تبيين

قال الكيدري : « الهمّام » البعيد الهمّة و كان السائل كاسمه .

و قال ابن أبي الحديد : همّام ، هو همّام بن شريح بن يزيد بن مرّة و كان من شيعة أمير المؤمنين عليه السّلام و أوليائه ، و كان ناسكا عابدا و تثاقله عن جوابه لأنّه علم أنّ المصلحة في تأخير الجواب ، و كأنّه حضر المجلس من لا يحبّ عليه السّلام أن يجيب و هو حاضر . و لعلّه بتثاقله عليه السّلام يشتدّ شوق همّام إلى سماع الموعظة . و لعلّه من باب تأخير البيان إلى وقت الحاجة ، لا عن وقت الحاجة . 1042 و قال ابن ميثم : تثاقله عليه السّلام لخوفه على همّام كما يدلّ عليه قوله عليه السّلام « أما و اللَّه لقد كنت أخافها عليه » . 1043 و أقول : هذا أظهر .

« اتّق اللَّه و أحسن » أي ليس عليك أن تعرف صفات المتّقين على التفصيل و لعلّ الأصلح لك القناعة بما تعرفه مجملا من صفاتهم و مراعاة التقوى و الاحسان ، و كأنّ المراد بالتقوى الاجتناب عمّا نهى اللَّه عنه ، و بالاحسان فعل ما أمر اللَّه به ،

فالكلمة جامعة لصفات المتّقين و فضائلهم .

-----------
( 1042 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 10 ، ص 134 ، ط بيروت .

-----------
( 1043 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 3 ، ص 413 ، ط بيروت .

[ 348 ]

« حتّى عزم عليه » ، « عزمت على فلان » أقسمت عليه ، و « عزمت على الأمر » أي قطعت عليه و أردت فعله حتما ، فالضمير في « عليه » يحتمل عوده إليه عليه السّلام و إلى ما سأله من الوصف على التفصيل ، و الأوّل أظهر ، و رواية الصدوق تعيّنه [ 1044 ] .

و التعرّض للغنا و الأمن [ 1045 ] لدفع توهم أنّ مدح المتّقين الترغيب في الطاعة و التخويف من المعصية لانتفاعه سبحانه و دفع المضرّة عنه ، و ليس المعنى أنّ أفعال اللَّه سبحانه ليست معلّلة بالأعراض كما زعمه الحكماء ، بل إشارة إلى ما ذكره المتكلّمون من أنّ الغرض لا يعود إليه سبحانه بل إلى العباد ، لأنّه أراد أن يثيبهم في الاخرة ، و الثواب هو النفع المقارن للتعظيم و الإجلال ، و فعله لمن لا يستحقّ أصلا قبيح عقلا ، فلذا كلّفهم و بعث إليهم الرسل و وعدهم و أوعدهم و عرضه للمثوبات الدائمة الجليلة . و تفصيل ذلك في كتب الكلام .

و « المعايش » بالياء ، جمع « معيشة » و هي ما يعاش به أو فيه و ما يكون به الحياة ، قال اللَّه تعالى : « نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدّنيا » [ 1046 ] .

و « مواضع الخلق » مراتبهم ، قال اللَّه تعالى : « و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات » [ 1047 ] و هي إشارة إلى الدّرجات الدنيويّة كالغنا و الفقر و الصحة و المرض ، أو الدينيّة لاختلاف استعداداتهم و قابليّاتهم في العلم و العمل ، أو الأعمّ منهما و هو أظهر ،

و التفريع يؤيّد الأخيرين .

« منطقهم الصواب » ، « المنطق » النطق أي لا يقولون إلاّ حقّا و يحترزون عن الكذب و الفحش و الغيبة و سائر الأقاويل الباطلة ، و قيل : أي لا يتكلّمون إلاّ في مقام التكلّم كذكر اللَّه تعالى و اظهار حقّ و إبطال باطل ، و كأنّ الابتداء بالمنطق لكون النفع و الضرر في القول أكثر في الأغلب من أعمال سائر الجوارح .

[ 1044 ] حيث قال : فقال همّام : « يا أمير المؤمنين أسألك بالّذي أكرمك بما خصّك . . . » الخ . و الرواية في الأمالي ،

ص 340 ، مجلس 84 .

[ 1045 ] يعني في قوله عليه السلام « خلقهم غنيّا عن طاعتهم ، آمنا من معصيتهم . . . » الخ .

-----------
( 1046 ) الزخرف : 32 .

-----------
( 1047 ) الزخرف : 32 .

[ 349 ]

و « الملبس » بفتح الباء ، ما يلبس . و « الاقتصاد » التوسّط بين طرفي الافراط و التفريط ، و المعنى أنّهم لا يلبسون ما يلحقهم بدرجة المترفين ، و لا ما يلحقهم بأهل الخسّة و الدناءة ، أو يصير سببا لشهرتهم بالزهد كما هو دأب المتصوفين ، أو المعنى أنّ الاقتصاد في الأقوال و الأفعال صار شعارا لهم محيطا بهم ، كاللباس للانسان كما مرّ .

« و مشيهم التواضع » أي لا يمشون مشى المختالين و المتكبّرين ، كما قال عزّ و جلّ : « و لا تمش في الأرض مرحا الآية » 1048 ، أو المراد أنّ سيرتهم و سلوكهم بين الخلق أو في سبيل اللَّه بالتواضع و التذلّل . « غضّوا أبصارهم » ، « غضّ فلان طرفه » كمدّ أي خفضه ، و كذلك غضّ من صوته ، و كلّ شي‏ء كففته فقد غضضته .

و « وقفت » كضربت أي دمت قائما ، و « وقفته أنا وقفا » أي فعلت به ما وقف و « وقفت الرجل عن الشي‏ء وقفا » أي منعته عنه ، و « وقفت الدار وقفا » أي حسبتها في سبيل اللَّه . و المراد الاقتصار على استماع العلم النافع ، و فيه إيماء إلى ذمّ الاصغاء إلى القصص الكاذبة ، بل و كثير من الصادقة ، كما سيأتي إن شاء اللَّه .

و « الرخاء » بالفتح ، سعة العيش ، قال القطب الراونديّ رحمه اللَّه :

يعني أنّ المتقين يتعبون أبدانهم في الطاعات ، فيطيبون نفسا بتلك المشقّة الّتي يحتملونها مثل طيب قلب الّذي نزلت نفسه في الرخاء . و لا بدّ من تقدير مضاف لأنّ تشبيه الجمع بالواحد لا يصحّ ، أي كلّ واحد منهم إذا نزل في البلاء يكون كالرجل الّذي نزلت نفسه في الرخاء ، و نحوه قوله تعالى : « مثل الّذين كفروا كمثل الّذي ينعق » 1049 . قال : و يجوز أن يكون « الّذي » بمعنى ما المصدرية كقوله تعالى : « و خضتم كالّذي خاضوا » 1050 أي نزوله في البلاء كنزوله في الرخاء .

و قال ابن ميثم : يحتمل أن يكون المراد بالّذي ، الّذين ، فحذف النون كما في قوله تعالى : « و خضتم كالّذي خاضوا » 1051 .

-----------
( 1048 ) الإسراء : 37 .

-----------
( 1049 ) البقرة : 171 .

-----------
( 1050 ) التوبة : 69 .

-----------
( 1051 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 3 ، ص 415 ، ط بيروت . و الآية ، كما سبق ، في التوبة : 69 .

