بيان

قال ابن ميثم رحمه اللّه و غيره : « روي عن الشبعني أنّه عليه السلام لمّا قدم الكوفة و كان الأشعث بن قيس على ثغر آذربيجان من قبل عثمان ، فكتب إليه بالبيعة و طالب بمال آذربيجان مع زياد بن مرحب الهمدانيّ . و صورة الكتاب :

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى الأشعث بن قيس :

أمّا بعد ، فلولا هنات و هنات كنّ 29 منك كنت المقدّم في هذا الأمر قبل الناس و لعلّ آخر أمرك يحمل أوّله و بعضها بعضا إن اتّقيت اللّه عزّ و جلّ و قد كان

-----------
( 28 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 405 ، ط كمپانى و ص 380 ، ط تبريز .

-----------
( 29 ) في شرح النهج لابن أبي الحديد : كانت .

[ 24 ]

من بيعة النّاس إيّاي ما قد بلغك . و كان طلحة و الزبير أوّل من بايعني ثمّ نقضا بيعتي عن غير حدث و أخرجا عائشة فساروا بها إلى البصرة . فصرت إليهم في المهاجرين و الأنصار ، فالتقينا فدعوتهم إلى أن يرجعوا الى ما خرجوا منه ، فأبوا فأبلغت في الدعاء و أحسنت في البقيّة . و اعلم أنّ عملك . . .

إلى آخر ما مرّ .

و كتب عبيد اللّه بن أبي رافع في شعبان سنة ستّ و ثلاثين .

و روي أنّه لمّا أتاه كتابه عليه السلام دعا بثقاته و قال لهم : « إنّ عليّ ابن أبي طالب قد أوحشني و هو آخذي بمال آذربيجان على كلّ حال و أنا لاحق بمعاوية .

فقال له أصحابه : « الموت خير لك من ذلك ، تدع مصرك و جماعة قومك فتكون ذنبا لأهل الشام . » فاستحيى من ذلك و بلغ قوله أهل الكوفة .

فكتب إليه [ عليّ ] عليه السلام كتابا يوبخه فيه و يأمره بالقدوم عليه .

و بعث حجر بن عدي ، فلامه حجر على ذلك و ناشده اللّه و قال : « أتدع قومك و أهل مصرك و أمير المؤمنين و تلحق بأهل الشام ؟ » و لم يزل به حتّى أقدمه إلى الكوفة ، فعرض عليه [ عليّ ] عليه السلام ثقله فوجد فيها مائة ألف درهم ( و روي أربعمائة ألف درهم ) فأخذها و كان ذلك بالنخيلة فاستشفع الأشعث بالحسن و الحسين عليهما السلام و بعبد اللّه بن جعفر ، فأطلق له منها ثلثين ألفا .

فقال : لا تكفيني .

فقال : لست بزائدك درهما ، و أيم اللّه لو تركتها لكان خيرا لك و ما أظنّها تحمل لك لو تيقّنت ذلك لما بلّغتها من عندي .

فقال الأشعث : خذ من جذعك ما أعطاك . 30

-----------
( 30 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 14 ، ص 351 .

[ 25 ]

و أقول : « الأذربيجان » اسم أعجميّ غير مصروف و الألف مقصورة و الذال ساكنة . و منهم من يقول « آذربيجان » بمدّ الهمزة و ضمّ الذال و سكون الراء . و لعلّ المراد بالهنات أي الأمور القبيحة ما كان ارتداه و موافقته لخلفاء الجور في جورهم ، أي لولا تلك الأمور لكنت في هذا الأمر متقدما على غيرك في الفضل و السابقة . و يحتمل أن يراد بالهنات ما في قلبه من النفاق و الحقد و العداوة أي لولا تلك الأمور لكان ينبغي أن تكون متقدما عليّ في بيعتي و متابعتي . و « لعلّ آخر أمرك يؤيّد الأوّل » أي لعلّه صدر منك في آخر الأمر أشياء تصير سببا للتجاوز عمّا صدر منك أوّلا . « و بعضها » أي بعض أمورك من الخيرات يحمل « بعضا » أي سائرها من السيّئات و « البقيّة » الإبقاء و الشفقة . و قال في النهاية : « الطعمة » بالضمّ شبه الرزق ، و « الطعمة » بالكسر و الضمّ وجه الكسب ، يقال : هو طيّب الطعمة و خبيث الطعمة . و هي بالكسر خاصّة ، حالة الأكل . و « استرعاه » طلب منه الرعاية ، أي أنت راع من قبل سلطان هو فوقك .

قوله عليه السلام « أن تقتات » في بعض النسخ بالقاف من القوت ، يقال :

« قتّه فاقتات » أي رزقته فارتزق . و في بعضها بالفاء و الألف من الفوت بمعنى السبق ،

يقال : « يفوت فلان على فلان في كذا » . و « و افتات عليه » إذا انفرد برأيه في التصرّف فيه و لمّا ضمن معنى التغليب عدّي بعلى . و قال ابن ميثم بالهمزة و لعلّه سهو . 31 قوله عليه السلام « و لا تخاطر » أي و لا أن تخاطر في شي‏ء من الأمور إلاّ بوثيقة ، أي لا تقدم على أمر مخوف ممّا يتعلّق بالمال الّذي تتولاّه إلاّ بعد أن تتوثّق لنفسك ، يقال : « أخذ فلان بالوثيقة في أمره » أي احتاط و يقال : « خاطر بنفسه » أي أشفابها على خطر .

و قال الزمخشري في المستقصى في قولهم « خذ من جذع ما أعطاك » : هو جذع بن عمرو الغسّاني . أتاه سبطة بن المنذر السليجي ، يسأله دينارين كان بنو غسّان يؤدّونهما

-----------
( 31 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 4 ، ص 351 .

[ 26 ]

أتاوه 32 في كلّ سنة من كلّ رجل إلى ملوك سليج فدخل منزله و خرج مشتملا على سيفه فضربه به حتّى سكت ثمّ قال ذلك و امتنعت بعد غسّان عن الأتاوه .

و قال الفيروزآبادي : الجذع هو ابن عمرو الغسّاني و منه « خذ من جذعك ما أعطاك » . كان غسّان تؤدّي إلى ملك سليج دينارين من كلّ رجل و كان يلي ذلك سبطة بن المنذر السليجي فجاء سبطة يسأله الدينارين فدخل جذع منزله فخرج مشتملا بسيفه فضرب به سبطة حتى برد و قال : « خذ من جذع ما أعطاك » أو أعطى بعض الملوك سيفه رهنا . فلم يأخذه و قال : « اجعل من كذا في كذا » ، فضربه به و قتله و قال : « يضرب في اغتنام ما يجود به البخيل » . في الصّحاح : « قال : اجعل هذا في كذا من أمّك » . 33