الوصية بالتقوى

أما بعد ، فإنّي أوصيكم بتقوى اللَّه الّذي ابتداء خلقكم ، و إليه يكون معادكم ، و به نجاح طلبتكم ، و إليه منتهى رغبتكم ، و نحوه قصد سبيلكم ، و إليه مرامي مفزعكم ( 2792 ) . فإنّ تقوى اللَّه دواء داء قلوبكم ، و بصر عمى أفئدتكم ، و شفاء مرض أجسادكم ، و صلاح فساد صدوركم ، و طهور دنس أنفسكم ، و جلاء عشا أبصاركم ،

و أمن فزع جأشكم ( 2793 ) ، و ضياء سواد ظلمتكم . فاجعلوا طاعة اللَّه شعارا ( 2794 ) دون دثاركم ( 2795 ) ، و دخيلا دون شعاركم ، و لطيفا بين أضلاعكم ، و أميرا فوق أموركم ، و منهلا ( 2796 ) لحين ورودكم ،

و شفيعا لدرك ( 2797 ) طلبتكم ( 2798 ) ، و جنّة ( 2799 ) ليوم فزعكم ، و مصابيح

[ 380 ]

لبطون قبوركم ، و سكنا لطول وحشتكم ، و نفسا لكرب مواطنكم .

فإنّ طاعة اللَّه حرز من متالف مكتنفة ، و مخاوف متوقّعة ، و أوار ( 2800 ) نيران موقدة . فمن أخذ بالتّقوى عزبت ( 2801 ) عنه الشّدائد بعد دنوها ،

و احلولت له الأمور بعد مرارتها ، و انفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها ،

و أسهلت له الصّعاب بعد إنصابها ( 2802 ) ، و هطلت عليه الكرامة بعد قحوطها ، و تحدّبت ( 2803 ) عليه الرّحمة بعد نفورها ، و تفجرت عليه النّعم بعد نضوبها ( 2804 ) ، و وبلت عليه البركة بعد إرذاذها ( 2805 ) .

فاتّقوا اللَّه الّذي نفعكم بموعظته ، و وعظكم برسالته ، و امتنّ عليكم بنعمته . فعبّدوا أنفسكم لعبادته ، و اخرجوا إليه من حقّ طاعته .