تبيين

قوله عليه السّلام : « أوسع الأشياء في التواصف » أي كلّ أحد يصف الحقّ و العدل و يقول : لو ولّيت لعدلت ، و لكن إذا تيسّر له لم يعمل بقوله و لم ينصف الناس من نفسه . و « معالم الشي‏ء » مظانّه و ما يستدلّ به عليه . و « الأذلال » المجاري و الطرق . و « اختلاف الكلمة » اختلاف الآراء و الأهواء .

و قال الجزري : أصل « الدغل » الشجر الملتفّ الّذي يكون [ 1217 ] أهل الفساد فيه ، و « أدغلت في هذا الأمر » إذا أدخلت فيه ما يخالفه . 1218 و « المحاجّ » جمع « محجّة » و هي جادة الطريق . و « اقتحمته عيني » احتقرته و « الإطراء » المبالغة في المدح . قوله « من البقيّة » في أكثر النسخ بالباء الموحّدة ، أي

[ 1217 ] الصحيح كما في المصدر : يكمن .

-----------
( 1218 ) النهاية ، ج 2 ، ص 25 .

[ 447 ]

لا تثنوا عليّ لأجل ما ترون منّي في طاعة اللَّه ، فإنّما هو إخراج لنفسي إلى اللَّه من حقوقه الباقية عليّ لم أفرغ من أدائها ، و كذلك إليكم من الحقوق الّتي أوجبها اللَّه عليّ لكم من النصيحة و الهداية و الإرشاد ، و قيل : المعنى : لاعترافي بين يدي اللَّه و بمحضر منكم أنّ عليّ حقوقا في رئاستي عليكم لم أقم بها بعد ، و أرجو من اللَّه القيام بها ، و في بعض النسخ المصحّحة القديمة بالتاء المثنّاة الفوقانيّة ، أي خوف اللَّه في حقوق لم أفرغ من أدائها بعد . قوله عليه السّلام « و لا تتحفّظوا منّي » أي لا تمتنعوا من إظهار ما تريدون إظهاره لديّ خوفا من سطوتي كما هو شأن الملوك . و « البادرة » الحدّة و ما يبدر عند الغضب . و « المصانعة » المداراة و الرشوة . 1219 كا [ 1220 ] : علي بن الحسن المؤدب ، عن أحمد بن محمّد بن خالد ، و أحمد بن محمّد [ 1221 ] عن عليّ بن الحسن التيميّ ، جميعا عن إسماعيل بن مهران ، قال : حدّثني عبد اللَّه بن الحارث ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السّلام قال : خطب أمير المؤمنين عليه السّلام الناس بصفّين ، فحمد اللَّه و أثنى عليه و صلّى على محمّد النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ثمّ قال :

أمّا بعد ، فقد جعل اللَّه تعالى لي عليكم حقّا بولاية أمركم [ 1222 ] و منزلتي الّتي أنزلني اللَّه عزّ ذكره بها منكم و لكم عليّ من الحقّ مثل الّذي لي عليكم ، و الحقّ أجمل الأشياء في التواصف و أوسعها في التناصف [ 1223 ] ، لا يجري لأحد إلاّ جرى عليه

-----------
( 1219 ) بحار الأنوار الطبعة الجديدة ، ج 41 ، كتاب تاريخ أمير المؤمنين عليه السلام ، ص 152 .

[ 1220 ] الروضة من الكافي ، ص 352 360 . و قد صحّح هذا الكتاب « على أكبر الغفّاري » و قابله مع الأصل و علّق عليه تعليقات .

[ 1221 ] « أحمد بن محمّد » عطف على « عليّ بن الحسن » ، و هو العاصميّ . و التيميّ هو ابن فضّال و . . . قل من تفطن لذلك .

( آت ) و في بعض النسخ : « أحمد بن محمّد بن أحمد » و في بعضها : « عليّ بن الحسين المؤدّب » .

