تنبيه

لعلّ هذا منه عليه السلام إلزام لمعاوية بالإجماع الّذي أثبتوا به خلافة أبي بكر و عمرو عثمان و عدم تمسّكه عليه السلام بالنصّ لعدم التفاتهم إليه في أوّل العهد مع عدم تطاول الأيّام فكيف مع بعد العهد .

و قوله عليه السلام « إنما الشّورى الخ » أي الشورى الّذي تعتقدونه و تحتجّون به . و لا حاجة إلى حمل الكلام على التقيّة كما نقله ابن أبي الحديد من أصحابنا الإماميّة .

[ 28 ]

قوله عليه السلام « كان ذلك للّه رضى » أي بزعمهم . « العزلة » الاسم من الاعتزال . و « التجنّي » أن يدعى عليك ذنب لم تفعله .

و قال ابن ميثم رحمه اللّه : هذا الفصل من كتاب كتبه إلى معاوية مع جرير بن عبد اللّه البجليّ حين نزعه من همدان . و صدره :

أمّا بعد ، فإنّ بيعتي يا معاوية لزمتك و أنت بالشام لأنّه بايعني القوم ثمّ يتلو قوله : « و ولاّه اللّه ما تولّى . . . » [ 34 ] تمام الآية . و يتّصل بها أن قال :

و إنّ طلحة و الزبير بايعاني ثمّ نقضا بيعتي و كان نقضهما كردّتهما فجاهدتهما على ذلك حتّى جاء الحقّ و ظهر أمر اللّه و هم كارهون . فادخل يا معاوية فيما دخل فيه المسلمون فإنّ أحبّ الأمور إليّ فيك العافية إلاّ أن تتعرّض للبلاء ، فإن تعرّضت له قاتلتك و استعنت باللّه عليك و قد أكثرت في قتلة عثمان . فادخل فيما دخل فيه النّاس ثم حاكم القوم إليّ أحملك و إيّاهم على كتاب اللّه . و أمّا هاتيك الّتي تريد فهي خدعة الصّبيّ عن اللّبن .

ثمّ يتّصل به قوله « و لعمري » إلى قوله « ما بدالك » ، ثمّ يتّصل به :

و اعلم أنّك من الطّلقاء الّذين لا تحلّ لهم الخلافة و لا يعرض فيهم الشورى و قد أرسلت إليك و إلى من قبلك جرير بن عبد اللّه و هو من أهل الإيمان و الهجرة فبايع و لا قوّة إلاّ باللّه .

و قال رحمه اللّه : كتب معاوية إلى أمير المؤمنين عليه السّلام من معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام أمّا بعد ، فلو كنت على ما كان عليه أبو بكر و عمر ، إذن ما قاتلتك و لا استحللت

[ 34 ] هذه العبارة تكون مقتبسة من الآية التالية :

وَ مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُومِنيِنَ نُوَلَّهِ مَا تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سَاءَتْ مَصِيراً ( النساء : 115 ) .

[ 29 ]

ذلك و لكنّه إنّما أفسد عليك بيعتي خطيئتك في عثمان بن عفّان . و إنّما كان أهل الحجاز الحكّام على الناس حين كان الحقّ فيهم فلمّا تركوه صار أهل الشام الحكّام على الحجاز و غيرهم من النّاس . و لعمري ما حجّتك على أهل الشام كحجّتك على أهل البصرة و لا حجّتك عليّ كحجّتك على طلحة و الزبير لأنّ أهل البصرة قد كانوا بايعوك و لم يبايعك أهل الشّام و أنّ طلحة و الزبير بايعاك و لم أبايعك .

و أمّا فضلك في الإسلام و قرابتك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و موضعك من بني هاشم فلست أدفعه ، و السّلام .