[ 350 ]

و قال ابن أبي الحديد : موضع كالّذي نصب لأنّه صفة مصدر محذوف و المراد كالنزول الّذي ، و قد حذف العائد إليه و هو الهاء في « نزلته » كقولك : « ضربت الّذي ضربت » أي ضربت الّذي ضربته ، و تقدير الكلام : نزلت أنفسهم منهم في حال البلاء نزولا كالنزول الّذي نزلته منهم في حال الرخاء . 1052 و قال الكيدري قدّس سرّه : « نزّلت أنفسهم . . . الخ » لأنّهم كسروا سورة الشهوة البهيمية و طيّبوا عن أنفسهم نفسا و وقفوا أشباحهم و أرواحهم على مرضاة اللَّه و حبسوها في سبيله ، فلا مطمح لهم الى ما فيه نصيب أنفسهم ، بل جلّ عنايتهم مصروفة إلى تحصيل ما خلقوا لأجله من إعداد زاد المعاد ، و الاقبال بكلّ الوجوه على عبادة ربّ العباد ، و التفاتهم إلى الأبدان يكون على طريق الطبع كالتفات سالك البادية للحجّ الحقيقيّ إلى رعي الجمل ، و علموا يقينا أنّ ما أصابهم من الكدّ في الطريق و إن كان عظيما فإنّه كلا شي‏ء في جنب ما يصلون به إليه من لقاء المحبوب و نيل المطلوب ، فالمحن عندهم كالملح و البليّة كالنعم .

و قوله « كالّذي » نظير قوله تعالى : « و خضتم كالّذي خاضوا » 1053 و بيت الحماسة : عسى الأيّام أن يرجعن يوما كالّذي كانوا .

أي نزلت في البلاء كالنزول الّذي نزلت في الرخاء . انتهى .

و المراد بالبلاء المرض و الضيق و نحوهما أو الأعمّ من احتمال المشقّة أيضا و ليس مخصوصا به و طيب قلوبهم للرضا بقضاء اللَّه كما في المجالس [ 1054 ] : « فصغر ما دونه في أعينهم » في اختلاف التعبير دلالة على أنّ الخالق تمكّن في قلوبهم بخلاف ما دونه فلم يتجاوز أعينهم .

« فهم و الجنّة » قال الراونديّ رحمه اللَّه : الواو بمعنى « مع » و قال ابن أبي الحديد بنصب « الجنّة » و قد روي بالرفع على أنّه معطوف على هم ، و الأوّل أحسن . و

-----------
( 1052 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 10 ، ص 142 ، ط بيروت .

-----------
( 1053 ) التوبة : 69 .

[ 1054 ] حيث قال : نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالّتي نزلت منهم في الرخاء . رضي منهم عن اللَّه بالقضاء .

[ 351 ]

قوله « كمن قدرآها » و قوله « فهم فيما منعّمون » إمّا كلاهما لقوّة الايمان و اليقين ، أو لشدّة الخوف و الرجاء ، أو الرؤية إشارة إلى قوّة اليقين ، و « التنعّم و العذاب » أي شدّة الرجاء و الخوف و هما أيضا من فروع اليقين ، و اختار الوالد قدّس سرّه الأخير ، و قال الكيدريّ : أي حصل لهم من العلوم اليقينيّة ما يجري مجرى الضروريّة كما قال عليه السّلام : « لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا » . و روي « و الجنّة » بالنصب فيكون الواو بمعنى مع و يكون خبر المبتدأ الكاف في « كمن رآها » .

« قلوبهم محزونة » حزن قلوبهم للخوف من العقاب لاحتمال التقصير و عدم شرائط القبول ، كما قال عزّ و جلّ : وَ الَّذِينَ يُوتُونَ مَا آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ 1055 . و الأمن من شرورهم لأنّهم لا يهمّون بظلم أحد ، كما ورد في الخبر : « المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده » . و قيل لأنّ أفعالهم حسنة في الواقع و إن كانت سيّئة في الظاهر ، و هو بعيد .

« نحيفة » أي مهزولة لكثرة الصيام و السهر و الرياضات ، أو للخوف أو لهما و خفّة حاجاتهم لقلّة الرغبة في الدنيا و ترك اتّباع الهوى و قصر الأمل و قناعتهم بما رزقهم اللَّه .

و « العفّة » كفّ النفس عن المحرّمات ، بل عن الشبهات و المكروهات أيضا .

و جملة « أعقبتهم » صفة للأيّام . و « تجارة » عطف بيان للراحة ، أو بدل منه ، أو منصوب على المدح ، أو على الحال ، أو على تقدير فعل ، أي اتّجروا تجارة .

قال الراونديّ رحمه اللَّه : نصب المصدر مع حذف فعله كثير في الكلام .

و « ربح الرجل في تجارته » كعلم ، و يسند إلى التجارة مجازا ، قال تعالى :

فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ 1056 .

و قال الأزهري : « ربح الرجل في تجارته » أي صادف سوقا ذات ربح و « أربحت الرجل إرباحا » أعطيته ربحا ، فالتجارة المربحة كأنّها تعطي ربحا أو هي الرابحة من أفعل بمعنى فعل .

-----------
( 1055 ) المؤمنون : 60 .

-----------
( 1056 ) البقرة : 16 .

[ 352 ]

و قال الكيدريّ : « تجارة » انتصابه على المصدر من معنى الكلام السابق ،

لأنّ مضمون قوله « صبروا أيّاما . . . الخ » يدلّ على أنّهم اتّجروا بذلك أو يكون منصوبا بفعل مضمر يفسّره ما بعده ، أي يسر لهم ربّهم تجارة ، أو على المدح أو التخصيص ، أي أعني تجارة ، أو أخصّ تجارة ، و جعلها بدلا من « راحة » على ما زعم صاحب المنهاج ليس بالقويّ لأنّ التجارة المربحة ليست بنفس الراحة ، و إنّما صبرهم المستعقب لتلك الراحة هي التجارة . انتهى .

« أرادتهم الدنيا » أي أقبلت إليهم من الوجوه المذمومة أو مطلقا و تمكّنوا من تحصيلها بكسب المال و الجاه فلم يقبلوها و لم يسعوا في تحصيلها ، و قيل : و يحتمل أن يراد أهل الدنيا . و « أسره » كضربه أي شدّه و حبسه . و « الفدية » زخارف الدنيا و ملاذّها الّتي سلّموها إلى الدنيا بالترك و الإعراض عنها .

أقول : و نقل الكيدريّ قدّس سرّه رواية تمثّل الدنيا لأمير المؤمنين عليه السّلام و إعراضه عنها كما سننقلها عنه في باب ذمّ الدنيا ، ثمّ قال : فهذا معنى قوله عليه السّلام « أرادتهم الدنيا و لم يريدوها » . و إذا تدبّرت الخلال المذكورة في هذه الخطبة وجدت أمير المؤمنين عليه السّلام هو الموصوف بها كلّها . و قد أوردت هذه الأبيات و أمثالها في « أنوار العقول من أشعار وصيّ الرسول » .

فأمّا أسرها إيّاهم ، فلأنّ أرواح الأولياء قدسيّة و مقامها في العالم الجسد أي على خلاف مقتضى طبيعتها فهى غريبة في هذا العالم و صغوها بالكلّيّة إلى عالمها فهي أسيرة هنا من حيث الغربة و عدم الملاءمة ، فدائما يستعدّ و يتهيّأ للسفر الحقيقيّ و يزيل المثبطات و يرفعها من البين ، و ذلك فداءها .

« أمّا الليل » في بعض النسخ بالنصب على حذف حرف الجرّ ، أي أمّا حالهم في الليل ، فالمقصود تفصيل حالهم في الليل و النهار ، و في بعض النسخ بالرفع ،

فالغرض تفصيل حال ليلهم و نهارهم . و « الصفّ » ترتيب الجمع على صفّ ، و « صفّ القدمين » وضعهما في الصلاة بحيث يتحاذى الإبهامان و يتساوى البعد بين الصدر و العقب .

[ 353 ]

و في بعض النسخ : « تالون » مكان « تالين » . « يرتّلونه » أي القرآن ، و روي : « يرتّلونها » فالضمير لأجزاء القرآن . « و رتّل القرآن ترتيلا » 1057 أي أحسن تأليفه ، و عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه « حفظ الوقوف و أداء الحروف ، و هو جامع لما يعتبره القرّاء » .

و « الحزن » الهمّ و « حزنه الأمر » كنصر أي جعله حزينا و « حزن » كعلم أي صار حزينا ، و « حزّنه تحزينا » جعل فيه حزنا ، و في أكثر النسخ على التفعيل و في بعضها كينصرون . و تحزين النفوس بآيات الوعيد ظاهر ، و أمّا آيات الوعد فللخوف من الحرمان و عدم الاستعداد .

