تبيين

أقول : أورد السيّد في النهج بعض هذا السؤال و الجواب و أسقط اكثرهما ، و سنشير إلى بعض الاختلافات .

قوله عليه السّلام « بولاية أمركم » أي لي عليكم حقّ الطاعة لأنّ اللَّه جعلني واليا عليكم متولّيا لأموركم و لأنّه أنزلنى منكم منزلة عظيمة هي منزلة الإمامة و السلطنة و وجوب الطاعة . قوله عليه السّلام « و الحقّ أجمل الأشياء في التواصف » أي وصفه جميل و ذكره حسن ، يقال : « تواصفوا الشي‏ء » أي وصفه بعضهم لبعض . و في بعض النسخ : « التراصف » بالراء المهملة ، و « التراصف » تنضيد الحجارة بعضها ببعض ، أي أحسن الأشياء في إحكام الأمور و إتقانها . « و أوسعها في التناصف » أي إذا أنصف الناس بعضهم لبعض فالحقّ يسعه و يحتمله و لا يقع للناس في العمل بالحقّ ضيق . و في نهج البلاغة : « فالحقّ أوسع الأشياء في التواصف و أضيقها في التناصف » أي إذا أخذ الناس في وصف الحقّ و بيانه كان لهم في ذلك مجال واسع لسهولته على ألسنتهم و إذا حضر التناصف بينهم فطلب منهم ضاق عليهم المجال لشدّة العمل بالحقّ و صعوبة الإنصاف . قوله عليه السّلام « صروف قضائه » أي أنواعه المتغيّرة المتوالية . و في بعض النسخ : « ضروب قضائه » بمعناه ، و الحاصل أنّه لو كان لأحد أن يجعل الحقّ على غيره و لم يجعل له على نفسه لكان هو سبحانه أولى بذلك ، و على الأولويّة بوجهين : الأوّل القدرة ، فإنّ غيره تعالى لو فعل ذلك لم يطعه أحد و اللَّه تعالى قادر على جبرهم و قهرهم عليه ، و الثاني أنّه لو لم يجبرهم على أعمالهم و كلّفهم بها لكان عادلا لأنّ له من النعم على العباد ما لو عبدوه أبد الدهر ، و لم يوفوا حقّ نعمة واحدة منها ، فالمراد من أوّل الكلام أنّه سبحانه جعل لكلّ أحد على غيره حقّا حتى على نفسه . أمّا الحقّ المفروض على الناس فبمقتضى الاستحقاق و أمّا ما أجرى على نفسه فللوفاء بالوعد مع عدم لزوم الوعد عليه ، فظهر جريان الحقّ على كلّ أحد و إن اختلفت الجهة و الاعتبار .

-----------
( 1269 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 8 ، كتاب العدل و المعاد ، ص 352 360 .

[ 456 ]

قوله عليه السّلام « و جعل كفّارتهم عليه حسن الثواب » لعلّ المراد بالكفّارة الجزاء العظيم لستره عملهم حيث لم يكن له في جنبه قدر ، فكأنّه قد محاه و ستره . و في أكثر النسخ : « بحسن الثواب » فيحتمل أيضا أن يكون المراد بها ما يقع منهم لتدارك سيّئاتهم كالتوبة و سائر الكفّارات ، أي أوجب قبول كفّارتهم و توبتهم على نفسه مع حسن الثواب بأن يثيبهم على ذلك أيضا ، و لا يبعد أن يكون تصحيف « كفاءتهم » بالهمز . و في النهج : « و جعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضّلا منه و توسّعا بما هو من المزيد أهله .