[ 1222 ] الّذي له عليهم من الحقّ هو وجوب طاعته و إمحاض نصيحته ، و الّذي لهم عليه من الحقّ هو وجوب معدلته فيهم . ( في )

[ 1223 ] « التواصف » أن يصف بعضهم لبعض . و « التناصف » أن ينصف بعضهم بعضا . و إنّما كان الحقّ أجمل الأشياء في التواصف لأنّه يوصف بالحسن و الوجوب و كلّ جميل و إنّما كان أوسعها في التناصف لأنّ الناس لو تناصفوا في الحقوق لما ضاق عليهم أمر من الأمور . و في النهج : « و الحقّ أوسع الأشياء في التواصف و أضيقها في التناصف » و هو أوضع و معناه أنّ الناس كلّهم يصفون الحقّ و لكن لا ينصف بعضهم بعضا ( فى ) . و في بعض النسخ : « التراصف » موضع التواصف .

[ 448 ]

و لا يجري عليه إلاّ جرى له . و لو كان لأحد أن يجري ذلك له و لا يجري عليه ، لكان ذلك اللَّه عزّ و جلّ خالصا دون خلقه لقدرته على عباده و لعدله في كلّ ما جرت عليه ضروب قضائه [ 1224 ] ، و لكن جعل حقّه على العباد أن يطيعوه و جعل كفّارتهم [ 1225 ] عليه بحسن الثواب تفضلا منه و تطوّلا بكرمه و توسّعا بما هو من المزيد له أهلا .

ثمّ جعل من حقوقه حقوقا فرضها لبعض الناس على بعض فجعلها تتكافى [ 1226 ] في وجوهها و يوجب بعضها بعضا و لا يستوجب بعضها إلاّ ببعض . [ 1227 ] فأعظم ممّا افترض اللَّه تبارك و تعالى من تلك الحقوق حقّ الوالي على الرعيّة و حقّ الرعيّة على الوالي ، فريضة فرضها اللَّه عزّ و جلّ لكلّ على كلّ ، فجعلها نظام ألفتهم و عزّا لدينهم [ 1228 ] و قواما لسنن الحقّ فيهم ، فليست تصلح الرعيّة إلاّ بصلاح الولاة و لا تصلح الولاة إلاّ باستقامة الرعيّة ، فإذا أدّت الرعيّة إلى الوالي حقّه و أدّى إليها الوالي كذلك عزّ الحقّ بينهم ، فقامت مناهج الدين و اعتدلت معالم العدل و جرت على أذلالها السنن [ 1229 ] ، فصلح بذلك الزمان و طاب به العيش و طمع في بقاء الدولة و يئست مطامع الأعداء . و إذا غلبت الرعيّة و اليهم و علا الوالي الرعيّة ، اختلفت هنا لك الكلمة و ظهرت مطامع الجور و كثر الإدغال في الدين و تركت معالم

[ 1224 ] أي أنواعه المتغيّرة المتوالية . و في بعض النسخ : « صروف قضائه » .

[ 1225 ] إنّما سمّي جزاؤه تعالى على الطاعة كفّارة لأنّه يكفر ما يزعمونه من أنّ طاعتهم له تعالى حقّ لهم عليه يستوجبون به الثواب ، مع أنّه ليس كذلك لأنّ الحقّ له عليهم حيث أقدرهم على الطاعة و ألهمهم إيّاها و لهذا سمّاه التفضّل و التطوّل و التوسّع بالانعام الّذي هو للمزيد منه أهل لأنّه الكريم الّذي لا تنفد خزائنه بالاعطاء و الجود تعالى مجده و تقدّس . و في نهج البلاغة :

« و جعل جزاءهم عليه » و على هذا فلا يحتاج إلى التكليف . ( فى )

[ 1226 ] أي جعل كلّ وجه من تلك الحقوق مقابلا بمثله ، فحقّ الوالي ، و هو الطاعة من الرعيّة ، مقابل بمثله و هو العدل فيهم و حسن السيرة . ( آت )

