بيان

قوله عليه السلام « حيث لا شهيد » كأنّه اشارة إلى موضع أسرار العمل و إخفاء الأمور ، و قيل : يعني يوم القيامة . و « الشهيد » الشاهد و الحاضر . و « الوكيل » من يفوض إليه الأمور أو الشاهد و الحفيظ كما فسّر به قوله تعالى : وَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ 103 .

« فقد أدّى الأمانة » أي أمانة اللّه الّتي أخذها على العباد في عبادته .

« أن لا يجبههم » قال في النهاية : أي لا يواجههم بما يكرهونه ، و أصل الجبه لقاء الجبهة أو ضربها ، فلمّا كان المواجه غيره بالكلام القبيح كالضارب جبهته به ، سمّى ذلك جبها .

و قال الجوهري « عضهه عضها » رماه بالبهتان ، أي و قد أعضهت أي جئت بالبهتان . و « لا يرغب عنهم » أي عن مخالطتهم و معاشرتهم تحقيرا لهم . و قوله « أهل مسكنة » منصوب بكونه صفة ( شركاء ) و قيل : بدل . و « بؤسا » قال ابن أبي الحديد :

-----------
( 103 ) القصص : 28 .

[ 67 ]

هو « بؤسى » على وزن « فعلى » ، و « البؤس » الخضوع و شدة الحاجة ، و النسخ بالتنوين . و كذا صحّحه الراوندي فيكون انتصابه على المصدر كما يقال : « سحقا لك و بعدا لك » .

و يقال : « خصمه » أي غلبه في الخصومة . و « السائلون » قيل : المراد بهم هنا الرقاب و هم المكاتبون يتعذّر عليهم مال الكتابة فيسألون . و قيل : هم الأسارى و قيل العبيد تحت الشدّة . و « المدفوعون » هم الّذين عناهم اللّه بقوله « في سبيل اللّه » و هم فقراء الغزاة و المدفوع الفقير لأنّ كل أحد يكرهه و يدفعه عن نفسه . و قيل : هم الحجيج المنقطع بهم لأنهم دفعوا عن إتمام حجّهم أو دفعوا عن العود إلى أهلهم و في بعض النسخ المدقعون بالقاف .

قال في القاموس : المدفع كمحسن الملصق بالدقعاء و هو التراب . و أما سهم العاملين فقد ذكره عليه السلام بقوله « و إنّا موفّوك حقّك » ، مع أنّ العامل لا يخاصم نفسه .

و أقول : هذه التكلّفات إنّما نحتاج إليها إذا حملنا الكلام على استيفاء الأقسام ،

و لا ضرورة فيه . فيمكن أن يكون المراد بالسائلين و المدفوعين الموصوفين بتلك الصفات من أصناف المستحقّين المصداقات . و « رتع » كمنع أي أكل و شرب ما شآء في خصب وسعة .

قوله عليه السلام « فقد أحلّ بنفسه » قال ابن أبي الحديد : أي جعل نفسه محلا للذلّ و الخزي ، و يروي « فقد أخلّ بنفسه » بالخاء المعجمة و لم يذكر الذلّ و الخزي ،

و معناه : جعل نفسه فقيرا ، يقال : « خلّ الرجل » إذا افتقر و « أخلّ به و بغيره » أي جعله فقيرا . و يروى « أحلّ بنفسه » بالحاء المهملة و لم يذكر الذلّ و الخزي ، أي أباح دمه .

و الرواية الأولى أصحّ لقوله عليه السلام بعدها : « و هو في الآخرة أذلّ و أخزى » .

قوله عليه السلام « خيانة الأمّة » مصدر مضاف إلى المفعول لأنّ الساعي إذا خاف فقد خان الأمّة كلّها ، و كذا إذا غشّ في الصدقة فقد غشّ الإمام . 104 و جوّز بعضهم أن

-----------
( 104 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 15 ، ص 162 ، ط بيروت .

[ 68 ]

يكون مضافا إلى الفاعل ، فالمراد حينئذ أنّ إغماض الأئمّة و ترك النهي عن مثل تلك الخيانة أفظع الغشّ ، فلا يطيع العاملون في الإغماض فيها . 105