فعلتك الّتي فعلت و أنت من الكافرين » 840 معناه : على ديننا هذا الّذي تعيبه [ 841 ] .

فقال موسى : فعلتها إذا و أنا من الضّالّين » 842 المخطئين [ 843 ] و لم أرد بذلك القتل ، « ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربّي حكما » أي نبوّة [ 844 ] « و

[ 836 ] المصدر خال من هذه الكلمة . م

-----------
( 837 ) العرائس : ص 114 115 . م

[ 838 ] في المصدر : أدره بك . م

[ 839 ] في المصدر : و أستعين بك . م

-----------
( 840 ) الشعراء : 18 19 .

[ 841 ] أي معنى « و لبثت فينا من عمرك سنين » أنّك لبثت على ديننا الّذي تعيبه .

-----------
( 842 ) الشعراء : 20 .

[ 843 ] في المصدر : أي من المخطئين . م

[ 844 ] المصدر خال عن قوله أي نبوة . م

[ 289 ]

جعلني من المرسلين » 845 . ثمّ أقبل موسى ينكر عليه ما ذكر فقال : و تلك نعمة تمنّها عليّ أن عبدت بني اسرائيل » 846 أي اتّخذتهم عبيدا تنزع أبناءهم من أيديهم تسترقّ من شئت [ 847 ] أي إنّما صيّرني إليك ذلك .

قال فرعون : و ما ربّ العالمين قال ربّ السموات و الارض و ما بينهما إن كنتم موقنين » 848 .

قال فرعون لمن حوله : ألا تستمعون ؟ » 849 إنكارا لما قال .

قال موسى : « ربّكم و ربّ آبائكم الأوّلين » 850 .

فقال فرعون : « إنّ رسولكم الّذي أرسل إليكم لمجنون » 851 يعني ما هذا بكلام صحيح [ 852 ] إذ يزعم أنّ لكم إلها غيري .

قال موسى : « ربّ المشرق و المغرب و ما بينهما إن كنتم تعقلون » [ 853 ] .

فقال فرعون لموسى : « لئن اتّخذت إليها غيري لأجعلنّك من المسجونين قال : أ و لو جئتك بشي‏ء مبين » 854 تعرف به صدقي و كذبك ، و حقّي و باطلك .

قال فرعون : « فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين » 855 فاتحة فاها قد ملأت ما بين سماطي فرعون [ 856 ] ، واضعة لحييها الأسفل في الأرض و الأعلى في سور القصر حتّى رأى بعض من كان خارجا من مدينة مصر رأسها ، ثمّ توجّهت نحو فرعون ليأخذه فارفضّ [ 857 ] عنها الناس و ذعر عنها فرعون ، و وثب عن سريره و أحدث حتّى قام به بطنه [ 858 ] في يومه ذلك أربعين مرّة و كان فيما يزعمون لا يسعل و لا يصدع [ 859 ] و لا يصيبه آفة ممّا يصيب الناس ، و كان يقوم في

-----------
( 845 ) الشعراء : 21 .

-----------
( 846 ) الشعراء : 22 .

[ 847 ] في المصدر بعد ذلك : و تقتل من شئت . م

-----------
( 848 ) الشعراء : 23 24 .

-----------
( 849 ) الشعراء : 25 .

-----------
( 850 ) الشعراء : 26 .

-----------
( 851 ) الشعراء : 27 .

[ 852 ] في المصدر : ما هذا بكلام رجل صحيح العقل . م

-----------
( 853 ) الشعراء : 28 .

-----------
( 854 ) الشعراء : 29 30 .

-----------
( 855 ) الشعراء : 31 32 .

[ 856 ] أي جانباه . و في المصدر : قد ملأت ما بين جانبي القصر .

[ 857 ] في المصدر : فانفضّ . م

[ 858 ] في المصدر : قام من بطنه . م

[ 859 ] في المصدر : لا يسعل و لا يتمخّط و لا يتصدّع رأسه . م

[ 290 ]

أربعين يوما مرّة ، و كان أكثر ما يأكل الموز لكيلا يكون له ثفل [ 860 ] فيحتاج إلى القيام و كان هذه الأشياء ممّا زيّن له أن قال ما قال ، لأنّه ليس له من الناس شبيه .

قالوا : فلمّا قصدته الحيّة صاح : يا موسى أنشدك باللَّه و حرمة الرضاع إلاّ أخذتها و كففتها عنّي ، و إنّي أومن بك و أرسل معك بني إسرائيل .

فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت ، ثمّ نزع يده من جيبه فأخرجها بيضاء مثل الثلج ، لها شعاع كشعاع الشمس ، فقال له فرعون : هذه يدك .

فلمّا قالها فرعون أدخلها موسى جيبه ثمّ أخرجها الثانية ، لها نور ساطع في السماء تكلّ منها الأبصار ، و قد أضاءت ما حولها ، يدخل نورها في البيوت ، و يرى من الكوى من وراء الحجب ، فلم يستطع فرعون النظر إليها ، ثمّ ردّها موسى إلى جيبه ثمّ أخرجها فإذا هي على لونها الأوّل .

قالوا : فهمّ فرعون بتصديقه ، فقام إليه هامان و جلس بين يديه فقال له : بينا أنت إله تعبد إذ أنت تابع لعبد ؟ فقال فرعون لموسى : أمهلني اليوم إلى غد .

و أوحى اللَّه تعالى إلى موسى أن قل لفرعون : إنّك إن آمنت باللَّه وحده عمرتك في ملك و رددت [ 861 ] شابّا طريّا .

