[ توضيحات حول المسائل المطروحة في نهاية الخطبة ]

[ 1 كيفيّة ولادة الرسول صلّى اللَّه عليه و آله و معيشته و سلوكه و آدابه ] أقول : قال عبد الحميد بن أبي الحديد : روي أن بعض أصحاب أبي جعفر محمّد بن علي الباقر عليهما السلام سأله عن قول اللَّه تعالى : « إلاّ من ارتضى

[ 311 ]

من رسول فإنّه يسلك من بين يديه و من خلفه رصدا » 949 فقال عليه السلام :

يوكّل اللَّه تعالى بأنبيآئه ملائكة يحصون أعمالهم و يؤدّون إليهم تبليغهم الرسالة ، و وكلّ بمحمّد ملكا عظيما منذ فصل عن الرضاع يرشده إلى الخيرات و مكارم الأخلاق و يصدّه عن الشرّ و مساوي الأخلاق ، و هو الّذي كان يناديه : السّلام عليك يا محمد يا رسول اللَّه ، و هو شابّ لم يبلغ درجة الرسالة بعد ، فيظنّ أن ذلك من الحجر و الأرض ،

فيتأمّل فلا يرى شيئا .

و روى الطبريّ في التاريخ عن محمّد بن الحنفيّة ، و عن أبيه عليّ عليه السلام قال : سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله يقول : ما هممت بشي‏ء ممّا كان أهل الجاهليّة يعملون به غير مرّتين ، كلّ ذلك يحول اللَّه بيني و بين ما أريد من ذلك ، ثمّ ما هممت بسوء حتّى أكرمني اللَّه برسالته ، قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكّة : لو أبصرت لي غنمي حتّى أدخل مكّة فأسمر [ 950 ] بها كما يسمر الشّباب ، فخرجت أريد ذلك حتّى إذا جئت أوّل دار من دور مكّة سمعت عزفا [ 951 ] بالدفّ و المزامير ، فقلت : ما هذا ؟ قالوا : هذا فلان تزوج ابنة فلان . فجلست أنظر إليهم ، فضرب اللَّه على أذني ، فكنت [ 952 ] فما أيقظني إلاّ مسّ الشمس ، فجئت [ 953 ] إلى صاحبى فقال : ما فعلت ؟ فقلت : ما صنعت شيئا ثمّ أخبرته الخبر ، ثمّ قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ، فقال : افعل . فخرجت فسمعت حين دخلت مكّة مثل ما سمعت حين دخلتها تلك الليلة ، فجلست أنظر فضرب اللَّه على أذني ، فما أيقظني إلاّ مسّ الشمس ، فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر ، ثمّ ما هممت بعدها بسوء حتّى أكرمني اللَّه برسالته .

و روى محمّد بن حبيب في أماليه قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله : أذكر و أنا غلام ابن سبع سنين ، و قد بنى ابن جذعان دارا له بمكّة ، فجئت مع الغلمان

-----------
( 949 ) الجنّ : 27 .

[ 950 ] « سمر » لم ينم و تحدّث ليلا .

[ 951 ] « العزف » صوت الدف و الطنبور و العود و غيرها من آلات الطرب .

[ 952 ] في المصدر : فنمت . و هو الموجود في تاريخ الطبري أيضا .

[ 953 ] في المصدر : فرجعت ، و في الطبريّ : فجئت . راجع تاريخ الطبري ، ج 2 ، ص 34 .

[ 312 ]

نأخذ التراب و المدر في حجورنا فننقله فملأت حجري ترابا ، فانكشفت عورتي ، فسمعت نداء من فوق رأسي : يا محمّد أرخ إزارك فجعلت أرفع رأسى فلا أرى شيئا إلاّ أنّي أسمع الصوت ، فتماسكت لم أرخه ، فكأنّ إنسانا ضربني على ظهري فخررت لوجهي ، و انحلّ إزاري و سقط [ 954 ] التراب إلى الأرض فقمت إلى دار أبي طالب عمّي و لم أعد .

فأمّا حديث مجاورته صلّى اللَّه عليه و آله بحرآء فمشهور ، و قد ورد في الكتب الصحاح أنّه كان يجاور في حراء من كلّ سنة شهرا ، و كان يطعم في ذلك الشهر من جاءه من المساكين ، فإذا قضى جواره من حرآء كان أوّل ما يبدأ به إذا انصرف أن يأتي باب الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء اللَّه من ذلك ، ثمّ يرجع إلى بيته حتى جاءت السنة الّتي أكرمه اللَّه تعالى فيها بالرسالة فجاور في حرآء في شهر رمضان و معه أهله خديجة و عليّ بن أبي طالب و خادم لهم ،

فجاءه جبرئيل بالرسالة ، قال صلّى اللَّه عليه و آله : جاءني و أنا نائم بنمط [ 955 ] فيه كتاب فقال : اقرأ قلت : ما أقرأ ؟ ففتّني [ 956 ] حتّى ظننت أنّه الموت ثمّ أرسلني فقال :

« اقرأ باسم ربّك الّذي خلق . . . » إلى قوله : « علم الإنسان ما لم يعلم » 957 . فقرأته ثمّ انصرف عنّي ، فهببت [ 958 ] من نومي ، و كأنّما كتب في قلبي كتاب . و ذكر تمام الحديث .

و أمّا حديث « أنّ الإسلام لم يجتمع عليه بيت واحد يومئذ إلاّ النبيّ و هو [ 959 ] عليهما السلام و خديجة » فخبر عفيف الكنديّ مشهور [ 960 ] ، و قد ذكرناه من

[ 954 ] في المصدر : و انحلّ إزارى فسترني و سقط .

[ 955 ] « النمط » ضرب من البسط ، و عاء كالسفط . و الظاهر أنّ المراد هنا الثاني .

[ 956 ] في المصدر : « فغتني » بالغين ، أي خنقني .

-----------
( 957 ) العلق : 1 5 .

[ 958 ] أي فاستيقظت . و في المصدر : فانتبهت .

[ 959 ] أي عليّ عليه السلام .

[ 960 ] هذا الحديث مشهور بين العامّة و الخاصّة ، بل متواتر و عليه أصحابنا الإماميّة من سالف الزمان إلى الآن . و تقدّم ذلك و يأتي في أحاديث كثيرة في محلّه .

[ 313 ]

قبل ، و أنّ أبا طالب قال له : أتدري من هذا ؟ قال : لا . قال : هذا محمّد [ 961 ] بن عبد اللَّه بن عبد المطّلب ، و هذا ابني علي بن أبي طالب ، و هذه المرأة خلفهما خديجة بنت خويلد زوجة محمّد ابن أخي ، و أيم اللَّه ما أعلم على الأرض كلّها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة . 962 .

