بيان

الظاهر أنّ الضمير في « أنّه » راجع إلى اللَّه ، و قيل : راجع إلى القضاء و القدر المذكور في صدر الخطبة . و « الحكم » بالتحريك ، منفّذ الحكم . و « الفصل » القطع و القضاء بين الحقّ و الباطل . و « النسخ » الإزالة و التغيير و الإبطال .

و قال ابن أبي الحديد : يعني كلّما قسم اللَّه الأب الواحد إلى ابنين أعدّ خيرهما و أفضلهما لولادة محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سمّى ذلك نسخا لأنّ البطن الأوّل تزول و يخلفه البطن الثاني . 1122

-----------
( 1122 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 11 ، ص 67 ، ط بيروت .

[ 416 ]

« لم يسهم فيه عاهر » ، « السهم » النصيب و الحظّ ، و في النهاية : و أصله واحد السهام الّتي يضرب بها في الميسر و هي القداح ، ثمّ سمّي به ما يفوز به الفاتح سهمه .

ثمّ كثر حتّى سمّي كلّ نصيب سهما . انتهى . و « السهمة » بالضمّ ، القرابة و « المساهمة » المقارعة ، و « أسهم بينهم » أي أقرع ، و كانوا يعملون بالقرعة إذا تنازعوا في ولد و الكلمة في بعض النسخ على صيغة المجرّد ك « يمنع » و في بعضها على بناء الإفعال . و « العاهر » الزاني ، قيل : أي لم يضرب فيه العاهر بسهم و لم يكن للفجور في أصله شركة .

و قال ابن أبي الحديد 1123 : في الكلام رمز إلى جماعة من الصحابة في أنسابهم طعن . ثمّ حكى عن الجاحظ أنّه قال : قام عمر على المنبر فقال : إيّاكم و ذكر العيوب و الطعن في الأصول . ثمّ قال : و روى المدائنيّ هذا الخبر في كتاب امّهات الخلفاء و قال : إنّه روي عند جعفر بن محمّد عليهما السّلام بالمدينة فقال : لا تلمه يا ابن أخي إنّه أشفق أن يحدج بقصّة نفيل بن عبد العزّى و صهاك أمة الزبير بن عبد المطلب . ثمّ قال : رحم اللَّه عمر إنّه لم يعد السنّة و تلا : « إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا الآية » 1124 .

أقول : قد أوردنا هذه القصّة في نسب عمر . و « الدعامة » بالكسر ، عماد البيت الّذي يقوم عليه . و « العصم » كعنب جمع « عصمة » و هي المنع و الحفظ .

و « كفاء » أصله كفاية و الاتيان بالهمزة للازدواج ، كما قالوا : الغدايا و العشايا [ و ] كما قال صلّى اللَّه عليه و آله : « مأزورات غير مأجورات » و الأصل الواو .

و قال ابن أبي الحديد : « أهل الخير » هم المتّقون و « دعائم الحقّ » الأدلّة الموصلة إليه المثبتة له في القلوب ، و « عصم الطاعة » هي الادمان على فعلها و التمرّن عليها ، لأنّ المرون على الفعل يكسب الفاعل ملكة تقتضي سهولة عليه . و « العون » ههنا هو اللطف المقرّب من الطاعة المبعّد من القبيح و لمّا كان العون من اللَّه سبحانه مستهلا للقول أطلق عليه من باب التوسّع أنّه يقول على الألسنة و لمّا كان

-----------
( 1123 ) نفس الهامش السابق .

-----------
( 1124 ) النور : 19 .

[ 417 ]

اللَّه تعالى هو الّذي يثبت كما قال : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقُولِ الثَّابِتِ 1125 نسب التثبيت إلى اللطف لأنّه من فعل اللَّه .

و قال ابن ميثم 1126 : قوله عليه السّلام « ألا و إنّ اللَّه » ترغيب للسامعين أن يكونوا من أهل الخير و دعائم الحقّ و عصم الطاعة و كأنّه عنى بالعون القرآن ، قال تعالى : « لنثبّت به فؤادك » 1127 .

و « فيه كفاء » أي في ذلك العون كفاية لطالبي الاكتفاء ، أي من الكمالات النفسانيّة ، « و شفاء » لمن طلب الشفاء من أمراض الرذائل الموبقة ، و يمكن أن يكون المراد بأهل الخير الأتقياء و بدعائم الحقّ النبيّ و الأئمة عليهم السّلام و بعصم الطاعة العبادات الّتي توجب التوفيق من اللَّه سبحانه و ترك المعاصي الموجبة لسلبه أو الملائكة العاصمة للعباد عن اتّباع الشياطين و بالعون الملائكة المرغّبة في طاعة اللَّه كما ورد في الأخبار .

و « المستحفظين » في أكثر النسخ بالنصب على صيغة اسم المفعول و هو أظهر ،

يقال : « استحفظته إيّاه » أي سألته أن يحفظه ، و في بعض النسخ على صيغة اسم الفاعل ، أي الطالبين للحفظ ، و في بعض النسخ بالرفع حملا على المحلّ و كونه خبرا بعيد و المراد بهم الأئمة عليهم السّلام كما ورد في الأدعية و الأخبار ، و قال الشراح :

المراد بهم العارفون أو الصالحون .

« يصونون مصونه » أي يكتمون ما ينبغي أن يكتم من أسرار علمه من غير أهله . و « يفجّرون عيونه » أي يفيضون ما ينبغي إفاضته على عامّة الناس ، أو كلّ علم على من هو قابل له ، أو يتّقون في مقام التقيّة و يظهرون الحقّ عند عدمها . و « الولاية » في النسخ بالكسر ، قال سيبويه : « الولاية » بالفتح المصدر و بالكسر الاسم ، و قال ابن أبي الحديد : « الولاية » بفتح الواو المحبّة و النصرة ، أي يتواصلون و هم أولياء و مثله

-----------
( 1125 ) ابراهيم : 27 .

-----------
( 1126 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 4 ، ص 33 ، ط بيروت .

-----------
( 1127 ) الفرقان : 32 .

[ 318 ]

« و يتلاقون بالمحبّة » كما تقول : « خرجت بسلاحي » أي و أنا متسلّح أو يكون المعني :

يتواصلون بالقلوب لا بالأجسام ، كما تقول : أنا أراك بقلبي و أزورك بخاطري و أو اصلك بضميري . انتهى .

و أقول : يحتمل أن يكون المراد ولاية أهل البيت عليهم السّلام أي بسببها ، أو متّصفين بها أو مظهرين لها . و « ماء رويّ » كغني أي كثير مروّ ،

و « روى من الماء كرضي ريّا » بالفتح و الكسر ، أي تنعّم ، و الاسم « الريّ » بالكسر . « و الريّة » في بعض النسخ بالفتح و في بعضها بالكسر ، و لعلّ المراد التساقي من المعارف و العلوم . و « الريبة » بالكسر ، التهمة و الشكّ اسم من « الريب » بالفتح ،

أي لا تخالطهم شكّ في المعارف و العقائد أو تهمة في حبّ أحدهم للآخر . و عدم إسراع الغيبة فيهم لعدم استحقاقهم للغيبة في أقوالهم و أعمالهم و اتّقائهم مواضع التهم ، أو المعنى : لا يغتابون الناس و لا يتبعون عيوبهم .

و « الخلق » يكون بمعنى التقدير و الابداع و بمعنى الطبيعة كالخليفة .

و « الأخلاق » جمع « خلق » بالضمّ و بضمّتين ، و هو السجيّة و الطبع و المروّة و الدين .

و يحتمل أن يكون المراد بالخلق ما هو بمنزلة الأصل و المشخّص للذّات و بالأخلاق الفروع و الشعب . و الضمير في « عليه » راجع إلى ما أشير إليه بذلك أو إلى العقد .

« فكانوا كتفاضل البذر » أي كان التفاضل بينهم و بين الناس كالتفاضل بين ما ينتقى من البذر أي يختار و بين ما يلقى ، فالمعنى : كالتفاضل بين الجيّد و الرديّ .

و يحتمل أن يكون المراد أنّه كان التفاضل بينهم كالتفاضل بين أفراد المختار من البذر فكما أنّه لا تفاضل يعتد به فيما بينها كذلك فيما بينهم . و « خلص الشي‏ء » كنصر أي صار خالصا و « خلّصه » أي جعله كذلك و « خلّصه » أيضا نجاة ، و المراد بالتخليص الانتقاء المذكور أي ميّزه ذلك عن غيره ، أو المعنى : ميّزه اللَّه تخليصا إيّاه عن شرور النفس و الشيطان عن غيره . و في بعض النسخ : « التلخيص » بتقديم اللام ،

و هو التبيين و « التلخيص و التهذيب » التنقية و الاصلاح . و « التمحيص » الابتلاء و الاختبار .