و « ثار الغبار » إذا سطع وهاج ، و « ثار القطا » إذا نهضت من موضعها ، و « أثار الغبار و استثاره » هيّجه . و لعلّ المراد بالدواء العلم و بالداء الجهل . و استثارة العلم بالتدبّر و التذكّر ، قال في النهاية : في الحديث : « أثيروا القرآن فإنّ فيه علم الأوّلين و الآخرين » . و يحتمل أن يراد استثارة العلم الكامنة في النفس على حسب الاستعداد و الكمال بالتدبّر و التفكّر و التذكّر .

و قال الوالد قدّس سرّه : المراد أنّهم يداوون بآيات الخوف داء الرجاء الغالب الّذي كاد أن يبلغ حدّ الاغترار و الأمن لمكر اللَّه ، و بآيات الرجاء داء الخوف إذا قرب من القنوط ، و بما يستكمل اليقين داء الشبهة ، و بالعبر داء القسوة و بما ينفّر عن الدنيا و الميل إليها داء الرغبة فيها و نحو ذلك .

و « ركن إلى الشي‏ء » كنصر كما في النسخ و كعلم أيضا أي مال و سكن . و « التطلّع إلى الشي‏ء » الاستشراف له و الانتظار لوروده . و « نصب الشي‏ء » رفعه و أن يستقبل به شي‏ء ، و الكلمة منصوبة على الظرفيّة أي ظنّوا أنّها فيما نصب بين أيديهم ، و في بعض النسخ مرفوعة على أنّها خبر أنّ .

و قال الكيدريّ : « و تطلّعت نفوسهم إليها » أي كادت تطلع شموس نفوسهم من أفق عوالم أبدانهم ، فتصعد إلى العالم العلويّ شوقا إلى ما وعدوا به في تلك

-----------
( 1057 ) المزمّل : 4 .

[ 354 ]

الآيات ، من أخائر الذخائر و عظائم الكرائم . و انتصاب « نصب أعينهم » على الظرف أي في موضع يقابل أعينهم ، و يجوز فيه الرفع .

و قال الراونديّ رحمه اللَّه : الظنّ هنا بمعنى اليقين ، قال تعالى : أَلاَ يَظُنُّ اُولِئكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ 1058 أي أيقنوا أنّ الجنّة معدّة لهم بين أيديهم .

و قال ابن أبي الحديد : و يمكن أن يكون على حقيقته .

و « صغي إليه » كرضي أي مال ، و « أصغى سمعه إليه » أي أماله ، و « زفير النار » صوت توقّدها ، و « الزفير » أيضا إخراج النفس بعد مدّة فالمراد زفير أهل جهنّم . و « الشهيق » تردّد البكاء في الصدر مع سماع الصوت من الحلق ، و « شهيق الحمار » صوته . و كونهما في أصول الآذان كناية عن تمكّنها في الآذان .

« حانون أوساطهم » ، « حتى ظهره يحنيه و يحنوه » أي عطفه فانحنى ، و حنوهم على أوساطهم وصف لحال ركوعهم . و « الافتراش » البسط على الأرض ، و هو وصف لحال سجودهم .

قال الكيدريّ : « فهم حانون » أي منعطفون للركوع ، و « حنى » قد جاء متعدّيا و لازما و تعديته أكثر ، فيكون تقديره « حانون ظهورهم على أوساطهم » .

« يطلبون إلى اللَّه » أي يسألونه راغبين و متوجّهين إليه . و « فكّ الرقبة » كمدّ أي أعتقها و « [ فكّ ] الأسير » خلّصه .

« و أمّا النهار » بالنصب و الرفع كما تقدّم . قال الكيدريّ : « أمّا النهار » انتصابه على الظرفيّة و تعلّقه بما بعده من الصفات كحلماء و غيره . و « حلماء » خبر مبتدأ محذوف ، أي فهم حلماء في النهار ، و يجوز فيه الرفع على تقدير « أمّا النهار فهم حلماء فيه » فيكون مبتدأ و الجملة بعده خبره و فيها ضمير مقدّر يعود إليه . و « الحلماء » ذوو الأناة أو العقلاء . و « برى السهم يبريه » أي نحته . و « القداح » جمع « قدح » بالكسر فيهما ، و هو السهم قبل أن يراش و ينصّل ، و هو كناية عن نحافة البدن و ضعف الجسد ، أو زوال الآمال و المطالب الدنيويّة .

-----------
( 1058 ) المطفّفين : 4 .

[ 355 ]

و « خولط فلان في عقله » إذا اختلّ عقله و صار مجنونا ، و « خالطه » أي مازجه . و قال الراونديّ و غيره : المعنى : يظنّ الناظر بهم الجنون و ما بهم من جنّة ، بل مازج قلوبهم أمر عظيم و هو الخوف فتولّهوا لأجله . و قيل : « و لقد خالطهم » أي صار سببا لجنونهم الّذي يظنّه الناظر . « أمر عظيم » هو الخوف .

و قال الكيدريّ : « قد براهم الخوف » أي أنضاهم و أنحفهم . « خولطوا » أي خالط عقولهم جنون .

و « الاستكثار » عدّ الشي‏ء كثيرا . و « اتّهمت فلانا » أي ظننت فيه ما نسب إليه و « اتّهمته في قوله » أي شككت في صدقه ، و الاسم « التهمة » كرطبة ،

و السكون لغة ، و أصل التاء واو . و المراد أنّهم يظنّون بأنفسهم التقصير أو الميل إلى الدنيا ، أو عدم الإخلاص في النيّة أو الأعمّ ، أو يشكّون في شأنها و نيّاتها و يخافون أن يكون مقصودها في العبادات الرياء و السمعة و أن تجرّها العبادة إلى العجب ، فلا يعتمدون عليها .

و « الاشفاق » الخوف ، و إشفاقهم من السيئات و إن تابوا منها لاحتمال عدم قبول توبتهم ، و من الحسنات لاحتمال عدم القبول لاختلال بعض الشرائط و شوب النيّة ، أو للأعمال السيّئة و قد قال اللَّه عزّ و جلّ : « إنّما يتقبّل اللَّه من المتّقين » 1059 .

« إذا زكّي أحدهم » ، « التزكية » المدح ، و خوفهم من الوقوع في العجب و الاتكال على العمل و سؤال عدم المؤاخذة لذلك ، و يحتمل أن يكون كناية عن عدم الرضا بما يقولون ، و التبري من التزكية و ظنّ البراءة بالنفس فإنّ النفس أمارة بالسوء إلاّ ما رحم اللَّه .

« و اجعلني أفضل ممّا يظنّون » أي وفّقني لدرجة فوق ما يظنّون بي من حسن العمل و القبول .

و قال ابن أبي الحديد : قد قاله لقوم مرّ عليهم ، و هم مختلفون في أمره فمنهم

-----------
( 1059 ) المائدة : 27 .

[ 356 ]

الحامد له ، و منهم الذامّ ، فقال عليه السّلام : [ اللّهمّ ] إن كان ما يقوله الذامّون حقّا فلا تؤاخذني به ، و إن كان ما يقوله الحامدون حقّا فاجعلني أفضل ممّا يظنّون . 1060 « فمن علامة أحدهم أنّك ترى له » ، في بعض النسخ : « لهم » فالضمير راجع إلى معنى أحدهم . و « القوّة في الدين » أن لا يتطرّق إلى الايمان الشك ، و الشبهات و إلى الأعمال الوساوس و الخطرات ، أو أن لا يدرك العزم في الأمور الدينية ونى و لا فتور للوم و غيره ، قال تعالى : يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلَ اللَّهِ وَ لاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئمٍ 1061 .

و « الحزم » بالفتح ، ضبط الأمر ، و الأخذ فيه بالثقة ، و الحذر من فواته و كأنّ المعنى أنّه لا يصير حزمه سببا لخشونته ، بل مع الحزم يداري الخلق و يلاينهم .