فاستنظره فرعون . فلمّا كان من الغد دخل عليه هامان فأخبره فرعون بما وعده موسى من ربّه .

فقال له هامان : و اللَّه ما يعدل هذا عبادة هؤلاء لك يوما واحدا ، و نفخ في منخره ، ثمّ قال له هامان : أنا أردّك شابّا ، فأتاه بالوسمة فخضبه بها [ 862 ] فلمّا دخل عليه موسى فرآه على تلك الحالة هاله ذلك ،

[ 860 ] في نسخة : ثقل .

[ 861 ] في المصدر : ورددتك . م

[ 862 ] في المصدر : فأتاه بالوشم فخضبه به . م

[ 291 ]

فأوحى اللَّه تعالى : لا يهولنّك ما رأيت فإنّه لم يلبث إلاّ قليلا حتى يعود إلى الحالة الأولى .

و في بعض الروايات أنّ موسى و هارون لمّا انصرفا من عند فرعون أصابهما المطر في الطريق ، فأتيا على عجوز من أقرباء أمّهما ، و وجّه فرعون الطلب في أثرهما ،

فلمّا دخل عليهما الليل ناما في دارها و جاءت الطلب إلى الباب و العجوز منتبهة ، فلمّا أحسّت بهم خافت عليهما فخرجت العصا من صير الباب و العجوز تنظر [ 863 ] فقاتلتهم حتّى قتلت منهم سبعة أنفس ، ثمّ عادت و دخلت الدار ، فلمّا انتبه موسى و هارون أخبرتهما بقصّة الطلب و نكاية العصا منهم [ 864 ] فامنت بهما و صدّقتهما . 865 توضيح : « الغيضة » موضع تنبت فيه الأشجار الكثيرة . و « ربض المدينة » بالتحريك ، ما حولها . و « الاندساس » الاختفاء . و « أشليت الكلب على الصيد » أغريته . و « الطفيشل » كسميدع نوع من المرق . و « الارفضاض » التفرّق . و « الطلب » بالتحريك ، جمع طالب . و « الصير » بالكسر ، شقّ الباب .

ثمّ قال الثعلبيّ : قالت العلماء بأخبار الأنبياء : إنّ موسى و هارون عليهما السلام وضع فرعون أمرهما و ما أتيا به من سلطان اللَّه سبحانه على السحر و قال للملأ من حوله [ 866 ] : « إن هذان لساحران يريدان » 867 إلى [ 868 ] قوله :

« فماذا تأمرون » [ 869 ] أقتلهما ؟ [ 870 ] فقال العبد الصالح خربيل [ 871 ] مؤمن آل فرعون :

[ 863 ] في المصدر : من جانب الباب و العجوز تنظر إليها . م

[ 864 ] في نسخة : و نكاية العصا فيهم .

-----------
( 865 ) العرائس : 116 . م

[ 866 ] في نسخة : قال للملأمن قومه . و في المصدر : قال للملأ حوله ، و كلّها باطل لأنّ ما في القرآن هو : « قالوا : إن هذان لساحران يريدان » يعني : قال الملأ . فالصحيح هنا هو : و قال الملأحوله .

-----------
( 867 ) طه : 63 .

[ 868 ] الظاهر هو أنّ « إلى » ههنا غلط لأنّ الآية الآتية أي « فماذا تامرون » تكون في سورة الشعراء ، و إن كانت ترتبط بالآية السابقة . فالصحيح هو أن يكون : و قوله .

-----------
( 869 ) الشعراء : 35 .

[ 870 ] في المصدر : قالوا : أقتلهما ؟ م

[ 871 ] في المصدر : حزقيل . م

[ 292 ]

« ا تقتلون رجلا أن يقول ربّي اللَّه و قد جاءكم بالبيّنات من ربّكم » 872 إلى قوله :

« فمن ينصرنا من بأس اللَّه إن جاءنا » 873 قال فرعون : « ما أريكم إلاّ ما أرى و ما أهديكم إلاّ سبيل الرّشاد » 874 . و قال الملأ من قوم فرعون : « أرجه و أخاه و ابعث في المدائن حاشرين ياتوك بكلّ سحّار عليهم » 875 و كانت لفرعون مدائن فيها السحرة عدّة للأمر إذا حربه [ 876 ] .

و قال ابن عبّاس : قال فرعون لمّا رأى من سلطان اللَّه في اليد و العصا [ 877 ] : إنّا لا نغالب موسى إلاّ بمن هو مثله . فأخذ غلمانا من بني إسرائيل فبعث بهم إلى قرية يقال لها الغرماء [ 878 ] يعلّمونهم السحر كما يعلّم الصبيان ( الكتابة خ ل ) في الكتاب ،

فعلّموهم سحرا كثيرا . و واعد فرعون موسى موعدا فبعث فرعون إلى السحرة فجاء بهم و معهم معلّمهم ، فقالوا له [ 879 ] : ماذا صنعت ؟ فقال : قد علّمتهم سحرا لا يطيقه سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمر من السماء فإنّه لا طاقة لهم به . ثمّ بعث فرعون الشرطيّ في مملكته فلم يترك في سلطانه ساحرا إلاّ أتى به [ 880 ] .

