إيضاح

سيأتي الخبر بتمامه في باب العلّة الّتي من أجلها لم يغيّر أمير المؤمنين عليه السّلام بعض البدع . قوله عليه السّلام « حقّا و باطلا و صدقا و كذبا » ذكر الصدق و الكذب بعد الحقّ و الباطل من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ ،

لأنّ الصدق و الكذب من خواصّ الخبر ، و الحقّ و الباطل يصدقان على الأفعال أيضا ،

و قيل : الحقّ و الباطل هنا من خواصّ الرأي و الاعتقاد و الصدق و الكذب من خواصّ النقل و الرواية . قوله عليه السّلام « محكما و متشابها » المحكم في اللغة هو المضبوط المتقن و يطلق في الاصطلاح على ما اتّضح معناه و على ما كان محفوظا من النسخ أو التخصيص أو منهما معا و على ما كان نظمه مستقيما خاليا عن الخلل ، و ما لا يحتمل من

[ 405 ]

التأويل إلاّ وجها واحدا ، و يقابله بكلّ من هذه المعاني المتشابه . قوله عليه السّلام « و وهما » بفتح الهاء ، مصدر قولك « و همت » بالكسر ، أي غلطت و سهوت و قد روي : « وهما » بالتسكين ، مصدر « وهمت » بالفتح ، إذا ذهب وهمك إلى شي‏ء و أنت تريد غيره ، و المعنى متقارب . قوله عليه السّلام « فليتبوأ » صيغة الأمر و معناه الخبر كقوله تعالى : قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً 1107 قوله عليه السّلام « متصنّع بالإسلام » أي متكلّف له و متدلّس به غير متّصف به في نفس الأمر . قوله عليه السّلام « لا يتأثّم » أي لا يكفّ نفسه عن موجب الإثم ، أو لا يعد نفسه آثما بالكذب على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ، و كذا قوله « لا يتحرّج » من الحرج بمعنى الضيق . قوله عليه السّلام « و قد أخبر اللَّه عزّ و جلّ عن المنافقين » أي كان ظاهرهم ظاهرا حسنا و كلامهم ، كلاما مزيّقا مدلّسا يوجب اغترار الناس بهم و تصديقهم فيما ينقلونه عن النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و يرشد إلى ذلك أنّه سبحانه خاطب نبيّه صلّى اللَّه عليه و آله بقوله : « و إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم » 1108 أي لصباحتهم و حسن منظرهم « و إن يقولوا تسمع لقولهم » 1109 أي تصغي إليه لذلاقة ألسنتهم . قوله عليه السّلام « فولّوهم الأعمال » أي أئمّة الضلال بسبب وضع الأخبار أعطوا هؤلاء المنافقين الولايات و سلّطوهم على الناس . و يحتمل العكس أيضا ، أي بسبب مفتريات هؤلاء المنافقين صاروا و الين على الناس و صنعوا ما شاؤوا و ابتدعوا ما أرادوا ، و لكنّه بعيد .

قوله عليه السّلام « ناسخ و منسوخ » قال الشيخ البهائي رحمه اللَّه :

خبر ثان لإنّ ، أو خبر مبتدء محذوف أي بعضه ناسخ و بعضه منسوخ ، أو بدل من « مثل » و جرّه على البدليّة من القرآن ممكن ، فإن قيام البدل مقام المبدل منه غير لازم عند كثير من المحقّقين . قوله عليه السّلام « قد كان يكون » إسم كان ضمير الشأن و يكون تامّة و هي مع اسمها الخبر ، و له وجهان : نعت للكلام لأنّه في حكم النكرة ، أو حال منه ، و إن جعلت « يكون » ناقصة فهو خبرها . قوله عليه السّلام

[ 406 ]

« و قال اللَّه » لعلّ المراد أنّهم لمّا سمعوا هذه الآية علموا وجوب اتّباعه صلّى اللَّه عليه و آله و لمّا اشتبه عليهم مراده عملوا بما فهموا منه و أخطأوا فيه ، فهذا بيان لسبب خطاء الطائفة الثانية و الثالثة ، و يحتمل أن يكون ذكر الآية لبيان أنّ هذه الفرقة الرابعة المحقّة إنّما تتّبعوا 1110 جميع ما صدر عنه صلّى اللَّه عليه و آله من الناسخ و المنسوخ و العامّ و الخاصّ ، لأنّ اللَّه تعالى أمرهم باتّباعه في كلّ ما يصدر عنه . قوله عليه السّلام « فيشتبه » متفرّع على ما قبل الآية ، أي كان يشتبه كلام الرسول صلّى اللَّه عليه و آله على من لا يعرف ، و يحتمل أن يكون المراد أنّ اللَّه تعالى إنّما أمرهم بمتابعة الرسول صلّى اللَّه عليه و آله فيما يأمرهم به من اتّباع أهل بيته و الرجوع إليهم فإنّهم كانوا يعرفون كلامه و يعلمون مرامه فاشتبه ذلك على من لم يعرف مراد اللَّه تعالى و ظنّوا أنّه يجوز لهم العمل بما سمعوا منه بعده صلّى اللَّه عليه و آله من غير رجوع إلى أهل بيته . قوله عليه السّلام « ما عنى اللَّه به » الموصول مفعول « لم يدر » و يحتمل أن يكون فاعل « يشتبه » . قوله عليه السّلام « و لا يستفهمه » أي إعظاما له . قوله عليه السّلام « و الطاري‏ء » أي الغريب الّذي أتاه عن قريب من غير انس به و بكلامه ، و إنّما كانوا يحبّون قدومهما إمّا لاستفهامهم و عدم استعظامهم إيّاه أو لأنّه صلّى اللَّه عليه و آله كان يتكلّم على وفق عقولهم فيوضحه حتّى يفهم غيرهم . قوله عليه السّلام « فيخليني فيها » من « الخلوة » يقال : « استخلى الملك فأخلاه » أي سأله أن يجتمع به في خلوة ففعل ، أو من « التخلية » أي يتركني أدور معه . قوله عليه السّلام « أدور معه حيثما دار » أي لا امنع عن شي‏ء من خلواته ، أدخل معه أيّ مدخل يدخل فيه و أسير معه أينما سار ، أو المراد أنّي كنت محرما لجميع أسراره قابلا لعلومه ، أخوض معه في كلّ ما يخوض فيه من المعارف و كنت أوافقه في كلّ ما يتكلّم فيه و أفهم مراده . قوله عليه السّلام « تأويلها و تفسيرها » أي بطنها و ظهرها . 1111

-----------
( 1110 ) كذا ، و هذا خطأ واضح و الصواب أن يكون : اتّبعوا .

-----------
( 1111 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 2 ، كتاب العلم ، ص 328 233 .

[ 407 ]