و قال أيضا : روى محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة النبوية ، و رواه أيضا محمّد ابن جرير الطبريّ في تاريخه قال : كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعديّة امّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله الّتي أرضعته تحدّث أنّها خرجت من بلدها و معها زوجها و ابن لها ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر يلتمس الرضعاء بمكّة في سنة شهبآء لم تبق شيئا ، قالت : فخرجت على أتان لنا قمرآء عجفآء ، و معنا شارف لنا ما تبضّ [ 963 ] بقطرة ، و لا ننام ليلنا أجمع من بكاء صبيّنا الّذي معنا من الجوع ، ما في ثديي ما يغنيه ، و لا في شارفنا [ 964 ] ما يغذيه ، و لكنّا نرجوا الغيث و الفرج . فخرجت على أتاني تلك و لقد راثت بالركب ضعفا و عجفا حتّى شقّ ذلك عليهم حتّى قدمنا مكّة نلتمس الرضعاء [ 965 ] ، فما منّا امرأة إلاّ و قد عرض عليها محمّد فتأباه إذا قيل لها : إنّه يتيم ، و ذلك أنّا إنّما كنّا نرجوا المعروف من أبي الصبيّ ، فكنّا نقول : يتيم ، ما عسى أن تصنع امّه وجدّه ، فكنا نكرهه لذلك ، فما بقيت امرأة ذهبت معي إلاّ أخذت رضيعا غيري . فلمّا اجتمعنا للانطلاق قلت لصاحبي : و اللَّه إنّى لأكره أن أرجع من بين صواحبي لم آخذ رضيعا ، و اللَّه لأذهبنّ إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه ، قال : لا عليك أن تفعلي ، و عسى اللَّه أن يجعل لنا فيه بركة ، فذهبت إليه فأخذته و ما يحملني على أخذه إلاّ أنّي لم أجد غيره .

قالت : فلمّا أخذته رجعت إلى رحلي فلمّا وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي

[ 961 ] في المصدر : هذا ابن أخي محمّد .

-----------
( 962 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 13 ، ص 198 200 ، ط بيروت .

[ 963 ] قال الجزريّ : « ما تبضّ ببلال » أي ما يقطر منها بلبن ، يقال : « بضّ الماء » إذا قطر و سال .

[ 964 ] « الشارف » المسنّة من النوق .

[ 965 ] في المصدر : الرضاع .

[ 314 ]

بما شآء من لبن ، فرضع حتّى روى ، و شرب معه أخوه حتى روى ، و ما كنّا ننام قبل ذلك من بكاء صبيّنا جوعا ، فنام و قام زوجي الى شارفنا تلك فنظر إليها فإذا أنّها حافل فحلب منها ما شرب و شربت حتّى انتهينا ريّا و شبعا ، فبتنا بخير ليلة .

قالت : يقول صاحبي حين أصبحنا : تعلمين ؟ [ 966 ] و اللَّه يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة .

فقلت : و اللَّه إنّي لأرجو ذلك .

ثمّ خرجنا و ركبت أتاني تلك و حملته معي عليها ، فو اللَّه لقطعت بالركب ما يقدر عليها شي‏ء من حميرهم حتّى أن صواحبي ليقلن لي : و يحك يا بنت أبي ذؤيب اربعي [ 967 ] علينا ، أليس هذه أتانك الّتي كنت خرجت عليها ؟

فأقول لهنّ : بلى و اللَّه إنّها لهي .

فيقلن : و اللَّه إنّ لها لشأنا .

قالت : ثمّ قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد و ما أعلم أرضا من أرض العرب أجدب منها ، فكانت غنمي تروح عليّ حين قدمنا به معنا شباعا ملاء لبنا [ 968 ] ، فكنّا نحتلب و نشرب و ما يحلب إنسان قطرة لبن ، و لا يجدها في ضرع حتّى أنّ الحاضر من قومنا ليقولون لرعاتهم : ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي ابنة أبي ذؤيب ، فيفعلون فيروح أغنامهم جياعا ما تبضّ بقطرة ، و تروح غنمي شباعا لبّنا ، فلم نزل نعرف من اللَّه الزيادة و الخير به حتّى مضت سنتاه و فصلته [ 969 ] ، فكان يشبّ شبابا لا يشبه الغلمان حتّى كان غلاما جفرا فقدمنا به على امّه آمنة بنت وهب و نحن أحرص شي‏ء على مكثه فينا لما كنّا نرى من بركته . فكلّمنا أمّه و قلنا لها : لو تركتيه [ 970 ] عندنا حتّى يغلظ فإنّا نخشى عليه و باء مكّة . فلم نزل بها حتّى ردّته معنا فرجعنا به إلى بلاد

[ 966 ] في المصدر : أتعلمين ؟

[ 967 ] أي أقيمي و انتظري ، و يقال : « ربع فلان على فلان » إذا أقام و انتظره .

[ 968 ] في السيرة : شباعا لبنا . قلت : اي غزيرات اللبن .

[ 969 ] « فصل الصبيّ عن الرضاع » فطمه .

[ 970 ] في المصدر : لو تركته . و في السيرة و تاريخ الطبري : لو تركت بنيّ عندي .

[ 315 ]

بني سعد ، فو اللَّه إنّه لبعد ما قدمنا بأشهر مع أخيه في بهم لنا خلف بيوتنا إذا أتانا أخوه يشدّ [ 971 ] فقال لي و لأبيه : ها هو ذاك أخي القرشيّ قد جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه و شقّا بطنه فهما يسوطانه .

قالت : فخرجت أنا و أبوه نشتدّ نحوه فوجدناه قائما منتقعا وجهه ، فالتزمته و التزمه أبوه و قلنا : مالك يا بني ؟ قال : جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني ،

ثمّ شقّا بطني ، فالتمسا فيه شيئا لا أدرى ما هو .

قالت : فرجعنا به إلى خبائنا ، و قال لي أبوه : يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب [ 972 ] فألحقيه بأهله [ 973 ] .

قالت : فاحتملته حتّى قدمت به على امّه ، فقالت : ما أقدمك به يا ظئر [ 974 ] و قد كنت حريصة عليه و على مكثه عندك ؟

فقلت لها : قد بلغ اللَّه بابني و قضيت الّذي عليّ ، و تخوّفت عليه الأحداث ،

و أدّيته إليك كما تحبين .

قالت : ما هذا شأنك فاصدقيني خبرك .

قالت : فلم تدعني حتّى أخبرتها الخبر .

قالت : أفتخوّفت عليه الشيطان ؟

قلت : نعم .

قالت : كلاّ و اللَّه ما للشيطان عليه من سبيل و إنّ لابنى لشأنا ، أفلا أخبرك خبره ؟

قلت : بلى .

قالت : رأيته [ 975 ] حين حملت به أنّه خرج منّي نور أضاءت له قصور بصرى

[ 971 ] يشتدّ ( خ ل ) . و هو الموجود في السيرة و التاريخ .

[ 972 ] أي أصابه الجنّ ، أو طرف من الجنون .

[ 973 ] في السيرة و تاريخ الطبري : فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به .

[ 974 ] « الظئر » المرأة المرضعة .

[ 975 ] في المصدر و السيرة و التاريخ : رأيت .