و اختلفوا في عدد السحرة [ 881 ] الذين جمعهم فرعون ، فقال مقاتل : كانوا اثنين و سبعين ساحرا ، اثنان منهم من القبط و هما رأسا القوم ، و سبعون من بني إسرائيل ، و قال الكلبيّ : كانوا سبعين ساحرا غير رئيسهم ، و كان الّذي يعلّمهم ذلك رجلين مجوسيين من أهل نينوى ، و قال كعب : كانوا اثني عشر ألفا ، و قال السدّيّ : كانوا بعضا و ثلاثين ألفا ، و قال عكرمة : سبعين ألفا ، و قال محمّد بن المنكدر : ثمانين ألفا .

-----------
( 872 ) الغافر : 28 .

-----------
( 873 ) الغافر : 29 .

-----------
( 874 ) الغافر : 29 .

-----------
( 875 ) الشعراء : 36 37 .

[ 876 ] « حزبه » أمر ، أي أصابه . و في المصدر : معدّة للأمر إذا أحزنه . م

[ 877 ] في المصدر بعد ذلك : ما رأى . م

[ 878 ] في المصدر : الغرقاء . م

[ 879 ] في المصدر : فجي‏ء بهم و معهم معلّمهم فقال له . م

[ 880 ] في المصدر : فلم يتركوا في مملكته ساحرا إلاّ أتوا به . م

[ 881 ] في المصدر : عدّة السحرة . م

[ 293 ]

فاختار منهم سبعة آلاف ليس منهم إلاّ ساحر ماهر ، ثمّ اختار منهم سبعمائة ،

ثمّ اختار من أولئك السبعمائة سبعين من كبرائهم و علمائهم ، قال مقاتل : و كان رئيس السحرة أخوين بأقصى مدائن مصر . فلمّا جاءهما رسول فرعون قالا لأمّهما :

دلّينا على قبر أبينا . فدلّتهما عليه ، فأتياه فصاحا باسمه فأجابهما ، فقالا : إنّ الملك وجّه إلينا أن نقدّم عليه لأنّه أتاه رجلان ليس معهما رجال و لا سلاح و لهما عزّ و منعة و قد ضاق الملك ذرعا [ 882 ] من عزّهما ، و معهما عصا إذا ألقياها لا يقوم لهما شي‏ء ، تبلع الحديد و الخشب و الحجر ، فأجابهما أبوهما : انظرا إذاهما ناما فإن قدرتما أن تسلاّ العصا فسلاّها ، فإنّ الساحر لا يعمل سحره و هو نائم ، و إن عملت العصا و هما نائمان فدلّك أمر ربّ العالمين ، و لا طاقة لكما بهما و لا للملك و لا لجميع أهل الدنيا ، فأتياهما في خفية و هما نائمان ليأخذا العصا فقصدتهما العصا .

قالوا : ثمّ واعدوه يوم الزينة و كان يوم سوق لهم ، عن سعيد بن جبير ، و قال ابن عبّاس : كان يوم عاشوراء ، و وافق ذلك يوم السبت في أوّل يوم من السنة و هو يوم النيروز ، و كان يوم عيد لهم يجتمع إليه الناس من الآفاق ، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : و كان اجتماعهم للميقات بالإسكندريّة ، و يقال : بلغ ذنب الحيّة من وراء البحيرة [ 883 ] يومئذ .

قالوا : ثم قال السحرة لفرعون : « أئنّ لنا لأجرا إن كنّا نحن الغالبين » 884 .

قال فرعون : « و إنّكم إذا لمن المقرّبين » 885 عندي في المنزلة .

فلمّا اجتمع الناس جاء موسى و هو متّكي‏ء على عصاه و معه أخوه هارون حتّى أتى [ 886 ] الجمع و فرعون في مجلسه مع أشراف قومه ، فقال موسى عليه السلام للسحرة حين جاءهم : « ويلكم لا تفتروا على اللَّه كذبا فيسحتكم بعذاب و قد

[ 882 ] أي ضاق صدره و ضعفت طاقته .

[ 883 ] في المصدر : بلغ ذنب الحيّة الجزيرة من وراء البحرة . م

-----------
( 884 ) الشعراء : 41 .

-----------
( 885 ) الشعراء : 42 .

[ 886 ] في المصدر : حتّى أتيا المجمع . م

[ 294 ]

خاب من افترى » 887 .

فتناجى السحرة بينهم و قال بعضهم لبعض : ما هذا بقول ساحر ، فذلك قوله تعالى : « فتنازعوا أمرهم بينهم و اسرّوا النّجوى » 888 .

فقالت السحرة : لنأتينّك اليوم بسحر لم تر مثله ، و قالوا : « بعزّة فرعون إنّا لنحن الغالبون » 889 ، و كانوا قد جاؤوا بالعصي و الحبال تحملها ستّون بعيرا [ 890 ] ،

فلمّا أبوا إلاّ الإصرار على السحر قالوا لموسى : « إمّا أن تلقي و إمّا أن نكون أوّل من القى ؟

قال : بل القوا » 891 أنتم ، فألقوا حبالهم و عصيّهم فإذا هي حيّات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا تسعى ، فذلك قوله تعالى : « يخيّل اليه من سحرهم انّها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى » 892 و قال : و اللَّه إن كانت لعصيّا في أيديهم و لقد عادت حيّات و ما يعدّون عصاي هذه ، أو كما حدّث نفسه [ 893 ] فأوحى اللَّه تعالى إليه : « لا تخف إنك أنت الأعلى و ألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنّما صنعوا كيد ساحر و لا يفلح الساحر حيث اتى » 894 ففرّج عن موسى و ألقى عصاه من يده فإذا هي ثعبان مبين ، كأعظم ما يكون أسود مدلهم [ 895 ] على أربع قوائم قصار غلاظ شداد ، و هو أعظم و أطول من البختيّ ، و له ذنب يقوم عليه فيشرف فوق حيطان المدينة رأسه و عنقه و كاهله ، لا يضرب ذنبه على شي‏ء إلاّ حطمه و قصمه ، و يكسر بقوائمه الصخور الصمّ الصلاب ، و يطحن كلّ شي‏ء ، و يضرم حيطان البيوت

-----------
( 887 ) طه : 61 .

