221 و من كلام له عليه السلام قاله بعد تلاوته : « ألهاكم التّكاثر ( 2996 ) حتّى زرتم المقابر »

يا له مراما ( 2997 ) ما أبعده و زورا ( 2998 ) ما أغفله ( 2999 ) و خطرا ما أفظعه لقد استخلوا ( 3000 ) منهم أيّ مدّكر ( 3001 ) ، و تناوشوهم ( 3002 ) من مكان بعيد أفبمصارع آبائهم يفخرون أم بعديد الهلكى يتكاثرون يرتجعون منهم أجسادا خوت ( 3003 ) ، و حركات سكنت . و لأن يكونوا عبرا ، أحقّ من أن يكونوا مفتخرا ، و لأن يهبطوا بهم جناب ذلّة ، أحجى ( 3004 ) من أن يقوموا بهم مقام عزّة لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة ( 3005 ) ، و ضربوا منهم في غمرة جهالة ، و لو استنطقوا عنهم عرصات تلك الدّيار الخاوية ( 3006 ) ، و الرّبوع ( 3007 ) الخالية ، لقالت : ذهبوا في الأرض ضلاّلا ( 3008 ) ، و ذهبتم في

[ 469 ]

أعقابهم جهالا ، تطؤون في هامهم ( 3009 ) ، و تستنبتون ( 3010 ) في أجسادهم ، و ترتعون ( 3011 ) فيما لفظوا ، و تسكنون فيما خرّبوا ، و إنّما الأيّام بينكم و بينهم بواك ( 3012 ) و نوائح ( 3013 ) عليكم .

أولئكم سلف غايتكم ( 3014 ) ، و فرّاط ( 3015 ) مناهلكم ( 3016 ) ، الّذين كانت لهم مقاوم ( 3017 ) العزّ ، و حلبات ( 3018 ) الفخر ، ملوكا و سوقا ( 3019 ) .

سلكوا في بطون البرزخ ( 3020 ) سبيلا سلّطت الأرض عليهم فيه ،

فأكلت من لحومهم ، و شربت من دمائهم ، فأصبحوا في فجوات ( 3021 ) قبورهم جمادا لا ينمون ( 3022 ) ، و ضمارا ( 3023 ) لا يوجدون ، لا يفزعهم ورود الأهوال ، و لا يحزنهم تنكّر الأحوال ، و لا يحفلون ( 3024 ) بالرّواجف ( 3025 ) ، و لا يأذنون ( 3026 ) للقواصف ( 3027 ) . غيّبا لا ينتظرون .

و شهودا لا يحضرون ، و إنّما كانوا جميعا فتشتّتوا ، و آلافا ( 3028 ) فافترقوا ، و ما عن طول عهدهم ، و لا بعد محلّهم ، عميت أخبارهم ،

و صمّت ( 3029 ) ديارهم ، و لكنّهم سقوا كأسا بدّلتهم بالنّطق خرسا ،

و بالسّمع صمما ، و بالحركات سكونا ، فكأنّهم في ارتحال الصّفة ( 3030 ) صرعى ( 3031 ) سبات ( 3032 ) . جيران لا يتأنّسون ، و أحبّاء لا يتزاورون .

بليت ( 3033 ) بينهم عرا ( 3034 ) التّعارف ، و انقطعت منهم أسباب الإخاء ،

فكلّهم وحيد و هم جميع ، و بجانب الهجر و هم أخلاّء ، لا يتعارفون

[ 470 ]

لليل صباحا ، و لا لنهار مساء .

أيّ الجديدين ( 3035 ) ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا ، شاهدوا من اخطار دارهم أفظع ممّا خافوا ، و رأوا من آياتها أعظم ممّا قدّروا ،

فكلتا الغايتين ( 3036 ) مدّت لهم إلى مباءة ( 3037 ) ، فاتت مبالغ الخوف و الرّجاء . فلو كانوا ينطقون بها لعيّوا ( 3038 ) بصفة ما شاهدوا و ما عاينوا .