[ 316 ]

من الشام ، ثمّ حملت به ، فو اللَّه ما رأيت حملا قطّ كان أخفّ و لا أيسر منه ، ثمّ وقع حين ولدته و إنّه واضع يديه بالأرض ، و رافع رأسه إلى السماء ، دعيه عنك ، و انطلقي راشدة . 976 و روى الطبريّ في تاريخه عن شدّاد بن أوس ، قال : سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله يحدّث عن نفسه و يذكر ما جرى له و هو طفل في أرض بني سعد بن بكر ، قال : لمّا ولدت استرضعت في بني سعد ، فبينا أنا ذات يوم منتبذا من أهلي في بطن و ادمع أتراب [ 977 ] لي من الصبيان نتقاذف بالجلّة إذا أتاني رهط ثلاثة ، معهم طست من ذهب مملوة ثلجا ، فأخذوني من بين أصحابي ، فخرج أصحابي هرابا حتّى انتهوا إلى شفير [ 978 ] الوادي ، ثمّ عادوا إلى الرهط فقالوا : ما رابكم إلى هذا الغلام فإنّه ليس منّا ، هذا ابن سيّد قريش و هو مسترضع فينا غلام يتيم ليس له أب ،

فماذا يردّ عليكم قتله ؟ و ماذا تصيبون من ذلك ؟ و لكن إن كنتم لا بدّ قاتليه فاختاروا منّا أيّنا شئتم فاقتلوه مكانه و دعوا هذا الغلام ، فإنّه يتيم .

فلمّا رأى الصبيان أنّ القوم لا يحيرون لهم جوابا [ 979 ] انطلقوا هرابا مسرعين إلى الحيّ يؤذنوهم و يستصرخونهم على القوم ، فعمد أحدهم فأضجعني إضجاعا لطيفا ، ثمّ شقّ ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي و أنا أنظر إليه فلم أجد لذلك مسّا [ 980 ] ، ثمّ أخرج أحشاء بطني فغسلها بذلك الثلج ، فأنعم غسلها [ 981 ] ثمّ أعادها مكانها ، ثمّ قام الثاني منهم فقال لصاحبه : تنحّ فنحّاه عنّي ، ثمّ أدخل يده في جوفي و أخرج قلبي و أنا أنظر إليه فصدعه ، ثمّ أخرج منه مضغة سوداء فرماها ، ثمّ قال بيده : يمنة منه ، و 99760 شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 13 ، ص 201 204 ، ط بيروت ، و السيرة لابن هشام ، ج 1 ، ص 173 177 ، و تاريخ الطبريّ ، ج 1 ، ص 573 579 .

[ 977 ] « أتراب » أصدقاء ، أو من ولد معه .

[ 978 ] « شفير الوادي » ناحيته من أعلاه .

[ 979 ] « أحار الجواب » ردّه .

[ 980 ] في المصدر : و لم أجد لذلك حسّا .

[ 981 ] أي بالغ في ذلك و أجاد .

[ 317 ]

كأنّه يتناول شيئا فإذا في يده خاتم من نور تحار أبصار الناظرين دونه ، فختم به قلبي ،

ثمّ أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرا ، ثمّ قال الثالث لصاحبه : تنحّ عنه فأمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي ، فالتام ذلك الشقّ ، ثمّ أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا لطيفا و قال للأوّل الّذي شقّ بطني : زنه بعشرة من أمّته .

فوزنني بهم فرجحتهم . فقال : دعوه فلو و زنتموه بأمّته كلّها لرجحهم . ثمّ ضمّوني إلى صدورهم و قبّلوا رأسي و ما بين عينيّ ، و قالوا : يا حبيب [ 982 ] لا ترع إنّك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرّت عيناك . فبينا أنا كذلك إذا أنا بالحيّ قد جاؤوا بحذافيرهم ،

و اذا امّي و هي ظئري أمام الحيّ تهتف بأعلى صوتها و تقول : يا ضعيفاه فانكبّ عليّ أولئك الرهط فقبّلوا رأسي و بين عيني و قالوا : حبّذا أنت من ضعيف . ثم قالت ظئري : يا وحيداه فانكبّوا علي و ضمّوني إلى صدورهم و قبّلوا رأسي و بين عينيّ ،

ثمّ قالوا : حبّذا أنت من وحيد ، و ما أنت بوحيد ، إنّ اللَّه و ملائكته معك و المؤمنين من أهل الأرض . ثمّ قالت ظئري : يا يتيماه استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك . فانكبّوا عليّ و ضمّوني إلى صدورهم و قبّلوا رأسي و ما بين عينيّ و قالوا :

حبّذا أنت من يتيم ، ما أكرمك على اللَّه ، لو تعلم ما يراد بك من الخير .

قال : فوصل الحيّ إلى شفير الوادي فلمّا بصرت بي أمّي و هي ظئري قالت :

يا بني لا أراك حيّا بعد [ 983 ] ، فجاءت حتّى انكبّت عليّ و ضمّتني إلى صدرها ،

فو الّذي نفسي بيده إنّي لفي حجرها قد ضمّتني إليها و إنّ يدي لفي يد بعضهم ، فجعلت ألتفت إليهم و ظننت أنّ القوم يبصرونهم ، فإذاهم لا يبصرونهم ، فيقول بعض القوم : إنّ هذا الغلام قد أصابه لم أوطائف من الجنّ ، فانطلقوا به إلى كاهن بني فلان حتّى ينظر إليه و يداويه .

فقلت : ما بي شي‏ء ممّا يذكر ، إنّ نفسي سليمة [ 984 ] و إنّ فؤادي صحيح

[ 982 ] في المصدر : يا حبيب اللَّه .

[ 983 ] في المصدر و تاريخ الطبريّ : ألا أراك حيا بعد ؟

[ 984 ] في تاريخ الطبريّ : إنّ آرائي صحيحة .

[ 318 ]

ليست بي قلبة .

فقال أبى و هو زوج ظئري : ألا ترون كلامه صحيحا ؟ إنّى لأرجو أن لا يكون على ابني بأس .

فاتّفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن ، فاحتملوني حتّى ذهبوا بي إليه فقصّوا عليه قصّتي ، فقال : اسكتوا حتّى أسمع من الغلام فهو أعلم بأمره منكم .

فسألني فقصصت عليه أمري و أنا يومئذ ابن خمس سنين ، فلمّا سمع قولي وثب و قال : يا للعرب اقتلوا هذا الغلام ، فهو و اللات و العزّى لئن عاش ليبدلنّ دينكم ، و ليخالفنّ أمركم ، و ليأتينّكم بما لم تسمعوا به قطّ .

فانتزعتني ظئري من حجره و قالت : لو علمت [ 985 ] أنّ هذا يكون من قولك ما أتيتك به [ 986 ] ثمّ احتملوني . فأصبحت و قد صار في جسدي أثر الشقّ ما بين صدري إلى منتهى عانتي كأنّه الشراك . 987 بيان : أقول رواه الكازرونيّ في المنتقى بأسانيد [ 988 ] و لنشرح بعض ألفاظها :

« الرضعاء » جمع « رضيع » . و قال الجزريّ : في حديث حليمة : « في سنة شهباء » أي ذات قحط و جدب ، و قال : « القمراء » الشديدة البياض . قولها « راثت » من « الريث » ، بمعنى الإبطاء ، و في أكثر رواياتهم : « و لقد أذمّت » قال الجزريّ : و منه

[ 985 ] في تاريخ الطبريّ : فاقتصصت عليه أمري ما بين أوّله و آخره ، فلمّا سمع وثب إليّ و ضمّني إلى صدره ، ثمّ نادى بأعلى صوته : يا للعرب يا للعرب اقتلوا هذا الغلام و اقتلوني معه ، فو اللات و العزّى لئن تركتموه و أدرك ، ليبدّلنّ دينكم و ليسفّهنّ عقولكم و عقول آبائكم و ليخالفنّ أمركم و ليأتينّكم بدين لم تسمعوا بمثله قطّ .