[ 419 ]

و « الكرامة » الاسم من التكريم و الاكرام ، و المراد بها هنا نصحه سبحانه و وعظه و تذكيره أو ما وعده اللَّه على تقدير حسن العمل من المثوبة و الزلفى ، و قبول الكرامة على الثاني بالعمل الصالح الموجب للفوز بها و على الأوّل العمل بمقتضاه و بقبولها القبول الحسن اللائق بها . و « قرعه » كمنعه أي أتاه فجأة و « قرع الباب » دقّه ، و قال الأكثر : « القارعة » الموت ، و يحتمل القيامة لأنّها من أسمائها سمّيت بها لأنّها تقرع القلوب بالفزع و أعدّها اللَّه للعذاب ، أو الداهية الّتي يستحقّها العاصي ، يقال : « أصابه اللَّه بقارعة » أي بداهية تهلكه ، و حلولها نزولها . و « استبدلت الشي‏ء بالشي‏ء » أي اتّخذت الأوّل بدلا من الثاني . و المراد بالنظر التدبّر و التفكّر .

و الظرف في قوله « في منزل » متعلّق بالمقام و « حتّى » لانتهاء غاية المقام ، أي الثبات أو الاقامة ، أي ليعتبر الانسان بهذه المدّة القصيرة و إقامته القليلة في الدنيا المنتهية إلى الاستبدال بها و اتّخاذ غيرها .

و قيل : يحتمل أن تكون كلمة « في » لافادة الظرفيّة الزمانيّة و يكون قوله « في منزل » متعلّقا بالنظر و مدخول « حتّى » علّة غائيّة النظر ، أي لينظر بنظر الاعتبار و ليتأمّل مدّة حياته في الدنيا في شأن ذلك المنزل الفاني حتّى تتّخذ بدله منزلا لائقا للنزول فالاستبدال حينئذ اتّخاذ البدل المستحقّ لذلك ، أو توطين النفس على الارتحال و رفض المنزل الفاني .

« فليصنع » أي فليعمل . و « المتحوّل » بالفتح ، مكان التحوّل ، و كذلك « المنتقل » و « معارف المنتقل » قيل : هي المواضع الّتي يعرف الانتقال إليها ، و قال ابن أبي الحديد : « معارف الدار » ما يعرفه المتوسّم بها ، واحدها « معرف » مثل معاهد الدار و معالمها ، و منه : « معارف المرأة » أي ما يظهر منها كالوجه و اليدين . و قيل :

يحتمل أن يكون المراد بمعارف المنتقل ما عرف من أحواله و الأمور السانحة فيه ، فيمكن أن يكون المتحوّل و المنتقل مصدرين .

« من يهديه » يعنى نفسه و الأئمّة من ولده عليهم السّلام . « من يرديه » أي يهلكه بالقائه في مهاوي الجهل و الضلالة . و « البصر » يطلق على الحاسّة و يراد به العلم مجازا و قد يطلق على العلم ، يقال : « بصرت بالشي‏ء » أي علمته . و يحتمل أن

[ 420 ]

تكون الاضافة لأدنى ملابسة ، أي بالبصر الحاصل للمطيع بتبصير الهادي إيّاه .

و « السبب » في الأصل الحبل . و إغلاق الأبواب بالموت ، و جوّز بعضهم أن يكون الأبواب و الأسباب عبارة عن نفسه و الأئمة من ذرّيته عليهم السّلام فإنّهم أبواب الفوز و الفلاح و الأسباب الممدودة من السماء إلى الأرض ، بهم يصل العبد إلى اللَّه سبحانه . و الغلق و القطع كناية عن عدمهم أو غيبتهم عليهم السّلام .

و « استفتح التوبة » أي طلب فتحها كأنّها باب مغلق يطلب فتحها للدخول فيها ، و يمكن أن يكون من « الاستفتاح » بمعنى الاستنصار ، أي طلب أن تنصره التوبة . و « مطت كبعت و أمطت » أي تنحيت و كذلك « مطت غيري و أمطته » أي نحّيته .

و قال الأصمعيّ : مطت أنا و أمطت غيري . 1128 و « الحوبة » بالفتح ، الاثم . « فقد أقيم على الطريق » أي بهداية اللَّه سبحانه . و « النهج » بالفتح ، الطريق الواضح . 1129 نهج : و أشهد أنّ محمّدا عبده و سيّد عباده ، كلّما نسخ [ 1130 ] اللَّه الخلق فرقتين جعله في خيرهما ، لم يسهم فيه عاهر ، و لا ضرب فيه فاجر .

بيان : « النسخ » الإزالة و التغيير ، استعير هنا للقسمة لأنّها إزالة للمقسوم و تغيير له . و « العاهر » الزاني ، و يطلق على الذكر و الأنثى ، و كذلك الفاجر .

تذنيب : أقول : قد ذكر علماءنا رضي اللَّه عنهم بعض خصائصه صلّى اللَّه عليه و آله في كتبهم و جمعها العلاّمة رحمه اللَّه في كتاب التذكرة .

فلنورد ملخّص ما ذكروه رحمهم اللَّه .

قال في التذكرة : فأمّا الواجبات عليه دون غيره من أمّته أمور : الأوّل السواك ، الثاني الوتر ، الثالث الاضحيّة .

-----------
( 1128 ) راجع الصحاح ، ج 3 ، ص 1162 .

-----------
( 1129 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 69 ، كتاب الايمان و الكفر ، ص 311 .

[ 1130 ] قيل : « نسخ الخلق » نقلهم بالتناسل عن أصولهم فجعلهم بعد الوحدة في الأصول فرقا .

[ 421 ]

روي عنه صلّى اللَّه عليه و آله أنّه قال : ثلاث كتب عليّ و لم يكتب عليكم : السواك و الوتر و الأضحيّة .

و في حديث آخر : كتب عليّ الوتر و لم يكتب عليكم ، و كتب عليّ السواك و لم يكتب عليكم ، و كتبت عليّ الاضحيّة و لم تكتب عليكم .

و تردّد الشافعي [ 1131 ] في وجوب السواك عليه صلّى اللَّه عليه و آله .

الرابع : قيام اللّيل لقوله تعالى : وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ 1132 .

و إن أشعر لفظ النافلة بالسنّة ، و لكنّها في اللغة الزيادة و لأنّ السنّة جبر للفريضة ،

و كان صلّى اللَّه عليه و آله معصوما من النقصان في الفرائض . و اختلف الشافعيّة فقال بعضهم : كان ذلك واجبا عليه و قال بعضهم : كان واجبا عليه و على امّته فنسخ .

أقول : ذكر الوتر مع قيام الليل يشتمل على تكرار ظاهرا ، و الأصل فيه أنّ العامّة رووا حديثا عن عايشة أنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال : « ثلاث علي فريضة و لكم سنّة : الوتر و السواك و قيام الليل » . و لذا جمعوا بينهما تبعا للرواية ، كما يظهر من شارح الوجيزة و تبعهم أصحابنا رضوان اللَّه عليهم .

و قال الشهيد الثاني قدّس سرّه : اعلم أنّ بين قيام الليل و بين الوتر الواجبين عليه مغايرة العموم و الخصوص المطلق ، لأنّ قيام الليل بالتهجّد يحصل بالوتر و بغيره فلا يلزم من وجوبه وجوبه ، و أمّا الوتر فلمّا كان من العبادات الواقعة بالليل فهو من جملة التهجّد بل أفضله . فقد يقال : إنّ إيجابه يغنى عن إيجاب قيام الليل و جوابه أنّ قيام الليل و إن تحقّق بالوتر لكن مفهومه مغاير لمفهومه لأنّ الواجب من القيام لمّا كان يتأدّى به و بغيره . و بالكثير منه و القليل كان كلّ فرد يأتي به منه موصوفا بالوجوب لأنّه أحد أفراد الواجب الكلّيّ ، و هذا القدر لا يتأدّى بإيجاب الوتر خاصة و لا يفيد فائدته ، فلا بدّ من الجمع بينهما .

[ 1131 ] في المصدر : أصحاب الشافعيّ .

-----------
( 1132 ) الإسراء : 79 .

[ 422 ]

ثمّ قال في التذكرة : الخامس : قضاء دين من مات معسرا لقوله صلّى اللَّه عليه و آله : « من مات و خلف مالا فلورثته ، و من مات و خلف دينا أو كلا فعليّ » و إلى هذا مذهب الجمهور [ 1133 ] . و قال بعضهم : كان ذلك كرما منه ، و هذا اللفظ لا يمكن حمله على الضمان لأنّ من صحّح ضمان المجهول لم يصحّح على هذا الوجه .