و « القصد » التوسّط بين طرفي الإفراط و التفريط و ترك الإسراف و التقتير ،

أي يقتصد في حال الغنا ، أو في تحصيل الغنا ، أو في الانفاق مع غنى النفس . و « التجمّل » التزيّن و تكلّف الجميل و إظهاره ، و « التجمّل في الفاقة » سلوك مسلك الأغنياء و المتجمّلين في حال الفقر ، و ذلك بترك الشكوى إلى الخلق و الابتهاج بما أعطى اللَّه و إظهار الغنى عن الخلق ، أو التجمّل و التزيّن في الفاقة بما أمكن و عدم إظهار الفاقة للناس ، إلاّ ما لا يمكن ستره أو زائدا على ما هو الواقع كالفقراء الطامعين فيما في أيدى الناس .

« و الصبر في الشدّة » الصبر على شدّة الفقر أو العبادة أو المصائب أو الأعمّ . و « الطلب في الحلال » الكسب من غير الطرق الّتي نهي عنها . و « النشاط » بالفتح ،

طيب النفس للعمل و غيره . و « الهدى » الرشاد و الدلالة ، أي ينشط لهداية الناس ، أو لاهتدائه في نفسه . و « التحرّج » التأثّم ، و المعنى جعل الطمع حرجا و عدّه إثما و عيبا .

و قال ابن أبي الحديد : حرف الجرّ في بعض هذه المواضع يتعلّق بالظاهر فيكون موضعه نصبا بالمفعوليّة ، و في بعضها يتعلّق بمحذوف فيكون موضعه أيضا نصبا

-----------
( 1060 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 10 ، ص 148 ، ط بيروت .

-----------
( 1061 ) المائدة : 54 .

[ 357 ]

على الصفة ، ففي قوله « في دين » يتعلّق بالظاهر أي « قوّة » يقال : فلان قويّ في كذا و على كذا ، و « في لين » يتعلّق بمحذوف أي حزما كائنا في لين ، و « في يقين » و « في علم » يتعلّق بالظاهر ، و « في » بمعنى « على » كقوله تعالى : « و لاصلّبنّكم في جذوع النّخل » 1062 . و « في غنى » يتعلّق بمحذوف ، و « في عبادة » يحتمل الأمرين ، و « في فاقة » بمحذوف . و « في شدّة » يحتمل الأمرين ، و « في حلال » يتعلّق بالظاهر و « في » بمعنى اللام ، و « في هدى » يحتملهما ، و « عن طمع » بالظاهر .

و « الوجل » الخوف ، و خوفهم من التقصير في العمل كمّا أو كيفا أو من عذاب اللَّه إشارة إلى قوله سبحانه : يُؤْتُونَ مَا آتَوْا الآية 1063 . و « الهمّ » أوّل العزم ، و ما قصده الانسان و أضمره في نفسه ، و كأنّ تخصيص الشكر بالمساء لأنّ الرزق و إفاضة النعم و الفوز بالمكاسب يكون في اليوم غالبا ، و تخصيص الذكر بالصباح لأنّ الشواغل عن الذكر في اليوم أكثر ، و كلّ يوم كأنّه وقت استيناف العمل .

و « الحذر » و « الفرح » ككتف صفتان من الحذر و الفرح ، بالتحريك .

و المراد بالفضل و الرحمة ، التوفيق و الهداية أو ما يشمل النعم الدنيويّة ، و هذا الفرح يعود إلى الشكر ، و قال بعض الشارحين : ليس المقصود تخصيص البيات بالحذر و الصباح بالفرح بل كما يقول أحدنا : يمسي و يصبح حذرا فرحا ، و كذلك تخصيص الشكر بالمساء و الذكر بالصباح ، و يحتمل أن لا يكون مقصودا .

و « الصعب » نقيض الذلول ، و « استصعبت على فلان دابّته » أي صعبت ،

و « استصعبت عليه نفسه » أي لم تطعه في العبادات المكروهة للنفس و ترك المعاصي ، لأنّ النفس أمّارة بالسوء إلاّ ما رحم اللَّه .

« و لم يعطها سؤلها فيما تحبّ » أي لم يطاوع النفس فيما تريده من هذا الأمر الّذي استصعبت عليه ، أو في غيره من اللذّات لتنقاد و تترك الاستصعاب ، إذا إطاعة النفس في لذّاتها توجب طغيانها و قوّتها في الباطل و بعدها عن اللَّه ، و لذا ترى القوّة على العبادة في المرتاضين و من أنحلتهم العبادة أكثر منها في الأقوياء و المترفين بالنعم .

-----------
( 1062 ) طه : 71 .

-----------
( 1063 ) المؤمنون : 60 .

[ 358 ]

و « قرّت عين فلان و أقرّ اللَّه عينه » كفر و عضّ أي سرّ و فرح ، و معناه :

أبرد اللَّه دمعة عينه لأنّ دمعة الفرح و السرور باردة ، و دمعة الحزن حارّة ، و قيل : معنى « أقرّ اللَّه عينك » بلّغك أمنيّتك حتّى ترضى نفسك و تسكن عينك فلا تستشرف إلى غيره ، و قيل : معناه : أبرد اللَّه عينك بأن ينقطع بكاءها ، و قرّة عين كلّ أحد مأموله و منتهى رضاه .

و « ما لا يزول » ما عند اللَّه و الدار الآخرة . و « ما لا يبقى » الدنيا و زخارفها .

« يمزج الحلم بالعلم » أي يحمل للعلم بفضله لا لضعف النفس و عدم المبالاة بما قيل له ، أو فعل به ، أو لا يطيش في المحاورات و المباحثات مع أنّه يقول عن علم ، و قيل :

المراد بالحلم العقل ، أي يتعلّم عن تفكّر و تدبّر و لا يعتمد على الظنون و الآراء الواهية ، أو يتفكّر فيما علم و يحفظه حتّى يتمكّن في قلبه . « و القول بالعمل » أي إذا أمر الناس بمعروف أو نهاهم عن منكر عمل به ، أو يفي بالوعد ، أو يقرن الايمان بالأعمال الصالحة ، أو يجمع بين القول الجميل و الفعل الحسن .

و « النزر و المنزور » القليل . و « الأكل » كعنق الحظّ من الدنيا ، و في بعض النسخ : « أكله » بالفتح ، أي لا يمتلي‏ء من الطعام ، لأنّه من أسباب الكسل عن العبادة و كثرة النوم . و « الحرز » الموضع الحصين ، و « حرز حريز » كحصن حصين ،

و « حرزه » كنصره حفظه و المراد عدم إهماله في أمر دينه و عدم تطرّق الخلل إليه .

و « المأمول » المرجوّ .

« إن كان في الغافلين » لعلّ الغرض من القرينتين أنّه لا يزال ذاكر اللَّه سواء كان مع الغافلين أو مع الذاكرين ، أمّا إذا كان في الغافلين فيذكر اللَّه بقلبه أو بلسانه أيضا فيصير سببا لذكرهم أيضا ، فيكتب أنّه في الذاكرين .

و قوله عليه السّلام « لم يكتب من الغافلين » كأنّه تفنّن في العبارة ، أو المعنى أنّه ليس ذكره بمحض اللسان ليكتب من الغافلين بل قلبه أيضا مشغول بذكره تعالى .

و الغالب في الصلة و القطع الاستعمال في الرحم ، و قد يستعملان في الأعمّ

[ 359 ]

أيضا .

و « بعيدا » عود إلى السياق السابق ، و الجمل معترضة ، أو حال عن فاعل يصل ، و قد يعبّر بالبعد عن العدم ، و كذلك الغيبة و الحضور و الاقبال و الإدبار و يحتمل القلّة فإنّ التقوى غير العصمة ، و يمكن أن يراد بالإقبال الازدياد و بالإدبار الانتقاص ،

أي لا يزال يسعى فيزداد خيره و ينتقص شرّه .

و قال الوالد رحمه اللَّه : يمكن أن يراد بالمعروف و المنكر الاحسان و الاساءة إلى الخلق .