-----------
( 888 ) طه : 62 .

-----------
( 889 ) الشعراء : 44 .

[ 890 ] قال اليعقوبي : فعملوا من جلود البقر حبالا مجوّفة و عصيّا مجوفة و يزوّقونها و يصيرون فيها الزبيق ثمّ أحموا المواضع الّتي أرادوا أن يلقوا فيها الحبال و العصى ، ثمّ جلس فرعون فألقى السحرة حبالهم و عصيّهم ، فلمّا حمى الزبيق تحرّك و مشت الحبال و العصى .

-----------
( 891 ) طه : 65 66 .

-----------
( 892 ) طه : 66 67 .

[ 893 ] في المصدر : فلمّا حدّث نفسه . م

-----------
( 894 ) طه : 68 69 .

[ 895 ] في المصدر : كأعظم ما يكون من الثعابين ، أسود مدلهم . م

[ 295 ]

بنفسه نارا ، و له عينان تلتهبان نارا ، و منخران تنفخان سموما ، و على مفرقه شعر كأمثال الرماح ، و صارت الشعبتان له فما سعته اثنا عشر ذراعا ، و فيه أنياب و أضراس ، و له فحيح و كشيش و صرير و صريف ، فاستعرضت ما ألقى السحرة من حبالهم و عصيّهم و هي حيّات [ 896 ] في عين فرعون و أعين الناس ، تسعى تلقفها و تبتلعها واحدا واحدا حتّى ما يرى بالوادي قليل و لا كثير ممّا ألقوا ، و انهزم الناس فزعين هاربين منقلبين ، فتزاحموا و تضاغطوا و وطي‏ء بعضهم بعضا حتّى مات منهم يومئذ في ذلك الزحام و مواطي‏ء الأقدام خمسة و عشرون ألفا ، و انهزم فرعون فيمن انهزم منخوبا [ 897 ] مرعوبا عازبا عقله [ 898 ] و قد استطلق بطنه في يومه ذلك عن أربعمائة جلسة [ 899 ] ثمّ بعد ذلك إلى أربعين مرّة في اليوم و الليلة على الدوام إلى أن هلك فلمّا انهزم الناس و عاين السحرة ما عاينوا و قالوا : لو كان سحرا لما غلبنا ، و لما خفي علينا أمره و لئن كان سحرا فأين حبالنا و عصينا ؟ فألقوا سجّدا و قالوا : « آمنا بربّ العالمين ربّ موسى و هارون » 900 و كان فيهم اثنان و سبعون شيخا قد انحنت ظهورهم من الكبر ، و كانوا علماء السحرة ، و كان رئيس جماعتهم أربعة نفر [ 901 ] : سابور و عادور و حطحط [ 902 ] و مصفا ، و هم الّذين آمنوا حين رأوا ما رأوا من سلطان اللَّه تعالى ، ثمّ آمنت السحرة كلّهم .

فلمّا رأى فرعون ذلك أسف و قال لهم متجلّدا : « آمنتم له قبل أن آذن لكم ؟ إنّه لكبيركم الّذي علّمكم السّحر فلاقطّعنّ أيديكم و أرجلكم من خلاف و لاصلّبنّكم في جذوع النّخل و لتعلمنّ ايّنا اشدّ عذابا و ابقى » 903 .

[ 896 ] في المصدر : و هي تخيّل . م

[ 897 ] « نخب » كان منزوع الفؤاد جبانا ، و « المنخوب » الجبان الذاهب القلب . و في المصدر : متخوفا . م

[ 898 ] في المصدر : ذاهبا عقله .

[ 899 ] في المصدر : أربعمائة مرّة . م

-----------
( 900 ) الشعراء : 47 48 و الأعراف : 121 122 .

[ 901 ] هكذا في النسخ و في تاريخ الطبريّ . و في المصدر : خمسة نفر ، و زاد « حفظ » .

[ 902 ] في المصدر : و حفظ و خطط . و في نسخة من العرائس : « غادر » بدل « عادور » .

-----------
( 903 ) طه : 71 .

[ 296 ]

فقالوا : « لن نؤثرك على ما جاءنا من البيّنات و الّذي فطرنا فاقض ما أنت قاض » 904 إلى قوله تعالى : « و اللَّه خير و ابقى » 905 .

فقطّع أيديهم و أرجلهم من خلاف و صلبهم على جذوع النخل ، و هو أوّل من فعل ذلك ، فاصبحوا سحرة كفرة و أمسوا شهداء بررة ، و رجع فرعون مغلوبا [ 906 ] معلولا ، ثمّ أبى إلاّ إقامة على الكفر و التمادي فيه ، فتابع اللَّه تعالى عليه بالآيات و أخذه و قومه بالسنين إلى أن أهلكهم . و خرج موسى عليه السلام راجعا إلى قومه و العصا على حالها حيّة تتبعه و تبصبص حوله و تلوذ به كما يلوذ الكلب الألوف بصاحبه ، و الناس ينظرون إليها ينخزلون و يتضاغطون حتّى دخل موسى عسكر بني إسرائيل و أخذ برأسها فإذا هي عصاه كما كانت أوّل مرّة ، و شتّت اللَّه على فرعون أمره ، و لم يجد على موسى سبيلا ، فاعتزل موسى في مدينته و لحق بقومه و عسكروا مجتمعين إلى أن صاروا ظاهرين ظافرين . 907 بيان : « المدلهمّ » المظلم . و « فحيح الأفعي » صوتها من فيها . و « الكشيش » صوتها من جلدها . و « المنخوب » الجبال الّذي لا فؤاد له .