و للشافعيّة وجهان في أنّ الإمام هل يجب عليه قضاء دين المعسر إذا مات و كان في بيت المال سعة تزيد على حاجة الأحياء لما في إيجابه من الترغيب في اقتراض المحتاجين .

السادس : مشاورة أولي النهي لقوله تعالى : وَ شَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ 1134 .

و قيل : إنّه لم يكن واجبا عليه ، بل أمر لاستمالة قلوبهم و هو المعتمد ، فإنّ عقل النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله أوفر من عقول كلّ البشر .

السابع : إنكار المنكر إذا رآه و إظهاره ، لأنّ إقراره على ذلك يوجب جوازه ،

فإنّ اللَّه تعالى ضمن له النصر و الإظهار .

الثامن : كان عليه تخيير نسائه بين مفارقته و مصاحبته بقوله تعالى : « يَا أَيُّها الَّنَبيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ اِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدّنْيَا وَ زِينَتَهَا فَتَعَالَيْن أُمَتّعْكُنَّ وَ أُسَرَّحْكُنَّ سَرَاحاً جَميلا وَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيما 1135 .

و الأصل فيه أنّ النبي صلّى اللَّه عليه و آله آثر لنفسه الفقر و الصبر عليه ،

فأمر بتخيير نسائه [ 1136 ] بين مفارقته و اختيار زينة الدنيا و بين اختياره و الصبر على ضرّ الفقر لئلا يكون مكرها لهنّ على الضرّ و الفقر ، هذا هو المشهور . و للشافعيّة وجه في التخيير لم يكن واجبا عليه و إنّما كان مندوبا ، و المشهور الأوّل . ثمّ إنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله لمّا خيّرهن اخترنه و الدار الآخرة . فحرّم اللَّه تعالى على رسوله التزويج عليهنّ و التبدّل بهنّ من أزواج ثمّ نسخ ذلك ليكون المنّة لرسول اللَّه

[ 1133 ] في المصدر : أو كلا فإليّ . و على هذا مذهب الجمهور .

-----------
( 1134 ) آل عمران : 159 .

-----------
( 1135 ) الأحزاب : 28 و 29 .

[ 1136 ] في المصدر : فأمره بتخيير نسائه .

[ 423 ]

صلّى اللَّه عليه و آله بترك التزوّج عليهنّ بقوله تعالى : « إنّا أحللنا لك أزواجك اللاّتي آتيت أجورهنّ » 1137 .

قالت عايشة : إنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لم يمت حتّى أحلّ له النسآء تعني اللاّتي حظرن عليه . و قال أبو حنيفة : إنّ التحريم باق لم ينسخ . و قد روي أنّ بعض نسآء النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله طلبت منه حلقة من ذهب فصاغ لها حلقة من فضّة و طلاّها بالزعفران ، فقالت : لا أزيد إلاّ من ذهب ، فاغتمّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لذلك فنزلت آية التخيير .

و قيل : إنّما خيّره لأنّه لم يمكنه التوسعة عليهنّ ، فربما يكون فيهنّ من يكره المقام معه فنزّهه عن ذلك .

و روي أنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله كان يطالب بأمور لا يملكها و كان نساءه يكثرن مطالبته حتّى قال عمر : كنّا معاشر المهاجرين متسلّطين على نسائنا بمكّة و كانت نسآء الأنصار متسلّطات على الأزواج ، فاختلط نسآؤنا فيهنّ فتخلّقن بأخلاقهن ، و كلّمت امرأتي يوما فراجعتني ، فرفعت يدي لأضربها و قلت : أتراجعني يا لكعاء [ 1138 ] ؟

فقالت : إنّ نساء رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله يراجعنه و هو خير منك .

فقلت : خابت حفصة و خسرت ، ثمّ أتيت حفصة و سألتها .

فقالت : إنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله قد يظلّ على بعض نسائه طول نهاره غضبانا .

فقلت : لا تغتريّ بابنة أبي قحافة ، فإنّها حبّة [ 1139 ] رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله يحمل منها ما لا يحمل منك .

و قال عمر : كنت قد ناوبت رجلا من الأنصار حضور مجلس رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ليخبر كلّ واحد منّا صاحبه فيما يجري ، فقرع الأنصاريّ باب

-----------
( 1137 ) الأحزاب : 50 .

[ 1138 ] « اللكعاء » اللئيمة .

[ 1139 ] « الحبّة » بالكسر ، المحبوبة .

[ 424 ]

الدار يوما ، فقلت : أجاءنا غسّان ؟

و كان قد أخبرنا بأنّ غسّان تنعل خيولها لتغزونا ، فقال : أمر أفظع من ذلك ،

طلّق رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله جميع نسائه .

فخرجت من البيت و رأيت أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله يبكون حوله و هو جالس و كان أنس على البيت [ 1140 ] .

فقلت : استأذن لي فلم يجب . فانصرفت فنازعتني نفسي و عاودت فلم يجب ،

حتّى فعلت ذلك ثلاثا ، فسمع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله صوتي فأذن ،

فدخلت فرأيته نائما على حصير من الليف ، فاستوى و أثر الليف في جنبيه ، فقلت : إنّ قيصر و كسرى يفرشان الديباج و الحرير .

فقال : أفي شكّ أنت يا عمر ؟ أما علمت أنّها لهم في الدنيا و لنا في الآخرة .

ثمّ قصصت عليه القصّة فابتسم لمّا سمع قولي لحفصة « لا تغترّي بابنة أبي قحافة » . ثمّ قلت : طلّقت نسآءك ؟

فقال : لا .

و روي أنّه كان آلى من نسائه شهرا فكمث في غرفة شهرا ، فنزل قوله تعالى : يَا أيُّهَا النَّبِيُّ قَلْ لِأَزْوَاجِكَ الآية 1141 فبدأ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله بعايشة و قال : إنّي ملق إليك أمرا فلا تبادريني بالجواب حتّي تؤامري [ 1142 ] أبويك ،

و تلا الآية .

فقالت : أفيك أوامر أبوي ؟ اخترت اللَّه و رسوله و الدار الآخرة .

ثمّ قالت : لا تخبر أزواجك بذلك . و كانت تريد أن يخترن .

فيفارقهنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله فدار صلّى اللَّه عليه و آله على نسائه و كان يخبرهنّ بما جرى لعايشة ، فاخترن بأجمعهنّ اللَّه و رسوله ، و هذا التخيير

[ 1140 ] في المصدر : و كان أسامة على البيت .

-----------
( 1141 ) الأحزاب : 28 .

[ 1142 ] أي حتّى تشاوري أبويك .

[ 425 ]

عند العامّة كناية في الطلاق و عندنا أنّه ليس له حكم .

و قال الشهيد الثاني و الشيخ عليّ رحمهما اللَّه : هذا التخيير عند العامّة القائلين بوقوع الطلاق بالكناية كناية عن الطلاق ، و قال بعضهم : إنّه صريح فيه و عندنا ليس له حكم بنفسه ، بل ظاهر الآية أنّ من اختارت الحياة الدنيا و زينتها يطلّقها لقوله تعالى : إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَ زِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتَّعْكُنَّ و أسَرَحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً 1143 .

أقول : سيأتي القول فيه في بابه .

ثمّ قال في التذكرة : و أمّا المحرّمات فقسمان :

الأوّل : ما حرّم عليه خاصّة في غير النكاح و هو أمور :

الأوّل : الزكاة المفروضة ، صيانة لمنصبه العليّ عن أوساخ أموال الناس الّتي تعطى على سبيل الترحّم و تنبي‏ء عن ذلّ الآخذ ، و أبدل بالفي‏ء الّذي يؤخذ على سبيل القهر و الغلبة المنبي‏ء عن عزّ الآخذ و ذلّ المأخوذ منه ، و يشاركه [ 1144 ] في حرمتها أولوا القربي ، لكنّ التحريم عليهم بسببه أيضا فالخاصة [ 1145 ] عائدة إليه ، قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله : إنا أهل بيت لا تحلّ لنا الصدقة .

أقول : قال الشهيد الثاني رحمه اللَّه بعد ذكر هذا الوجه : مع أنّها لا تحرم عليهم مطلقا ، بل من غير الهاشميّ مع وفاء نصيبهم من الخمس بكفايتهم و أمّا عليه صلّى اللَّه عليه و آله فإنّها تحرم مطلقا ، و لعلّ هذا أولى من الجواب السابق لأنّ ذاك مبنيّ على مساواتهم له في ذلك كما تراه العامّة ، فاشتركوا في ذلك الجواب و الجواب الثاني مختصّ بقاعدتنا .

رجعنا إلى كلام التذكرة :

الثاني : الصدقة المندوبة ، الأقرب تحريمها على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه

-----------
( 1143 ) الأحزاب : 28 .

