قال ابن أبي الحديد في شرح هذا الكلام

هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث ابن سلمة بن ربيعة بن حذيمة [ 52 ] بن سعد بن مالك بن النخع بن عمرو بن غلّة [ 53 ] بن خالد بن مالك بن داود ، و كان حارسا [ 54 ] شجاعا رئيسا من أكابر الشيعة و عظمائها شديد التحقّق بولاء أمير المؤمنين عليه السّلام و نصره ، و قال فيه بعد موته : يرحم [ 55 ] اللّه مالكا فلقد كان لي كما كنت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله . و لمّا قنت عليّ عليه السلام على خمسة و لعنهم و هم : معاوية و عمرو بن العاص و أبو الأعور السلميّ و حبيب بن مسلمة و بسر بن أرطاة ، قنت معاوية على خمسة و هم : عليّ و الحسن و الحسين و عبد اللّه بن العبّاس و الأشتر ، و لعنهم .

و قد روي أنّه قال لمّا ولّى عليّ عليه السلام بني العبّاس علي الحجاز و اليمن و العراق : فلما ذا قتلنا الشيخ بالأمس ؟ و إنّ عليّا عليه السلام لمّا بلغته هذه الكلمة أحضره و لا طفه و اعتذر إليه ، و قال له : فهل ولّيت حسنا أو حسينا أو أحدا من ولد جعفر أخي أو عقيلا أو أحدا من ولده ؟ و إنّما ولّيت ولد عمّي العبّاس لأنّي سمعت العبّاس يطلب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الامارة مرارا ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله « يا عمّ إنّ الإمارة إن طلبتها وكّلت إليها و إن طلبتك

[ 52 ] في المصدر : ربيعة بن الحارث بن خزيمة .

[ 53 ] في المصدر : علة .

[ 54 ] في المصدر : ادد و كان فارسا .

[ 55 ] في المصدر : رحم اللّه .

[ 42 ]

اعنت عليها . » و رأيت بنيه في أيّام عمر و عثمان يجدون في أنفسهم أن ولّي غيرهم من أبناء الطلقاء و لم يولّ أحد منهم فأحببت أن أصل رحمهم و ازيل ما كان في أنفسهم ، و بعد فإن علمت أحدا هو خير منهم فائتني به ، فخرج الأشتر و قد زال ما في نفسه .

و قد روى المحدّثون حديثا يدلّ على فضيلة عظيمة للاشتر ، و هي شهادة قاطعة من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بأنّه مؤتمن [ 56 ] . روى هذا الحديث أبو عمر بن عبد البرّ في كتاب الاستيعاب في حرف الجيم في باب جندب .

قال أبو عمر : لمّا حضرت آباذرّ الوفاة و هو بالربذة بكت زوجته امّ ذرّ ،

قالت : فقال لي . [ 57 ] ما يبكيك ؟

فقالت : ما لي لا أبكي و أنت تموت بفلاة من الأرض ، و ليس عندي ثوب يسعك كفنا ، و لا بدّ لي من القيام بجهازك .

فقال : ابشري و لا تبكي فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول : « لا يموت بين امر أين مسلمين ولدان أو ثلاث فيصبران و يحتسبان فيريان النار أبدا » . و قد مات لنا ثلاثة من الولد . و سمعت أيضا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول لنفر أنا فيهم : « ليموتنّ أحدكم بفلاة من الأرض ، يشهده عصابة من المؤمنين » و ليس من اولئك النفر أحد إلاّ و قد مات في قرية و جماعة ، فأنا لا أشكّ أنّي ذلك الرجل . و اللّه ما كذبت و لا كذبت ، فانظري الطريق قالت ام ذرّ : فقلت : أنّى و قد ذهب الحاجّ و تقطّعت الطرق ؟

فقال : اذهبي فتبصّري .

قالت : فكنت أشتدّ إلى الكثيب فأصعد فأنظر ثمّ أرجع إليه فامرّضه ، فبينا أنا و هو على هذه الحالة إذا أنا برجال على ركابهم كأنّهم الرخم [ 58 ] تخبّ بهم رواحلهم ،

[ 56 ] في المصدر : مؤمن .

[ 57 ] في المصدر : فقال لها .

[ 58 ] « الرخم » طائر من الجوارح الكبيرة الجثّة الوحشية الطباع . « خبّ الفرس في عدوه » راوح بين يديه و رجليه ، أي قام على إحداهما مرّة و على الأخرى مرّة .

[ 43 ]

فأسرعوا إليّ حتّى وقفوا عليّ و قالوا : يا أمة اللّه مالك ؟ فقلت : امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه ؟ قالوا : و من هو ؟ قلت : أبوذرّ ، قالوا : صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ؟

قلت : نعم ، ففدوه بآبائهم و امّهاتهم و أسرعوا إليه حتّى دخلوا عليه ، فقال لهم : ابشروا فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول لنفر أنا فيهم : « ليموتنّ رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين » . و ليس من اولئك النفر أحد إلاّ و قد هلك في قرية و جماعة ، و اللّه ما كذبتم و لا كذبتم [ 59 ] و لو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامر أتي لم اكفّن إلاّ في ثوب لي أولها ، و إنّي أنشدكم اللّه أن لا يكفنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا .

قالت : و ليس في اولئك النفر أحد إلاّ و قد قارف بعض ما قال إلاّ فتى من الأنصار قال له : أنا أكفّنك يا عمّ في ردائي هذا و في ثوبين معي في عيبتي من غزل امّي .

فقال أبو ذرّ : أنت تكفّنني ، فمات ، فكفّنه الأنصاريّ و غسّله في النفر الّذين [ 60 ] حضروه و قاموا عليه ، و دفنوه في نفر كلّهم يمان .