[ 1227 ] كما أنّ الوالي إذا لم يعدل لم يستحقّ الطاعة . ( آت )

[ 1228 ] فإنّها سبب اجتماعهم به و يقهرون أعداءهم و يعزّ دينهم . و قوله « قواما » أي به يقوم جريان الحقّ فيهم و بينهم . ( آت )

[ 1229 ] في القاموس : « ذلّ الطريق » بالكسر ، محجّته . و أمور اللَّه جارية أذلالها و على أذلالها أي مجاريها . جمع « ذلّ » بالكسر .

[ 449 ]

السنن [ 1230 ] ، فعمل بالهوى . و عطلت الآثار و كثرت علل النفوس [ 1231 ] و لا يستوحش لجسيم حدّ عطّل ، و لا لعظيم باطل اثّل فهنالك تذلّ الأبرار و تعزّ الأشرار و تخرب البلاد [ 1232 ] و تعظم تبعات اللَّه عزّ و جلّ عند العباد .

فهلمّ أيّها النّاس إلى التعاون على طاعة اللَّه عزّ و جلّ و القيام بعدله و الوفاء بعهده و الانصاف له في جميع حقّه ، فإنّه ليس العباد إلى شي‏ء أحوج منهم إلى التناصح في ذلك و حسن التعاون عليه ، و ليس أحد و إن اشتدّ على رضى اللَّه حرصه و طال في العمل اجتهاده ببالغ حقيقة ما أعطى اللَّه من الحقّ أهله ، و لكن من واجب حقوق اللَّه عزّ و جلّ على العباد النصيحة له بمبلغ جهدهم و التعاون على إقامة الحقّ فيهم ، ثمّ ليس امرء و إن عظمت في الحقّ منزلته و جسمت في الحقّ فضيلته بمستغن عن أن يعان على ما حمله اللَّه عزّ و جلّ من حقّه ، و لا لامري‏ء مع ذلك خسئت به الأمور و اقتحمته العيون [ 1233 ] بدون ما أن يعين على ذلك و يعان عليه . و أهل الفضيلة في الحال و أهل النعم العظام أكثر في ذلك حاجة و كلّ في الحاجة إلى اللَّه عزّ و جلّ شرع سواء . [ 1234 ]

[ 1230 ] « الادغال » بكسر الهمزة ، و هو أن يدخل في الشي‏ء ما ليس منه و هو الابداع و التلبيس ، أو بفتحها ، جمع « الدغل » بالتحريك ، الفساد . ( آت )

[ 1231 ] قال البحراني : « علل النفوس » أمراضها بملكات السوء كالغلّ و الحسد و العدوات و نحوها ، و قيل : عللها وجوه ارتكابها للمنكرات فتأتي في كلّ منكر بوجه و رأي فاسد .

[ 1232 ] « التأثيل » التأصيل و « مجد مؤثّل » أي مجموع ذو أصل . و في النهج : « فعل » مكان أثل . و « التبعة » ما يتبع أعمال العباد من العقاب و سوء العاقبة .

[ 1233 ] « و لا لامري‏ء » يعني مع عدم الاستغناء عن الاستعانة . و قوله « خسئت به الأمور » يقال : « خسئت و الكلب خسأ » طردته و خسأ الكلب بنفسه ، يتعدّى و لا يتعدّى . و قد تعدّي بالباء ، أي طردته الأمور ، أو يكون الباء للسببية ، أي بعدت بسببه الأمور .