فكتب عليه السلام في جوابه :

من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام إلى معاوية بن صخر أمّا بعد ، فإنّه أتاني كتابك ، كتاب امرئ ليس له بصر يهديه و لا قائد يرشده ، قد دعاه الهوى فأجابه و قاده الضّلال فاتّبعه فهجر لاغطا و ضلّ خابطا زعمت أنّه إنّما أفسد على بيعتك خطيئتي في عثمان و لعمري ما كنت إلاّ رجلا من المهاجرين أوردت كما أوردوا و أصدرت كما أصدروا و ما كان اللّه ليجمعهم على ضلال و لا يضربهم بعمى . و أمّا ما زعمت أنّ أهل الشام الحكّام على أهل الحجاز ، فهات رجلين من قريش الشام يقبلان في الشورى أو تحلّ لهما الخلافة فإن زعمت ذلك كذبك المهاجرون و الأنصار و إلاّ فأنا آتيك بهما من قريش الحجاز و أمّا ما ميّزت بين أهل الشام و أهل البصرة و بينك و بين طلحة و الزبير فلعمري ما الأمر في ذلك إلاّ واحد ، لأنّها بيعة عامّة واحدة لا يثنّى فيها النظر و لا يستأنف فيها الخيار ، الخارج منها طاعن و المرويّ فيها مداهن . و أمّا فضلي في الإسلام و قرابتي من الرسول و شرفي في بني هاشم فلو استطعت دفعه لفعلت ، و السّلام .

فلمّا وصل هذا الكتاب إلى معاوية كتب :

أمّا بعد ، فاتّق اللّه يا عليّ ودع الحسد فإنّه طال ما لم ينتفع به أهله و لا تفسد سابقة قديمك بشرّ من حديثك ، فإنّ الأعمال بخواتيمها و لا تلحدنّ بباطل في حقّ من لا حق لك في حقّه فإنّك إن تفعل ذلك لا تضلل إلاّ نفسك ، و لا تمحق إلاّ عملك . و لعمري إنّ ما مضى لك من السوابق الحسنة لحقيقة إن تردك

[ 30 ]

و تردعك عمّا اجترأت عليه من سفك الدّماء و إجلاء أهل الحقّ عن الحلّ و الحرام فاقرأ سورة الفلق . و نعوذ باللّه من شرّ ما خلق و من شرّ نفسك الحاسد إذا حسد .

قفل اللّه بقلبك و أخذ بناصيتك و عجّل توفيقك فإنّي أسعد النّاس بذلك ،

و السّلام .

فكتب عليه السلام :

أمّا بعد ، فقد أتتني منك موعظة موصّلة و رسالة محبّرة نمّقتها بضلالك و أمضيتها بسوء رأيك و كتاب ليس ببعيد الشبه منك حملك على الوثوب على ما ليس لك فيه حقّ و لولا علمي بك و ما قد سبق من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيك ممّا لا مردّ له دون إنفاذه ، إذا لوعظتك و لكن عظتي لا تنفع من حقّت عليه كلمة العذاب و لم يخف العقاب و لا يرجو اللّه وقارا و لم يخف له حذارا فشأنك و ما أنت عليه من الضلالة و الحيرة و الجهالة تجد اللّه في ذلك بالمرصاد من دنياك المنقطعة و تمنّيك الأباطيل و قد علمت ما قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيك و في أمّك و أبيك ، و السّلام . 35 أقول : روى السيد رضي اللّه عنه في النهج بعض الكتابين الّذين أورد هما ابن ميثم و خلطهما .

قوله عليه السلام « فهجر » أي هذى . و « اللغط » بالتحريك الصوت و الجلبة . ذكره الجوهري و قال : « خبط البعير فهو خابط » إذا مشى ضالاّ فخبط بيديه كلّ ما يلقاه و لا يتوقّى شيئا ، و « خبطه » ضربه باليد و منه قيل : « خبط عشواء » أي الفاقة الّتي في بصرها ضعف . قوله عليه السلام « طاعن » قال ابن ميثم : أي في صحّتها فهو طاعن في دين اللّه فيجب قتاله حتى يرجع إليها . و « روّيت في الأمر »

-----------
( 35 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 4 ، ص 355 .