فعمدت ظئري فانتزعتني من حجره و قالت : لأنت أعته و أجنّ من ابني هذا ، فلو علمت .

[ 986 ] في تاريخ الطبريّ بعد ذلك : فاطلب لنفسك من يقتلك ، فأنا غير قاتلي هذا الغلام ، ثمّ احتملوني فأدّوني إلى أهلى ،

فأصبحت مفزعا ممّا فعل بي و أصبح أثر الشقّ . ا ه

-----------
( 987 شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 13 ، ص 204 207 ، ط بيروت ، و تاريخ الطبريّ ، ج 1 ، ص 575 577 .

[ 988 ] المنتفى في مولود المصطفى ، الباب الثّاني و الثالث من القسم الثاني . قلت : ذكرت سابقا أنّ حديث شقّ الصدر ممّا رواه

[ 319 ]

حديث حليمة « فلقد أذمّت بالركب » أي حبستهم لانقطاع سيرها ، كأنّها حملت الناس على ذمّها . انتهى . و « العجف » الهزال . « حتّى انتهينا ريّا » أي بلغنا غايته .

« لقطعت بالركب » أي من سرعة سيرها و شدّة تقدّمها انقطع الركب عنها . و « اربعي » أي ارفقي بنا و انتظري بنا . و « اللبن » بمعنى اللّبون .

و قال الجزريّ : في حديث حليمة : « كان يشبّ في اليوم شباب الصبّي في الشهر فبلغ ستّا و هو جفر » ، « استجفر الصبيّ » إذا قوى على الأكل ، و أصله في أولاد المعز إذا بلغ أربعة أشهر و فصل عن أمّه و أخذ في الرعي ، قيل له : « جفر » و الأنثى « جفرة » . انتهى .

و « البهم » جمع « بهمة » و هي أولاد الضأن . و « السوط » خلط الشي‏ء بعضه ببعض ، و « المسواط » ما يساط به القدر ليختلط بعضه ببعض . قوله « منتقعا » أي متغيّرا . و « الجلّة » بالفتح ، البعر . قوله « مارابكم » [ 989 ] أي ما شكّكم ، و معناه ها هنا : ما دعاكم إلى أخذ هذا . قوله « ماذا يردّ عليكم » أي ما ينفعكم ذلك . قوله « فأنعم غسلها » أي بالغ فيه . قوله « ثمّ قال بيده يمنة » أي أشار بيده ، أو مدّها إلى جانب يمينه . و « القلبة » الداء . 990 [ 2 كيفيّة عبادة النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قبل البعثة ] تذنيب : اعلم أنّ علماء الخاصّة و العامّة اختلفوا في أن النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله هل كان قبل بعثته متعبّدا بشريعة أم لا ؟

العامّة ، و الإماميّة لا يقول به ، و هذا أيضا كما ترى من مرويّاتهم .

[ 989 ] في المصدر و تاريخ الطبري : ما إربكم .

-----------
( 990 ) بحار الأنوار : الطبعة الجديدة ، ج 15 ، كتاب تاريخ نبيّنا صلّى اللَّه عليه و آله ، ص 361 369 .

[ 320 ]

قال العلاّمة قدّس اللَّه روحه في شرحه على مختصر ابن الحاجب : اختلف الناس في أنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله هل كان متعبّدا بشرع أحد من الأنبياء قبله قبل النبوّة أم لا ؟

فذهب جماعة إلى أنّه كان متعبّدا و نفاه آخرون كأبي الحسين البصري و غيره و توقّف الغزاليّ و القاضي عبد الجبّار ، و المثبتون اختلفوا فذهب بعضهم إلى أنّه كان متعبّدا بشرع نوح عليه السلام و آخرون قالوا بشرع ابراهيم عليه السلام و آخرون بشرع موسى عليه السلام و آخرون بشرع عيسى عليه السلام و آخرون قالوا : بما ثبت أنّه شرع .

و استدلّ المصنّف على أنّه كان متعبّدا بشرع من قبله بما نقل نقلا يقارب التواتر أنّه كان يصلّي و يحجّ و يعتمر و يطوف بالبيت و يتجنّب الميتة و يذكّي و يأكل اللحم و يركب الحمار و هذه أمور لا يدركها العقل فلا مصير إليها إلاّ من الشرع ،

و استدلّ آخرون على هذا المذهب أيضا بأنّ عيسى عليه السلام كان مبعوثا إلى جميع المكلّفين ، و النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله كان من المكلّفين ، فيكون عيسى عليه السلام مبعوثا إليه .

و الجواب : لا نسلّم عموم دعوة من تقدّمه .

و احتجّ المخالف بأنّه لو كان متعبّدا بشرع من قبله لكان مخالطا لأهل تلك الشريعة قضاء للعادة الجارية بذلك أو لزمته المخالطة لأرباب تلك الشريعة بحيث يستفيد منهم الأحكام ، و لمّا كان التالي باطلا إجماعا فكذا المقدّم .

و الجواب : لا نسلّم وجوب المخالطة لأنّ الشرع المنقول إليه عمّن تقدّمه إن كان متواترا فلا يحتاج إلى المخالطة و المناظرة ، و إن كان آحادا فهو غير مقبول خصوصا مع اعتقاده بأنّ أهل زمانه صلّى اللَّه عليه و آله كانوا في غاية الإلحاد .

[ 321 ]

سلّمنا أنّه كان يلزم المخالطة ، لكن المخالطة قد لا تحصل لموانع تمنع منها ،

فيحتمل [ 991 ] ترك المخالطة لمن يقاربه من أرباب الشرائع المتقدّمة على تلك الموانع ،

جمعا بين الأدلة . انتهى .

و قال المرتضى رضي اللَّه عنه في كتاب الذريعة : هل كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله متعبّدا بشرائع من تقدّمه من الأنبياء عليهم السلام ؟

في هذا الباب مسألتان : إحداهما قبل النبوّة ، و الأخرى بعدها . و في المسألة الأولى ثلاثة مذاهب :

أحدها أنّه صلّى اللَّه عليه و آله ما كان متعبّدا قطعا ، و الآخر أنّه كان متعبّدا قطعا ، و الثالث التوقّف و هذا هو الصحيح ، و الّذي يدلّ عليه أنّ العبادة بالشرائع تابعة لما يعلمه اللَّه تعالى من المصلحة بها في التكليف العقليّ ، و لا يمتنع أن يعلم اللَّه تعالى أن لا مصلحة للنبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قبل نبوّته في العبادة بشي‏ء من الشرائع ، كما أنّه غير ممتنع أن يعلم أنّ له صلّى اللَّه عليه و آله في ذلك مصلحة . و إذا كان كلّ واحد من الأمرين جائزا و لا دلالة توجب القطع على أحدهما ، وجب التوقّف .

