بيان

يقال : « شخص بصره بالفتح فهو شاخص » إذا فتح عينيه و صار لا يطرف و هو كناية عن الموت ، و يجوز أن يكون من « شخص من البلد » يعني ذهب و سار ، أو من « شخص السهم » إذا ارتفع عن الهدف و المراد : يخرجك منها مرفوعا محمولا على أكتاف الرّجال . و « سلّم إليه » أعطاه فتناوله منه . قوله عليه السلام « خالصا » اى من الدنيا و حطامها ليس معك شي‏ء منها . قوله عليه السلام « فإذا أنت » في أكثر النسخ بالتّنوين فهو جزاء شرط محذوف ، أي لو ابتعتها كذلك فقد خسرت الدارين ، و في بعضها بالألف

[ 21 ]

غير منوّن فتكون إذا الفجائية ، كقول اللّه تعالى : فَإذَا هُمْ خَامِدوُنَ 25 . و « أزعجه » أقلقه و قلعه عن مكانه . و « الخطّة » بالكسر هي الأرض يخطّها الإنسان أي يعلم عليها علامة بالخطّ ليعمرها ، و منه خطط الكوفة و البصرة ، و لعلّ فيه إشعارا بأنّ ملكهم لها ليس ملكا تامّا ، بل من قبيل العلامة الّتي يعلم الانسان على أرض يريد التصرّف فيها .

قوله عليه السلام « و تجمع هذه الدار » أي تحيط بها ، و يقال : « أرداه » أي أهلكه . قوله « و فيه يشرع » على البناء للمجهول أي يفتح ، و لعلّه كناية عن أنّ سبب شراء هذه الدار هو الشيطان و اغواؤه ، أو عن أنّ هذه الدار تفتح باب وساوس الشيطان على الإنسان .

قوله عليه السلام « بالخروج » الباء للعوض ، فالخروج هو الثمن . قوله عليه السلام « فما أدرك » ما شرطيّة و أدرك بمعنى لحق ، و اسم الإشارة مفعوله . و « الدّرك » بالتّحريك التبعة . و « البلبلة » الاضطراب و الاختلاط و إفساد الشي‏ء بحيث يخرج عن حدّ الانتفاع به ، و المراد به الموت أو ملكه أو الربّ تعالى شأنه و قوله « إشخاص » مبتدء و « على مبلبل » خبره ، و يقال : « نجد » أي فرش المنزل بالوسائد ، و « التنجيد » التزيين ، و يجوز أن يكون المراد به هنا الرفع من النجد و هو المرتفع من الأرض ، و يقال : « اعتقد ضيعة و مالا » أي اقتناهما .

ثمّ اعلم أنّه يكفي لمناسبة ما يكتب في سجلاّت البيوع لفظ الدّرك ، و لا يلزم مطابقته لما هو المعهود فيها من كون الدّرك لكون المبيع أو الثّمن معيبا أو مستحقّا للغير ،

فالمراد بالدّرك التبعة و الاثم أي ما لحق هذا المشتري من وزر و حطّ مرتبة و نقص عن حظوظ الآخرة فسيجزى بها في القيامة .

أقول : و يحتمل أيضا عندي أن يكون المشتري هذا الشخص من حيث كونه تابعا للهوى ، و لذا وصفه تارة بالعبد الذليل أي الأسير في قيد الهوى ، و بيّن ذلك آخرا حيث عبّر عنه بالمغترّ بالأمل ، و البائع هذا الشخص أيضا حيث أعطاه اللّه العقل و نبّه عقله و آذنه بالرّحيل و أعلمه أنّه ميّت و لا بدّ من أن يموت . و المدرك لتلك الأمور

-----------
( 25 ) يس : 29 .

[ 22 ]

و المخاطب بها هو النفس من حيث اشتماله على العقل ، و لمّا كان هذا العقل شأنه تحصيل السعادات الدائمة و المثوبات الأخرويّة و الدار الباقية و هذا المأسور في قيد الهوى استعمله في تحصيل الدار الفانية المحفوفة بالآفات و البليّات و أعطاه عوضا من كسبه الخروج من عزّ القناعة و الدخول في ذلّ الطلب ، فعلى البائع عليه دعوى الدرك في القيامة بأنّك ضيّعت كسبي و نقصت حظّي و أبدلتني من سعيي ذلاّ و نقصا و هوانا ،

فعند ذلك يخسر المبطلون ، فهذا ما خطر بالبال فخذما آتيتك و كن من الشاكرين . 26