( آت ) و في بعض النسخ : « حست » بالمهملتين ، أي اختبرته . و « اقتحمه » احتقره . و في النهج : « و لا امرؤ و إن صغرته النفوس و اقتحمته العيون » . و قوله « بدون ما أن يعين » أي بأقلّ من أن يستعان به و يعان . و الحاصل أنّ الشريف و الوضيع جميعا محتاجون في أداء الحقوق إلى إعانة بعضهم بعضا و استعانة بعضهم ببعض ، و كلّ من كانت النعمة عليه أعظم فاحتياجه في ذلك أكثر لأن الحقوق عليه أوفر لازدياد الحقوق بحسب ازدياد النعم . ( فى )

[ 1234 ] « سواء » بيان لقوله « شرع » و تأكيد ، و إنّما ذكره عليه السلام ذلك لئلاّ يتوّهم أنّهم يستغنون بإعانة بعضهم بعضا عن ربّهم تعالى بل هو الموفّق و المعين لهم في جميع أمورهم و لا يستغنون بشي‏ء عن اللَّه تعالى . و إنّما كلّفهم بذلك ليعتبر طاعتهم و يثيبهم على ذلك و اقتضت حكمته البالغة أن يجرى الأشياء بأسبابها و هو المسبب لها و القادر على إمضائها بلا سبب . ( آت )

[ 450 ]

فأجابه رجل من عسكره لا يدرى من هو ( و يقال : إنّه لم يرفي عسكره قبل ذلك اليوم و لا بعده ) .

فقام و أحسن الثناء على اللَّه عزّ و جلّ بما أبلاهم و أعطاهم من واجب حقّه عليهم و الإقرار [ 1235 ] بكلّ ما ذكر من تصرّف الحالات به و بهم .

ثمّ قال : أنت أميرنا و نحن رعيّتك ، بك أخرجنا اللَّه عزّ و جلّ من الذلّ و باعزازك أطلق عباده من الغلّ . [ 1236 ] فاختبر علينا و امض اختيارك و ائتمر فأمض ائتمارك [ 1237 ] فإنك القائل المصدّق و الحاكم الموفّق و الملك المخوّل [ 1238 ] لا نستحلّ في شي‏ء من معصيتك و لا نقيس علماء بعلمك ، يعظم عندنا في ذلك [ 1239 ] خطرك و يجلّ عنه في أنفسنا فضلك .

فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام فقال :

إنّ من حقّ من عظم جلال اللَّه في نفسه و جلّ موضعه من قلبه ، أن يصغر عنده لعظم ذلك كلّ ما سواه ، و إنّ أحقّ من كان كذلك لمن عظمت نعمة اللَّه عليه و لطف إحسانه إليه ، فإنّه لم تعظم نعمة اللَّه على أحد إلاّ زاد حقّ اللَّه عليه عظما .

و إنّ من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس [ 1240 ] أن يظن بهم حبّ الفخر و يوضع أمرهم على الكبر ، و قد كرهت أن يكون جال في ظنّكم أنّي أحبّ الإطراء [ 1241 ] و استماع الثناء ، و لست بحمد اللَّه كذلك ، و لو كنت أحبّ أن يقال

[ 1235 ] أبلاهم » أنعمهم . « من واجب حقّه » يعني من حقّ أمير المؤمنين عليه السلام ( فى )

[ 1236 ] أشار به إلى قوله تعالى : وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَ الأغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ( الأعراف : 157 ) أي يخفّف عنهم ما كانوا به من التكاليف الشاقّة . ( فى )

[ 1237 ] « الائتمار » المشاورة .

[ 1238 ] أي الملك الّذي أعطاك اللَّه للإمرة علينا و جعلنا خدمك و تبعك . ( آت )

[ 1239 ] أي في العلم بأن تكون كلمة « في » تعليليّة ، و يحتمل أن يكون إشارة إلى ما دلّ عليه الكلام من إطاعته عليه السلام .

و « الخطر » القدر و المنزلة . ( آت )

[ 1240 ] « السخف » رقّة العيش و رقّة العقل ، و « السخافة » رقّة كلّ شي‏ء ، أي أضعف أحوال الولاة عند الرعيّة أن يكونوا متّهمين عندهم بهذه الخصلة المذمومة . ( آت )

[ 1241 ] « جال » من « الجولان » . و « الإطراء » مجاوزة الحد في الثناء .