قوله عليه السّلام « ثمّ جعل من حقوقه » هذا كالمقدّمة لما يريد أن يبيّنه من كون حقّه عليهم واجبا من قبل اللَّه تعالى و هو حقّ من حقوقه ليكون ادّعى لهم على أدائه . و بيّن أنّ حقوق الخلق بعضهم على بعض ، هي من حقّ اللَّه تعالى من حيث أنّ حقّه على عباده هو الطاعة و أداء تلك الحقوق طاعات اللَّه ، كحقّ الوالد على ولده و بالعكس و حقّ الزوج على الزوجة و بالعكس و حقّ الوالي على الرعيّة و بالعكس . قوله عليه السّلام « فجعلها تتكافأ في وجوهها » أي جعل كلّ وجه من تلك الحقوق مقابلا بمثله ، فحقّ الوالي و هو الطاعة من الرعيّة مقابل بمثله و هو العدل فيهم و حسن السيرة . قوله عليه السّلام « و لا يستوجب بعضها إلاّ ببعض » كما أنّ الوالي إذا لم يعدل لم يستحقّ الطاعة . قوله عليه السّلام « فريضة فرضها اللَّه » بالنصب على الحاليّة أو بإضمار فعل أو بالرفع ليكون خبر مبتدأ محذوف . قوله عليه السّلام « نظاما لألفتهم » فإنّها سبب اجتماعهم و بها يقهرون أعداءهم و يعزّ دينهم . قوله عليه السّلام « و قواما » أي بها يقوم جريان الحقّ فيهم و بينهم . قوله عليه السّلام « عزّ الحقّ » أي غلب . قوله عليه السّلام « و اعتدلت معالم العدل » أي مظانّه ، أو العلامات الّتي نصبت في طريق العدل لسلوكه ، أو الأحكام الّتي يعلم بها العدل . قوله عليه السّلام « على أذلالها » قال الفيروزآباديّ : « ذلّ الطريق » بالكسر ، محجّتها و « أمور اللَّه جارية على أذلالها » أي مجاريها ، جمع « ذلّ » بالكسر . قوله عليه السّلام « و كثر الإدغال » بكسر الهمزة ، و « الإدغال » أن

[ 457 ]

يدخل في الشي‏ء ما ليس منه و هو الإبداع و التلبيس ، أو بفتحها ، جمع « الدغل » بالتحريك ، الفساد . قوله عليه السّلام « علل النفوس » أي أمراضها بملكات السوء كالغلّ و الحسد و العداوة و نحوها ، و قيل : وجوه ارتكاباتها للمنكرات فتأتي من كلّ منكر بوجه و علّة و رأي فاسد . قوله عليه السّلام « أثل » يقال : « مال مؤثّل » و « مجد مؤثّل » أي مجموع ذو أصل ، و « أثل الشي‏ء » أصله و زكاة ، ذكره الجزريّ » . و في النهج : « فعل » . قوله عليه السّلام « تبعات اللَّه » قال في العين :

« التبعة » اسم للشي‏ء الّذي لك فيه بغية شبه ظلامة و نحوها .

قوله عليه السّلام « فهلمّ أيّها الناس » قال الجوهري : « هلمّ يا رجل » بفتح الميم ، بمعنى تعال ، قال الخليل : أصله « لمّ » من قولهم « لمّ اللَّه شعثه » أي جمعه ،

كانّه أراد : لمّ نفسك إلينا ، أي أقرب ، و « هاء » للتنبيه و إنّما حذفت ألفها لكثرة الاستعمال و جعلا اسما واحدا ، يستوي فيه الواحد و الجمع و التأنيث في لغة أهل الحجاز . قوله عليه السّلام « حقيقة ما أعطى اللَّه من الحقّ أهله » أي جزاء ما أعطى اللَّه أهل الحقّ من الدين المبين و سائر ما هداهم اللَّه تعالى إليه بأن يكون المراد بالحقيقة الجزاء مجازا ، أو يكون في الكلام تقدير مضاف ، أي حقيقة جزاء ما أعطى من الحقّ ، أو يكون المراد بالبلوغ إليها كونه بازائها و مكافاة لها ، و قيل : المراد بحقيقة ما أعطى اللَّه شكر نعمة هدايته تعالى إلى دين الحقّ . و في النهج : « حقيقة ما اللَّه أهله من الطاعة له » . و في بعض النسخ القديمة من الكتاب : « حقيقة ما الحقّ من اللَّه أهله » . قوله عليه السّلام « النصيحة له » أي للَّه أو للامام أو نصيحة بعضهم لبعض للَّه تعالى بأن لا يكون الظرف صلة . و في النهج : « النصيحة بمبلغ » بدون الصلة ، و هو يؤيّد الأخير . قال الجزريّ : « النصيحة » في اللغة الخلوص ، يقال :

