بيان

« أكثر استعتابه » أي أكثر طلب العتبى منه و الرجوع إلى ما يرضى به القوم منه . و « أقلّ عتابه » أي لائمته على وجه الإذلال و المؤاخذة إمّا لعدم النفع أو للمصلحة . و « الوجيف » السير السريع ، قوله « فلتة غضب » أي فجأة غضب .

و الحاصل أنّ هؤلاء الثلثة كانوا أشدّ الناس عليه . « فأتيح له » أي قدر وهيّي‏ء و جاشت و غلت . و « المرجل » القدر من النحاس . و « دار الهجرة » المدينة و الغرض إعلامهم باضطراب حال المدينة و أهلها حين بمسير القوم إلى البصرة للفتنة .

[ 13 ]

أقول : قال ابن ميثم رحمه اللّه : كتب الكتاب الأوّل حين نزل بماء العذب متوجّها الى البصرة و بعثه مع الحسن عليه السّلام و عمّار بن ياسر . 1 و قال ابن أبى الحديد في الشرح : روى محمد بن اسحق عن عمّه عبد الرحمن بن يسار القرشي قال : لمّا نزل عليّ عليه السّلام الربذة متوجّها إلى البصرة بعث إلى الكوفة محمد بن جعفر [ 2 ] أبي طالب و محمد بن أبي بكر و كتب اليهم هذا الكتاب ( يعني الكتاب الأوّل ) و زاد في آخره : « فحسبي بكم إخوانا و للدّين أنصارا » ، « فَانْفِروُا خِفَافاً وَ ثِقَالاً وَ جَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » 3 .

روى أبو مخنف ، قال : حدّثني الصعقب قال : سمعت عبد اللّه بن جنادة يحدث أنّ عليّا عليه السّلام لمّا نزل الربذة بعث هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص إلى أبي موسى الاشعري و هو الأمير يومئذ على الكوفة لينفر إليه الناس و كتب إليه معه :

من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام إلى عبد اللّه بن قيس :

أمّا بعد ، فإنّي بعثت إليك هاشم بن عتبة لتشخص إليّ من قبلك من المسلمين ليتوجّهوا إلى قوم نكثوا بيعتي و قتلوا شيعتي و أحدثوا في الإسلام هذا الحدث العظيم فاشخص بالناس إليّ معه حين يقدم عليك فإنّي لم أولّك المصر الّذي أنت فيه و لم أقرّك عليه إلاّ لتكون من أعواني على الحقّ و أنصاري على هذا الأمر ،

و السّلام .

و روى محمد بن إسحق أنّه لمّا قدم محمد بن جعفر و محمد بن أبي بكر الكوفة استقرّ [ 4 ] الناس فمنعهم أبو موسى فلحقا بعليّ عليه السّلام فأخبراه الخبر .

و روى أبو مخنف أنّ هاشم بن عتبة لمّا قدم الكوفة دعا أبو موسى فقال : اتّبع ما كتب به إليك فأبى ذلك فبعث إلى هاشم يتوعّده ، فكتب إلى عليّ عليه السّلام

-----------
( 1 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 4 ، ص 338 .

[ 2 ] في المصدر : جعفر بن أبي طالب . و هذا صحيح ( المصحّح ) .

-----------
( 3 ) التوبة : 41 .

[ 4 ] في المصدر : استنفر .

[ 14 ]

بامتناعه و أنّه شاقّ بعيد الودّ ظاهر الغلّ و الشنآن و أنّه هدّده بالسجن و القتل . فلمّا ورد كتابة علىّ أمير المؤمنين عليه السّلام أتاه به المحل ابن خليفة فسلّم عليه ، ثم قال :