[ 1144 ] في المصدر : و يشاركه .

[ 1145 ] في المصدر و في غير نسخة المصنّف : فالخاصيّة .

[ 426 ]

و آله لما تقدّم و هو أحد قولي الشافعيّ تعظيما له و تكريما ، و في الثاني يجوز ، و حكم الإمام عندنا حكم النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله .

الثالث : إنّه كان صلّى اللَّه عليه و آله لا يأكل الثوم و البصل و الكرّاث ، و هل كان محرما عليه ؟ الأقرب : لا ، و للشافعيّة وجهان ، لكنّه كان يمتنع منها لئلا يتأذّى بها من يناجيه من الملائكة ، روي أنّه صلّى اللَّه عليه و آله أتي بقدر فيها بقول فوجد لها ريحا فقربها إلى بعض أصحابه و قال له : كل فإنّي أناجي من لا تناجي .

الرابع : إنّه صلّى اللَّه عليه و آله كان لا يأكل متّكئا ، روي أنّه صلّى اللَّه عليه و آله قال : أنا آكل كما تأكل العبيد و أجلس كما تجلس العبيد .

و هل كان ذلك محرّما عليه أو مكروها كما في حق الأمّة ؟ الأقرب الثاني ،

و للشافعيّ وجهان .

الخامس : يحرم عليه الخطّ و الشعر تأكيدا لحجّته و بيانا لمعجزته ، قال اللَّه تعالى : وَ لاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ 1146 و قال تعالى : وَ مَا عَلَمنَاهُ الشَّعْرَ 1147 . و قد اختلف في أنّه صلّى اللَّه عليه و آله كان يحسنهما أم لا ؟ و أصحّ قولي الشافعيّ الثاني ، و إنّما يتّجه التحريم على الأوّل .

السادس : كان صلّى اللَّه عليه و آله إذا لبس لأمة 1148 الحرب يحرم عليه نزعها حتّى يلقى العدوّ و يقاتل ، قال صلّى اللَّه عليه و آله : « ما كان لنبيّ إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يلقى العدوّ » ، و هو المشهور عند الشافعيّة و لهم وجه : إنّه كان مكروها لا محرّما .

السابع : كان صلّى اللَّه عليه و آله إذا ابتدأ بتطوّع حرم عليه تركه قبل إتمامه ، و فيه خلاف .

الثامن : كان يحرم أن يمدّ عينيه إلى ما متّع اللَّه به الناس ، قال اللَّه تعالى : وَ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ الآية 1149 .

-----------
( 1146 ) العنكبوت : 48 .

-----------
( 1147 ) يس : 69 .

-----------
( 1148 ) « الأمة » الدرع .

-----------
( 1149 ) الحجر : 88 .

[ 427 ]

التاسع : كان يحرم عليه خائنة الأعين ، قال صلّى اللَّه عليه و آله : « ما كان لنبيّ أن يكون له خائنة الأعين » . و فسّروها بالإيماء إلى مباح ، من ضرب أو قتل على خلاف ما يظهر و يشعر به الحال ، و إنّما قيل له خائنة الأعين لأنّه سبب الخيانة [ 1150 ] من حيث أنّه يخفى و لا يحرم ذلك على غيره إلاّ في محظور ، و بالجملة أن يظهر خلاف ما يضمر . و طرد بعض الفقهاء ذلك في مكائدة الحروب و هو ضعيف ، و قد صحّ أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله كان إذا أراد سفرا ورّى بغيره .

العاشر : اختلفوا في أنّه هل كان يحرم عليه أن يصلّي على من عليه دين أم لا ؟ على قولين .

الحادي عشر : اختلفوا في أنّه هل كان يجوز أن يصلّي على من عليه دين مع وجود الضامن .

الثاني عشر : لم يكن له أن يمنّ ليستكثر ، قال اللَّه تعالى : وَ لاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ 1151 أي لا تعط شيئا لتنال أكثر منه ، قال المفسّرون : إنّه كان من خواصّه صلّى اللَّه عليه و آله .

الثاني : ما حرّم عليه خاصّة في النكاح و هو أمور :

الأوّل : إمساك من تكره نكاحه و ترغب عنه لأنّه صلّى اللَّه عليه و آله نكح امرأة ذات جمال ، فلقّنت أن تقول لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله : « أعوذ باللَّه منك » و قيل لها : « إنّ هذا الكلام يعجبه » . فلمّا قالت ذلك قال صلّى اللَّه عليه و آله : « لقد استعذت بمعاذ » و طلّقها .

و للشافعيّة وجه غريب : أن كان لا يحرم إمساكها لكن فارقها تكرّما منه و مات رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله عن تسع نسوة : عايشة ، و حفصة ، و امّ سلمة بنت ابن اميّة المخزوميّ ، و امّ حبيبة بنت أبي سفيان ، و ميمونة بنت الحارث الهلاليّة ،

و جويريّة بنت الحارث الخزاعيّة ، و سودة بنت زمعة ، و صفيّة بنت حيّ بن أخطب

[ 1150 ] في المصدر : لأنّه شبه الخيانة .

-----------
( 1151 ) المدثّر : 6 .

[ 428 ]

الخيبريّة ، و زينب بنت جحش . و جميع من تزوّج بهنّ خمسة عشر و جمع بين إحدى عشرة و دخل بثلاث عشرة و فارق امرأتين في حياته : إحداهما الكلبيّة و هي الّتي رأى بكشحها بياضا ، فقال لها : الحقي بأهلك و الأخرى الّتي تعوّذت منه .

و قال : أبو عبيد : تزوّج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ثمانية عشر امرأة و اتّخذ من الاماء ثلاثا . 1152 الثاني : نكاح الكفّار [ 1153 ] . عندنا لا يصحّ للمسلم على الأقوى ، لقوله تعالى : وَ لاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُوْمِنَّ 1154 و قال : وَ لاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ 1155 .

و قال بعض علمائنا : إنّه يصحّ ، و هو مذهب جماعة من العامّة ، فعندنا التحريم بطريق الأولى ثابت في حقّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله .

و اختلف في مشروعيّة له من جوّز من العامّة في حق الأمّة على قولين :

أحدهما المنع لقوله صلّى اللَّه عليه و آله : « زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الآخرة » ، و الجنّة محرّمة على الكافرين ، و لأنّه اشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة ، و اللَّه تعالى أكرم زوجاته إذ جعلهنّ أمّهات المؤمنين و الكافرة لا تصلح لذلك لأنّ هذه أسوة الكرامة ، و لقوله تعالى : إنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَس 1156 ، و لقوله « كلّ سبب و نسب ينقطع يوم القيامة إلاّ سببي و نسبي » و ذلك لا يصحّ في الكافرة .

و الثاني الجواز لأنّ ذبائحهم له حلال فكذلك نساءهم . و المقدّمة الأولى ممنوعة ، فإنّ ذبائح أهل الكتاب عندنا محرّمة ، و أمّا نكاح الأمة فلم يجز له بلا خلاف بين الأكثر ، و أمّا وطي الأمة فكان سائغا له مسلمة كانت أو كتابيّة لقوله تعالى : أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ 1157 و قوله تعالى : وَ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ 1158 و لم يفصل .

و ملك صلّى اللَّه عليه و آله مارية القبطيّة و كانت مسلمة ، و ملك صفيّة و هي مشركة ، فكانت عنده إلى أن أسلمت فأعتقها و تزوّجها . و جوّز بعضهم نكاح الأمة

-----------
( 1152 ) سيأتي أحوال أزواجه في بابه .

[ 1153 ] في المصدر : نكاح الكتابيّة .

-----------
( 1154 ) البقرة : 221 .

-----------
( 1155 ) الممتحنة : 10 .

-----------
( 1156 ) التوبة : 28 .

-----------
( 1157 ) النساء : 3 .

-----------
( 1158 ) الأحزاب : 50 .

[ 429 ]

المسلمة له صلّى اللَّه عليه و آله بالعقد كما يجوز بالملك و النكاح أوسع منه من الأمة ، و لكنّ الأكثر على المنع لأنّ نكاح الأمة مشروط بالخوف من العنت ، و النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله معصوم و بفقدان طول [ 1159 ] الحرّة ، و نكاحه صلّى اللَّه عليه و آله مستغني [ 1160 ] عن المهر ابتداء و انتهاء ، و بأنّ من نكح أمة كان ولده منها رقيقا عند جماعة و منصب النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله منزّه عن ذلك ، لكن من جوّز له نكاح الأمة قال : خوف العنت إنّما يشترط في حقّ الأمّة و منع من اشتراط فقدان الطول ، و أمّا رقّ الولد فقد التزم [ 1161 ] بعض الشافعيّة وجها مستبعدا فيه بذلك ،

و الصحيح خلافه لأنّه عندنا يتّبع أشرف الطرفين .