قال أبو عمر بن عبد البرّ قبل أن يروي هذا الحديث في أوّل باب جندب : كان النفر الّذين حضروا موت أبي ذرّ بالرّبذة مصادفة جماعة منهم حجر بن الابرد [ 61 ] هو حجر بن عديّ الّذي قتله معاوية ، و هو من أعلام الشيعة و عظمائها . أمّا الأشتر فهو أشهر في الشيعة من أبي الهذيل في المعتزلة . و قرئ كتاب الاستيعاب على شيخنا عبد الوهّاب بن سكينة المحدّث و أنا حاضر ، فلمّا انتهى القارئ إلى هذا الخبر قال استاذي عمر بن عبد اللّه الدبّاس و كان يحضر [ 62 ] معه سماع الحديث : لنقل الشيعة

[ 59 ] في المصدر : ما كذبت و لا كذبت .

[ 60 ] في المصدر : و غسّله النفر الّذين 1 ه .

[ 61 ] في الاستيعاب : منهم حجر بن الأدبر و مالك بن الحارث الأشتر ، قلت : حجر بن الأدبر 1 ه .

[ 62 ] في المصدر : و كنت أحضر .

[ 44 ]

بعد هذا ما شاءت ، فما قال المرتضى و المفيد إلاّ بعض ما كان حجر و الأشتر يعتقدانه في عثمان و من تقدّمه ، فأشار الشيخ إليه بالسكوت ، فسكت .

و قد ذكرنا آثار الأشتر و مقاماته بصفّين فيما سبق . و الأشتر هو الّذي عانق عبد اللّه بن الزبير يوم الجمل فاصطرعا على ظهر فرسيهما حتّى وقعا إلى الأرض [ 63 ] فجعل عبد اللّه يصرخ من تحته : اقتلوني و مالكا فلم يعلم من الّذي يعنيه لشدّة الاختلاط و ثوران النقع [ 64 ] فلو قال : اقتلوني و الأشتر لقتلا جميعا . فلمّا افترقا قال الأشتر :

أعايش لولا أنّنى كنت طاويا [ 65 ]
ثلاثا لألفيت ابن أختك هالكا

غداة ينادي و الرماح تنوشه
كوقع الصياصي : اقتلوني و مالكا [ 66 ]

فنجّاه منّي شبعه و شبابه
و أنّي شيخ لم أكن متماسكا

و يقال : إنّ عائشة فقدت عبد اللّه فسألت عنه ، فقيل لها : عهدنا به و هو معانق للأشتر ، فقالت : و اثكل أسماء . و مات الأشتر في سنة تسع و ثلاثين متوجّها إلى مصر واليا عليها لعليّ عليه السلام . قيل : سقي سمّا ، و قيل : إنّه لم يصحّ ذلك و إنّما مات حتف أنفه ، فأمّا ثناء أمير المؤمنين عليه السّلام في هذا الفصل فقد بلغ فيه مع اختصار مالا يبلغ بالكلام الطويل . و لعمري لقد كان الأشتر أهلا لذلك ، كان شديد البأس جوادا رئيسا حليما فصيحا شاعرا ، و كان يجمع بين اللين و العنف ، فيسطو في موضع السطوة و يرفق في موضع الرفق . 67 أقول : و قال ابن أبي الحديد في شرح وصايا أوصى أمير المؤمنين عليه السّلام إلى الحارث الهمدانيّ : هو الحارث بن عبد اللّه بن كعب بن أسد بن

[ 63 ] في المصدر : في الأرض .

[ 64 ] النقع : الغبار .

[ 65 ] أي جائعا .

[ 66 ] « ناش الشي‏ء بالشي‏ء » تعلّق به . و « الصياصي » جمع « الصيصية » بمعنى الوتد يقلع به التمر .

-----------
( 67 ) شرح النهج لابن ابى الحديد ، ج 15 ، ص 98 102 ، ط بيروت .

[ 45 ]

مخلّد بن حارث بن سبيع بن معاوية الهمدانيّ ، كان أحد الفقهاء [ 68 ] و صاحب عليّ عليه السلام و إليه تنسب الشيعة الخطاب الّذي خاطب به في قوله عليه السلام :

يا حار همدان من يمت يرني
من مؤمن أو منافق قبلا 69

أقول : رأيت في بعض مؤلّفات أصحابنا : روي أنّه دخل أبو أمامة الباهليّ على معاوية ، فقرّ به و أدناه ثمّ دعا بالطعام ، فجعل يطعم أبا أمامة بيده ، ثمّ أوسع رأسه و لحيته طيبا بيده ، و أمر له ببدرة من دنانير فدفعها إليه ، ثمّ قال :

يا أبا أمامة باللّه أنا خير أم عليّ بن أبي طالب ؟

فقال أبو أمامة : نعم و لا كذب و لو بغير اللّه سألتني لصدقت . عليّ و اللّه خير منك و أكرم و أقدم إسلاما ، و أقرب إلى رسول اللّه قرابة و أشدّ في المشركين نكاية ، و أعظم عند الأمّة غناء ، أتدري من عليّ يا معاوية ؟ ابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و زوج ابنته سيّدة نساء العالمين ، و أبو الحسن و الحسين سيّدي شباب أهل الجنّة ، و ابن أخي حمزة سيّد الشهداء و أخو جعفر ذي الجناحين ، فأين تقع أنت من هذا يا معاوية ؟ أظننت أنّي سأخيّرك على عليّ بألطافك و طعامك و عطائك فأدخل إليك مؤمنا و أخرج منك كافرا ؟ بئس ما سوّلت لك نفسك يا معاوية ثمّ نهض و خرج من عنده ، فأتبعه بالمال فقال : لا و اللّه لا أقبل منك دينارا واحدا . 70