الحمد للّه الّذي أدّى الحقّ إلى أهله و وضعه موضعه فكره ذلك قوم ، و قد و اللّه كرهوا نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله ثم بارزوه و جاهدوه فردّ اللّه كيدهم في نحورهم و جعل دائرة السّوء عليهم . و اللّه يا أمير المؤمنين لنجاهدنّهم معك في كل موطن حفظا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في أهل بيته إذ صاروا أعداء لهم بعده فرحب به عليّ عليه السّلام و قال له خيرا . ثم أجلسه إلى جانبه و قرأ كتاب هاشم و سأله عن النّاس و عن أبي موسى ، فقال : يا أمير المؤمنين ما أثق به و لا آمنه على خلافك إن وجد من يساعده على ذلك ، فقال عليّ عليه السّلام : « و اللّه ما كان عندي بمؤتمن و لا ناصح و لقد أردت عزله فأتاني الأشتر فسألني أن أقرّه و ذكر أن أهل الكوفة به راضون ،

فأقررته . » و روى أبو مخنف قال : و بعث عليّ عليه السّلام من الربذة بعد وصول المحل بن خليفة عبد اللّه بن عباس و محمد بن أبي بكر إلى أبي موسى و كتب معهما :

من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى عبد اللّه بن قيس :

أما بعد يا ابن الحائك يا عاض أير أبيه فواللّه إن كنت لا أرى [ 5 ] أنّ بعدك من هذا الأمر الّذي لم يجعلك اللّه له أمرا [ 6 ] أهلا و لا جعل لك فيه نصيبا سيمنعك من ردّ أمري و الافتراء عليّ و قد بعثت إليك ابن عباس و ابن أبي بكر فخلّهما و المصر و أهله و اعتزل علينا مذؤوما مدحورا فإن فعلت و إلاّ فإنّي قد أمرتهما أن ينابذاك على سوء . إنّ اللّه لا يهدي كيد الخائنين . فإذا ظهرا عليك قطعاك إربا إربا ،

و السّلام على من شكر النعمة و وفى بالبيعة و عمل برجاء العافية .

قال أبو مخنف : فلمّا أبطأ ابن عباس و ابن أبي بكر عن عليّ عليه السّلام

[ 5 ] في المصدر : إنّي كنت لأرى .

[ 6 ] ليست كلمة « أمرا » في المصدر .

[ 15 ]

و لم يدر ما صنعا ، رجل من الربذة إلى ذي قار فنزلها قال : فلما نزل ذاقار بعث إلى الكوفة الحسن ابنه عليه السّلام و عمار بن ياسر و زيد بن صوحان و قيس بن سعد بن عبادة و معهم كتاب إلى أهل الكوفة فأقبلوا حتّى كانوا بالقادسية فتلقّاهم النّاس فلمّا دخلوا الكوفة قرؤوا كتاب عليّ عليه السّلام و هو :

من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين :

أمّا بعد ، فإنّي خرجت مخرجي هذا إمّا ظالما و إمّا مظلوما و إمّا باغيا و إمّا مبغيّا عليّ ، فأنشد اللّه رجلا بلغه كتابي هذا إلاّ نفر إليّ فإن كنت مظلوما اعانني و إن كنت ظالما استعتبني ، و السّلام .

قال : فلمّا دخل الحسن عليه السّلام و عمّار الكوفة اجتمع اليهما النّاس فقال [ 7 ] الحسن فاستقرّ [ 8 ] النّاس فحمد اللّه و صلّى على رسوله ، قال :

أيّها النّاس إنّا جئنا ندعوكم إلى اللّه ، و إلى كتابه و سنّة رسوله ، و إلى أفقه من تفقّه من المسلمين و اعدل من تعدلون و أفضل من تفضلون و أوفى من تبايعون من لم يعبه القران و لم تجهله السنة و لم تقعده به السكنة [ 9 ] السابقة ، إلى من قرّبه اللّه إلى رسوله قرابتين قرابة الدّين و قرابة الرّحم ، إلى من سبق النّاس إلى كلّ مؤثرة [ 10 ] ،

إلى من كفى اللّه به و [ 11 ] رسوله و النّاس متخاذلون فقرب منه و هم متباعدون و صلّى معه و هم مشركون و قاتل معه و هم منهزمون و بارز معه و هم مجمحون [ 12 ] و صدقه و هم يكذبون ، إلى من لم نزد [ 13 ] له رأيه و لا تكافأ له سابقة و هو يسألكم [ 14 ] النصر و يدعوكم إلى الحقّ و يسألكم بالمسير إليه لتوازروه و تنصروه على قوم نكثوا [ 15 ] بيعته و قتلوا أهل الصلاح من أصحابه و مثّلوا بعمّاله و انتهبوا بيت ماله فاشخصوا إليه ،

[ 7 ] في المصدر : فقام .