و أمّا التخفيفات فقسمان :

الأوّل : ما يتعلّق بغير النكاح و هي أمور :

الأوّل : الوصال في الصوم ، كان مباحا للنبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و حرام على أمّته ، و معناه أنّه يطوي الليل بلا أكل و شرب [ 1162 ] مع صيام النهار ، لا أن يكون صائما لأنّ الصوم في الليل لا ينعقد ، بل إذا دخل الليل صار الصائم مفطرا إجماعا ، فلمّا نهى النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله أمّته عن الوصال قيل له : إنّك تواصل ، فقال : إنّي لست كأحدكم ، إنّي أظلّ عند ربّي يطعمني و يسقيني .

و في رواية : إنّي أبيت عند ربّي فيطعمني و يسقيني .

قيل : معناه يسقيني و يغذيني بوحيه .

و قال الشهيد الثاني نورّ اللَّه ضريحه : الوصال يتحقّق بأمرين : أحدهما الجمع بين الليل و النهار عن تروك الصوم بالنيّة ، و الثاني تأخير عشائه الى سحوره بالنيّة كذلك [ 1163 ] بحيث يكون صائما مجموع ذلك الوقت . و الوصال بمعنييه محرّم على أمّته و مباح له صلّى اللَّه عليه و آله .

[ 1159 ] « الطول » القدرة و الغنى .

[ 1160 ] هكذا في النسخة ، و الصحيح : مستغن .

[ 1161 ] في المصدر : فقد ألزم .

[ 1162 ] في المصدر : و لا شرب .

[ 1163 ] و الروايات قد وردت بمعنيين . ففي مرسلة الصدوق عن الصادق عليه السلام : الوصال الّذي نهى عنه هو أن يجعل

[ 430 ]

ثمّ نقل كلام التذكرة و قال : ليس بجيّد لأنّ الأكل بالليل ليس بواجب ،

و قد صرّح به هو في المنتهى فقال : لو أمسك عن الطعام يومين لابنيّة الصيام بل بنيّة الإفطار فالأقوى عدم التحريم ، و على ما ذكره هنا لا فرق بينه صلّى اللَّه عليه و آله و بين غيره ، بل المراد الصوم فيهما معا بالنية ، فإنّ هذا حكم مختصّ به محرم على غيره .

أقول : ما ذكره رحمه اللَّه هو المطابق لكلام الأكثر ، لكنّ الأخبار الواردة في تفسيره تقتضي التحريم مطلقا ، و أيضا لو كان المراد مع النيّة فلا وجه للتّخصيص بهذين الفردين ، بل الظاهر أنّه لو نوى دخول ساعة من الليل مثلا في الصوم كان تشريعا محرّما .

و سيأتي تمام القول في ذلك في كتاب الصوم ان شاء اللَّه تعالى .

ثمّ قال في التذكرة :

الثاني : اصطفاء ما يختاره من الغنيمة قبل القسمة ، كجارية حسنة و ثوب مترفّع [ 1164 ] و فرس جواد و غير ذلك ، و يقال لذلك الّذي اختاره : « الصفي و الصفيّة » و الجمع « الصفايا » و من صفاياه صفيّة بنت حيّى ، اصطفاها و اعتقها و تزوّجها ،

و ذو الفقار .

الثالث : خمس الفي‏ء و الغنيمة كان لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله الاستبداد به ، و أربعة أخماس الفي‏ء كانت له أيضا .

الرابع : أبيح له دخول مكّة بغير إحرام خلافا لأمته ، فإنّه محرّم عليهم على خلاف .

الخامس : أبيحت له و لامته كرامة له الغنائم و كانت حراما على من قبله من الأنبياء ، بل أمروا بجمعها فتنزل نار من السمآء فتأكلها . و إنّه كان يقضي لنفسه

الرجل عشاه سحوره . و في حديث الحلبي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام ، قال : الوصال في الصيام أن يجعل عشاه سحوره . و في حديث سليمان الديلميّ عنه عليه السلام : و إنّما قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله : « لا وصال في صيام » يعني لا يصوم الرجل يومين متواليين من غير إفطار . و في حديث حفص عنه عليه السلام : المواصل في الصيام يصوم يوما و ليلة و يفطر في السحر .

[ 1164 ] « رفع الثوب » خلاف غلظ . و في الحديث : ثوب حسن .

[ 431 ]

و في غيره خلاف ، و أن يحكم لنفسه و لولده ، و أن يشهد لنفسه و لولده ، و أن يقبل شهادة من شهد له [ 1165 ] .

السادس : أبيح له أن يحمي لنفسه الأرض لرعي ماشيته و كان حراما على من قبله من الأنبياء عليهم السّلام و الأئمة بعده ليس لهم أن يحموا لأنفسهم .

و قال المحقّق الثاني رحمه اللَّه في شرح القواعد : و هذا عندنا مشترك بينه و بين الأئمّة عليهم السّلام و قول المصنّف رحمه اللَّه في التذكرة « و الأئمّة بعده ليس لهم أن يحموا لأنفسهم » ليس جاريا على مذهبنا .

ثمّ قال في التذكرة :

السابع : أبيح له أن يأخذ الطعام و الشراب من المالك و إن اضطرّ إليها [ 1166 ] لأنّ حفظه لنفسه الشريفة أولى من حفظ نفس غيره ، و عليه البذل و الفداء بمهجته مهجة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله لأنّه صلّى اللَّه عليه و آله أولى بالمؤمنين من أنفسهم .

و قال المحقّق في شرح القواعد : و ينبغي أن يكون الإمام كذلك كما يرشد إليه التعليل ، و لم أقف على تصريح في ذلك .

ثمّ قال في التذكرة :

الثامن : كان لا ينتقض وضوءه بالنوم ، و به قال الشافعيّة ، و حكى أبو العباس منهم وجها آخر غريبا ، و كذلك حكى وجهين في انتقاض وضوئه باللمس .

التاسع : كان يجوز له أن يدخل المسجد جنبا ، و منعه بعض الشافعيّة و قال : لا أخا له صحيحا .

العاشر : قيل : إنّه كان يجوز له أن يقتل من آمنه و هو غلط ، فإنّه من يحرم [ 1167 ] عليه خائنة الأعين كيف يجوز له قتل من آمنه ؟

[ 1165 ] في المصدر : من يشهد له .

[ 1166 ] في المصدر : و إن اضطرّ إليهما .

[ 1167 ] في المصدر : فإنّ من يحرم عليه .

[ 432 ]

الحادي عشر : قيل : إنّه كان يجوز له لعن من شاء من غير سبب يقتضيه لأنّ لعنه رحمة ، و استبعده الجماعة و روى أبو هريرة أنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال :

« اللّهمّ إنّي أتّخذ عندك عهدا لن تخلفه ، إنّما أنا بشر فأيّ المؤمنين آذيته بتهمة و لعنة [ 1168 ] فاجعلها له صلاة و زكاة و قربة يتقرّب بها إليك يوم القيامة » . و هو عندنا باطل لأنّه معصوم لا يجوز منه لعن الغير و سبّه بغير سبب ، و الحديث لو سلّم إنّما هو لسبب .

و من التخفيفات [ 1169 ] ما يتعلّق بالنكاح و هى امور :

الأوّل : الزيادة على أربع نسوة ، فإنّه صلّى اللَّه عليه و آله مات عن تسع ، و هل كان له الزيادة على تسع ؟ الأولى الجواز لامتناع الجور عليه ، و للشافعيّة وجهان : هذا أصحّهما ، و الثاني المنع ، و أمّا انحصار طلاقه في الثلاث فالوجه في ذلك كما في حقّ الأمّة و هو أحد وجهي الشافعيّة . و الثاني العدم كما لم ينحصر عدد زوجاته صلّى اللَّه عليه و آله .

الثاني : العقد بلفظ الهبة ، لقوله تعالى : وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبيَّ 1170 فلا يجب المهر حينئذ بالعقد و لا بالدخول ، لا ابتداء و لا انتهاء كما هو قضيّة الهبة ، و هو أظهر وجهي الشافعيّة . و الثاني المنع ، كما في حقّ الامّة . و على الأوّل هل يشترط لفظ النكاح من جهة النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ؟ للشافعيّة وجهان :

أحدهما : نعم ، لظاهر قوله تعالى : « أن يستنكحها » 1171 . و الثاني لا يشترط في حقّ الواهبة [ 1172 ] ، و هل ينعقد نكاحه بمعنى الهبة حتّى لا يجب المهر ابتداء و لا انتهاء ؟

وجهان للشافعيّة ، و لهم وجه غريب : إنّه يجب المهر في حقّ الواهبة ، و خاصيّة النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ليست في إسقاط المهر ، بل في الانعقاد بلفظ الهبة .

