حق الوالي و حق الرعية

ثمّ جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض النّاس على بعض ، فجعلها تتكافا ( 2964 ) في وجوهها ، و يوجب بعضها بعضا ، و لا

[ 444 ]

يستوجب بعضها إلاّ ببعض . و أعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حقّ الوالي على الرّعيّة ، و حقّ الرّعيّة على الوالي ، فريضة فرضها اللَّه سبحانه لكلّ على كلّ ، فجعلها نظاما لألفتهم ، و عزّا لدينهم ، فليست تصلح الرّعيّة إلاّ بصلاح الولاة ، و لا تصلح الولاة إلاّ باستقامة الرّعيّة ، فإذا أدّت الرّعيّة إلى الوالي حقّه ، و أدّى الوالي إليها حقّها عزّ الحقّ بينهم ، و قامت مناهج الدّين ، و اعتدلت معالم العدل ، و جرت على أذلالها ( 2965 ) السّنن ( 2966 ) ، فصلح بذلك الزّمان ، و طمع في بقاء الدّولة ، و يئست مطامع الأعداء . و إذا غلبت الرّعيّة و اليها ، أو أجحف ( 2967 ) الوالي برعيّته ، اختلفت هنا لك الكلمة ، و ظهرت معالم الجور ، و كثر الإدغال ( 2968 ) في الدّين ،

و تركت محاجّ السّنن ( 2969 ) ، فعمل بالهوى ، و عطّلت الأحكام ،

و كثرت علل النّفوس ، فلا يستوحش لعظيم ( 2970 ) حقّ عطّل ، و لا لعظيم باطل فعل فهنالك تذلّ الأبرار ، و تعزّ الأشرار ، و تعظم تبعات اللَّه سبحانه عند العباد . فعليكم بالتّناصح في ذلك ، و حسن التّعاون عليه ، فليس أحد و إن اشتدّ على رضى اللَّه حرصه ، و طال في العمل اجتهاده ببالغ حقيقة ما اللَّه سبحانه أهله من الطّاعة له .

و لكن من واجب حقوق اللَّه على عباده النّصيحة بمبلغ جهدهم ،

[ 445 ]

و التّعاون على إقامة الحقّ بينهم . و ليس امرؤ و إن عظمت في الحقّ منزلته ، و تقدمت في الدّين فضيلته بفوق أن يعان ( 2971 ) على ما حمّله اللَّه من حقّه . و لا امرؤ و إن صغّرته النّفوس ، و اقتحمته ( 2972 ) العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه . فاجابه عليه السلام رجل من أصحابه بكلام طويل ، يكثر فيه الثناء عليه ، و يذكر سمعه و طاعته له ، فقال عليه السلام :

إنّ من حقّ من عظم جلال اللَّه سبحانه في نفسه ، و جلّ موضعه من قلبه ، أن يصغر عنده لعظم ذلك كلّ ما سواه ، و إنّ أحقّ من كان كذلك لمن عظمت نعمة اللَّه عليه ، و لطف إحسانه إليه ، فإنّه لم تعظم نعمة اللَّه على أحد إلاّ ازداد حقّ اللَّه عليه عظما . و إنّ من أسخف ( 2973 ) حالات الولاة عند صالح النّاس ، أن يظنّ بهم حبّ الفخر ، و يوضع أمرهم على الكبر ، و قد كرهت أن يكون جال في ظنّكم أنّي أحبّ الإطراء ، و استماع الثّناء ، و لست بحمد اللَّه كذلك ، و لو كنت أحبّ أن يقال ذلك لتركته انحطاطا للَّه سبحانه عن تناول ما هو أحقّ به من العظمة و الكبرياء . و ربّما استحلى النّاس الثّناء بعد البلاء ( 2974 ) ، فلا تثنوا عليّ بجميل ثناء ، لإخراجي نفسي إلى اللَّه سبحانه و إليكم من التّقية ( 2975 ) في حقوق لم أفرغ من أدائها ،

[ 446 ]

و فرائض لا بدّ من إمضائها ، فلا تكلّموني بما تكلّم به الجبابرة ، و لا تتحفّظوا منّي بما يتحفّظ به عند أهل البادرة ( 2976 ) ، و لا تخالطوني بالمصانعة ( 2977 ) ، و لا تظنّوا بي استثقالا في حقّ قيل لي ، و لا التماس إعظام لنفسي ، فإنّه من استثقل الحقّ أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه ، كان العمل بهما أثقل عليه . فلا تكفّوا عن مقالة بحقّ ، أو مشورة بعدل ، فإنّي لست في نفسي بفوق أن أخطي ، و لا آمن ذلك من فعلي ، إلاّ أن يكفي اللَّه من نفسي ما هو أملك به منّي ( 2978 ) ،

فإنّما أنا و أنتم عبيد مملوكون لربّ لا ربّ غيره ، يملك منّا ما لا نملك من أنفسنا ، و أخرجنا ممّا كنّا فيه إلى ما صلحنا عليه ،

فأبدلنا بعد الضّلالة بالهدى ، و أعطانا البصيرة بعد العمى .