27 و من عهد له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر رضي اللّه عنه حين قلده مصر :

فاخفض لهم جناحك ، و ألن لهم جانبك ، و ابسط لهم وجهك ،

و آس ( 3486 ) بينهم في اللّحظة و النّظرة ، حتّى لا يطمع العظماء في حيفك لهم ( 3487 ) ، و لا ييأس الضّعفاء من عدلك عليهم ، فإنّ اللّه تعالى يسائلكم معشر عباده عن الصّغيرة من أعمالكم و الكبيرة ،

و الظّاهرة و المستورة ، فإن يعذّب فأنتم أظلم ، و إن يعف فهو أكرم .

و اعلموا عباد اللّه أنّ المتّقين ذهبوا بعاجل الدّنيا و آجل الآخرة ،

فشاركوا أهل الدّنيا في دنياهم ، و لم يشاركوا أهل الدّنيا في آخرتهم ، سكنوا الدّنيا بأفضل ما سكنت ، و أكلوها بأفضل ما أكلت ، فحظوا من الدّنيا بما حظي به المترفون ( 3488 ) ، و أخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبّرون ، ثمّ انقلبوا عنها بالزّاد المبلّغ ،

و المتجر الرّابح . أصابوا لذّة زهد الدّنيا في دنياهم ، و تيقّنوا أنّهم

-----------
( 105 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 592 ، ط تبريز .

[ 69 ]

جيران اللّه غدا في آخرتهم . لا تردّ لهم دعوة ، و لا ينقص لهم نصيب من لذّة . فاحذروا عباد اللّه الموت و قربه ، و أعدّوا له عدّته ،

فإنّه يأتي بأمر عظيم ، و خطب جليل ، بخير لا يكون معه شرّ أبدا ، أو شرّ لا يكون معه خير أبدا . فمن أقرب إلى الجنّة من عاملها و من أقرب إلى النّار من عاملها و أنتم طرداء الموت ، إن أقمتم له أخذكم ، و إن فررتم منه أدرككم ، و هو ألزم لكم من ظلّكم .

الموت معقود بنواصيكم ( 3489 ) ، و الدّنيا تطوى من خلفكم . فاحذروا نارا قعرها بعيد ، و حرّها شديد ، و عذابها جديد . دار ليس فيها رحمة ، و لا تسمع فيها دعوة ، و لا تفرّج فيها كربة . و إن استطعتم أن يشتدّ خوفكم من اللّه ، و أن يحسن ظنّكم به ، فاجمعوا بينهما ،

فإنّ العبد إنّما يكون حسن ظنّه بربّه على قدر خوفه من ربّه ، و إنّ أحسن النّاس ظنّا باللّه أشدّهم خوفا للّه .

و اعلم يا محمّد بن أبي بكر أنّي قد ولّيتك أعظم أجنادي في نفسي أهل مصر ، فأنت محقوق أن تخالف على نفسك ( 3490 ) ، و أن تنافح ( 3491 ) عن دينك ، و لو لم يكن لك إلاّ ساعة من الدّهر ، و لا تسخط اللّه برضى أحد من خلقه ، فإنّ في اللّه خلفا من غيره ( 3492 ) ، و ليس من اللّه خلف في غيره .

[ 70 ]

صلّ الصّلاة لوقتها المؤقّت لها ، و لا تعجّل وقتها لفراغ ، و لا تؤخّرها عن وقتها لاشتغال . و اعلم أنّ كلّ شي‏ء من عملك تبع لصلاتك .

و منه : فإنّه لا سواء ، إمام الهدى و إمام الرّدى ، و وليّ النّبيّ ،

و عدوّ النّبيّ . و لقد قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله : « إنّي لا أخاف على أمّتي مؤمنا و لا مشركا ، أمّا المؤمن فيمنعه اللّه بإيمانه ،

و أمّا المشرك فيقمعه ( 3493 ) اللّه بشركه . و لكنّي أخاف عليكم كلّ منافق الجنان ( 3494 ) . عالم اللّسان ( 3495 ) ، يقول ما تعرفون ، و يفعل ما تنكرون » .