« نصحته و نصحت له » . و معنى نصيحة اللَّه صحّة الاعتقاد في وحدانيّته و إخلاص النيّة في عبادته ، و النصيحة لكتاب اللَّه ، هو التصديق به و العمل بما فيه ، و نصيحة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله التصديق بنبوّته و رسالته و الانقياد لما أمر به و نهى عنه ، و نصيحة الأئمّة [ عليهم السّلام ] أن يطيعهم في الحقّ ، و نصيحة عامّة

[ 458 ]

المسلمين ، إرشادهم إلى مصالحهم . قوله عليه السّلام « و لا لامري‏ء مع ذلك » كأنّه راجع إلى ما حمل اللَّه على الوالي أو إلى الوالي الّذي أشير إليه سابقا ، أي لا يجوز ،

أو لا بدّ لامري‏ء ، أو لا استغناء لامري‏ء مع الوالي أو مع كون واليه مكلّفا بالجهاد و غيره من أمور الدين و إن كان ذلك المرء ضعيفا محقّرا بدون أن يعين على إقامة الدين و يعينه الناس أو الوالي عليه . و في النهج : « و لا امرؤ و إن صغّرته النفوس و اقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه » و هو الظاهر . قوله عليه السّلام « خسئت به الأمور » يقال : « خسأت الكلب خسأ » طردته و « خسأ الكلب بنفسه » ،

يتعدّى و لا يتعدّى ، ذكره الجوهريّ . فيجوز أن يكون هنا استعمل غير متعدّ بنفسه قد عدّي بالباء ، أي طردته الأمور ، أو يكون الباء للسببيّة ، أي بعدت بسببه الأمور . و في بعض النسخ : « حبست به الأمور » . و على التقادير المراد أنّه يكون بحيث لا يتمشّى أمر من أموره و لا ينفع سعيه في تحصيل شي‏ء من الأمور . « و اقتحمته العيون » أي احتقرته . و كلمة « ما » في قوله عليه السّلام « ما أن يعين » زائدة . قوله عليه السّلام « و أهل الفضيلة في الحال » المراد بهم الأئمّة و الولاة و الأمراء و العلماء و كذا أهل النعم العظام فإنّهم لكونهم مكلّفين بعظائم الأمور كالجهاد في سبيل اللَّه و إقامة الحدود و الشرائع و الأحكام و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، إلى اعانة الخلق أحوج . و يحتمل أن يكون المراد بأهل الفضيلة العلماء فإنّهم محتاجون فيما حمل عليهم من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلى أعوان و لا أقلّ إلى من يؤمر و ينهى ، و بأهل النعم أصحاب الأموال لأنّ ما حمل عليهم من الحقوق أكثر كأداء الأخماس و الصدقات ، و هم محتاجون إلى الفقير القابل لها و إلى الشهود و إلى غيرهم ، و الأوّل أظهر . قوله عليه السّلام « و كلّ في الحاجة إلى اللَّه عزّ و جلّ شرع سواء » بيان لقوله « شرع » و تأكيد . و إنّما ذكر عليه السّلام ذلك لئلاّ يتوهم أنّهم يستغنون بإعانة بعضهم بعضا عن ربّهم جلّ و عزّ ، بل هو الموفّق و المعين لهم في جميع أمورهم و لا يستغنون بشي‏ء عن اللَّه عزّ و جلّ . و إنّما كلّفهم بذلك ليختبر طاعتهم و يثيبهم على ذلك ، و اقتضت حكمته البالغة أن يحرى الأشياء بأسبابها و هو المسبّب لها و القادر على إمضائها بلا سبب .