و « الزلازل » الشدائد . و « الوقور » فعول من « الوقار » بالفتح ، و هو الحلم و الرزانة . و « الرخاء » سعة العيش . و « الحيف » الجور و الظلم . و المراد بالإثم الميل عن الحقّ و الغرض أنّه لا يترك الحقّ للعداوة و المحبّة إذا كان حاكما ، أو لا يجور على العدوّ و لا يساعد المحبّ بما يخرج عن الحقّ .

« لا يضيع ما استحفظ » أي ما أودع عنده من الأموال و الأسرار ، و التضييع في الأوّل بالخيانة و التفريط و في الثانية بالاذاعة و الافشاء ، و يحتمل شموله لما استحفظه اللَّه من دينه و كتابه . « و لا ينسى ما ذكر » أي ما أمر بتذكره من آيات اللَّه و عبره و أمثاله ، أو الأعمّ منها و من أحكام اللَّه و الموت و المصير إلى اللَّه و أهوال الآخرة .

و « النبز » بالتحريك ، اللقلب ، قيل : و كثر فيما كان ذمّا ، و « المنابزة و التنابز » التعاير و التداعي بالألقاب . و « المضارّة » الاضرار . و « الجار » المجاور في السكنى و من آجرته من أن يظلم . و « شمت كفرح شماتة » بالفتح ، أي فرح ببليّة العدوّ . « لا يدخل في الباطل » أي في مجلس الفسق و اللهو و الفساد ، أو المراد عدم ارتكاب الباطل ، و كذا « الخروج من الحقّ » أي من مجالسه ، أو عدم ترك الحقّ .

« لم يغمّه صمته » لعلمه بمفاسد الكلام و عدم التذاذه بالباطل من القول ، أو لاشتغال قلبه حين الصمت بذكر اللَّه . « لم يعل صوته » أي لا يشتدّ صوته أو يكتفي بالتبسّم ، إذ الخروج عنه يكون غالبا بالضحك بالصوت العالي ، و الواسطة نادرة . و « أراح الناس » لاشتغاله بنفسه . و « الزهد » خلاف الرغبة ، و كثيرا ما يستعمل في

[ 360 ]

عدم الرغبة في الدنيا . و « النزاهة » بالفتح ، التباعد عن كلّ قدر و مكروه ، و إنّما كان تباعده زهدا و نزاهة لأنّه إنّما يرغب عن أهل الدنيا و أهل الباطل ، و قيل :

نزاهة عن تدنّس العرض .

و « الخديعة » ككريهة الاسم من « خدعة » أي ختله و أراد به المكروه من حيث لا يعلم . و « صعق » كسمع : أي غشي عليه من صوت شديد سمعه أو من غيره ، و ربّما مات منه . « كانت نفسه فيها » أي مات بها ، و يحتمل أن يراد بالصعقة الصيحة ، كما هو الغالب في هذا المقام . و يراد بكون نفسه فيها خروج روحه بخروجها . و « ويح » كلمة رحمة و يستعمل في التعجّب كما مرّ مرارا ، و التلطّف في مثل هذا المقام من قبيل الاحسان إلى من أساء . و قد مرّ الكلام في هذا المقام و في بعض ما تقدّم في شرح رواية الكافي فلا نعيده .

و أقول : روى في تحف العقول أيضا مثله . 1064 و أقول : لمّا سلك قدوة المحقّقين ابن ميثم البحرانيّ في شرح هذا الحديث مسلكا آخر ، أردت إيراده ليطّلع الناظر في كتابنا على أكثر ما قيل في ذلك فأوردته . 1065 قال قدّس سرّه : وصف عليه السّلام المتّقين بالوصف المجمل فقال : « فالمتّقون فيها هم أهل الفضائل » أي الّذين استجمعوا الفضائل المتعلّقة باصلاح قوّتي العلم و العمل ، ثمّ شرع في تفصيل تلك الفضائل و نسقها .

فالأولى : الصواب في القول و هو فضيلة العدل المتعلّقة باللّسان ، و حاصله أن لا يسكت عمّا ينبغي أن يقال فيكون مفرّطا ، و لا يقول ما ينبغي أن يسكت عنه فيكون مفرطا ، بل يضع كلاّ من الكلام في موضعه اللائق به و هو أخصّ من الصدق ،

لجواز أن يصدق الانسان فيما لا ينبغي من القول .

الثانية : « و ملبسهم الاقتصاد » و هو فضيلة العدل في الملبوس ، فلا يلبس ما

-----------
( 1064 ) تحف العقول ، ص 154 158 ، ط إسلامية .

-----------
( 1065 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 3 ، ص 414 425 .

[ 361 ]

يلحقه بدرجة المترفين و لا يلحقه بأهل الخسّة و الدناءة ممّا يخرج به عن عرف الزاهدين في الدنيا .

الثالثة : مشي التواضع ، و التواضع ملكة تحت العفّة ، يعود إلى العدل بين رذيلتي المهانة و الكبر و مشي التواضع مستلزم للسكون و الوقار .

الرابعة : غضّ الأبصار عمّا حرّم اللَّه و هو ثمرة العفّة .

الخامسة : وقوفهم أسماعهم على سماع العلم النافع ، و هو فضيلة العدل في قوّة السمع . و العلوم النافعة ما هو كمال القوّة النظرية من العلم الالهيّ و ما يناسبه و ما هو كمال للقوّة العمليّة و هي الحكمة العمليّة .

السادسة : نزول أنفسهم منهم في البلاء كنزولها في الرخاء ، أي لا تقنط من بلاء ينزل بها و لا تبطر برخاء يصيبها ، بل مقامها في الحالين مقام الشكر . و « الّذي » صفة مصدر محذوف و الضمير العائد إليه محذوف أيضا ، و التقدير : نزلت كالنزول الّذي نزلته في الرخاء . و يحتمل أن يكون المراد ب « الّذي » « الّذين » فحذف النون كما في قوله تعالى : « كَالَّذِي خُاضُوا 1066 . و يكون المقصود تشبيههم حال نزول أنفسهم منهم في البلاء بالّذي نزلت أنفسهم منهم في الرخاء ، و المعنى واحد .

السابعة : غلبة الشوق إلى ثواب اللَّه و الخوف من عقابه على نفوسهم إلى غاية أن أرواحهم لا تستقرّ في أجسادهم من ذلك ، لو لا الآجال الّتي كتبت لهم . و هذا الشوق و الخوف إذا بلغ إلى حدّ الملكة ، فإنّه يستلزم دوام الجدّ في العمل و الاعراض عن الدنيا ، و مبدأ هما تصوّر عظمة الخالق ، و بقدر ذلك يكون تصوّر عظمة وعده و وعيده ،

و بحسب قوّة ذلك التصوّر يكون قوّة الخوف و الرجاء و هما بابان عظيمان للجنّة .

الثامنة : عظم الخالق في أنفسهم ، و ذلك بحسب الجواذب الالهيّة إلى الاستغراق في محبته و معرفته ، و بحسب تفاوت تصور عظمته تعالى يكون تصوّرهم لأصغريّة مادونه ، و نسبته إليه في أعين بصائرهم .

و قوله « فهم و الجنّة كمن قد رآها » إلى قوله « معذّبون » إشارة إلى أنّ

-----------
( 1066 ) التوبة : 69 .

[ 362 ]

العارف و إن كان في الدنيا بجسده فهو في مشاهدته بعين بصيرته لأحوال الجنّة و سعادتها و أحوال النار و شقاوتها ، كالّذين شاهدوا الجنّة بعين حسّهم و تنعّموا فيها و كالّذين شاهدوا النار و عذّبوا فيها . و هي مرتبة عين اليقين ، فبحسب هذه المرتبة كانت شدّة شوقهم إلى الجنّة و شدّة خوفهم من النار .

التاسعة : حزن قلوبهم ، و ذلك ثمرة الخوف الغالب .

العاشرة : كونهم مأموني الشرور ، و ذلك أنّ مبدء الشرور محبّة الدنيا و أباطيلها ، و العارفون بمعزل عن ذلك .