ثمّ قال الثعلبيّ : فلمّا خاف فرعون على قومه أن يؤمنوا بموسى عزم على بناء صرح يقوى به سلطانه : فقال : « يا هامان ابن لي صرحا الآية » . 908 فجمع العمّال و الفعلة حتّى اجتمع له خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع و الاجراء ممّن يطبخ الآجرّ و الجصّ و ينجر الخشب و الأبواب و يضرب المسامير ، فلم يزل يبني ذلك الصرح إلى أن فرغ منه في سبع سنين و ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ خلق اللَّه السموات و الأرض ، فبعث اللَّه عزّ و جلّ جبرئيل و ضرب بجناحه الصرح فقطعه ثلاث قطع : وقعت قطعة منها في البحر ، و اخرى في الهند ، و اخرى في المغرب .

و قال الضحاك : بعثه اللَّه وقت الغروب [ 909 ] فقذف به على عسكر فرعون

-----------
( 904 ) طه : 72 .

-----------
( 905 ) طه : 73 .

[ 906 ] في المصدر : مغلوبا مهزوما مكسورا . م

-----------
( 907 ) العرائس ، ص 116 118 . م

-----------
( 908 ) الغافر : 36 .

[ 909 ] المصدر خال عن قوله : وقت الغروب . م

[ 297 ]

فقتل منهم ألف ألف رجل [ 910 ] .

و قالوا : و لم يبق أحد عمل فيه شيئا إلاّ أصابه موت أو حريق أو عاهة ، ثمّ إنّ فرعون بعد ذلك عزم على قتال موسى فأراه اللَّه الآيات . 911 فلمّا لم يؤمن أوحى اللَّه تعالى إلى موسى أن اجمع بني إسرائيل كلّ أربعة أهل أبيات في بيت ، ثمّ اذبحوا أولاد الضأن و اضربوا بدمائها على الأبواب ، فإنّي مرسل على أعدائكم عذابا و إنّي سآمر الملائكة [ 912 ] فلا يدخل بيتا على بابه دم ، و سآمرها فتقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم و أموالهم فتسلمون أنتم و يهلكون هم ، ثمّ اخبزوا خبزا فطيرا [ 913 ] فإنّه أسرع لكم ، ثمّ اسر بعبادي حتّى تنتهي بهم إلى البحر فيأتيك أمري . ففعلت ذلك بنو إسرائيل .

فقالت القبط لبني إسرائيل : لم تعالجون هذا الدم على أبوابكم ؟

فقالوا : إن اللَّه سبحانه مرسل عذابا فنسلم و تهلكون .

فقالت القبط : فما يعرفكم ربّكم إلاّ بهذه العلامات ؟

فقالوا : هكذا أمرنا نبيّنا .

فاصبحوا و قد طعن أبكار آل فرعون و ماتوا كلّهم في ليلة واحدة و كانوا سبعين ألفا ، و اشتغلوا بدفنهم و بما نالهم من الحزن على المصيبة .

و سرى موسى بقومه متوجّهين إلى البحر و هم ستمائة ألف و عشرون ألفا لا يعدّ فيهم ابن سبعين سنة لكبره و لا ابن عشرين سنة لصغره ، و هم المقاتلة سوى الذرّيّة ، و كان موسى عليه السلام على الساقة ، و هارون على المقدّمة .

فلمّا فرغت القبط من دفن أبكارهم و بلغهم خروج بني إسرائيل ، قال فرعون : هذا عمل موسى قتلوا أبكارنا من أنفسنا و أموالنا ، ثمّ خرجوا و لم يرضوا أن ساروا بأنفسهم حتّى ذهبوا بأموالنا معهم ، فنادى في قومه كما قال اللَّه سبحانه :

« فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي المَدَائِنِ حَاشِرِينَ إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَ انَّهُمْ لَنا لَغَائِطُونَ .

[ 910 ] في المصدر : ألفي ألف رجل . م

-----------
( 911 ) العرائس ، ص 119 . م

[ 912 ] في المصدر : سأرسل الملائكة . م

[ 913 ] في المصدر : ثمّ أخبزوا فطيرا . م

[ 298 ]

وَ إنَّا لَجَميعٌ حَاذِرُونَ » 914 . ثمّ تبعهم فرعون بجنوده و على مقدّمته هامان في ألف ألف و سبعمائة ألف ، كلّ رجل على حصان و على رأسه بيضة و بيده حربة .

و قال ابن جريح : أرسل فرعون في أثر موسى و قومه ألف ألف و خمسمائة ألف ملك مسوّر [ 915 ] مع كلّ ملك ألف ، ثمّ خرج فرعون خلفهم في الدهم [ 916 ] و كانوا مائة ألف رجل كلّ واحد منهم راكبا حصانا أدهم ، فكان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم ، و ذلك حين طلعت الشمس و أشرقت ، كما قال اللَّه سبحانه :

« فأتبعوهم مشرقين » 917 .