[ 8 ] في المصدر : فاستنفر .

[ 9 ] ليست كلمة « السكنة » في المصدر .

[ 10 ] في المصدر : مأثرة .

[ 11 ] في المصدر : بدون « و » .

[ 12 ] في المصدر : و هم محجمون .

[ 13 ] في المصدر : لم ترد .

[ 14 ] في المصدر : يأمركم .

[ 15 ] في المصدر : نكثوا راية بيعته .

[ 16 ]

رحمكم اللّه ، فمروا بالمعروف و انهوا عن المنكر و أحضروا بما يحضر به الصالحون .

قال أبو مخنف : و حدّثني جابر بن يزيد عن تميم بن جذلم [ 16 ] قال :

« قدم علينا الحسن بن عليّ عليه السّلام و عمّار بن ياسر يستنفران الناس إلى عليّ عليه السّلام و معهما كتابه فلمّا فرغا من قراءة كتابه ، قام الحسن و هو فتى حدث و اللّه إنّي لأرثى له من حداثة سنّه و صعوبة مقامه فرماه النّاس بابصارهم و هم يقولون : اللّهمّ سدّد منطق ابن بنت نبيّنا ، فوضع يده على عمود يتساند إليه و كان عليلا من شكوى به فقال :

الحمد للّه العزيز الجبّار الواحد القهّار الكبير المتعال ، سواء منكم من أسرّ القول و من جهربه ، و هو مستخف بالليل و سارب بالنهار . أحمده على حسن البلاء و تظاهر النعماء و على ما أحببنا و كرهنا من شدة و رخاء و أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله ، امتنّ علينا بنبوّته و اختصّه برسالته و أنزل عليه وحيه و اصطفاه على جميع خلقه و أرسله إلى الإنس و الجنّ حين عبدت الأوثان و أطيع الشيطان و جحد الرّحمن . فصلّى اللّه عليه و آله و جزاه أفضل ما جزى المرسلين .

أمّا بعد ، فإنّي لا أقول لكم إلاّ ما تعرفون أنّ أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب أرشد اللّه أمره و أعزّ نصره بعثني إليكم ، يدعوكم إلى الصواب و إلى العمل بالكتاب و الجهاد في سبيل اللّه و إن كان عاجل ذاك ما تكرهون ، فإنّي في أجله ما تحبّون إن شاء اللّه . و قد علمتم [ 17 ] أنّ عليّا صلّى مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وحده و أنّه يوم صدق به لفي عاشرة من سنّه ثمّ شهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جميع مشاهده و كان من اجتهاده في مرضاة اللّه و طاعة رسوله و آثاره الحسنة في الإسلام ما قد بلغكم . و لم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه

[ 16 ] في المصدر : حذيم الناجي . .

[ 17 ] في شرح النهج لابن أبي الحديد : و إن كان في عاجل ذلك ما تكرهون ، فإنّ في آجله ما تحبّون إن شاء اللّه و لقد علمتم . . .

[ 17 ]

و آله راضيا عنه حتّى غمضه بيده و غسله وحده و الملائكة أعوانه و الفضل ابن عمّه ينقل إليه الماء ثمّ أدخله حفرته و أوصاه بقضاء دينه و عداته و غير ذلك من [ 18 ] منّ اللّه عليه . ثمّ و اللّه ما دعاهم [ 19 ] إلى نفسه ، و لقد تداكّ النّاس عليه تداكّ الابل الهيّم عند ورودها فبايعوه طائعين ، ثمّ نكث منهم ناكثون بلا حدث أحدثه و لا خلاف أتاه حسدا له و بغيا عليه .