[ 31 ]

نظرت فيه و فكّرت أي الشاكّ فيها مداهن ، و « المداهنة » نوع من النفاق . قوله عليه السلام « موصّلة » قال ابن أبي الحديد : أي مجموعة الألفاظ من هيهنا و هيهنا و ذلك عيب في الكتابة و الخطابة . و قال : « حبّرت الشي‏ء تحبيرا » حسّنته و زيّنته ، أي المزيّنة الألفاظ يشير عليه السلام إلى أنّه قد كان يظهر عليها أثر التكلّف و التصنّع .

و قال الجوهري « نمق الكتاب ينمقه بالضمّ » أي كتبه . و « نمّقه تنميقا » زيّنه بالكتابة .

و قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : كتب معاوية في أثناء حرب صفّين إلى أمير المؤمنين :

من عبد اللّه معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام أمّا بعد ، فإنّ اللّه تعالى يقول في محكم كتابه : وَ لَقَدْ أُوحِيَ اِلَيْكَ وَ اِلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِن أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرينَ . 36 و إنّي أحذّرك اللّه أن تحبط عملك و سابقتك بشقّ عصا هذه الأمّة و تفريق جماعتها فاتّق اللّه و اذكر موقف القيامة و اقلع عمّا أسرفت فيه من الخوض في دماء المسلمين و إنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول : « لو تمالأ أهل صنعاء و عدنه [ 37 ] و قتل رجل واحد من المسلمين لأكبّهم اللّه على مناخرهم في النار . » فكيف يكون حال من قتل أعلام المسلمين و سادات المهاجرين . بله ما طحنت رخاء حربه [ 38 ] من أهل القرآن و ذوي العبادة و الإيمان من شيخ كبير و شاب غرير ، كلّهم باللّه تعالى مؤمن و له مخلص و برسوله مقرّ عارف ، فإن كنت أبا حسن إنّما تحارب على الإمرة و الخلافة فلعمري لو صحّت خلافتك لكنت

-----------
( 36 ) النساء : 66 .

[ 37 ] في المصدر : لو تمالأ أهل صنعاء و عدن على قتل . . .

[ 38 ] في المصدر : رحا حربه .

[ 32 ]

قريبا من أن تعذر في حرب المسلمين و لكنّها لم تصحّ لك و إنّي بصحّتها [ 39 ] و اهل الشام لم يدخلوا فيها و لم يرتضوا بها . فخف اللّه و سطواته ، و اتّق بأسه و نكاله و اغمد سيفك عن النّاس . فقد و اللّه أكلتهم الحرب فلم يبق منهم إلاّ كالثّمد في قرارة الغدير و اللّه المستعان .

فكتب عليّ عليه السلام إليه جوابا عن كتابه :

من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن ابى سفيان أمّا بعد ، فقد أتتني منك موعظة موصّلة و رسالة محبّرة ، نمقتها بضلالك و أمضيتها بسوء رأيك ، و كتاب امرئ ليس له بصر يهديه و لا قائد يرشده ، دعاه الهوى فأجابه و قاده الضلال فاتّبعه ، فهجر لاغطا و ضلّ خابطا . فأمّا أمرك لي بالتقوى فأرجو أن أكون من أهلها ، و أستعيذ باللّه من أن أكون من الّذين إذا أمروا بها أخذتهم العزّة بالاثم . و أمّا تحذيرك إيّاي أن يحبط عملي و سابقتي في الإسلام ،

فلعمري لو كنت الباغي عليك لكان لك أن تحذّرني ذلك و لكنّي وجدت اللّه تعالى يقول : فَقَاتِلُوا الّتي تَبْغِي حَتَّى تَفِي‏ءَ اِلَى أَمْرِ اللَّهِ . 40 فنظرنا إلى الفئتين الباغية [ 41 ] فوجدناها الفئة الّتي أنت فيها ، لأنّ بيعتي بالمدينة لزمتك و أنت بالشام كما لزمتك بيعة عثمان بالمدينة و أنت أمير لعمر على الشام و كما لزمت يزيد أخاك بيعة عمر بالمدينة و هو أمير لأبي بكر على الشام . و أمّا شقّ عصا هذه الأمّة ،

فأنا أحقّ أن أنهاك عنه . فأمّا تخويفك لي من قتل أهل البغي ، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أمرني بقتالهم و قتلهم و قال لأصحابه : إنّ فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله . » و أشار إليّ و أنا أولى من اتّبع أمره و أمّا قولك « إنّ بيعتي لم تصحّ لأنّ أهل الشام لم يدخلوا فيها » ، فإنّما هي بيعة واحدة يلزم [ 42 ] الحاضر و الغائب ، لا يستثنى فيها النظر و لا يستأنف فيها الخيار .

