بيان

قوله عليه السلام « و آس بينهم » قال في النهاية : « الأسوة و المواساة » المساهمة و المشاركة في المعاش و الرزق ، و أصلها الهمزة فقلبت واوا تخفيفا . و منه قوله عليه السلام « آس بينهم في اللحظة النظرة » أي اجعل كلّ واحد منهم أسوة خصمه .

و قال ابن أبي الحديد : نبّه بذلك على وجوب أن يجعلهم أسوة في جميع ما عدا ذلك من العطاء و الإنعام و التقريب كقوله تعالى : وَ لاَ تَقُلْ لَهُمَا : أُفّ 106 . و قال في قوله عليه السلام « في حيفك لهم » الضمير في لهم راجع إلى الرعيّة لا إلى العظماء ، و قد كان سبق ذكرهم في أوّل الخطبة ، أي حتّى لا يطمع العظماء في أن تتحيّف الرعيّة و تظلمهم و تدفع أموالهم إليهم ، و يجوز أن يرجع الضمير إلى العظماء ،

-----------
( 106 ) الإسراء : 23 .

[ 71 ]

أي حتّى لا يطمع العظماء في جودك في القسم الّذي إنّما تفعله لهم و لأجلهم . 107 انتهى .

و « الحيف » يكون بمعنى الميل عن القصد و بمعنى الظلم و الثاني بالأوّل و الأوّل بالثاني أنسب .

قوله عليه السلام « فأنتم أظلم » أي من أن لا تعذبوا أولا تستحقّوا العقاب . « و إن يعف فهو أكرم » من أن لا يعفو أو يستغرب منه العفو ، أو المعنى أنّه سبحانه إن عذب فظلمكم أكثر من عذابه و لا يعاقبكم بمقدار الذنب ، و إن يعف فكرمه أكثر من ذلك العفو و يقدر على أكثر منه و ربّما يفعل أعظم منه . و قال ابن أبي الحديد : أي أنتم الظالمون كقوله تعالى : وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ 108 او كقولهم : « اللّه أكبر » . 109 و قال ابن ميثم : و يحتمل أن يكون قد سمّي ما يجازيهم من العذاب ظلما مجازا لمشابهة الظلم في الصورة كما في قوله تعالى : فَاعْتَدُوا بِمِثْلِ مَا اعْتَدىَ عَلَيْكُمْ [ 110 ] فصدق إذن اسم التفضيل لابتدائهم بالمعصية . 111 انتهى .

و قوله « سكنوا الدنيا » بيان لقوله « ذهبوا » و قال ابن ميثم : و إنّما كان ما فعلوا أفضل لأنّهم استعملوها على الوجه الّذي ينبغي لهم و أمروا باستعمالها عليه . و ظاهر أنّ ذلك أفضل الوجوه ، و هو الأخذ من لذّات الدنيا المباحة لهم بقدر ضرورتهم و حاجتهم ، بل نقول : إنّ لذّتهم بما استعملوا منها أتمّ و أكمل . و ذلك أنّ كلّ ما استعملوه من مأكول و مشروب و منكوح و مركوب إنّما كان عند الحاجة و الضرورة . و كلّما كانت الحاجة إلى الملذّ أتمّ كانت اللذّة أقوى و أعظم 112 .

-----------
( 107 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 15 ، ص 164 165 ، ط بيروت .

-----------
( 108 ) الروم : 27 .

-----------
( 109 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 15 ، ص 165 ، ط بيروت .

[ 110 ] البقرة : 194 ، و أصل الآية : فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىَ عَلَيْكُمْ .

-----------
( 111 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 4 ، ص 422 و 423 .

-----------
( 112 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 4 ، ص 422 و 423 .

[ 72 ]

أقول : و يحتمل أن تكون الأفضليّة باعتبار أنّ المتّقين لمّا كان مصروفهم من الحلال لا يخافون عليه عقابا و غيرهم لمّا كان ما ينتفعون به حراما أو مخلوطا يخشون العقوبة عليه و هذا ممّا يكدر عيشهم . و « عامل الجنّة » من يعمل الأعمال المؤدّية إليها و كذا « عامل النار » . و « الطرداء » بضمّ الطاء و فتح الراء جمع « طريد » أي يطردكم عن أوطانكم و يخرجكم منها . و قال في النهاية فيه : « كنت أطارد حيّة » أي أخادعها لأصيدها . و منه : « طراد الصيد » . قوله عليه السلام « معقود بنواصيكم » أي ملازم لكم . قوله عليه السلام « و إن أحسن الناس ظنّا » التلازم بينهما لكونهما لازمين للمعرفة ، فكلّما صارت المعرفة أكمل و العلم بجلالته سبحانه أتمّ ، كان حسن الظنّ و الخوف أبلغ . قوله عليه السلام أعظم أجنادي أو عساكري و أعواني أو أقاليمي و بلداني .

قال ابن أبي الحديد : يقال للأقاليم و الأطراف « أجناد » . 113 و قال الجوهري :

« الجند » الأعوان و الأنصار . و الشام خمسة أجناد : دمشق و حمّص و قنسرين و أردن و فلسطين ، يقال لكلّ مدينة منها جند . و الظاهر هو الأوّل لقوله « أهل مصر فأنت محقوق » أي حقيق و جدير . و قال في النهاية : « المنافحة » و المكافحة ، المدافعة و المضاربة ، و منه حديث عليّ عليه السلام « نافحوا بالظبي » أي قاتلوا بالسيف ، و أصله أن يقرب أحد المتقابلين من الآخر بحيث يصل نفح كلّ واحد منهما إلى صاحبه و هي ريحه و نفسه . و قال « اللّهم أعط كلّ منفق خلفا » أي عوضا . و المراد ب « إمام الرّدى » معاوية كقوله تعالى : وَ جَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ اِلَى النّارِ 114 و كذا هو المراد بعدوّ النبىّ صلّى اللّه عليه و آله . قال ابن أبي الحديد : لأنّ عدوّه عليه السلام عدوّ النبىّ لقوله صلّى اللّه عليه و آله « و عدوّك عدوّي و عدوّي عدوّ اللّه » . و لأنّ دلائل النفاق كانت ظاهرة عليه من أفعاله و فلتات لسانه كما عرفت . 115

-----------
( 113 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 15 ، ص 167 ، ط بيروت .

-----------
( 114 ) القصص : 41 .

-----------
( 115 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 655 ، ط كمپانى و ص 605 ، ط تبريز .

[ 73 ]