فعليكم عباد اللّه بتقوى اللّه و الجدّ و الصبر و الاستعانة باللّه و الخفوف إلى ما دعاكم إليه أمير المؤمنين . عصمنا اللّه و إيّاكم بما عصم به أولياءه و أهل طاعته و ألهمنا و إيّاكم تقواه و أعاننا و ايّاكم على جهاد أعدائه . و أستغفر اللّه العظيم لي و لكم .

ثمّ مضى إلى الرحبة فهيّأ منزلا لأبيه أمير المؤمنين عليه السّلام .

قال جابر : فقلت لتميم : « كيف أطاق هذا الغلام ما قد قصصته من كلامه ؟ » فقال : و « ما [ 20 ] سقط عنّي من قوله أكثر و لقد حفظت بعض ما سمعت » .

قال أبو مخنف : و لمّا فرغ الحسن عليه السّلام من خطبته ، قام عمّار و خطب النّاس و استنفرهم فلمّا سمع أبو موسى خطبتهما صعد المنبر و قال :

الحمد للّه الّذي أكرمنا بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله فجمعنا بعد الفرقة و جعلنا إخوانا متحابّين بعد العداوة و حرّم علينا دماءنا و أموالنا . قال اللّه سبحانه :

« لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بِالبَاطِلِ » 21 . و قال تعالى : « وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناَ مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ » 22 . فاتّقوا اللّه عبادكم و ضعوا أسلحتكم و كفّوا عن قتال إخوانكم . . .

[ 18 ] في شرح النهج لابن أبي الحديد : و غير ذلك من أموره . كلّ ذلك من . . .

[ 19 ] في شرح النهج لابن أبي الحديد : ما دعا إلى نفسه .

[ 20 ] في شرح النهج لابن أبي الحديد : لما .

-----------
( 21 ) البقرة : 188 .

-----------
( 22 ) النساء : 93 .

[ 18 ]

إلى آخر خطبته الملعونة التي تركها أولى من ذكرها و تنادي بكفر صاحبها و نفاقه .

قال : فلمّا أتت الأخبار عليّا عليه السّلام باختلاف النّاس بالكوفة بعث الأشتر إليها فأخرجه منها صاغرا .

قال أبو مخنف : و لمّا نزل عليّ عليه السّلام ذاقار كتبت عايشة إلى حفصة :

أمّا بعد ، فإنّي أخبرك أن عليّا قد نزل ذاقار و أقام بها مرعوبا خائفا لمّا بلغه من عدّتنا و جماعتنا فهو بمنزلة الأشقر إن تقدّم عقر و إن تأخّر نحر .

فدعت حفصة جواري لها يتغنّين و يضربن بالدفوف ، فأمرتهنّ أن يقلن في غنائهنّ : ما الخبر ما الخبر عليّ في سفر كالفرس الاشقر إن تقدّم عقر و إن تأخّر نحر . و جعلت بناة الطلقاء يدخلن على حفصة و يجتمعن لسماع ذلك الغناء . فبلغ أمّ كلثوم بنت عليّ عليه السّلام ذلك فلبست جلابيبها و دخلت عليهنّ في نسوة متنكّرات ثمّ أسفرت عن وجهها . فلمّا عرفتها حفصة خجلت و استرجعت فقالت أمّ كلثوم : لئن تظاهرتما عليه اليوم لقد تظاهرتما على أخيه من قبل فأنزل اللّه فيكما ما أنزل . » فقالت حفصة : « كفى ، رحمك اللّه ، و أمرت بالكتاب و استغفرت اللّه » . فقال سهل بن حنيف في ذلك شعر [ 23 ] :

عذرنا الرجال بحرب الرّجال
فما للنساء و ما للسباب

أما حسبنا ما أتينابه
لك الخبر من هتك ذات الحجاب

و مخرجها اليوم من بيتها
يعرفها الذنب نبح الكلاب

إلى أن أتانا كتاب لها
مشوم فيا قبح ذاك الكتاب [ 24 ]

[ 23 ] في المصدر : هذه الأشعار .

[ 24 ] بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 409 ، ط كمپانى و ص 384 ، ط تبريز . فراجع شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 14 ،

ص 8 14 ، ط بيروت .

[ 19 ]