[ 459 ]

قوله [ 1270 ] « فأجابه رجل » الظاهر أنّه كان الخضر عليه السّلام و قد جاء في مواطن كثيرة و كلّمه عليه السّلام لإتمام الحجّة على الحاضرين ، و قد أتى بعد وفاته عليه السّلام و قام على باب داره و بكى و أبكى و خاطبه عليه السّلام بأمثال تلك الكلمات و خرج و غاب عن الناس .

قوله « و الإقرار » الظاهر أنّه معطوف على الثناء ، أي أقرّ إقرارا حسنا بأشياء ذكرها ذلك الرجل و لم يذكره عليه السّلام اختصارا أو تقيّة من تغيّر حالاته من استيلاء أئمّة الجور عليه و مظلوميّة و تغيّر أحوال رعيّته من تقصيرهم في حقّه و عدم قيامهم بما يحقّ من طاعته و القيام بخدمته ، و يمكن أن يكون الواو بمعنى « مع » ، و يحتمل عطفه على واجب حقّه .

قوله [ 1271 ] « من الغلّ » أي أغلال الشرك و المعاصي . و في بعض النسخ القديمة : « أطلق عنّا رهائن الغلّ » أي ما يوجب إغلال القيمة . قوله « فاختر » أي اقبل ما أمرك اللَّه به فامضه علينا . قوله « و الملك المخوّل » أي الملك الّذي أعطاك اللَّه الإمرة علينا و جعلنا خدمك و تبعك . قوله « لا تستحلّ في شي‏ء من معصيتك » لعلّه عدّي ب « في » لتضمين معنى الدخول ، أو المعنى : لا تستحلّ في شي‏ء شيئا من معصيتك . و في بعض النسخ القديمة : « لا نستحلّ في شي‏ء من معصيتك » و هو أظهر . قوله « في ذلك » أي في العلم بأن تكون كلمة « في » تعليليّة ، و يحتمل أن يكون إشارة إلى ما دلّ عليه الكلام من إطاعته عليه السّلام . و « الخطر » القدر و المنزلة .

قوله « و يجلّ عنه » يحتمل إرجاع الضمير إلى القياس ، أي فضلك أجلّ في أنفسنا من [ 1272 ] يقاس بفضل أحد ، و يمكن إرجاعه إلى العلم فتكون كلمة « عن » تعليليّة ،

كما في قوله تعالى : وَ مَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ 1273 أن [ 1274 ] يجلّ و

[ 1270 ] أي قول الراوي . ( المصحّح )

[ 1271 ] أي قول الخضر عليه السلام . ( المصحّح )

[ 1272 ] هكذا في النسخة و الصحيح : من أن يقاس . ( المصحّح )

-----------
( 1273 ) هود : 53 .

[ 1274 ] هكذا في النسخة و الصحيح : أي . ( المصحّح )

[ 460 ]

يعظم بسبب ذلك في أنفسنا فضلك .

قوله عليه السّلام « من عظم جلال اللَّه » إمّا على التفعيل بنصب « جلال اللَّه » أو بالتخفيف برفعه ، يعني : من حقّ من عظّم جلال اللَّه في نفسه و جلّ موضعه في قلبه ، أن يصغر عنده كلّ ما سوى اللَّه تعالى لما ظهر له من جلال اللَّه ،

و إنّ أحقّ من كان كذلك ائمّة الحقّ عليهم السّلام لعظم نعم اللَّه و كمال معرفتهم بجلال ربّهم ، فحقّ اللَّه تعالى عليهم أعظم منه على غيرهم ، فينبغي أن يصغر عندهم أنفسهم فلا يحبّوا الفخر و الإطراء في المدح ، أو يجب أن يضمحلّ في جنب جلال اللَّه عندهم غيره تعالى فلا يكون غيره منظورا لهم في أعمالهم ليطلبوا رضى الناس بمدحهم .