فلمّا تراءى الجمعان و رأت بنو إسرائيل غبار عسكر فرعون قالوا : يا موسى أين ما وعدتنا من النصر و الظفر ؟ هذا البحر أمامنا ، إن دخلناه غرقنا ، و فرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا ، و لقد أوذينا من قبل أن تأتينا و من بعد ما جئتنا .

فقال موسى : استعينوا [ 918 ] باللَّه و اصبروا إنّ الأرض للَّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتّقين » 919 . و قال : « عسى ربكم أن يهلك عدوّكم و يستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون ( الاعراف : 129 ) . 920 قالوا : فلمّا انتهى موسى عليه السلام إلى البحر هاجت الريح ترمي بموج كالجبال ، فقال له يوشع بن نون : يا مكلّم اللَّه [ 921 ] أين أمرت و قد غشينا فرعون و البحر أمامنا ؟

فقال موسى : ههنا .

فخاض يوشع الماء و جاز البحر ما يواري حافر دابّته الماء .

و قال خربيل [ 922 ] : يا مكلّم اللَّه أين أمرت ؟

قال : ههنا .

-----------
( 914 ) الشعراء : 53 56 .

[ 915 ] « ملك مسوّر » مسود قدير .

[ 916 ] « الدهم » العدد الكثير .

-----------
( 917 ) الشعراء : 60 .

[ 918 ] في المصدر : فقال موسى لقومه : يا قوم استعينوا . ا ه . م

-----------
( 919 ) الأعراف : 128 .

-----------
( 920 ) العرائس ، ص 123 . م

[ 921 ] في المصدر : يا كليم اللَّه . م

[ 922 ] في المصدر : « حزقيل » في المواضع .

[ 299 ]

فكبح فرسه بلجامه [ 923 ] حتّى طار الزبد من شدقيه ثمّ أقحمه البحر فرسب في الماء و ذهب القوم يصنعون مثل ذلك فلم يقدروا ، فأوحى اللَّه سبحانه إلى موسى : « أن اضرب بعصاك البحر » 924 ، فضرب فلم يطعه فأوحى اللَّه إليه أن كنّه ،

فضرب موسى بعصاه ثانيا و قال : انفلق أبا خالد [ 925 ] « فانفلق فكان كلّ فرق كالطّود العظيم » 926 . فإذا خربيل واقف على فرسه لم يبتلّ سرجه و لا لبده . و ظهر في البحر اثنا عشر طريقا لاثني عشر سبطا ، لكلّ سبط طريق ، و أرسل اللَّه الريح و الشمس على قعر البحر حتّى صار يبسا .

و عن عبد اللَّه بن سلام أنّ موسى لمّا انتهى إلى البحر قال : « يا من كان قبل كلّ شي‏ء ، و المكوّن لكلّ شي‏ء ، و الكائن بعد كلّ شي‏ء اجعل لنا مخرجا » .

و عن عبد اللَّه قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله : إنّه قال عند ذلك : « اللهمّ لك الحمد و إليك المشتكى و أنت المستعان [ 927 ] و لا حول و لا قوّة إلاّ باللَّه العليّ العظيم » .

قالوا : فخاضت بنو إسرائيل البحر كلّ سبط في طريق و عن جانبيهم الماء كالجبل الضخم لا يرى بعضهم بعضا فخافوا و قال كلّ سبط ، قد قتل إخواننا .

فأوحى اللَّه سبحانه إلى جبال الماء أن تشبّكي فصار الماء شبكات ينظر بعضهم إلى بعض ، و يسمع بعضهم كلام بعض حتّى عبروا البحر سالمين ، و لمّا خرجت ساقة عسكر موسى من البحر وصلت مقدّمة عسكر فرعون إليه ، و أراد موسى أن يعود البحر إلى حاله الأولى فأوحى اللَّه سبحانه أن : « اترك البحر رهوا إنّهم جند مغرقون » 928 .

فلمّا وصل فرعون قال لقومه : انظروا إلى البحر قد انفلق لهيبتي حتى ادرك أعدائي و عبيدي ، و لم تكن في خيل فرعون انثى فجاء جبرئيل على فرس انثى و عليه عمامة سوداء و تقدّمهم و خاض البحر و ظنّ أصحاب فرعون أنّه منهم ، فلمّا سمعت

[ 923 ] « كبح الدابّة باللجام » جذبها به لتقف و لا تجرى .

-----------
( 924 ) الشعراء : 63 .

[ 925 ] هذا كنية للبحر .

-----------
( 926 ) الشعراء : 63 .

[ 927 ] في المصدر بعد ذلك : و عليك التكلان . م

-----------
( 928 ) الدخان : 24 .

[ 300 ]

الخيول ريحها اقتحمت البحر في أثرها ، و جاء ميكائيل على فرس خلف القوم يشحذهم [ 929 ] و يقول لهم : الحقوا بأصحابكم . فلمّا أراد فرعون أن يسلك طريق البحر نهاه وزيره هامان و قال : إنّي قد أتيت هذا الموضع مرارا و مالي عهد بهذه الطرق ، و إنّي لا آمن أن يكون هذا مكرا من الرجل يكون فيه هلاكنا و هلاك أصحابنا . فلم يطعه فرعون و ذهب حاملا [ 930 ] على حصانه أن يدخل البحر ، فامتنع و نفر حتّى جاء جبرئيل على رمكة بيضاء فخاض البحر فتبعها حصان فرعون ، فلمّا توافوا في البحر و همّ أوّلهم بالخروج أمر اللَّه البحر فالتطم عليهم فغرقهم أجمعين بمرأى من بني إسرائيل .