الحادية عشر : نحافة أجسادهم ، و مبدء ذلك كثرة الصيام و السهر و جشوبة المطعم و خشونة الملبس و هجر الملاذّ الدنيويّة الثانية عشر : خفّة حاجاتهم ، و ذلك لاقتصارهم من حوائج الدنيا على القدر الضروريّ من ملبس و مأكل ، و لا أخفّ من هذه الحاجة .

الثالثة عشر : عفّة أنفسهم ، و ملكة العفّة فضيلة القوّة الشهويّة و هي الوسط بين رذيلتي خمود الشهوة و الفجور .

الرابعة عشر : الصبر على المكاره أيّام حياتهم من ترك الملاذّ الدنيويّة و احتمال أذى الخلق ، و قد عرفت أنّ الصبر مقاومة النفس الأمّارة بالسوء لئلاّ ينقاد إلى قبائح اللذّات . و إنّما ذكر قصر مدّة الصبر و استعقابه للراحة الطويلة ترغيبا فيه و تلك الراحة بالسعادة في الجنّة كما قال تعالى : وَ جزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً الآية 1067 . و قوله « تجارة مربحة » استعار لفظ التجارة لأعمالهم الصالحة و امتثال أوامر اللَّه . و وجه المشابهة كونهم متعوّضين بمتاع الدنيا و بحركاتهم في العبادة متاع الآخرة . و رشّح بلفظ الربح لأفضلية متاع الآخرة و زيادته في النفاسة على ما تركوه . و ظاهر أن ذلك بتيسير اللَّه لأسبابه و إعدادهم له بالجواذب الإلهيّة .

الخامسة عشر : عدم إرادتهم للدنيا مع إرادتها لهم ، و هو إشارة إلى الزهد الحقيقيّ و هو ملكة تحت العفّة ، و كنى بارادتها لهم عن كونهم أهلا لأن يكونوا فيها

-----------
( 1067 ) الانسان : 12 .

[ 363 ]

رؤوسا و أشرافا كقضاة و وزراء و نحو ذلك و كونها بمعرض أن تصل إليهم لو أرادوها . و يحتمل أن يريد : أرادهم أهل الدنيا ، فحذف المضاف .

السادسة عشر : افتداء من أسرته لنفسه منها ، و هو إشارة إلى من تركها و زهد فيها بعد الانهماك فيها و الاستمتاع بها ، ففكّ بذلك الترك و الإعراض و التمرّن على طاعة اللَّه أغلال الهيئات الرديّة المتلبّسة منها عن عنقه . و لفظ الأسر استعارة في تمكّن تلك الهيئات من نفوسهم ، و لفظ الفدية استعارة لتبديل ذلك الاستمتاع بها بالاعراض عنها و المواظبة على طاعة اللَّه . و إنّما عطف بالواو في قوله « و لم يريدوها » و بالفاء في قوله « ففدوا » لأنّ زهد الانسان في الدنيا كما يكون متأخّرا عن إقبالها عليه ، كذلك قد يكون متقدّما عليه لقوله صلى اللَّه عليه و آله « و من جعل الآخرة أكثر همّه جمع اللَّه عليه همّه و أتته الدنيا و هي راغمة » ، فلم يحسن العطف هنا بالفاء . و أمّا الفدية فلمّا لم يكن إلاّ بعد الأسر لا جرم عطفها بالفاء .

السابعة عشر : كونهم صافّين أقدامهم بالليل يتلون القرآن و يرتّلونه . . . إلى قوله « آذانهم » ، و ذلك إشارة إلى تطويع نفوسهم الأمّارة بالسوء بالعبادات و شرح لكيفيّة استيثارهم للقرآن العزيز في تلاوته و غاية ترتيلهم له بفهم مقاصده و تحزينهم لأنفسهم به عند ذكر الوعيدات من جملة استيثارهم لدواء دائهم . و لمّا كان داءهم هو الجهل و سائر الرذائل العمليّة ، كان دواء الجهل بالعلم و دواء كلّ رذيلة الحصول على الفضيلة المضادّة لها ، فهم بتلاوة القرآن يستثيرون بالتحزين الخوف عن وعيد اللَّه المضادّ للانهماك في الدنيا ، و داءه العلم الّذي هو دواء الجهل ، و كذلك كلّ فضيلة حثّ القرآن عليها ، فهي دواء لما يضادّها من الرذائل . و باقي الكلام شرح لكيفيّة التحزين و التشويق .

و قوله « فهم حانون على أوساطهم » ذكر لكيفيّة ركوعهم . و قوله « مفترشون لجباههم . . . » إلى قوله « أقدامهم » إشارة إلى كيفيّة سجودهم و ذكر الأعظم السبعة و قوله « يطلبون . . . » إلى قوله « رقابهم » إشارة إلى غايتهم من عبادتهم تلك .

الثامنة عشر : من صفاتهم بالنهار كونهم حكماء و أراد الحكمة الشرعيّة و ما فيها من كمال القوّة العلميّة و العمليّة لكونها المتعارفة بين الصحابة و التابعين و روي :

[ 364 ]

« حلماء » و « الحلم » فضيلة تحت ملكة الشجاعة هي الوسط بين رذيلتي المهانة و الافراط في الغضب . و إنّما خصّ الليل بالصلاة لكونها أولى بها من النهار .

التاسعة عشر : كونهم علماء و أراد كمال القوّة النظريّة بالعلم النظريّ و هو معرفة الصانع و صفاته .

العشرون : كونهم أبرارا و البرّ يعود إلى العفيف لمقابلته الفاجر .

الحادية و العشرون : كونهم أتقياء و المراد بالتقوى ههنا الخوف من اللَّه . و قد مرّ ذكر العفّة و الخوف و إنّما كررهما هنا في عداد صفاتهم بالنهار و ذكرها هناك في صفاتهم المطلقة . و قوله « و قد براهم الخوف . . . » إلى قوله « عظيم » شرح لفعل الخوف الغالب بهم ، و إنّما يفعل الخوف ذلك لاشتغال النفس المدبّرة للبدن به عن النظر في صلاح البدن و وقوف القوّة الشهوية و الغاذّية عن أداء بدل ما يتحلّل و شبّه بري الخوف لهم ببري القداح ، و وجه التشبيه شدّة النحافة ، و يتبع ذلك تغير السحنات [ 1068 ] و الضعف عن الانفعالات النفسانيّة من الخوف و الحزن حتّى يحسبهم الناظر مرضى و إن لم يكن بهم مرض .

« و يقول قد خولطوا » و ذلك إشارة إلى ما يعرض لبعض العارفين عند اتّصال نفسه بالملأ الأعلى و اشتغالها عن تدبير البدن و ضبط حركاته أن يتكلّم بكلام خارج عن المتعارف يستبشع بين أهل الشريعة الظاهرة فينسب ذلك منه إلى الاختلاط و الجنون و تارة إلى الكفر و الخروج عن الدين . و قوله « و لقد خالطهم أمر عظيم » هو اشتغال أسرارهم بملاحظة جلال اللَّه و مطالعة أنوار الملأ الأعلى .

الثانية و العشرون : كونهم لا يرضون [ من أعمالهم ] القليل إلى قوله « الكبير » و ذلك لتصوّرهم شرف غايتهم المقصودة بأعمالهم . و قوله « فهم لأنفسهم متّهمون . . . » إلى قوله « ما لا يعلمون » فتهمتهم لأنفسهم و خوفهم من أعمالهم يعود إلى شكّهم فيما يحكم به أوهامهم من حسن عبادتهم و كونها مقبولة أو واقعة على الوجه المطلوب الموصل إلى اللَّه تعالى فإنّ هذا الوهم يكون مبدأ للعجب بالعبادة و التقاصر عن

[ 1068 ] « السحنة » بالتحريك ، الهيئة و اللون ، و لين البشرة ، و النعمة .

[ 365 ]

الازدياد عن العمل و التشكّك في ذلك و تهمة النفس بانقيادها في ذلك الحكم للنفس الأمّارة يستلزم خوفها أن تلك الأعمال قاصرة عن الوجه المطلوب و غير واقعة عليه و ذلك باعث على العمل و كاسر للعجب به ، و قد عرفت أنّ العجب من المهلكات كما قال عليه السّلام : « ثلاث مهلكات : شحّ مطاع ، و هوى متّبع ، و إعجاب المرء بنفسه » .