قوله عليه السّلام « و إنّ من أسخف » ، « السخف » رقّة العيش و رقّة العقل و « السخافة » رقّة كلّ شي‏ء ، أي أضعف حالات الولاة عند الرعيّة أن يكونوا متّهمين عندهم بهذه الخصلة المذمومة . قوله عليه السّلام « أنّي أحبّ الإطراء » أي مجاوزة الحدّ في المدح و المبالغة فيه . قوله عليه السّلام « انحطاطا للَّه سبحانه » أي تواضعا له تعالى . و في بعض النسخ القديمة : « و لو كنت أحبّ أن يقال ذلك لتناهيت له . أغنانا اللَّه و إيّاكم عن تناول ما هو أحقّ به من التعاظم و حسن الثناء . و « التناهي » قبول النهي ، و الضمير في « له » راجع إلى اللَّه تعالى .

و في النهج كما في النسخ المشهورة .

قوله عليه السّلام « و ربّما استحلى الناس » يقال : « استحلاه » أي وجده حلوا . قال ابن ميثم رحمه اللَّه : هذا يجري مجرى تمهيد العذر لمن أثنى عليه ،

فكأنّه يقول : أنت معذور في ذلك حيث رأيتني أجاهد في اللَّه و أحثّ الناس على ذلك . و من عادة الناس أن يستحل [ 1275 ] الثناء عند أن يبلو [ 1276 ] بلاء حسنا في جهاد أو غيره من سائر الطاعات . ثمّ أجاب عن هذا العذر في نفسه بقوله « فلا تثنوا » عليّ بجميل ثناء » أي لا تثنوا عليّ لأجل ما ترونه منّي من طاعة اللَّه ، فإنّ ذلك إنّما هو

[ 1275 ] هكذا في النسخة و الصواب : « يستحلوا » . ( المصحّح )

[ 1276 ] هكذا في النسخة و الصواب : « يبلوا » . ( المصحّح )

[ 461 ]

إخراج لنفسي إلى اللَّه من حقوقه الباقية عليّ ، لم أفرغ بعد من أدائها و هي حقوق نعمه و فرائضه الّتي لا بدّ من المضي‏ء فيها ، و كذلك إليكم من الحقوق الّتي أوجبها اللَّه إليّ [ 1277 ] من النصيحة في الدين و الإرشاد إلى الطريق الأفضل و التعليم لكيفيّة سلوكه . و في خطّ الرضي رحمه اللَّه : « من التقيّة » بالتاء ، و المعنى : فإنّ الّذي أفعله من طاعة اللَّه إنّما هو إخراج لنفسي إلى اللَّه و إليكم من تقيّة الخلق فيما يجب عليّ من الحقوق إذا كان عليه السّلام إنّما يعبد اللَّه للَّه غير ملتفت في شي‏ء من عبادته و أداء واجب حقّه إلى أحد سواه خوفا منه أو رغبة إليه ، أو المراد بها التقيّة الّتي كان يعملها في زمن الخلفاء الثلاثة و تركها في أيّام خلافته . و كأنّه قال : لم أفعل شيئا إلاّ و هو أداء حقّ واجب عليّ ، و إذا كان كذلك فكيف أستحقّ أن يثنى عليّ لأجل إتيان الواجب بثناء جميل و أقابل هذا التعظيم . و هذا من باب التواضع منه و تعليم كيفيّته و كسر للنفس عن محبّة الباطل و الميل إليه . انتهى .

و قال ابن أبي الحديد : معنى قوله عليه السّلام « لإخراجي نفسي إلى اللَّه و إليكم » أي لاعترافي بين يدي اللَّه و بمحضر منكم أنّ عليّ حقوقا في إيالتكم و رئاستي ، لم أقم بها بعد ، و أرجو من اللَّه القيام بها . انتهى . فكأنّه جعل قوله « لإخراجي » تعليلا لترك الثناء لا مثنى عليه ، و لا يخفى بعده . ثمّ اعلم أنّه يحتمل أن يكون المراد بالبقيّة الابقاء و الترحّم ، كما قال تعالى : اُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ في الأَرْضِ 1278 أي إخراجي نفسي من أن أبقى و أترحّم مداهنة في حقوق لم أفرغ من أدائها .