قالوا : فلمّا سمعت بنو إسرائيل صوت التطام البحر قالوا لموسى : ما هذه الوجبة ؟ [ 931 ] فقال لهم : إنّ اللَّه سبحانه قد أهلك فرعون و كلّ من كان معه .

فقالوا : إنّ فرعون لا يموت لأنّه خلق خلق من لا يموت ، ألم تر أنّه كان يلبث كذا و كذا يوما يحتاج إلى شي‏ء ممّا يحتاج إليه الإنسان ؟ فأمر اللَّه سبحانه البحر فألقاه على نجوة من الأرض و عليه درعه حتّى نظر إليه بنو إسرائيل .

و يقال : لو لم يخرجه اللَّه تعالى ببدنه لشكّ فيه بعض الناس ، فبعث موسى جندين عظيمين من بني إسرائيل كلّ جند اثنا عشر ألفا إلى مدائن فرعون ، و هي يومئذ خالية من أهلها لم يبق منهم إلاّ النساء و الصبيان و الزمنى و المرضى و الهرمي ، و أمّر على الجند بن يوشع بن نون و كالب بن يوفنا [ 932 ] فدخلوا بلاد فرعون فغنموا ما كان فيها من أموالهم و كنوزهم ، و حملوا من ذلك ما استقلّت به الحمولة [ 933 ] عنها ، و ما لم يطيقوا حملها باعوه من قوم آخرين ، فذلك قوله تعالى : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقَامٍ كِريمِ وَ نِعْمَةٍ كَانُوا فِيها فَاكِهينَ كَذَلِكَ وَ أوْرَثْناها قَوماً آخَرِينَ 934 . ثمّ

[ 929 ] أي يسوقهم شديدا . و في المصدر : يستحثّهم .

[ 930 ] في المصدر : معاجلا . م

[ 931 ] « الوجبة » السقطة مع الهدة ، أو صوت الساقط . و في المصدر : هذه الضوضاء .

[ 932 ] تقدّم الخلاف في ضبطه .

[ 933 ] أي ما أطاقته الحمولة .

-----------
( 934 ) الدخان : 25 28 .

[ 301 ]

إن يوشع استخلف على قوم فرعون رجلا منهم و عاد إلى موسى بمن معه سالمين غانمين .

-----------
( 935 تذنيب : قال السيّد المرتضى قدّس سرّه : فإن قيل : كيف جاز لموسى أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال و العصيّ و ذلك كفر و سحر و تلبيس و تمويه ، و الأمر بمثله لا يحسن ؟

قلنا : لا بدّ من أن يكون في أمره عليه السلام بذلك شرط ، فكأنّه قال :

ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقّين ، و كان فيما تفعلونه حجّة ، و حذف الشرط لدلالة الكلام عليه و اقتضاء الحال له ، و يمكن أن يكون على سبيل التحدّي بأن يكون دعاهم إلى الإلقاء على وجه يساويه فيه ، و لا يخيّلون فيما ألقوه السعي و التصرّف من غير ان يكون له حقيقة لأن ذلك غير مساو لما ظهر على يده من انقلاب الجماد حيّة على الحقيقة دون التخييل ، و إذا كان ذلك ليس في مقدورهم فإنّما تحدّاهم به ليظهر حجّته . 936 أقول : يمكن أن يقال : الأمر بالسحر إذا كان مشتملا على بيان بطلانه و ظهور المعجزة و عدم مبالاته بما صنعوا مع أنّ القوم لا ينتهون عنه بعدم أمره بل بنهيه أيضا ليس بقبيح [ 937 ] ، فيمكن أن يكون مخصّصا لعمومات النهي عن الأمر بالسحر إن كانت و لو كان لمحض دليل العقل ، فلا يحكم في خصوص تلك الصورة بشي‏ء من القبح ، أو يقال : إنّه لم يكن المراد به الأمر حقيقة بل كان الغرض عدم خوفه و مبالاته بما سحروا به ، فيمكن إرجاعه إلى أمر التسوية ، و قيل : إنّه لم يأمر بالسحر بل بالإلقاء و هو أعمّ منه .

ثمّ قال السيّد : فإن قيل : فمن أي شي‏ء خاف موسى عليه السلام ؟

أو ليس خوفه يقتضي شكّه في صحّة ما أتى به ؟

-----------
( 935 ) العرائس ، ص 123 126 ، و فيه : غانمين شاكرين . م

-----------
( 936 ) تنزيه الأنبياء ، ص 70 71 . م

[ 937 ] بل ربما يمكن أن يقال بحسن ذلك ، إذ فيه إبطال الباطل و إرشاد الجاهل إلى بطلان عملهم و أنّ عمله ليس من سنخ عملهم و سحرهم ، بل هو من عند اللَّه ، و عمله من صنع اللَّه .

[ 302 ]

قلنا : إنّما رأى من قوّة التلبيس و التخييل ما أشفق عنده من وقوع الشبهة على من لم ينعم النظر [ 938 ] فآمنه اللَّه تعالى من ذلك ، و بيّن له أنّ حجّته ستتّضح للقوم بقوله تعالى : « لا تخف إنّك أنت الأعلى » ( طه : 68 ) . 939 أقول : قد مرّ خبر في علّة ذلك الخوف في إلقاء إبراهيم عليه السلام في النار ، [ 940 ] و قيل كان لا يلقي العصا إلاّ بوحي ، و لمّا أبطأ الوحي خاف تفرّق بعض الناس قبل أن يؤمر بالإلقاء ، و قيل : كان خوفه ابتداء على مقتضى الجبلّة البشريّة .