[ 451 ]

ذلك لتركته انحطاطا للَّه سبحانه [ 1242 ] عن تناول ما هو أحقّ به من العظمة و الكبريآء . و ربّما استحلى الناس [ 1243 ] الثناء بعد البلاء ، فلا تثنوا عليّ بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى اللَّه و إليكم من البقيّة [ 1244 ] في حقوق لم أفرغ من أدائها و فرائض لا بدّ من إمضائها ، فلا تكلّموني بما تكلّم به الجبابرة و لا تتحفّظوا منّي بما يتحفّظ به عند أهل البادرة [ 1245 ] و لا تخالطوني بالمصانعة و لا تظنّوا بي استثقالا في حقّ قيل لي و لا التماس إعظام لنفسي لما لا يصلح لي ، فإنّه من استثقل الحقّ أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه ، كان العمل بهما أثقل عليه . فلا تكفّوا عنّي مقالة بحقّ أو مشورة بعدل ، فإنّي لست في نفسي بفوق ما أن أخطي‏ء و لا آمن ذلك من فعلي [ 1246 ] إلاّ إن يكفي اللَّه من نفسي ما هو أملك به منّي ، فإنّما أنا و أنتم عبيد مملوكون

[ 1242 ] أي تواضعا له تعالى . و في بعض النسخ القديمة : « و لو كنت أحبّ أن يقال ذلك لتناهيت له أغنانا اللَّه و إيّاكم عن تناول ما هو أحقّ به من التعاظم و حسن الثناء » . و « التناهى » قبول النهي ، و الضمير في « له » راجع إلى اللَّه تعالى و في النهج كما في النسخ المشهورة . ( آت )

[ 1243 ] يقال : « استحلاه » أي وجده حلوا قال ابن ميثم رحمه اللَّه : هذا يجري مجرى تمهيد العذر لمن اثنى عليه ، فكأنّه يقول :

و أنت معذور في ذلك حيث رأيتني أجاهد في اللَّه و أحث الناس على ذلك و من عادة الناس أن يستهلّ الثناء عند أن يبلو بلاء حسنا في جهاد أو غيره من سائر الطاعات . ثمّ أجاب أنّ هذا العذر في نفسه بقوله « و لا تثنوا عليّ بجميل ثناء » أي لا تثنوا عليّ لأجل ما ترونه منّي من طاعة اللَّه ، فإنّ ذلك إنّما هو إخراج لنفسي إلى اللَّه من حقوقه الباقية علي ، لم أفرغ بعد من أدائها و هي حقوق نعمة و فرائضه الّتي لا بدّ من المضيّ فيها ، و كذلك إليكم من الحقوق الّتي أوجبها اللَّه عليّ من النصيحة في الدين و الارشاد إلى الطريق الأفضل و التعليم لكيفيّة سلوكه .

[ 1244 ] أي لاعترافي بين يدي اللَّه و بمحضر منكم ، أنّ علي حقوقا في إيالتكم و رئاستي عليكم لم أقم بها بعد ، و أرجوا من اللَّه القيام بها . و في بعض النسخ : « من التقية » يعنى من أن يتّقوني في مطالبة حقوق لكم لم أفرغ من أدائها . و على هذا يكون المراد بمستحلى الثناء الّذين يثنيهم الناس اتّقاء شرّهم و خوفا من بأسهم . ( فى )

[ 1245 ] « أهل البادرة » الملوك و السلاطين . و « البادرة » الحدة و الكلام الّذي يسبق من الانسان في الغضب ، أي لا تثنوا عليّ كما يثنى على أهل الحدة من الملوك خوفا من سطوتهم ، أولا تحتشموا مني كما يحتشم من السلاطين و الأمراء كترك المسارة و الحديث إجلالا و خوفا منهم و ترك مشاورتهم أو إعلامهم ببعض الأمور و القيام بين أيديهم . ( آت ) . و « المصانعة » الرشوة و المداراة .