و ليس لمن قطع على أنّه ما كان متعبّدا ان يتعلّق بأنه لو كان تعبّد [ 992 ] صلّى اللَّه عليه و آله بشي‏ء من الشرائع لكان فيه متّبعا لصاحب تلك الشريعة و مقتديا به ، و ذلك لا يجوز لأنّه أفضل الخلق و اتّباع الأفضل للمفضول قبيح ، و ذلك أنّه غير ممتنع أن يوجب اللَّه تعالى عليه صلّى اللَّه عليه و آله بعض ما قامت عليه الحجّة به من بعض الشرائع المتقدّمة لا على وجه الاقتداء بغيره فيها و لا الاتّباع . و ليس لمن قطع على أنّه صلّى اللَّه عليه و آله كان متعبّدا أن يتعلّق بأنّه صلّى اللَّه عليه و آله كان يطوف بالبيت و يحجّ و يعتمر و يذكّي و يأكل المذكّى و يركب البهائم و يحمل عليها ، و ذلك أنّه لم يثبت عنه صلّى اللَّه عليه و آله أنّه قبل النبوّة حجّ

[ 991 ] فيحمل ( خ ل ) .

[ 992 ] لعلّ الصحيح : لو كان تعبّد .

[ 322 ]

أو اعتمر ، و لو ثبت لقطع به على أنّه كان متعبّدا ، و بالتظنّي لا يثبت مثل ذلك ، و لم يثبت أيضا أنّه صلى اللَّه عليه و آله تولّى التذكيه بيده . و قد قيل أيضا إنّه لو ثبت أنّه ذكّي بيده لجاز أن يكون من شرع غيره في ذلك الوقت أن يستعين بغيره في الذكاة ، فذكّى على سبيل المعونة لغيره . و أكل لحم المذكى لا شبهة في أنّه غير موقوف على الشرع ، لأنّه بعد الذكاة قدر صار مثل كلّ مباح من المأكل و ركوب البهائم و الحمل عليها يحسن عقلا إذا وقع التكفّل بما يحتاج إليه من علف و غيره ، و لم يثبت أنّه صلّى اللَّه عليه و آله فعل من ذلك ما لا يستباح بالعقل فعله ، و ليس علمه صلّى اللَّه عليه و آله بأنّ غيره نبيّ بالدليل يقتضي كونه متعبّدا بشريعته ، بل لا بدّ من أمر زائد على هذا العلم .

فأمّا المسألة الثانية : فالصحيح أنّه صلّى اللَّه عليه و آله ما كان متعبّدا بشريعة نبيّ تقدّم ، و سندلّ عليه بعون اللَّه ، و ذهب كثير من الفقهاء إلى أنّه كان متعبّدا . و لا بدّ قبل الكلام في هذه المسألة من بيان جواز أن يتعبّد اللَّه تعالى نبيّا بمثل شريعة النبيّ الأوّل ، لأنّ ذلك إذا لم يجز سقط الكلام في هذا الوجه من المسألة .

و قد قيل : إنّ ذلك يجوز على شرطين : إمّا بأن تندرس الأولى فيجدّدها الثاني ، أو بأن يزيد فيها ما لم يكن منها ، و يمنعون من جواز ذلك على غير أحد هذين الشرطين و يدّعون أنّ بعثته على خلاف ما شرطوه تكون عبثا ، و لا يجب النظر في معجزته و لا بدّ من وجوب النظر في المعجزات .

و ليس الأمر على ما قالوه ، لأنّ بعثة النبيّ الثاني لا تكون عبثا ، إذا علم اللَّه تعالى أنّه يؤمن عندها و ينتفع من لم ينتفع بالأوّل ، و لو لم يكن الأمر أيضا كذلك كانت البعثة الثانية على سبيل ترادف الأدلّة الدالّة على أمر واحد ، و لا يقول أحد : إنّ نصب الأدلّة على هذا الوجه يكون عبثا .

فأمّا الوجه الثاني ، فإنّا لا نسلّم لهم أنّ النظر في معجز كلّ نبيّ يبعث لا بدّ من أن يكون واجبا ، لأنّ ذلك يختلف ، فإن خاف المكلّف من ضرر إن هو لم ينظر

[ 323 ]

وجب النظر عليه ، و إن لم يخف لم يكن واجبا . و قد استقصينا هذا الكلام و فرغناه في كتاب الذخيرة .

و الّذي يحقّق هذه المسألة أنّ تعبّده صلّى اللَّه عليه و آله بشرع من تقدّمه لا بدّ فيه من معرفة أمرين : أحدهما نفس الشرع و الآخر كونه متعبّدا به ، و ليس يخلو من أن يكون علم صلّى اللَّه عليه و آله كلا الأمرين بالوحي النازل عليه و الكتاب المسلّم إليه ، أو يكون علم الامرين من جهة النبيّ المتقدّم ، أو يكون علم أحدهما من هذا الوجه و الآخر من غير ذلك الوجه .

و الوجه الأوّل يوجب أن لا يكون متعبّدا بشرائعهم إذا فرضنا أنّه بالوحي إليه علم الشرع و التعبّد معا ، و أكثر ما في ذلك أن يكون تعبّد بمثل شرائعهم ، و إنما يضاف الشرع إلى الرسول إذا حمله و لزمه أداءه ، و يقال في غيره ، إنّه متعبّد بشرعه متى دعاه إلى اتّباعه و ألزمه الانقياد له ، فيكون مبعوثا إليه ، و إذا فرضنا أنّ القرآن و الوحي وردا ببيان الشرع و إيجاب الاتّباع فذلك شرعه صلّى اللَّه عليه و آله لا يجب إضافته إلى غيره .

و أمّا الوجه الثاني فهو و إن كان خارجا من أقوال الفقهاء المخالفين لنا في هذه المسألة فاسد من جهة أنّ نقل اليهود و من جرى مجراهم من الأمم الماضية قد بيّن في مواضع أنّه ليس بحجة لانقراضهم و عدم العلم باستواء أوّلهم و آخرهم ، و أيضا فإنّه صلّى اللَّه عليه و آله مع فضله على الخلق لا يجوز أن يكون متّبعا لغيره من الأنبياء المتقدّمين عليهم السلام ، ثمّ هذا القول يقتضي أن لا يكون صلّى اللَّه عليه و آله بأن يكون من أمّة ذلك النبيّ بأولى منّا ، و لا بأن تكون متعبّدين بشرعه بأولى من أن يكون متعبّدا بشرعنا ، لأنّ حاله كحالنا في أنّنا من أمّة ذلك النبيّ .