قال الفيروز آبادي : « و أبقيت ما بيننا » لم أبالغ في إفسادها ، و الاسم « البقيّة » ، و « أولوا بقيّة ينهون عن الفساد » أي إبقاء أو فهم . قوله عليه السّلام « و لا تتحفّظوا عنّي بما يتحفّظ به عند أهل البادرة » ، « البادرة » الحدّة و الكلام الّذي يسبق من الانسان في الغضب ، أي لا تثنوا عليّ كما يثنى على أهل الحدّة من الملوك

[ 1277 ] هكذا في النسخة و الصواب و هو الأفصح . عليّ . ( المصحّح )

-----------
( 1278 ) هود : 116 .

[ 462 ]

خوفا من سطوتهم ، أو لا تحتشموا منّي كما يحتشم من السلاطين و الأمراء كترك المساءة و الحديث إجلالا و خوفا منهم و ترك مشاورتهم أو إعلامهم ببعض الأمور و القيام بين أيديهم . قوله عليه السّلام « المصانعة » أي الرشوة أو المداراة . قوله عليه السّلام « كان العمل بهما أثقل عليه » و شأن الولاة العمل بالعدل و الحقّ ، أو أنتم تعلمون أنّه لا يثقل على العمل بها . قوله عليه السّلام « بفوق أن أخطي‏ء » هذا من الانقطاع إلى اللَّه و التواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحقّ و عدّ نفسه من المقصّرين في مقام العبوديّة و الإقرار بأنّ عصمته من نعمه تعالى عليه و ليس اعترافا بعدم العصمة كما توهم ، بل ليست العصمة إلاّ ذلك ، فإنّها هي أن يعصم اللَّه العبد من ارتكاب المعاصي . و قد أشار إليه بقوله عليه السّلام « أن يكفي اللَّه » و هذا مثل قول يوسف عليه السّلام : وَ مَا أبَرَّي‏ءُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلاّ ما رَحِمَ رَبَّي 1279 .

قوله عليه السّلام « ما هو أملك به منّي » أي العصمة من الخطا ، فإنّه تعالى أقدر على ذلك للعبد من العبد لنفسه . قوله عليه السّلام « ممّا كنّا فيه » أي من الجهالة و عدم العلم و المعرفة و الكمالات الّتي يسرها اللَّه تعالى لنا ببعثة الرسول صلّى اللَّه عليه و آله . قال ابن أبي الحديد : ليس هذا إشارة إلى خاصّ نفسه عليه السّلام لأنّه لم يكن كافرا فأسلم ، و لكنّه كلام يقوله و يشير به إلى القوم الّذين يخاطبهم من أفناء الناس ، فيأتي بصيغة الجمع الداخلة فيها نفسه توسّعا . و يجوز أن يكون معناها : لو لا ألطاف اللَّه تعالى ببعثة محمّد صلّى اللَّه عليه و آله لكنت أنا و غيري على مذهب الأسلاف . انتهى .

قوله [ 1280 ] « فبلاءه عندنا ما لا يكفر » أي نعمته عندنا وافرة بحيث لا نستطيع كفرها و سترها ، أي لا يجوز كفرانها و ترك شكرها . قوله « سياسة أمورنا » ، « سست الرعيّة سياسة » أمرتها و نهيتها . و « العلم » بالتحريك ، ما نصب في الطريق ليهتدى

-----------
( 1279 ) يوسف : 53 .

[ 1280 ] أي قول الرجل و هو الخضر عليه السلام . ( المصحّح )

[ 463 ]

به السائرون . قوله « من بارع الفضل » قال الفيروز آباديّ : « برع و يثلّث براعة » فاق أصحابه في العلم و غيره ، أو تمّ في كلّ جمال و فضيلة ، فهو بارع و هي بارعة .

قوله « و لن يكن » على المجهول ، من « كنت الشي‏ء » سترته ، أو بفتح الياء و كسر الكاف ، من « و كن الطائر بيضه يكنه » إذا حضنه . و في بعض النسخ : « لم يكن » ، و في النسخة القديمة : « لن يكون » . قوله « و توسّعا » أي في الفضل و السواد قوله « مع ذلك » أي مع طاعتنا لك ، أي نفس الطاعة أمر مرغوب فيه و مع ذلك موجب لحصول ما ينفعنا و ما هو خير لنا في دنبانا و آخرتنا .