و كذلك خوفهم من تزكية الناس لهم هو الدواء لما ينشأ من تلك التزكية من الكبر و العجب بما يزكون به ، فيكون جواب أحدهم عند تزكيته أنّي أعلم بنفسي من غيري . . . إلى آخره .

ثمّ شرع عليه السّلام بعد ذلك في علاماتهم الّتي بجملتها يعرف أحدهم .

و الصفات السابقة و إن كان كثير منها ممّا يخصّ أحدهم و يعرف به إلاّ أنّ بعضها قد يدخله الرياء فلا يدلّ على التقوى الحقّة ، فجمعها ههنا و نسقها .

فالأولى : القوّة في الدين ، و ذلك أن يقاوم في دينه الوسواس الخنّاس و لا يدخل فيه خداع الناس ، و هذا إنّما يكون في الدين العالم .

الثانية : الحزم في الامور الدنيويّة و الدينيّة و التثبّت فيها ممزوجا باللين للخلق و عدم الفضاضة عليهم كما في المثل : « لا تكن حلوا فتسترط و لا مرّا فتلفظ » [ 1069 ] . و هي فضيلة العدل في المعاملة مع الخلق و قد علمت أن اللين قد يكون للتواضع المطلوب بقوله [ تعالى ] : وَ اخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُوْمِنينَ 1070 . و قد يكون من مهانة و ضعف يقين ، و الأوّل هو المطلوب و هو المقارن للحزم في الدين و مصالح النفس و الثاني رذيلة و لا يمكن معه الحزم لانفعال المهين عن كلّ جاذب .

[ 1069 ] ذكره الجوهريّ في « سرط » و لفظه : لا تكن حلوا فتسترط و لا مرّا فتعقى » ، و « تعقى » بمعنى تلفظ . من قولهم « أعقيت الشي‏ء » إذا أزلته من فيك لمرارته ، كما يقال : « أشكيت الرجل » إذا أزلته عمّا يشكوه . الصحاح ، ص 1130 .

و هكذا ذكره الميدانيّ و قال : « الاشتراط » الابتلاع . و « الاعقاء » أن تشتدّ مرارة الشي‏ء حتّى يلفظ لمرارته . و بعضهم يروي :

« فتعقى » بوزن « فتسترط » و الصواب كسر القاف ، يقال : « أعقى الشي‏ء » . و المعنى : لا تتجاوز الحدّ في المرارة فترمى ، و لا في الحلاء فتبلع ، أي كن متوسّطا . مجمع الأمثال ، ج 2 ، ص 232 ، تحت الرقم 3604 .

-----------
( 1070 ) الشعراء : 115 .

[ 366 ]

الثالثة : الإيمان في اليقين ، و لمّا كان الإيمان عبارة عن التصديق بالصانع و بما وردت به الشريعة و كان ذلك التصديق قابلا للشدّة و الضعف ، فتارة يكون عن التقليد و هو الاعتقاد المطابق لا لموجب و تارة يكون عن العلم و هو الاعتقاد المطابق لموجب هو الدليل و تارة عن العلم به مع العلم بأنّه لا يكون إلاّ كذلك و هو علم اليقين . و محقّقو السالكين لا يقفون عند هذه المرتبة بل يطلبون بعين اليقين بالمشاهدة بعد طرح حجب الدنيا و الاعراض عنها . أراد أنّ علمهم علم اليقين لا يتطرّق إليه احتمال .

الرابعة : الحرص في العلم و الازدياد منه .

الخامسة : مزج العلم و هو فضيلة القوّة الملكيّة بالحلم و هو من فضائل القوّة السبعيّة .

السادسة : القصد في الغنى و هو فضيلة العدل في استعمال متاع الدنيا و حذف الفضول عن قدر الضرورة .

السابعة : الخشوع في العبادة و هو من ثمرة الفكر في جلال المعبود و ملاحظة عظمته الّذي هو روح العبادة .

الثامنة : التجمّل في الفاقة : و ذلك بترك الشكوى إلى الخلق و الطلب منهم و إظهار الغنى عنهم ، و ينشأ عن القناعة و الرضا و علوّ الهمّة و يعين على ذلك ملاحظة الوعد العاجل و ما أعدّ للمتّقين .

التاسعة : و كذلك الصبر في الشدّة .

العاشرة : الطلب في الحلال و ينشأ عن العفّة .

الحادية عشر : النشاط في الهدي و سلوك سبيل اللَّه و ينشأ عن قوّة الاعتقاد فيما وعد المتّقون و تصوّر شرف الغاية .

الثانية عشر : عمل الصالحات على و جل ، أي من أن يكون على غير الوجه اللائق فلا يقبل كما روي عن زين العابدين عليه السلام أنّه كان في التلبية و هو على راحلته و خرّ مغشيّا عليه ، فلمّا أفاق قيل له في ذلك فقال : « خشية أن يقول

[ 367 ]

لي : لا لبيك و لا سعديك » .

الثالثة عشر : أن يكون همّهم عند المساء الشكر على ما رزقوا بالنهار و ما لم يرزقوا و يصبحوا و همّهم الذكر للَّه ليذكرهم اللَّه فيرزقهم من الكمالات النفسانيّة و البدنيّة كما قال تعالى : فاَذْكُرُوني أذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لي وَ لاَ تَكْفُرُونِ 1071 .

الرابعة عشر : أن يبيت حذرا و يصبح فرحا ، و قوله « حذرا . . . » إلى قوله « الرحمة » تفسير للمحذور و ما به الفرح و ليس مقصوده تخصيص البيات بالحذر و الصباح بالفرح ، بل كما يقول أحدنا : يمسي فلان و يصبح حذرا فرحا . و كذلك تخصيصه الشكر بالمساء و الذكر بالصباح يحتمل أن لا يكون مقصودا .

الخامسة عشر : « إن استصعبت . . . » إلى قوله « تحبّ » إشارة إلى مقاومته لنفسه الأمّارة بالسوء عند استصعابها عليه و قهره لها على ما تكره و عدم متابعته لها في ميولها الطبيعيّة و محابّها .

السادسة عشر : أن يرى قرّة عينه فيما لا يزول ، أي من الكمالات النفسانيّة الباقية كالعلم و الحكمة و مكارم الأخلاق المستلزمة للذّات الباقية و السعادة الدائميّة . و « قرّة عينه » كناية عن لذّته و ابتهاجه لاستلزامهما لقرار العين و بردها برؤية المطلوب و زهادته فيما لا يبقى من متاع الدنيا .

السابعة عشر : أن يمزج العلم بالحلم فلا يجهل و لا يطيش و القول بالعمل ، فلا يقول ما لا يفعل فلا يأمر بمعروف فيقف دونه و لا ينهى عن منكر ثمّ يفعله و لا يعد فيخلف ، فيدخل في مقت اللَّه كما قال تعالى : كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ 1072 .

الثامنة عشر : قصر أمله و قربه ، و ذلك لكثرة ذكر الموت و الوصول إلى اللَّه .

التاسعة عشر : قلّة زلله و قد عرفت أنّ زلل العارفين يكون من باب ترك الأولى لأنّ صدور الخيرات عنهم صار ملكة و الجواذب فيهم إلى الزلل و الخطيئات نادرة تكون لضرورة منهم أو سهو ، و لا شكّ في قلّته .

-----------
( 1071 ) البقرة : 152 .

-----------
( 1072 ) الصفّ : 3 .

[ 368 ]

العشرون : خشوع قلبه عن تصوّر عظمة المعبود .

الحادية و العشرون : قناعة نفسه و ينشأ عن ملاحظة حكمة اللَّه في قدرته و قسمته الأرزاق ، و يعين عليها تصوّر فوائدها الحاضرة و غايتها في الآخرة .

الثانية و العشرون : قلّة أكله و ذلك لما يتصوّر في البطنة من ذهاب الفطنة و زوال الرقّة و حدوث القسوة و الكسل عن العمل .