[ 1246 ] هذا من قبيل هضم النفس ، ليس بنفي العصمة مع أنّ الاستثناء يكفينا مؤونة ذلك . ( فى ) و قال المجلسي رحمه اللَّه :

هذا من الانقطاع إلى اللَّه و التواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحقّ وعدّ نفسه من المقصّرين في مقام العبوديّة ، و الإقرار بأنّ عصمته من نعمه تعالى عليه .

[ 452 ]

لرب لا ربّ غيره ، و يملك منّا ما لا نملك من أنفسنا و أخرجنا ممّا كنّا فيه [ 1247 ] إلى ما صلحنا عليه ، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى و أعطانا البصيرة بعد العمى .

فاجابه الرجل الّذي أجابه من قبل ، فقال :

أنت أهل ما قلت و اللَّه و اللَّه فوق ما قلته ، فبلاءه عندنا ما لا يكفر [ 1248 ] و قد حملك اللَّه تبارك و تعالى رعايتنا و ولاّك سياسة أمورنا ، فأصبحت علمنا الّذي نهتدي به و إمامنا الّذي نقتدي به ، و أمرك كلّه رشد و قولك كلّه أدب ، قد قرّت بك في الحياة أعيننا و امتلأت من سرور بك قلوبنا و تحيّرت من صفة ما فيك من بارع الفضل [ 1249 ] عقولنا . و لسنا نقول لك : « أيّها الإمام الصالح » تزكية لك و لا تجاوز القصد في الثناء عليك ، و لم يكن [ 1250 ] في أنفسنا طعن على يقينك أو غشّ في دينك ،

فنتخوّف أن تكون أحدثت بنعمة اللَّه تبارك و تعالى تجبّرا أو دخلك كبر ، و لكنّا نقول لك ما قلنا تقرّبا إلى اللَّه عزّ و جلّ بتوقيرك و توسّعا بتفضيلك و شكرا بإعظام أمرك . فانظر لنفسك و لنا و آثر أمر اللَّه على نفسك و علينا ، فنحن طوّع فيما أمرتنا ننقاد من الأمور مع ذلك فيما ينفعنا .

فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام فقال :

و أنا استشهدكم عند اللَّه على نفسي لعلمكم فيما ولّيت به من أموركم ، و عمّا قليل يجمعني و إيّاكم الموقف بين يديه و السؤال عمّا كنّا فيه ، ثمّ يشهد بعضنا على بعض فلا تشهدوا اليوم بخلاف ما أنتم شاهدون غدا ، فإنّ اللَّه عزّ و جلّ لا يخفى عليه خافية و لا يجوز عنده إلاّ مناصحة الصدور في جميع الأمور .

[ 1247 ] أي من الجهالة و عدم العلم و المعرفة و الكمالات الّتي يسرها اللَّه تعالى لنا ببعثة الرسول صلّى اللَّه عليه و آله .

قال ابن أبي الحديد : ليس هذا إشارة إلى نفسه عليه السلام خاصّة لأنّه لم يكن كافرا فأسلم ، و لكنّه كلام يقوله و يشير به إلى القوم الّذين يخاطبهم في أفناء الناس ، فيأتي بصيغة الجمع لداخلة فيها نفسه توسّعا . ( آت )

[ 1248 ] أي نعمته عندنا وافرة بحيث لا نستطيع كفرها و سترها أو لا يجوز كفرانها و ترك شكرها . ( آت )

[ 1249 ] « برع في الشي‏ء » فاق أقرانه فيه .

[ 1250 ] قال المجلسيّ رحمه اللَّه : « لم يكن » على بناء المجهول ، من « كنت الشي‏ء » سترته . أو بفتح الياء و كسر القاف ، من « و كنّت الطائر بيضه يكنّه » إذا حضنه . و في بعض النسخ : « لم يكن » و في النسخة القديمة : « لن يكون » .