الثالث : كان إذا رغب صلّى اللَّه عليه و آله في نكاح امرأة فإن كانت خليّة فعليها الإجابة و يحرم على غيره خطبتها ، و للشافعيّة وجه : إنّه لا يحرم ، و إن كانت

[ 1168 ] في المصدر : أو لعنته .

[ 1169 ] في المصدر : القسم الثاني من التخفيفات .

-----------
( 1170 ) الأحزاب : 50 .

-----------
( 1171 ) الأحزاب : 50 .

[ 1172 ] في المصدر : أن يشترط في حقّ الواهبة .

[ 433 ]

ذات زوج وجب على الزوج طلاقها لينكحها لقضيّة زيد [ 1173 ] . و لعلّ السرّ فيه من جانب الزوج امتحان إيمانه و اعتقاده بتكليفه النزول عن أهله ، و من جانب النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ابتلاؤه ببليّة البشريّة و منعه من خائنة الأعين و من الإضمار الّذي يخالف الإظهار كما قال تعالى : وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ 1174 و لا شي‏ء أدعى إلى غضّ البصر و حفظه لمجاريه الاتّفاقيّة [ 1175 ] من هذا التكليف و ليس هذا من باب التخفيفات كما قاله الفقهاء ، بل هو في حقّه غاية التشديد [ 1176 ] إذ لو كلّف بذلك آحاد الناس لما فتحوا أعينهم في الشوارع خوفا من ذلك ، و لهذا قالت عايشة : لو كان صلّى اللَّه عليه و آله يخفى آية لأخفى هذه .

الرابع : انعقاد نكاحه بغير وليّ و شهود ، و هو عندنا ثابت في حقّه صلّى اللَّه عليه و آله و حقّ أمّته [ 1177 ] إذ لا نشترط نحن ذلك ، و للشافعيّة وجهان .

الخامس : انعقاد نكاحه في الإحرام ، و للشافعيّة فيه وجهان ، أحدهما الجواز لما روي أنّه صلّى اللَّه عليه و آله نكح ميمونة محرما ، و الثاني المنع كما لم يحلّ له الوطي‏ء في الإحرام ، و المشهور عندهم أنّه نكح ميمونة حلالا .

السادس : هل كان يجب عليه القسم بين زوجاته بحيث إذا باتت عند واحدة منهنّ ليلة وجب عليه أن يبيت عند الباقيات كذلك أم لا يجب ؟ قال الشهيد الثاني رحمه اللَّه : اختلف العلماء في ذلك ، فقال بعضهم : لا يجب عليه ذلك لقوله تعالى : تُرجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ وَ مَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ [ 1178 ] و معنى « ترجي » تؤخّر و تترك إيواءه إليك و مضاجعته بقرينة قسيمه ، و هو

[ 1173 ] في المصدر : كقضيّة زيد .

-----------
( 1174 ) الأحزاب : 37 .

[ 1175 ] في المصدر : و حفظه عن المحابة الاتّفاقيّة .

[ 1176 ] فيه تأمّل واضح يعلم بمراجعة الآية و تفسيرها .

[ 1177 ] في ثبوت جواز النكاح بغير وليّ مطلقا في حقّ أمّته محلّ تأمّل ، بل منع .

[ 1178 ] الأحزاب : 51 . قال الطبرسيّ في معناها : أي تؤخّر و تبعّد من تشاء من أزواجك ، و تضمّ إليك من تشاء منهنّ و اختلف في معناه على أقوال .

أحدها : أنّ المراد : تقدّم من تشاء من نسائك في الايواء إليك و هو الدعاء للفراش ، و تؤخّر من تشاء في ذلك ، و تدخل من تشاء منهنّ في القسم ، و لا تدخل من تشاء ، عن قتادة ، قال : و كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله يقسم بين أزواجه و أباح اللَّه له ترك ذلك .

[ 434 ]

قوله : « و تؤوي إليك من تشاء » أي تضمّه إليك و تضاجعه ، ثمّ لا يتعيّن ذلك عليك ، بل لك بعد الإرجاء ، أن تبتغي ممّن عزلت ما شئت و تؤويه إليك . و هذا ظاهر في عدم وجوب القسمة عليه صلّى اللَّه عليه و آله ، حتّى روي أنّ بعد نزول الآية ترك القسمة لجماعة من نسائه و آوى إليه جماعة منهن معيّنات و قال آخرون : بل تجب القسمة عليه كغيره لعموم الأدلّة الدالّة عليها و لأنّه لم يزل يقسّم بين نسائه حتّى كان يطاف به و هو مريض عليهنّ و يقول : « هذا قسمي فيما أملك ، و أنت أعلم بما لا أملك » يعني قلبه صلّى اللَّه عليه و آله . و المحقّق رحمه اللَّه استضعف الاستدلال بالآية على عدم وجوب القسمة بأنّه كما يحتمل أن يكون المشيّة في الإرجاء و الإيواء لجميع نسائه يحتمل أن يكون متعلّقا بالواهبات أنفسهنّ خاصّة ، فلا يكون دليلا على التخيير مطلقا . و حينئذ فيكون اختيار قول ثالث و هو وجوب القسمة لمن تزوّجهنّ بالعقد و عدمها لمن وهبت نفسها . و في هذا عندي نظر لأنّ ضمير الجمع المؤنّث في قوله :

« ترجي من تشاء منهنّ » و اللفظ العامّ في قوله « و من ابتغيت » لا يصحّ عوده للواهبات ،

لأنّه لم يتقدّم ذكر الهبة إلاّ لامرأة واحدة ، و هي قوله : وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبيِّ إنْ أَرادَ النَّبىُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها 1179 فوحّد ضمير الهبة في مواضع من الآية ، ثمّ عقّبه بقوله :

« ترجي من تشاء منهنّ » فلا يحسن عوده إلى الواهبات ، إذ لم يسبق لهنّ ذكر على وجه الجمع . بل إلى جميع الأزواج المذكورات في هذه الآية و هي قوله تعالى : يَا أيُّهَا

ثانيها : أنّ المراد : تعزل من تشاء منهنّ بغير طلاق ، و تردّ إليك من تشاء منهنّ بعد عزلك إيّاها بلا تجديد عقد .

ثالثها : أنّ المراد : تطلق من تشاء منهنّ و تمسك من تشاء .

رابعها : أنّ المراد : تترك نكاح من تشاء من نساء أمّتك و تنكح منهنّ من تشاء ، عن الحسن ، قال : و كان صلّى اللَّه عليه و آله إذا خطب امرأة لم يكن لغيره أن يخطبها حتّى يتزوّجها أو يتركها .

خامسها : [ أنّ المراد ] : تقبل من تشاء من المؤمنات اللاّتي يهبن أنفسهنّ لك فتؤويها إليك ، و تترك من تشاء منهنّ فلا تقبلها .

« و من ابتغيت ممّن عزلت فلا جناح عليك » ( الأحزاب : 51 ) أي إن أردت أن تؤوي إليك امرأة ممّن عزلتهنّ عن ذلك و تضمّها إليك فلا سبيل عليك بلوم و لا عتب و لا إثم عليك في ابتغائها ، أباح اللَّه سبحانه له ترك القسم في النساء حتّي يؤخّر من يشاء عن وقت نوبتها ، و يطأ من يشاء في غير وقت نوبتها ، و له أن يعزل من يشاء ، و له أن يردّ المعزولة إن شاء . فضّله اللَّه بذلك على جميع الخلق .

-----------
( 1179 ) الأحزاب : 50 .

[ 435 ]

النبي إنّا أحللنا لك أزواجك اللاّتي آتيت أجورهنّ و ما ملكت يمينك ممّا أفاء اللَّه عليك و بنات عمّك و بنات عمّاتك و بنات خالك و بنات خالاتك اللاّتي هاجرن معك و امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنّبيّ الآية » 1180 الآية ، ثمّ عقّبها بقوله : « ترجي من تشاء منهنّ الآية » ،

و هذا هو ظاهر في عود ضمير النسوة المخيّر فيهنّ إلى من سبق من أزواجه جمع . و أيضا فإنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لم يتزوج بالهبة إلاّ امرأة واحدة على ما ذكره المحدّثون و المفسّرون ، و هو المناسب لسياق الآية ، فكيف يجعل ضمير الجمع عائدا إلى الواهبات و ليس له منهنّ إلاّ واحدة ؟ ثمّ لو تنزّلنا و سلّمنا جواز عوده إلى الواهبات لما جاز حمله عليه بمجرّد الاحتمال مع وجود اللفظ العامّ الشامل لجميعهنّ ، و أيضا فإنّ غاية الهبة أنّ تزويجه صلّى اللَّه عليه و آله يجوز بلفظ الهبة من جانب المرأة أو من الطرفين ، و ذلك لا يخرج الواهبة عن أن تكون زوجة فيلحقها ما يلحق غيرها من أزواجه . لأنّها تصير بسبب الهبة بمنزلة الأمة . و حينئذ فتخصيص الحكم بالواهبات لا وجه له أصلا ، و أمّا فعله صلّى اللَّه عليه و آله فجاز كونه بطريق التفضّل و الانصاف و جبر القلوب ، كما قال اللَّه تعالى : ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّا عْيُنُهُنَّ وَ لاَ يَحْزَنَّ وَ يَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلَهُنَّ 1181 .