و لئن عميت آثارهم ، و انقطعت أخبارهم ، لقد رجعت فيهم أبصار العبر ( 3039 ) ، و سمعت عنهم آذان العقول ، و تكلّموا من غير جهات النّطق ، فقالوا : كلحت ( 3040 ) الوجوه النّواضر ( 3041 ) ، و خوت ( 3042 ) الأجسام النّواعم ، و لبسنا أهدام ( 3043 ) البلى ، و تكاءدنا ( 3044 ) ضيق المضجع ، و توارثنا الوحشة ، و تهكّمت ( 3045 ) علينا الرّبوع ( 3046 ) الصّموت ( 3047 ) ، فانمحت محاسن أجسادنا ، و تنكّرت معارف صورنا ،

و طالت في مساكن الوحشة إقامتنا ، و لم نجد من كرب فرجا ، و لا من ضيق متّسعا فلو مثّلتهم بعقلك ، أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك ، و قد ارتسخت ( 3048 ) أسماعهم بالهوام ( 3049 ) فاستكت ( 3050 ) ،

و اكتحلت أبصارهم بالتّراب فخسفت ( 3051 ) ، و تقطّعت الألسنة في

[ 471 ]

أفواهم بعد ذلاقتها ( 3052 ) ، و همدت القلوب في صدورهم بعد يقظتها ، و عاث ( 3053 ) في كلّ جارحة منهم جديد بلى ( 3054 ) سمّجها ( 3055 ) ،

و سهل طرق الآفة إليها ، مستسلمات فلا أيد تدفع ، و لا قلوب تجزع ،

لرأيت أشجان قلوب ( 3056 ) ، و أقذاء عيون ( 3057 ) ، لهم في كلّ فظاعة صفة حال لا تنتقل ، و غمرة ( 3058 ) لا تنجلي . فكم أكلت الأرض من عزيز جسد ، و أنيق ( 3059 ) لون ، كان في الدّنيا غذي ( 3060 ) ترف ،

و ربيب ( 3061 ) شرف يتعلّل ( 3062 ) بالسّرور في ساعة حزنه ، و يفزع إلى السّلوة ( 3063 ) أن مصيبة نزلت به ، ضنّا ( 3064 ) بغضارة ( 3065 ) عيشه ،

و شحاحة ( 3066 ) بلهوه و لعبه فبينا هو يضحك إلى الدّنيا و تضحك إليه في ظلّ عيش غفول ( 3067 ) ، إذا وطى‏ء الدّهر به حسكه ( 3068 ) و نقضت الأيّام قواه ، و نظرت إليه الحتوف ( 3069 ) من كثب ( 3070 ) ، فخالطه ( 3071 ) بثّ ( 3072 ) لا يعرفه ، و نجيّ ( 3073 ) همّ ما كان يجده ، و تولّدت فيه فترات ( 3074 ) علل ، آنس ما كان بصحّته ، ففزع إلى ما كان عوّده الأطبّاء من تسكين الحارّ بالقارّ ( 3075 ) ، و تحريك البارد بالحارّ ، فلم يطفى‏ء ببارد إلاّ ثوّر حرارة ، و لا حرّك بحارّ إلاّ هيّج برودة ، و لا اعتدل بممازج ( 3076 ) لتلك الطّبائع إلاّ أمدّ منها كلّ ذات داء ،

حتّى فتر معلّله ( 3077 ) ، و ذهل ممرّضه ، و تعايا ( 3078 ) أهله بصفة دائه ،

[ 472 ]

و خرسوا عن جواب السّائلين عنه ، و تنازعوا دونه شجيّ خبر يكتمونه :

فقائل يقول : هو لما به ( 3079 ) ، و ممن ( 3080 ) لهم إياب ( 3081 ) عافيته ،

و مصبّر لهم على فقده ، يذكّرهم أسى ( 3082 ) الماضين من قبله . فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدّنيا ، و ترك الأحبّة ، إذ عرض له عارض من غصصه ، فتحيّرت نوافذ فطنته ( 3083 ) ، و يبست رطوبة لسانه . فكم من مهمّ من جوابه عرفه فعيّ ( 3084 ) عن ردّه ، و دعاء مؤلم بقلبه سمعه فتصام عنه ، من كبير كان يعظّمه ، أو صغير كان يرحمه و إنّ للموت لغمرات ( 3085 ) هي أفظع من أن تستغرق بصفة ، أو تعتدل على عقول ( 3086 ) أهل الدّنيا .