قوله عليه السّلام « إلاّ مناصحة الصدور » أي خلوصها من غشّ النفاق بأن يطوى فيه ما يظهر خلافه ، أو نصح الإخوان نصحا يكون في الصدر لا بمحض اللسان .

قوله [ 1281 ] « و قد عال الّذي في صدره » يقال : « عالني الشي‏ء » أي غلبني و « عال أمرهم » اشتدّ . قوله « و غصص الشجا » ، « الغصّة » بالضمّ ، ما اعترض في الحلق ، و كذا الشجا و « الشجو » الهمّ و الحزن . قوله « الخطر مرزئته » ، « الخطر » بالتحريك القدر و المنزلة و الإشراف على الهلاك . و « المرزئة » المصيبة ، و كذا الفجيعة و كونها أي وقوعها و حصولها . و الضميران راجعان إلى أمير المؤمنين عليه السّلام و القائل كان عالما بقرب أوان شهادته عليه السّلام فلذا كان يندب و يتفجّع ، و إرجاعهما إلى القائل بعيد .

قوله « أشفى » أي أشرف عليه . و الضمير في قوله « إليه » راجع إلى اللَّه تعالى . قوله « و انقلاب جده » ، « الجد » البخت و التفجّع و التوجّع في المصيبة ، أي سأل اللَّه دفع هذا البلاء الّذي قد ظنّ وقوعه عنه عليه السّلام مع التفجّع و التضرّع .

قوله عليه السّلام « يا ربّاني العباد » قال الجزريّ : الربّاني » منسوب إلى الربّ بزيادة الف و النون ، و قيل : هو من الربّ بمعنى التربية لأنّهم كانوا يربّون

[ 1281 ] أي قول الراوي ( المصحّح )

[ 464 ]

المتعلّمين بصغار العلوم و قيل : كبارها . و « الربّانيّ » العالم الراسخ في العلم و الدين و الّذي يطلب بعلمه وجه اللَّه ، و قيل : العالم العامل المعلّم . قوله عليه السّلام « و يا سكن البلاد » ، « السكن » بالتحريك ، كلّ ما يسكن إليه . قوله عليه السّلام « و بك جرت نعم اللَّه علينا » أي بجهادك و مساعيك الجمّيّة لترويج الدين و تشييد الإسلام في زمن الرسول صلّى اللَّه عليه و آله و بعده . قوله عليه السّلام « و للعصاة الكفّار إخوانا » أي كنت تعاشر من يعصيك و يكفر نعمتك معاشرة الإخوان شفقة منك عليهم ، أو المراد الشفقة على الكفّار و العصاة و الاهتمام في هدايتهم . و يحتمل أن يكون المراد المنافقين الّذين كانوا في عسكره و كان يلزمه رعايتهم بظاهر الشرع . و قيل : المراد بالإخوان الخوان الّذي يؤكل عليه الطعام ، فإنّه لغة فيه كما ذكره الجزريّ ، و لا يخفى بعده . و في النسخة القديمة : « ألم نكن » بصيغة المتكلّم ، و حينئذ فالمراد بالفقرة الأولى أنّه كان ينزل بنازل كلّ ذليل ، أي كنّا نذلّ بكلّ ذلّة و هوان ، و هو أظهر و ألصق بقوله « فبمن ؟ » . قوله عليه السّلام « من فضاعة تلك الخطرات » أي شناعتها و شدّتها . قوله « بعد الحور » قال الجوهريّ : نعوذ باللَّه من الحور بعد الكور ، أي من النقصان بعد الزيادة . و في بعض النسخ بالجيم .

قوله عليه السّلام « و ثمال فقراءنا » قال الجزريّ : « الثمال » بالكسر ،

الملجأ و القياس ، و قيل : هو المطعم في الشدّة .