انتهى كلامه رحمه اللَّه .

و رجعنا إلى كلام التذكرة :

السابع : إنّه كان يجوز للنبيّ صلّى اللَّه عليه و آله تزويج المرأة ممّن شاء بغير إذن وليّها و تزويجها من نفسه و تولّى الطرفين من غير إذن وليّهما ، و هل [ 1182 ] كان يجب عليه نفقة زوجاته ؟ وجهان لهم بناء على الخلاف في المهر ، و كانت المرأة تحلّ له بتزويج اللَّه تعالى ، قال سبحانه في قصّة زيد : « فلمّا قضى زيد منها وطرا زوّجناكها » 1183 . و قيل : إنّه نكحها بمهر ، و حملوا « زوّجناكها » على إحلال اللَّه تعالى

-----------
( 1180 ) الأحزاب : 50 .

-----------
( 1181 ) الأحزاب : 51 .

[ 1182 ] في المصدر قبل ذلك : و سوّغ الشافعيّة أن ينكح المعتدة في وجه ، و هل كان . ا ه .

-----------
( 1183 ) الأحزاب : 37 .

[ 436 ]

له نكاحها ، و أعتق صلّى اللَّه عليه و آله صفيّة رضي اللَّه عنها و تزوّجها و جعل عتقها صداقها ، و هو ثابت عندنا في حقّ أمّته . و جوّز بعض الشافعيّة له الجمع بين المرأة و عمّتها أو خالتها ، و إنّه كان يجوز له الجمع بين الأختين ، و كذا في الجمع بين الأمّ و بنتها . و هو عندنا بعيد لأنّ خطاب اللَّه تعالى يدخل فيه النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله .

و أمّا الفضل [ 1184 ] و الكرامات فقسمان :

الأوّل : في النكاح ، و هو أمور :

الأوّل : تحريم زوجاته على غيره [ 1185 ] ، قال الشهيد الثاني قدّس سرّه :

من جملة خواصّه صلّى اللَّه عليه و آله تحريم أزواجه من بعده على غيره لقوله تعالى : وَ مَا كَانَ لَكُمْ أن تُؤذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لاَ أَنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبَداً 1186 . و هي متناولة بعمومها لمن مات عنها من أزواجه ، سواء كانت مدخولا بها أم لا ، لصدق الزوجيّة عليهما و لم يمت صلّى اللَّه عليه و آله عن زوجة في عصمته إلاّ مدخولا بها . و نقل المحقّق الإجماع على تحريم المدخول بها ، و الخلاف في غيرها ليس بجيّد لعدم الخلاف أوّلا و عدم الفرض الثاني ثانيا ، و إنّما الخلاف فيمن فارقها في حياته بفسخ أو طلاق كالّتي وجد بكشحها بياضا و المستعيذة ، فإنّ فيه أوجها أصحّها عندنا تحريمها مطلقا لصدق نسبة زوجيّتها إليه صلّى اللَّه عليه و آله بعد الفراق في الجملة ،

فيدخل في عموم الآية . [ 1187 ] و الثاني أنّها لا تحرم مطلقا لأنّه يصدق في حياته أن يقال :

ليست زوجته الآن و لإعراضه صلّى اللَّه عليه و آله عنها و انقطاع اعتنائه بها .

و الثالث إن كانت مدخولا بها حرمت و إلاّ فلا ، لما روي أنّ الأشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمان عمر فهمّ برجمها فأخبر أنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فارقها قبل أن يمسّها فخلاّها ، و لم ينكر عليه أحد من الصحابة .

[ 1184 ] في المصدر : و أمّا الفضائل و الكرامات .

[ 1185 ] في المصدر : تحريم زوجاته اللّواتي مات عنهنّ على غيره .

-----------
( 1186 ) الأحزاب : 53 .

[ 1187 ] إن لم نقل : إنّها ظاهرة في اللّواتي كنّ زوجاته حين موته صلّى اللَّه عليه و آله ، نعم يدلّ على ذلك الحديث الآتي .

[ 437 ]

و روى الكلينيّ في الحسن عن عمر بن أذينة في حديث طويل أنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فارق المستعيذة و امرأة أخرى من كندة ، قالت لمّا مات ولده إبراهيم : لو كان نبيّا ما مات ابنه فتزوّجتا [ 1188 ] بعده باذن الأوّلين ، و أنّ أبا جعفر عليه السّلام قال : ما نهى اللَّه عزّ و جلّ عن شي‏ء إلاّ و قد عصي فيه ، لقد نكحوا أزواج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله من بعده ، و ذكر هاتين العامريّة و الكنديّة . ثمّ قال أبو جعفر صلّى اللَّه عليه و آله : لو سألتم عن رجل تزوّج امرأة فطلّقها قبل أن يدخل بها أتحلّ لابنه ؟

لقالوا : لا ، فرسول اللَّه أعظم حرمة من آبائهم .

و في رواية أخرى عن زرارة عنه عليه السّلام نحوه ، و قال في حديثه :

و هم يستحلّون أن يتزوّجوا [ 1189 ] أمّهاتهم ؟ و إنّ أزواج النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في الحرمة مثل أمّهاتهم إن كانوا مؤمنين . 1190 إذا تقرّر ذلك فنقول : تحريم أزواجه صلّى اللَّه عليه و آله لما ذكرناه من النهي المؤكّد عنه في القرآن لا لتسميتهنّ أمّهات المؤمنين في قوله تعالى : وَ أزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ 1191 و لا لتسميته صلّى اللَّه عليه و آله والدا ، لأنّ ذلك وقع على وجه المجاز لا الحقيقة ، كناية عن تحريم نكاحهنّ ، و وجوب احترامهنّ ، و من ثمّ لم يجز النظر إليهنّ و لا الخلوة بهنّ و لا يقال لبناتهنّ : أخوات المؤمنين ، لأنّهنّ لا يحرمن على المؤمنين .

فقد زوّج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله فاطمة عليها السّلام بعليّ عليه السّلام و أختيها « رقيّة » و « امّ كلثوم » عثمان ، و كذا لا يقال لآبائهن و امّهاتهنّ :

أجداد المؤمنين وجدّاتهم ، و لا لاخوانهنّ و أخواتهنّ أخوال المؤمنين و خالاتهم . و للشافعيّة وجه ضعيف في إطلاق ذلك كلّه ، و هو في غاية البعد . انتهى .

ثمّ قال رحمه اللَّه في التذكرة :

[ 1188 ] في الحديث : فتزوّجنا ، فجذم أحد الرجلين و جنّ الآخر .

[ 1189 ] في الكافي : و هم لا يستحلّون أن يتزوّجوا أمّهاتهم .

-----------
( 1190 ) فروع الكافي ، ج 2 ، ص 33 34 .

-----------
( 1191 ) الأحزاب : 6 .

[ 438 ]

الثاني : إنّ أزواجه امّهات المؤمنين ، سواء فيه من ماتت تحت النبيّ و من مات النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و هي تحته ، و ليست الأمومة هنا حقيقة ، ثمّ ذكر نحوا ممّا ذكره الشهيد الثاني رحمه اللَّه في ذلك .

الثالث : تفضيل زوجاته على غيرهنّ بأن جعل ثوابهنّ و عقابهنّ على الضعف .

الرابع : لا يحلّ لغيرهنّ من الرجال أن يسألهنّ شيئا إلا من وراء حجاب لقوله تعالى : وَ إذَا سَألْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ 1192 . و أمّا غيرهنّ فيجوز أن يسألن مشافهة .

الثاني : في غير النكاح ، و هو أمور :

الأوّل : أنّه خاتم النبيّين صلّى اللَّه عليه و آله .

الثاني : إنّ لم خير الأمم [ 1193 ] ، لقوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ 1194 تكرمة له صلّى اللَّه عليه و آله و تشريفا .

الثالث : نسخ جميع الشرائع بشريعته .

الرابع : جعل شريعته مؤبّدة .