[ 453 ]

فأجابه الرجل ( و يقال : لم ير الرجل بعد كلامه هذا لأمير المؤمنين عليه السّلام ) .

فأجابه و قد عال الّذي [ 1251 ] في صدره ، فقال و البكاء يقطع منطقه و غصص الشجا تكسر صوته إعظاما لخطر مرزئته و وحشة من كون فجيعته . [ 1252 ] فحمد اللَّه و أثنى عليه ، ثمّ شكا إليه هول ما أشفى عليه [ 1253 ] من الخطر العظيم و الذلّ الطويل في فساد زمانه و انقلاب جده [ 1254 ] و انقطاع ما كان من دولته ثمّ نصب المسألة إلى اللَّه عزّ و جلّ بالامتنان عليه و المدافعة عنه بالتفجّع و حسن الثناء فقال :

يا ربّاني العباد و يا سكن البلاد [ 1255 ] أين يقع قولنا من فضلك ؟ و أين يبلغ وصفنا من فعلك ؟ و أنّى تبلغ حقيقة حسن ثنائك أو تحصى جميل بلائك ؟ فكيف و بك جرت نعم اللَّه علينا و على يدك اتّصلت أسباب الخير إلينا ؟ ألم تكن لذلّ الذليل ملاذا و للعصاة و الكفّار إخوانا ؟ [ 1256 ] فبمن ؟ إلاّ بأهل بيتك و بك أخرجنا اللَّه عزّ و جلّ من فظاعة تلك الخطرات ؟ أو بمن فرج عنّا غمرات الكربات ؟ [ 1257 ] و بمن ؟ إلاّ بكم أظهر اللَّه معالم ديننا و استصلح ما كان فسد من دنيانا حتى استبان بعد الجور ذكرنا [ 1258 ] و قرّت من رخاء العيش أعيننا لما ولّيتنا بالاحسان جهدك و وفيت لنا بجميع وعدك و قمت لنا على جميع عهدك ، فكنت شاهد من غاب منّا

[ 1251 ] « عال » بالمهملة ، اشتدّ و تفاقم و غلبه و ثقل عليه و أهمّه . ( فى )

[ 1252 ] « الغصّة » بالضمّ ، ما اعترض في الحلق و كذا الشجا . و « المرزئة » المصيبة ، و كذا الفجيعة . و الضميران راجعان إلى أمير المؤمنين عليه السلام .

[ 1253 ] أي أشرف عليه ، و الضمير في قوله « اليه » راجع إلى اللَّه تعالى .

[ 1254 ] « الجدّة » البحث و التفجّع و التضرّع .

[ 1255 ] « السكن » بالتحريك ، كلّ ما يسكن إليه . و في بعض النسخ : « يا ساكن البلاد » .

[ 1256 ] أي كنت تعاشر من يعصيك و يكفر نعمتك معاشرة الإخوان شفقة منك عليهم ، أو المراد الشفقة على الكفّار و العصاة و الاهتمام في هدايتهم . و يحتمل أن يكون المراد المنافقين الّذين كانوا في عسكره و كان يلزمه رعايتهم بظاهر الشرع . ( آت )

[ 1257 ] « الفظاعة » الشناعة . و « فطاعة تلك الخطرات » شناعتها و شدّتها و الغمرات الشدائد و المزدحمات .

[ 1258 ] قال الجوهري : « نعوذ باللَّه من الحور بعد الكور » أي من النقصان بعد الزيادة . و في بعض النسخ : « بعد الجور » بالمعجمة .

[ 454 ]

و خلف أهل البيت لنا و كنت عزّ ضعفائنا و ثمال فقرائنا [ 1259 ] و عماد عظمائنا .

