تبيين

قال ابن ميثم رحمه اللّه : روي أنّ ابن عبّاس كان قد أضرّببني تميم حين ولّي أمر البصرة من قبل عليّ عليه السلام للّذي عرفهم به من العداوة يوم الجمل لأنّهم كانوا من شيعة طلحة و الزبير و عايشة ، فحمل عليهم ابن عبّاس فأقصاهم و تنكّر عليهم و عيّرهم بالجمل حتّى كان يسمّيهم شيعة الجمل و أنصار عسكر و هو اسم جمل عائشة و حزب الشيطان . فاشتدّ ذلك على نفر من شيعة عليّ عليه السلام من بني تميم منهم حارثة ابن قدامة و غيره . فكتب بذلك حارثة إلى عليّ عليه السلام يشكو اليه ابن عبّاس فكتب عليه السلام إلى ابن عبّاس :

[ 53 ]

أمّا بعد ، فإنّ خير الناس عند اللّه غدا أعملهم بطاعته فيما عليه و له ، و أقواهم بالحقّ و إن كان مرّا . ألا بالحقّ قامت السماوات و الأرض فيما بين العباد ، فلتكن سريرتك فعلا و ليكن حكمك واحدا و طريقتك مستقيمة . و اعلم أنّ البصرة مهبط إبليس و مغرس الفتن . . . 85 إلى آخر ما مرّ . قوله عليه السلام « فيما بين العباد » حال عن الحقّ أو ظرف للقيام لكونه عبارة عمّا ينفع العباد و يصير سببا لانتظام أمورهم . « فلتكن سريرتك فعلا » أي لا تضمر خلاف ما تفعل و لا تخدع الناس .

قوله عليه السلام « و مغرس الفتن » ، قال ابن أبي الحديد : أي موضع غرسها ، و يروى بالعين المهملة و هو الموضع الّذي ينزل فيه القوم آخر الليل . « فحادث أهلها » أي تعهدهم بالإحسان . 86 قال في النهاية فيه : « حادثوا هذه القلوب بذكر اللّه » أي أجلوها و اغسلوا الدرن عنها و تعاهدوها بذلك كما يحادث السيف بالصقال .

و في الصحاح قال الأصمعي : « تنمّر له » أي تنكّر له و تغيّر و أوعده لأنّ النمر لا تلقاه أبدا إلاّ متنكّرا غضبان . و « تنمّروا » تشبّهوا بالنمر . « لم يغب لهم نجم » أي لم يمت لهم سيّد إلاّ قام آخر مقامه .

و قال ابن ميثم [ 87 ] : « الوغم » الترة و « الأوغام » الترات ، أي لم يهدر لهم دم في جاهلية و لا في إسلام ، يصفهم بالشجاعة و الحميّة 88 . فالمضاف محذوف أي لم يسبقوا بشفاه حقد من عدوّ . و يحتمل أن يكون المعنى أنّهم لم يسبقهم أحد إلى الترات و الأحقاد لشرف نفوسهم بقلّة احتمالهم للأذى و ذلك لأنّ المهين الحقير في نفسه

-----------
( 85 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 4 ، ص 395 .

-----------
( 86 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 15 ، ص 125 ، ط بيروت .

[ 87 ] إنّ هذا القول لابن أبي الحديد ، و قد ورد هنا سهوا من قبل المصنّف رحمه اللّه . و أمّا كلام ابن ميثم يكون من جملة « لم يسبقوا بشفاه . . . » إلى جملة « . . . بن مضر . »

-----------
( 88 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 15 ، ص 126 ، ط بيروت .

[ 54 ]

لا يكاد يغضب و يحقد بما يفعل به من الأذى و إن غضب في الحال إلاّ أنّه لا يدوم ذلك الغضب و لا يصير حقدا أو لم يسبقهم أحد و لم يغلب عليهم بالقهر و البطش و في وصفهم بذلك إشارة إلى وجه المصلحة في الإحسان إليهم مع نوع من المدح و الاستمالة لهم .

« الرحم الماسّة » لاتّصالهم عند اليأس بن مضر . 89 و قال ابن أبي الحديد : « مأزورون » أصله موزورون و لكنّه جاء بالهمزة ليحاذى بها همزة مأجورون . 90 قوله عليه السلام « فاربع » أي توقّف و تثبّت فيما تفعل . و المراد بالشرّ الضرر لا الظلم و إن احتمله . قوله عليه السلام « فإنّا شريكان » هو كالتعليل لحسن أمره بالتثبّت لأنّه لمّا كان واليا من قبله فكلّ حسنة أو سيّئة يحدثها في ولايته فله عليه السلام شركة في احداثها إذ هو السبب البعيد . و أبو العبّاس كنية ابن عبّاس .

و بعد كلام قال الجوهري : « قال الرأي يفيل فيولة » و « رجل فال » أي ضعيف الرأي ، مخطئ الفراسة . 91