الخامس : جعل كتابه معجزا بخلاف كتب سائر الأنبياء عليهم السّلام .

السادس : حفظ كتابه عن التبديل و التغيير ، و أقيم بعده حجّة على الناس ،

و معجزات غيره من الأنبياء انقرضت بانقراضهم .

السابع : نصر بالرعب على مسيرة شهر ، فكان العدوّ يرهبه من مسيرة شهر .

الثامن : جعلت له الأرض مسجدا و ترابها طهورا .

التاسع : أحلّت له الغنائم دون غيره من الأنبياء عليهم السّلام .

العاشر : يشفع في أهل الكبائر ، لقوله صلّى اللَّه عليه و آله : « ذخرت

-----------
( 1192 ) الأحزاب : 53 .

[ 1193 ] في المصدر : أمّته خير الأمم .

-----------
( 1194 ] آل عمران : 110 .

[ 439 ]

شفاعتي لأهل الكبائر من امّتي » .

الحادي عشر : بعث إلى الناس عامّة .

الثاني عشر : سيّد ولد آدم يوم القيامة .

الثالث عشر : أوّل من تنشقّ عنه الأرض .

الرابع عشر : أوّل شافع و مشفّع .

الخامس عشر : أوّل من يقرع باب الجنّة .

السادس عشر : أكثر الأنبياء تبعا .

السابع عشر : امّته معصومة لا تجتمع على الضلالة .

أقول : قال المحقّق في شرح القواعد : في عدّ هذا من الخصائص نظر لأنّ الحديث غير معلوم الثبوت ، و امّته صلّى اللَّه عليه و آله مع دخول المعصوم عليه السّلام فيهم لا تجتمع على ضلالة لكن باعتبار المعصوم فقطّ و لا دخل لغيره في ذلك ، و بدونه هم كسائر الأمم على الأمم الماضين مع أوصياء أنبيائهم كهذه الأمّة مع المعصوم ، فلا اختصاص . [ 1195 ] ثمّ قال في التذكرة :

الثامن عشر : صفوف امّته كصفوف الملائكة .

التاسع عشر : تنام عينه و لا ينام قلبه .

العشرون : كان يرى من ورائه كما يرى من قدّامه ، بمعنى التحفّظ و الحسّ ،

و كذلك قوله صلّى اللَّه عليه و آله : « تنام عيناي و لا ينام قلبي » .

الحادى و العشرون : كان تطوّعه بالصلاة قاعدا كتطوّعه قائما و إن لم يكن عذر [ 1196 ] ، و في حقّ غيره ذلك على النصف من هذا .

الثاني و العشرون : مخاطبة المصلّي بقوله « السّلام عليك و رحمة اللَّه

[ 1195 ] يمكن أن يقال : إنّ أمّته لا يجتمع على الضلالة ، لأن فيها فرقة في جميع الأعصار يتّبعون الحق ، و لو اتّبع غيرهم غير سواء السبيل ، فعليه يثبت الاختصاص .

[ 1196 ] في المصدر : و إن لم يكن له عذر .

[ 440 ]

و بركاته » [ 1197 ] ، و لا يخاطب سائر الناس .

الثالث و العشرون : يحرم على غيره رفع صوته على صوت النبيّ .

الرابع و العشرون : يحرم على غيره نداءه [ 1198 ] من وراء الحجرات للآية . [ 1199 ] الخامس و العشرون : نادى اللَّه تعالى الأنبياء و حكى عنهم بأسمائهم ،

فقال تعالى : يُوسُفُ أَعْرِضْ عِنْ هَذَا 1200 [ و ] أَنْ يَا إبْراهِيمُ 1201 [ و ] « يا نوح » 1202 . و ميّز نبيّنا صلّى اللَّه عليه و آله بالنداء بألقابه الشريفة فقال تعالى : يَا أيُّهَا النَّبِيُّ

-----------
( 1203 [ و ] يَا أيُّهَا الرَّسُولُ 1204 [ و ] يَا أيُّهَا المُزَّمِّلُ 1205 [ و ] يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ 1206 .

و لم يذكر اسمه في القرآن إلاّ في أربعة مواضع ، شهد له فيها بالرسالة لافتقار الشهادة إلى ذكر اسمه ، فقال :

مُحَمَّدُ رَسُولَ اللَّهِ . 1207 مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَ لَكِنْ رِسُولَ اللهِ وَ خَاتَمُ النَّبيّينَ 1208 وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ وَ آمَنُوا بِمَا نُزَّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ هُوَ الحقُّ مِنْ رَبِّهِمْ 1209

[ 1197 ] في المصدر : السلام عليك أيّها النبيّ و رحمة اللَّه و بركاته .

[ 1198 ] في المصدر : مناداته .

[ 1199 ] و الآية نفسها : إِنَّ الَذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَآءِ الحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ( الحجرات : 4 ) .

-----------
( 1200 ) يوسف : 29 .

-----------
( 1201 ) الصافّات : 104 .

-----------
( 1202 ) هود : 46 .

-----------
( 1203 ) الأنفال : 64 ، 65 و 70 ، و التوبة : 73 ، و في غيرها .

-----------
( 1204 ) المائدة : 41 و 67 .

-----------
( 1205 ) المزّمّل : 1 .

-----------
( 1206 ) المدّثّر : 1 .

-----------
( 1207 ) الفتح : 29 .

-----------
( 1208 ) الأحزاب : 40 .

-----------
( 1209 ) محمّد : 2 .

[ 441 ]

بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي 0 اسْمُهُ أَحْمَدَ . [ 1210 ] و كان يحرم أن ينادى باسمه فيقول : يا محمد يا أحمد و لكن يقول [ 1211 ] : يا نبيّ اللَّه يا رسول اللَّه يا خيرة اللَّه . . . إلى غير ذلك من صفاته الجلية .

السادس و العشرون : كان يستشفى به .

السابع و العشرون : كان يتبرّك ببوله و دمه .

الثامن و العشرون : من زنى بحضرته أو استهان به كفر .

التاسع و العشرون : يجب على المصلّي إذا دعاه يجيبه [ 1212 ] و لا تبطل صلاته ،

و للشافعيّة وجه : إنّه لا يجب و تبطل به الصلاة .

الثلاثون : كان أولاد بناته ينسبون إليه و أولاد بنات غيره لا ينسبون إليه :

لقوله صلّى اللَّه عليه و آله : « كلّ سبب و نسب ينقطع يوم القيامة إلاّ سببي و نسبي » . و قيل : معناه أنّه لا ينتفع يومئذ بسائر الأنساب ، و ينتفع بالنسبة إليه صلّى اللَّه و عليه و آله .

مسألة : قال صلّى اللَّه عليه و آله : « سمّوا باسمي و لا تكنّوا بكنيتي » .

و اختلفوا ، فقال الشافعيّ : إنّه ليس لأحد أن يكنّي بأبي القاسم سواء كان اسمه محمّدا أو لم يكن ، و منهم من حمله على كراهة الجمع بين الاسم و الكنية و جوّزوا الإفراد و هو الوجه لأنّ الناس لم يزالوا بكنيته صلّى اللَّه عليه و آله يكنّون [ 1213 ] في جميع الأعصار من غير إنكار . انتهى . 1214 .

و يؤيّد ما اختاره رحمه اللَّه ما رواه الكلينيّ و الشيخ عن عليّ بن إبراهيم ،

عن أبيه ، عن النوفليّ ، عن السكوني ، عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام أنّ النبيّ

[ 1210 ] الصفّ : 6 . و في الهامش : كأنّه رحمه اللَّه غفل عمّا في سورة آل عمران : وَ مَا مُحَمَّدٌ إلّآ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ، و معه خمسة مواضع ، لكن لا يخلّ بمقصوده منه عفى عنه . أقول : راجع سورة آل عمران ، الآية رقم 144 .

[ 1211 ] أي المنادي .

[ 1212 ] في المصدر : أن يجيبه .

[ 1213 ] في المصدر : يكنّون بكنيته .

-----------
( 1214 ) التذكرة ، مقدّمات النكاح .

[ 442 ]

صلّى اللَّه عليه و آله نهى عن أربع كنى : عن أبي عيسى ، و عن أبي الحكم ، و عن أبي مالك ، و عن أبي القاسم إذا كان الاسم محمّدا . 1215 أقول : هذا جملة ما ذكره أصحابنا و أكثر مخالفينا من خصائصه صلّى اللَّه عليه و آله و لم نتعرّض للكلام عليها و إن كان لبعضها مجال للقول فيه لقلّة الجدوى ،

و لأنّا اوردنا من الأخبار في هذا الباب و غيره ما يظهر به جليّة الحال لمن أراد الاطّلاع عليه . و اللَّه الموفّق للسداد . 1216