يجمعنا في الأمور عدلك و يتّسع لنا في الحقّ تأنّيك [ 1260 ] . فكنت لنا أنسا إذا رأيناك و سكنا إذا ذكرناك . فأيّ الخيرات لم تفعل ؟ و أيّ الصالحات لم تعمل ؟ و لو لا أن الأمر الّذي نخاف عليك منه ، يبلغ تحويله [ 1261 ] جهدنا و تقوي لمدافعته طاقتنا أو يجوز الفداء عنك منه بأنفسنا و بمن نفديه بالنفوس من أبنائنا ، لقدّمنا أنفسنا و أبنائنا قبلك و لأخطرناها [ 1262 ] و قلّ خطرها دونك و لقمنا بجهدنا في محاولة من حاولك و في مدافعة من ناواك [ 1263 ] ، و لكنّه سلطان لا يحاول و عزّ لا يزاول [ 1264 ] و ربّ لا يغالب .

فإن يمنن علينا بعافيتك و يترحّم علينا ببقائك و يتحنّن علينا بتفريج [ 1265 ] هذا من حالك إلى سلامة منك لنا و بقاء منك بين أظهرنا نحدث للَّه عزّ و جلّ بذلك شكرا نعظّمه و ذكرا نديمه و نقسم أنصاف أموالنا صدقات و أنصاف رقيقنا [ 1266 ] عتقاء و نحدث له تواضعا في أنفسنا و نخشع في جميع أمورنا . و إن يمض بك إلى الجنان و يجري عليك حتم سبيله ، فغير متّهم فيك قضاءه و لا مدفوع عنك بلاءه و لا مختلفة مع ذلك قلوبنا بأنّ اختياره لك ما عنده على ما كنت فيه و لكنّا نبكي من غير إثم لعزّ هذا السلطان أن يعود ذليلا [ 1267 ] و للدين و الدنيا أكيلا [ 1268 ] فلا نرى لك خلفا نشكو

[ 1259 ] في النهاية : « الثمال » بالكسر ، الملجأ و الغياث ، و قيل : هو المطعم في الشدّة .

[ 1260 ] أي صار مداراتك و تأنيك و عدم مبادرتك في الحكم علينا بما تستحقّه سببا لوسعة الحقّ علينا و عدم تضيّق الأمور بنا .

( آت )

[ 1261 ] في بعض النسخ : « تحريكه » أي تغييره و صرفه .

[ 1262 ] أي جعلناها في معرض المخاطرة و الهلاك ، أو صيّرناها خطرا و رهنا و عوضا لك . قال الجزريّ فيه : الأهل مشمر للجنّة ،

فإنّ الجنّة لا خطر لها ، أي لا عوض لها و لا مثل . و « الخطر » بالتحريك ، في الأصل الرهن و ما يخاطر عليه و مثل الشي‏ء و عدله ، و لا يقال إلاّ في الشي‏ء الّذي له قدر و مزيّة . ( آت )

[ 1263 ] « حاولك » أي قصدك . و « ناواك » أي عاداك . و قوله « و لكنّه » أي الربّ تعالى .

[ 1264 ] أي ذو عزّ و غلبة . و « زاوله » أي حاوله و طالبه .

[ 1265 ] في بعض النسخ : « بتفريح » .

[ 1266 ] « الرقيق » المملوك .

[ 1267 ] في أكثر النسخ : « لعزّ هذا السلطان » فقوله « لعزّ » متعلّق بالبكاء و « أن يعود » بدل اشتمال له ، أي نبكي لتبدّل عزّ هذا السلطان ذلاّ . ( آت ) و في بعض النسخ : « لعن اللَّه هذا السلطان » أي هذه السلطنة الّتي لا تكون صاحبها .

[ 1268 ] « الأكيل » يكون بمعنى المأكول و بمعنى الأكل ، و المراد هنا الثاني .

[ 455 ]

إليه و لا نظيرا نؤمّله و لا نقيمة . 1269