[ 39 ] في المصدر : و لكنّها ما صحّت لك إنّي بصحّتها .

-----------
( 40 ) الحجرات : 9 .

[ 41 ] في المصدر : فنظرنا إلى الفئتين ، أمّا الفئة الباغية .

[ 42 ] في المصدر : تلزم . و هذا صحيح ( المصحّح ) .

[ 33 ]

الخارج منها طاعن و المرويّ فيها مداهن . فاربع على ظلعك و انزع سربال عينك [ 43 ] و اترك ما لا جدوى له عليك فإنّه ليس لك عندي إلاّ السيف حتّى تفي‏ء إلى أمر اللّه صاغرا و تدخل في البيعة راغما ، و السلام . 44 بيان : قال الجوهري : « بله » كلمة مبنيّة على الفتح مثل « كيف » و معناها « دع » و يقال : معناها « سوى » . و في الحديث : « أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر ، بله ما اطلعتهم عليه . » و قال ابن ميثم : كتب أمير المؤمنين عليه السّلام إلى معاوية :

فقد بلغني كتابك تذكر مشاغبتي و تستقبح مواريثي و تزعمني متجبّرا و عن حقّ اللّه مقصّرا ، فسبحان اللّه كيف تستجيز الغيبة و تستحسن العضيهة ؟ إنّي لم أشاغب إلاّ في أمر بمعروف أو نهي عن منكر و لم أتجبّر إلاّ على باغ مارق أو ملحد منافق و لم آخذ في ذلك إلاّ بقول اللّه سبحانه لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤمنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كَانُوا آباءَهُمْ وَ أَبْناءَهُمْ . 45 و أمّا التقصير في حقّ اللّه فمعاذ اللّه و إنّما المقصّر في حقّ اللّه جلّ ثناؤه من عطّل الحقوق المؤكّدة و ركن إلى الأهواء المبتدعة و أخلد إلى الضلالة المحيّرة . و من العجب أن تصف يا معاوية الإحسان و تخالف البرهان و تنكث الوثائق الّتي هي للّه عزّ و جلّ مطلبة و على عبادة حجّة مع نبذ الإسلام و تضييع الأحكام و طمس الأعلام و المجرى في الهوى و الهوس في الردى ، فاتّق اللّه فيما لديك و انظر في حقّه عليك و ارجع إلى معرفة مالا تعذر بجهالته فانّ للطاعة أعلاما واضحة و سبلا نيّرة و محجّة نهجة و غاية مطّلبة ، يردها الأكياس و تخالفها الأنكاس . من نكب عنها جار عن الحقّ و خبط في التّيه و غيّر اللّه نعمته و أحلّ به نقمته . فنفسك نفسك فقد

[ 43 ] في المصدر : غيّك .

-----------
( 44 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 14 ، ص 42 ، ط بيروت .

-----------
( 45 ) المجادلة : 22 .

[ 34 ]

بيّن اللّه لك سبيلك ، و حيث تناهت به أمورك فقد أجريت إلى غاية خسرو محلّة كفر ، و إنّ نفسك قد أوحلتك شرّا و أقحمتك غيّا و أوردتك المهالك و أوعرت عليك المسالك .

و من ذلك الكتاب :

و إنّ للنّاس جماعة يد اللّه عليها و غضب اللّه على من خالفها ، فنفسك نفسك قبل حلول رمسك ، فإنّك إلى اللّه راجع و إلى حشرة مهطع ، و سيبهضك كربة و تحلّ بك غمّة في يوم لا يغني النادم ندمه ، و لا يقبل من المعتذر عذره . يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْليً عَنْ مَوْلىً شَيْئاً وَ لاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ( الدخان : 41 ) . 46