ثمّ قال السيّد رحمه اللَّه 941 : فإن قيل : فما معنى قوله : « ربّنا إنّك آتيت فرعون و ملاه الآية » 942 ؟

قلنا : أما قوله : « ليضلّوا عن سبيلك » 943 فيه وجوه :

أوّلها : أنّه أراد : لئلاّ يضلّوا ، فحذف . و هذا له نظائر كثيرة في القرآن و كلام العرب فمن ذلك قوله : « أن تضل إحديهما » [ 944 ] و إنّما أراد : لئلاّ تضلّ . و قوله :

« أن تقولوا يوم القيمة » 945 و قوله : « أن تميد بكم » 946 و قال الشاعر :

نزلتم منزل الأضياف منّا فعجّلنا القرى أن تشتمونا

[ 938 ] أي لم يحقّق النظر فيما صنعوا .

-----------
( 939 ) تنزيه الأنبياء ، ص 71 . م

[ 940 ] و هو خبر اسماعيل بن الفضل الهاشميّ ، سأل عن أبي عبد اللَّه عليه السلام عن موسى بن عمران لمّا رأى حبالهم و عصيّهم كيف أوجس في نفسه خيفة و لم يوجسها إبراهيم ؟

قال : إنّ ابراهيم عليه السلام حين وضع في المنجنيق كان مستندا إلى ما في صلبه من أنوار حجج اللَّه عزّ و جلّ و لم يكن موسى عليه السلام كذلك .

-----------
( 941 ) تنزيه الأنبياء ، ص 73 75 . و قد لخّصه المصنّف . م

-----------
( 942 ) يونس : 88 .

-----------
( 943 ) يونس : 88 .

[ 944 ] البقرة : 282 . و الظاهر أنّ الآية لا تحتاج إلى تقدير و المعنى هو أن تنسى إحدى المرأتين فتذكرها الأخرى .

-----------
( 945 ) الأعراف : 172 .

-----------
( 946 ) النحل : 15 و لقمان : 10 .

[ 303 ]

و ثانيها : أنّ اللاّم ههنا هي لام العاقبة و ليست بلام الغرض كقوله :

« ليكون لهم عدوّا و حزنا » 947 .

و ثالثها : أن يكون مخرج الكلام مخرج النفي و الإنكار على من زعم أنّ اللَّه تعالى فعل ذلك ليضلّهم .

و رابعها : أن يكون أراد الاستفهام فحذف حرفه المختصّ به . 948 و احذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات ( 2629 ) بسوء الأفعال ، و ذميم الأعمال . فتذكّروا في الخير و الشّرّ أحوالهم ، و احذروا أن تكونوا أمثالهم .

فإذا تفكرتم في تفاوت ( 2630 ) حاليهم ، فالزموا كلّ أمر لزمت العزّة به شأنهم ، و زاحت الأعداء له عنهم ، و مدّت ( 2631 ) العافية به عليهم ،

و انقادت النّعمة له معهم ، و وصلت الكرامة عليه حبلهم من الاجتناب للفرقة ، و اللّزوم للألفة ، و التّحاض عليها ، و التّواصي بها ، و اجتنبوا كلّ امر كسر فقرتهم ( 2632 ) ، و أوهن ( 2633 ) منّتهم ( 2634 ) ، من تضاغن القلوب ، و تشاحن الصّدور ، و تدابر النّفوس ، و تخاذل الأيدي

-----------
( 947 ) القصص : 8 .

-----------
( 948 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 13 ، كتاب النبوّة ، ص 141 .

[ 304 ]

و تدبّروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم ، كيف كانوا في حال التّمحيص ( 2635 ) و البلاء . ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء ، و أجهد العباد بلاء ، و أضيق أهل الدّنيا حالا . أتّخذتهم الفراعنة عبيدا فساموهم سوء العذاب ، و جرّعوهم المرار ( 2636 ) ، فلم تبرح الحال بهم في ذلّ الهلكة و قهر الغلبة ، لا يجدون حيلة في امتناع ، و لا سبيلا إلى دفاع . حتّى إذا رأى اللَّه سبحانه جدّ الصّبر منهم على الأذى في محبّته ، و الاحتمال للمكروه من خوفه ، جعل لهم من مضايق البلاء فرجا ، فأبدلهم العزّ مكان الذّلّ ، و الأمن مكان الخوف ،

فصاروا ملوكا حكّاما ، و أئمّة أعلاما ، و قد بلغت الكرامة من اللَّه لهم ما لم تذهب الآمال إليه بهم .

فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء ( 2637 ) مجتمعة ، و الأهواء مؤتلفة ، و القلوب معتدلة ، و الأيدي مترادفة ، و السّيوف متناصرة ،

و البصائر نافذة ، و العزائم واحدة . ألم يكونوا أربابا ( 2638 ) في أقطار الأرضين ، و ملوكا على رقاب العالمين فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم ، حين وقعت الفرقة ، و تشتّتت الألفة ، و اختلفت الكلمة و الأفئدة ، و تشعّبوا مختلفين ، و تفرّقوا متحاربين ، قد خلع اللَّه عنهم لباس كرامته ، و سلبهم غضارة نعمته ( 2639 ) و بقي قصص

[ 305 ]

أخبارهم فيكم عبرا للمعتبرين .