و بهذه الوجوه الّتي ذكرناها نبطل القسمين الّذين فرغناهما ، و ممّا يدلّ على حجّة ما ذكرناه و فساد قول مخالفينا أنّه قد ثبت عنه صلّى اللَّه عليه و آله توقّفه في أحكام معلوم أنّ بيانها في التوراة و انتظاره فيها نزول الوحي ، و لو كان متعبّدا بشريعة موسى عليه السلام لما جرى ذلك ، و أيضا فلو كان الأمر على ما قالوه لكان يجب أن

[ 324 ]

يجعل صلّى اللَّه عليه و آله كتب من تقدّمه في الأحكام بمنزلة الأدلّة الشرعيّة ، و معلوم خلافه ، و أيضا فقد نبّه صلّى اللَّه عليه و آله في خبر معاذ على الأدلّة فلم يذكر في جملتها التوراة و الإنجيل ، و أيضا فإنّ كلّ شريعته مضافة إليه بالإجماع و لو كان متعبّدا بشرع غيره لما جاز ذلك ، و أيضا فلا خلاف بين الأمّة في أنّه صلّى اللَّه عليه و آله لم يؤدّ إلينا من أصول الشرائع إلاّ ما أوحي إليه و حمله ، و أيضا فإنّه لا خلاف في أنّ شريعته صلّى اللَّه عليه و آله ناسخة لكلّ الشرائع المتقدمة من غير استثناء ، فلو كان الأمر كما قالوه لما صحّ هذا الإطلاق ، و أيضا فإنّ شرائع من تقدّيم مختلفة متضادّة فلا يصحّ كونه متعبّدا بكلها فلا بدّ من تخصيص و دليل يقتضيه ، فإن ادّعوا أنّه متعبّد بشريعة عيسى عليه السلام بأنّها ناسخة لشريعة من تقدّم فذلك منهم ينقض تعلّقهم بتعرّفه صلّى اللَّه عليه و آله من اليهود في التوراة ، فأمّا رجوعه في رجم المحصن إليها فلم يكن لأنّه كان متعبّدا بذلك ، لأنّه لو كان الرجوع لهذه العلّة لرجع صلّى اللَّه عليه و آله في غير هذا الحكم إليها ، و إنّما رجع لأمر آخر ، و قد قيل :

إنّ سبب الرجوع أنّه صلّى اللَّه عليه و آله كان خبّر بأنّ حكمه في الرجم يوافق ما في التوراة فرجع إليها تصديقا لخبره و تحقيقا لقوله صلّى اللَّه عليه و آله . انتهى .

و قال المحقّق أبو القاسم الحلّيّ طيّب اللَّه رمسه في أصوله : شريعة من قبلنا هل هي حجّة في شرعنا ؟

قال قوم : نعم ما لم يثبت نسخ ذلك الحكم بعينه . و أنكر الباقون ذلك و هو الحقّ . لنا وجوه :

الأوّل : قوله تعالى : « و ما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى » 993 .

الثاني : لو كان متعبّدا بشرع غيره لكان ذلك الغير أفضل ، لأنّه يكون تابعا لصاحب ذلك الشرع ، و ذلك باطل بالاتّفاق .

الثالث : لو كان متعبّدا بشرع غيره لوجب عليه البحث عن ذلك الشرع ، لكن ذلك باطل ، لأنّه لو وجب لفعله ، و لو فعله لاشتهر ، و لوجب على الصحابة و التابعين

-----------
( 993 ) النجم : 3 4 .

[ 325 ]

بعده و المسلمين إلى يومنا هذا متابعته صلّى اللَّه عليه و آله على الخوض فيه ، و نحن نعلم من الدين خلاف ذلك .

الرابع : لو كان متعبّدا بشرع من قبله لكان طريقه إلى ذلك إمّا الوحي أو النقل ، و يلزم من الأوّل أن يكون شرعا له لا شرعا لغيره ، و من الثاني التعويل على نقل اليهود و هو باطل ، لأنّه ليس بمتواتر لما تطرّق إليه من القدح المانع من إفادة اليقين ، و نقل الآحاد منهم لا يوجب العمل لعدم الثقة .

و احتجّ الآخرون بقوله تعالى : « فبهديهم اقتده » 994 و بقوله : « ثمّ أوحينا إليك أن اتّبع ملّة إبراهيم حنيفا » 995 و بقوله : « شرع لكم من الدّين ما وصّى به نوحا » 996 و بقوله : « إنّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح و النّبيّين » 997 و بقوله : « إنّا أنزلنا التّورية فيها هدى و نور يحكم بها النّبيون » 998 و بأنّه صلّى اللَّه عليه و آله رجع في معرفة الرجم في الزنا إلى التورية .

أجاب الأوّلون عن الآية الأولى بأنّها تتضمّن الأمر بالاهتداء بهديهم كلّهم ،

فلا يكون ذلك إشارة إلى شرعهم ، لأنّه مختلف ، فيجب صرفه إلى ما اتّفقوا عليه و هو دلائل العقائد العقليّة دون الفروع الشرعية .

و عن الثاني بأنّ ملّة إبراهيم عليه السلام المراد بها العقليّات دون الشرعيّات [ 999 ] يدلّ على ذلك قوله [ تعالى ] : « و من يرغب عن ملّة إبراهيم إلاّ من سفه نفسه » 1000 ، فلو أراد الشرعيّات لما جاز نسخ شي‏ء منها ، و

-----------
( 994 ) الأنعام : 90 .

-----------
( 995 ) النحل : 123 .

-----------
( 996 ) الشورى : 13 .

-----------
( 997 ) النساء : 163 .

-----------
( 998 ) المائدة : 44 .

[ 999 ] و ربما يقال : إنّ هذا التوجيه لا ينطبق على مثل قوله تعالى : « و ما جعل عليكم في الدّين من حرج ملّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين » ( حجّ : 78 ) حيث ظاهره عدم الحرج في الفروع ، إلاّ أن يقال ذلك أيضا في الحرج الشديد المنتفى عقلا فيكون من العقليّات أيضا .

-----------
( 1000 ) البقرة : 130 .

[ 326 ]

قد نسخ كثير من شرعه ، فتعيّن أنّ المراد منه العقليات .

و عن الآية الثالثة أنّه لا يلزم من وصيّة نوح عليه السلام بشرعنا أنّه أمره به ، بل يحتمل أن يكون وصايته به أمرا منه بقبوله عند أعقابهم إلى زمانه صلّى اللَّه عليه و آله ، أو وصّى به بمعنى أطلعه عليه و أمره بحفظه ، و لو سلّمنا أنّ المراد : شرع لنا ما شرح لنوح عليه السلام لاحتمل أن يكون المراد به من الاستدلال بالمعقول على العقائد الدينيّة ، و لو لم يحتمل ذلك لم يبعد أن يتّفق الشرعان ، ثمّ لا يكون شرعه حجّة علينا من حيث ورد على نبيّنا صلّى اللَّه عليه و آله بطريق الوحي ، فلا تكون شريعته شريعة لنا باعتبار ورودها عنه .

و عن الآية الرابعة أنّ المساواة في الوحي لا تستلزم المساواة في الشرع .

و عن الآية الخامسة أنّ ظاهرها يقتضي اشتراك الأنبياء جميعا في الحكم بها ،

و ذلك غير مراد ، لأنّ إبراهيم و نوحا و إدريس و آدم عليهم السلام لم يحكموا بها لتقدّمهم على نزولها ، فيكون المراد أنّ الانبياء يحكمون بصحّة ورودها عن اللَّه و أنّ فيها نورا و هدى ، و لا يلزم أن يكونوا متعبّدين بالعمل بها ، كما أن كثيرا من آيات القرآن منسوخة و هي عندنا نور و هدى ، و أمّا رجوعه صلّى اللَّه عليه و آله في تعرّف حدّ الرجم فلا نسلّم أنّ مراجعته إلى التورية لتعرّفه ، بل لم لا يجوز أن يكون ذلك لإقامة الحجّة على من أنكر وجوده في التورية . انتهى .