الثالثة و العشرون : سهولة أمره ، أي لا يتكلّف لأحد و لا يكلّف أحدا .

الرابعة و العشرون : حرز دينه ، فلا يهمل منه شيئا و لا يطرق إليه خللا .

الخامسة و العشرون : موت شهوته ، و لفظ الموت مستعار لخمود شهوته عمّا حرم عليه و يعود إلى العفّة .

السادسة و العشرون : كظم غيظه و هو من فضائل القوّة الغضبيّة .

السابعة و العشرون : كونه « مأمول الخير » و ذلك لأكثريّة خيريّته [ و كونه ] « مأمون الشرور » و ذلك لعلم الخلق بعدم قصده للشرور .

الثامنة و العشرون : قوله « إن كان من الغافلين . . . » إلى قوله « الغافلين » أي إن رآه الناس في أعداد الغافلين عن ذكر اللَّه لتركه الذكر باللسان ، كتب عند اللَّه من الذاكرين لاشتغال قلبه بالذكر و إن تركه بلسانه ، و إن كان من الذاكرين بلسانه بينهم فظاهر أنّه لا يكتب من الغافلين . و لذكر اللَّه ممادح كثيرة و هو باب عظيم من أبواب الجنّة و الاتّصال بجناب اللَّه ، و قد أشرنا إلى فضيلته و أسراره .

التاسعة و العشرون : عفوه عمن ظلمه ، و العفو فضيلة تحت الشجاعة و خصّ من ظلمه ليتحقّق عفوه مع قوّة الداعي إلى الانتقام .

الثلاثون : و يعطي من حرمه و هي فضيلة تحت السخاء .

الحادية و الثلاثون : و يصل من قطعه ، و المواصلة فضيلة تحت العفّة .

الثانية و الثلاثون : بعد فحشه ، و أراد ببعد الفحش عنه أنه قلّما يخرج في أقواله إلى ما لا ينبغي .

الثالثة و الثلاثون : لينه في القول عند محاورات الناس و وعظهم و معاملتهم و

[ 369 ]

هو من أجزاء التواضع .

الرابعة و الثلاثون : غيبة منكره و حضور معروفه و ذلك للزومه حدود اللَّه .

الخامسة و الثلاثون : إقبال خيره و إدبار شرّه ، و هو كقوله « الخير منه مأمول و الشرّ منه مأمون » و يحتمل باقبال خيره أخذه في الازدياد من الطاعة و تشميره فيها ، و بقدر ذلك يكون إدباره عن الشرّ لأنّ من استقبل أمرا و سعى فيه بعد عمّا يضادّه و أدبر عنه .

السادسة و الثلاثون : و قاره في الزلازل ، و كنى بها عن الأمور العظام و الفتن الكبار المستلزمة لاضطراب القلوب و أحوال الناس ، و الوقار ملكة تحت الشجاعة .

السابعة و الثلاثون : كثرة صبره في المكاره ، و ذلك عن ثباته و علوّ همّته عن أحوال الدنيا .

الثامنة و الثلاثون : كثرة شكره في الرخاء و ذلك لمحبّته المنعم الأوّل جلّت قدرته فيزداد شكره في رخائه و إن قلّ .

التاسعة و الثلاثون : كونه لا يحيف على من يبغض و هو سلب للحيف و الظلم مع قيام الداعي إليهما و هو البغض لمن يتمكّن من حيفه و ظلمه .

الأربعون : كونه لا يأثم فيمن يحبّ و هو سلب لرذيلة الفجور عنه باتّباع الهوى فيمن يحبّ ، إمّا باعطائه ما لا يستحق أو دفع ما يستحقّ عليه عنه كما يفعله قضاة السوء و أمراء الجور ، فالمتّقي لا يأثم بشي‏ء من ذلك مع قيام الداعي إليه و هو المحبّة لمن يحبّه ،

بل يكون على فضيلة العدل في الكلّ على السواء .

الحادية و الأربعون : اعترافه بالحقّ قبل أن يشهد عليه ، و ذلك لتحرّزه في دينه من الكذب ، إذ الشهادة إنّما يحتاج إليها مع إنكار الحقّ و ذلك كذب .

الثانية و الأربعون : كونه لا يضيع أماناته و لا يفرط فيما استحفظه اللَّه من دينه و كتابه ، و ذلك لورعه و لزوم حدود اللَّه .

الثالثة و الأربعون : و لا ينسى ما ذكر من آيات اللَّه و عبره و أمثاله و لا يترك العمل بها ، و ذلك لمداومة ملاحظتها و كثرة إخطارها بباله و العمل لعنايته المطلوبة منه .

[ 370 ]

الرابعة و الأربعون : و لا ينابز بالألقاب ، و ذلك لملاحظته النهي في الذكر الحكيم : « و لا تنابزوا بالألقاب » 1073 و لسرّ ذلك النهي و هو كون ذلك مستلزما لإثارة الفتن و التباغض بين الناس و الفرقة المضادّة لمطلوب الشارع .

الخامسة و الأربعون : و لا يضارّ بالجار لملاحظة وصيّة اللَّه تعالى به :

وَ الْجَارَ ذِي القُرْبَي وَ الْجَارَ الجُنُبِ 1074 و وصيّة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله في المرفوع إليه : « أوصاني ربّي بالجار حتّى ظننت أنّه يورّثه » ، و لغاية ذلك و هي الألفة و الاتّحاد في الدين .

السادسة و الأربعون : و لا يشمت بالمصائب ، و ذلك لعلمه بأسرار القدر و ملاحظته لأسباب المصائب و أنّه في معرض أن تصيبه فيتصوّر أمثالها في نفسه فلا يفرح بنزولها على غيره .

السابعة و الأربعون : أنّه لا يدخل في الباطل و لا يخرج عن الحقّ ، أي لا يدخل فيما يبعّد عن اللَّه تعالى من باطل الدنيا و لا يخرج عمّا يقرّب إليه من مطالبه الحقّة ، و ذلك لتصوّر شرف غايته .

الثامنة و الأربعون : كونه لا يغمّه صمته لوضعه كلاّ من الصمت و الكلام في موضعه و إنّما يستلزم الغمّ الصمت عمّا ينبغي من القول و هو صمت في غير موضعه .

التاسعة و الأربعون : كونه لا يعلو ضحكه ، و ذلك لغلبة ذكر الموت و ما بعده على قلبه ، و ممّا نقل من صفات الرسول صلّى اللَّه عليه و آله : كان أكثر ضحكه التبسّم و قد يفترّ أحيانا و لم يكن من أهل القهقهة و الكركرة و هما كيفيّتان للضحك .

الخمسون : صبره في البغي عليه إلى غاية انتقام اللَّه له ، و ذلك منه نظرا إلى ثمرة الصبر إلى الوعد الكريم [ في قوله تعالى ] : ذَلِكَ وَ مَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقبَ بِهِ ثمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لِيَنْصُرنَّهُ اللَّهُ الآية 1075 و قوله : وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ 1076 .

-----------
( 1073 ) الحجرات : 11 .

-----------
( 1074 ) النساء : 36 .

-----------
( 1075 ) الحجّ : 60 .

-----------
( 1076 ) النحل : 126 .

[ 371 ]

الحادية و الخمسون : كون نفسه منه في عناء ، أي نفسه الأمّارة بالسوء لمقاومته لها و قهرها و مراقبته إيّاها و الناس من أذاه في راحة لذلك .

الثانية و الخمسون : كون بعده عمن تباعد عنه لزهده فيما في أيدي الناس و نزاهته عنه ، لا عن كبر و تعظّم عليهم ، و كذلك دنوه ممّن دنا منه عن لين و رحمة منه لهم ، لا لمكر بهم و خديعة لهم عن بعض المطالب كما هو عادة الخبيث المكّار .

و هذه الصفات و العلامات قد يتداخل بعضها ، و لكن تورد بعبارة اخرى أو تذكر مفردة ثمّ تذكر ثانيا مركّبة مع غيرها . 1077