قوله عليه السّلام « يجمعنا في الأمور عدلك » أي هو سبب اجتماعنا و عدم تفرّقنا في جميع الأمور أو من بين سائر الأمور ، و هو سبب لانتظام جميع أمورنا ، أو عدلك يحيط بجميعنا في جميع الأمور . قوله « و يتّسع لنا في الحقّ تأنّيك » أي صار مداراتك و تأنّيك و عدم مبادرتك في الحكم علينا بما نستحقّه ، سببا لوسعة الحقّ علينا و عدم تضيّق الأمور بنا .

قوله عليه السّلام « يبلغ تحريكه » أي تغييره و صرفه . و في النسخة القديمة : « تحويله » . قوله « و لأخطرناها » أي جعلناها في معرض المخاطرة و الهلاك ،

أو صيّرناها خطرا و رهنا و عوضا لك . قال الجزريّ فيه : « فإنّ الجنّة لا خطر لها » أي

[ 465 ]

لا عوض لها و لا مثل ، و « الخطر » بالتحريك ، في الأصل الرهن و ما يخاطر عليه و مثل الشي‏ء و عدله ، و لا يقال إلاّ في الشي‏ء الّذي له قدر و مزيّة . و منه الحديث :

« إلاّ رجل يخاطر بنفسه و ماله » أي يلقيهما في الهلكة بالجهاد . و منه حديث النعمان :

« إنّ هؤلاء يعني المجوس قد أخطروا لكم رثة و متاعا و أخطرتم بهم الاسلام » المعنى أنّهم قد شرطوا لكم ذلك و جعلوه رهنا من جانبهم ، و جعلتم رهنكم دينكم .

قوله عليه السّلام « حاولك » أي قصدك . قوله « من ناواك » أي عاداك . قوله « و لكنّه » أي الربّ تعالى . قوله « و عزّ » أي ذو عزّ و غلبة . و « زاوله » أي حاوله و طالبه . و هذا إشارة إلى أنّ تلك الأمور بقضاء اللَّه و تقديره و المبالغة في دفعها في حكم مغالبة اللَّه في تقديراته . و قد سبق تحقيق القضاء و القدر في كتاب العدل .

قوله عليه السّلام « نعظّمه » الضمير [ 1282 ] في قوله « و نعظّمه و نديمه » راجعان إلى الشكر و الذكر .

قوله [ عليه السلام ] « بلاءه » يحتمل النعمة أيضا . قوله [ عليه السّلام ] « ما عنده » هو خبر « أنّ » ، و يحتمل أن يكون الخبر محذوفا ، أي خير لك .

و المعنى أنّه لا تختلف قلوبنا ، بل تتّفق على أنّ اللَّه اختار لك بإمضائك النعيم و الراحة الدائمة على ما كنت فيه من المشقّة و الجهد و العناء . قوله [ عليه السلام ] « من غير إثم » أي لا نأثم على البكاء عليك ، فإنّه من أفضل الطاعات ، أو لا نقول ما يوجب الإثم . قوله [ عليه السّلام ] « لعزّ » متعلّق بالبكاء و « أن يعود » بدل اشتمال له ،

أي نبكي لتبدّل عزّ هذا السلطان ذلاّ . قوله [ عليه السّلام ] « أكيلا » ،

« الأكيل » يكون بمعنى المأكول و بمعنى الأكل ، و المراد هنا الثاني ، أي نبكي لتبدّل هذا السلطان الحقّ بسلطنة الجور ، فيكون أكلا للدين و الدنيا . و في بعض النسخ :

« لعن اللَّه هذا السلطان » فلا يكون مرجع الإشارة سلطنته عليه السّلام ، بل جنسها الباطل الشامل أيضا ، أي لعن اللَّه السلطنة الّتي لا تكون صاحبها . و يحتمل أن

[ 1282 ] هكذا في النسخة و الصواب : الضميران . ( المصحّح )

[ 466 ]

يكون اللعن مستعملا في أصل معناه لغة و هو الإبعاد ، أي أبعد اللَّه هذا السلطان عن أن يعود ذليلا ، و لا يخفى بعده . قوله [ عليه السّلام ] « و لا نرى لك خلفا » أي من بين السلاطين لخروج السلطنة عن أهل البيت عليهم السّلام . 1283