أقول : إنّما أوردنا دلائل القول في نفي تعبّده صلّى اللَّه عليه و آله بعد البعثة بشريعة من قبله لاشتراكها مع ما نحن فيه في أكثر الدلائل ، فإذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الّذي ظهر لي من الأخبار المعتبرة و الآثار المستفيضة هو أنّه صلّى اللَّه عليه و آله كان قبل بعثته مذ أكمل اللَّه عقله في بدو سنّة نبيّا مؤيّدا بروح القدس ، يكلّمه الملك ، و يسمع الصوت ، و يرى في المنام ، ثمّ بعد أربعين سنة صار رسولا ، و كلّمه الملك معاينة ، و نزل عليه القرآن ، و أمر بالتبليغ ، و كان يعبد اللَّه قبل ذلك بصنوف العبادات إمّا موافقا لما أمر به الناس بعد التبليغ و هو أظهر [ 1001 ] ، أو على وجه آخر ، إمّا

[ 1001 ] لأنّه لو كان على وجه آخر لكان يتغيّر بعد ما أمر بتبليغه ، و لو كان ذلك لنقل إلينا ، و حيث لم ينقل صحّ أن نقول : إنّه كان موافقا لما أمر به الناس بعد .

[ 327 ]

مطابقا لشريعة إبراهيم عليه السلام ، أو غيره ممّن تقدّمه من الأنبياء عليهم السلام لا على وجه كونه تابعا لهم و عاملا بشريعتهم ، بل بأنّ ما أوحي إليه صلّى اللَّه عليه و آله كان مطابقا لبعض شرائعهم ، أو على وجه آخر نسخ بما نزل عليه بعد الإرسال .

و لا أظنّ أن يخفي صحّة ما ذكرت على ذي فطرة مستقيمة و فطنة غير سقيمة بعد الإحاطة بما أسلفنا من الأخبار في هذا الباب و أبواب أحوال الأنبياء عليهم السلام و ما سنذكره بعد ذلك في كتاب الإمامة . و لنذكر بعض الوجوه لزيادة الاطمئنان على وجه الإجمال :

الأوّل : أنّ ما ذكرنا من كلام أمير المؤمنين عليه السلام من خطبته القاصعة المشهورة بين العامّة و الخاصّة يدلّ على أنّه صلّى اللَّه عليه و آله من لدن كان فطيما كان مؤيّدا بأعظم ملك يعلّمه مكارم الأخلاق و محاسن الآداب ، و ليس هذا إلاّ معنى النبوّة كما عرفت في الأخبار الواردة في معنى النبوّة . و هذا الخبر مؤيّد بأخبار كثيرة سبقت في الأبواب السابقة في باب منشأه صلّى اللَّه عليه و آله و باب تزويج خديجة و غيرها من الأبواب .

الثاني : الأخبار المستفيضة الدالّة على أنّهم عليهم السلام مؤيّدون بروح القدس من بدء حالهم بنحو ما مرّ من التقرير .

الثالث : صحيحة الأحول و غيرها حيث قال : « نحو ما كان رأى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله من أسباب النبوّة قبل الوحي حتّى أتاه جبرئيل من عند اللَّه بالرسالة » 1002 فدلّت على أنّه صلّى اللَّه عليه و آله كان نبيّا قبل الرسالة . و يؤيّده الخبر المشهور عنه صلّى اللَّه عليه و آله : « كنت نبيّا و آدم بين الماء و الطين » أو « بين الروح و الجسد » ، و يؤيّده أيضا الأخبار الكثيرة الدالّة على أنّ اللَّه تعالى اتّخذ إبراهيم عليه السلام عبدا قبل أن يتّخذه نبيّا ، و أنّ اللَّه اتّخذه نبيّا قبل أن يتّخذه رسولا ، و أنّ اللَّه اتّخذه رسولا قبل أن يتّخذه خليلا ، و أنّ اللَّه اتّخذه خليلا قبل أن

-----------
( 1002 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 18 ، كتاب تاريخ نبيّنا صلّى اللَّه عليه و آله ، ص 266 .

[ 328 ]

يجعله إماما . 1003 الرابع : ما رواه الكلينيّ في الصحيح عن يزيد الكناسيّ ، قال : سألت أبا جعفر عليه السلام أكان عيسى بن مريم حين تكلّم في المهد حجّة للّه على أهل زمانه ؟

فقال : كان يومئذ نبيّا حجّة للّه غير مرسل ، أما تسمع لقوله حين قال : « إنّي عبد اللَّه آتاني الكتاب و جعلني نبيّا و جعلني مباركا اينما كنت و أوصاني بالصّلاة و الزّكاة ما دمت حيا » 1004 ؟ قلت : فكان يومئذ حجّة للَّه على زكريّا في تلك الحال و هو في المهد ؟

فقال : كان عيسى في تلك الحال آية للناس و رحمة من اللَّه لمريم حين تكلّم فعبر عنها [ 1005 ] و كان نبيّا حجّة على من سمع كلامه في تلك الحال ثمّ صمت فلم يتكلّم حتّى مضت له سنتان ، و كان زكريّا الحجّة للَّه على الناس بعد صمت عيسى بسنتين ، ثمّ مات زكريّا فورثه ابنه يحيى الكتاب و الحكمة و هو صبي صغير ، أما تسمع لقوله عزّ و جلّ : « يا يحيى خذ الكتاب بقوّة و آتيناه الحكم صبيا »

-----------
( 1006 ، فلمّا بلغ عيسى عليه السلام سبع سنين تكلّم بالنبوّة و الرسالة حين أوحى اللَّه تعالى إليه ، فكان عيسى الحجّة على يحيى و على الناس أجمعين . . .

إلى آخر الخبر . 1007 و قد ورد في أخبار كثيرة أنّ اللَّه لم يعط نبيّا فضيلة و لا كرامة و لا معجزة إلاّ و قد أعطاه نبيّنا صلّى اللَّه عليه و آله فكيف جاز أن يكون عيسى عليه السلام في المهد نبيّا و لم يكن نبيّنا صلّى اللَّه عليه و آله إلى أربعين سنة نبيّا ؟

و يؤيّده ما مرّ في أخبار ولادته صلّى اللَّه عليه و آله و ما ظهر منه في تلك

-----------
( 1003 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 12 ، كتاب النبوّة ، ص 12 .

-----------
( 1004 ) مريم : 31 .

[ 1005 ] أي تكلّم عن مريم حين سكنت و أشارت إلى ابنها .

-----------
( 1006 ) مريم : 12 .

-----------
( 1007 ) أصول الكافي ، ج 1 ، ص 382 .

[ 329 ]

الحال من إظهار النبوّة ، و ما مرّ و سيأتي من أحوالهم و كمالهم في عالم الأظلّة و عند الميثاق ، و أنّهم كانوا يعبدون اللَّه تعالى و يسبّحونه في حجب النور قبل خلق آدم عليه السلام و أنّ الملائكة منهم تعلّموا التسبيح و التهليل و التقديس إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في بدء أنوارهم . و يؤيّده ما ورد في أخبار ولادة أمير المؤمنين عليه السلام أنّه عليه السلام قرأ الكتب السماويّة على النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله بعد ولادته ، و ما سيأتي من أنّ القائم عليه السلام في حجر أبيه عليه السلام أجاب عن المسائل الغامضة و أخبر عن الأمور الغائبة ، و كذا سائر الأئمّة عليهم السلام كما سيأتي في أخبار ولادتهم عليهم السلام و معجزاتهم ، فكيف يجوّز عاقل أن يكون النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في ذلك أدون منهم جميعا ؟

الخامس : أنّه صلّى اللَّه عليه و آله بعد ما بلغ حدّ التكليف لا بدّ من أن يكون إمّا نبيّا عاملا بشريعته أو تابعا لغيره ، لما سيأتي من الأخبار المتواترة أنّ اللَّه لا يخلي الزمان من حجّة و لا يرفع التكليف عن أحد ، و قد كان في زمانه أوصياء عيسى عليه السلام و أوصياء إبراهيم عليه السلام فلو لم يكن اوحي إليه بشريعة و لم يعلم أنّه نبيّ كيف جاز له أن لا يتابع أوصياء عيسى عليه السلام و لا يعمل بشريعتهم إن كان عيسى عليه السلام مبعوثا إلى الكافّة ، و إن لم يكن مبعوثا إلى الكافّة و كان شريعة إبراهيم عليه السلام باقيا في بني إسماعيل كما هو الظاهر ،

فكان عليه أن يتّبع أوصياء إبراهيم عليه السلام و يكونوا حجّة عليه صلّى اللَّه عليه و آله و هو باطل بوجهين :

أحدهما أنّه يلزم أن يكونوا أفضل منه كما مرّ تقريره .

و ثانيهما ما مرّ من نفي كونه محجوبا بأبي طالب و بأبيه 1008 بل كانا مستودعين للوصايا .

السادس : أنّه لا شكّ في أنّه صلّى اللَّه عليه و آله كان يعبد الله قبل بعثته بما لا يعلم إلاّ بالشرع كالطواف و الحجّ و غيرهما كما سيأتي أنّه صلّى اللَّه عليه و آله

-----------
( 1008 ) راجع البحار ، الطبعة الجديدة ، ج 17 ، ص 140 و ج 35 ، ص 73 .

[ 330 ]

حجّ عشرين حجّة مستسرّا [ 1009 ] و قد ورد في أخبار كثيرة أنه صلّى اللَّه عليه و آله كان يطوف و أنّه كان يعبد اللَّه في حراء ، و أنّه كان يراعي الآداب المنقولة من التسمية و التحميد عند الأكل و غيره . 1010 و كيف يجوّز ذو مسكة من العقل على اللَّه تعالى أن يهمل أفضل أنبيائه أربعين سنة بغير عبادة ؟ و المكابرة في ذلك سفسطة ، فلا يخلوا إمّا أن يكون عاملا بشريعة مختصّه به أوحى اللَّه إليه ، و هو المطلوب ، أو عاملا بشريعة غيره و هو لا يخلو من وجوه :

الأوّل : أن يكون علم وجوب عمله بشريعة غيره و كيفيّة الشريعة من الوحي و هو المطلوب أيضا ، لأنّه صلّى اللَّه عليه و آله حينئذ يكون عاملا بشريعة نفسه موافقا لشريعة من تقدّمه كما مرّ تقريره في كلام السيّد رحمه اللَّه .

الثاني : أن يكون علمهما جميعا من شريعة غيره ، و هو باطل كما عرفت بوجهين :

أحدهما أنّه يلزم كون من يعمل بشريعته أفضل منه .

و ثانيهما أنّه معلوم أنّه صلّى اللَّه عليه و آله لم يراجع في شي‏ء من الأمور إلى غيره و لم يخالط أهل الكتاب ، و كان هذا من معجزاته صلّى اللَّه عليه و آله أنّه أتى بالقصص مع أنّه لم يخالط العلماء و لم يتعلّم منهم ، كما مرّ في وجوه إعجاز القرآن ، و قد قال تعالى : « هو الّذي بعث في الامّيين رسولا منهم » 1011 ، و المكابرة في هذا أيضا ممّا لا يأتي به عاقل .

الثالث : أنّه صلى اللَّه عليه و آله علم وجوب العمل بشريعة من قبله

[ 1009 ] و في خبر غياث بن ابراهيم عن الصادق عليه السلام : لم يحجّ النبيّ بعد قدوم المدنية إلاّ واحدة ، و قد حجّ بمكّة مع قومه حجّات . و في خبر عبد اللَّه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنّه صلّى اللَّه عليه و آله حجّ عشر حجّات مستسرا . و في خبر عمر بن يزيد عنه عليه السلام : حجّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله غير حجّة الوداع عشرين حجّة . و غير ذلك ممّا أوردها الشيخ الحرّ العامليّ في كتاب وسائل الشيعة ، باب استحباب تكرار الحجّ و العمرة ، فراجعه .

-----------
( 1010 ) راجع البحار ، الطبعة الجديدة ، ج 16 .

-----------
( 1011 ) الجمعة : 2 .

[ 331 ]

بالوحي و أخذ الشريعة من أربابها ، و هذا مع تضمّنه للمطلوب كما عرفت إذا لا يلزم منه إلاّ أن يكون نبيّا أوحي إليه أن يعمل بشريعة موافقة لشريعة من تقدّمه باطل بما عرفت من العلم بعدم رجوعه صلّى اللَّه عليه و آله إلى أرباب الشرائع قطّ في شي‏ء من أموره ، و أما عكس ذلك فهو غير متصوّر إذ لا يجوّز عاقل أن يوحي اللَّه إلى عبده بكيفيّة شريعة لأن يعمل بها و لا يأمره بالعمل بها حتّى يلزمه الرجوع في ذلك إلى غيره ، مع أنّه يلزم أن يكون تابعا لغيره مفضولا و قد عرفت بطلانه . ثمّ إنّ قول من ذهب إلى أنّه صلّى اللَّه عليه و آله كان عاملا بالشرائع المنسوخة كشريعة نوح و موسى عليهما السلام فهو أشدّ فسادا ، لأنّه بعد نسخ شرائعهم كيف جاز له صلّى اللَّه عليه و آله العمل بها إلاّ بأن يعلم بالوحي أنّه يلزمه العمل بها ، و مع ذلك لا يكون عاملا بتلك الشريعة ، بل بشريعة نفسه موافقا لشرائعهم كما عرفت .

و أمّا استدلالهم بقوله تعالى : « ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان » 1012 ، فلا يدلّ إلاّ على أنّه صلّى اللَّه عليه و آله كان في حال لم يكن يعلم القرآن و بعض شرائع الإيمان ، و لعلّ ذلك كان في حال ولادته قبل تأييده بروح القدس ، كما دلّت عليه رواية أبي حمزة 1013 و غيرها ، و هذا لا ينافي نبوّته قبل الرسالة و العمل بشريعة نفسه قبل نزول الكتاب .

و بعد ما قرّرنا المطلوب في هذا الباب و ما ذكرنا من الدلائل لا يخفى عليك ضعف بعض ما نقلنا في ذلك عن بعض الأعاظم و لا نتعرّض للقدح فيها بعد وضوح الحقّ ، و لو أردنا الاستقصاء في إيراد الدلائل و دفع الشبهة لطال الكلام ، و لخرجنا عن مقصودنا من الكتاب ، و اللَّه الموفّق للصواب . 1014