تبيين

قال ابن أبي الحديد بعد إيراد هذا الكتاب : سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد قلت [ 116 ] : أرى هذا الجواب منطبقا على كتاب معاوية الذي بعثه مع أبي مسلم الخولاني الى علي عليه السلام ، فإن كان هذا هو الجواب فالجواب الّذي ذكره أرباب السيرة و أورده نصر بن مزاحم في كتاب صفين إذن غير صحيح و إن كان ذاك الجواب ، فهذا الجواب اذن غير صحيح و لا ثابت . فقال لي : بل كلاهما ثابت مرويّ و كلاهما كلام أمير المؤمنين عليه السّلام و ألفاظه . ثمّ أمرنى أن أكتب ما يمليه عليّ فكتبته . قال رحمه اللّه كان معاوية يتسقّط عليّا عليه السلام و يبغي [ 117 ] ما عساه يذكره من حال أبي بكر و عمرو إنّهما غصباه حقّه و لا يزال يكيده بالكتاب يكتبه و الرسالة يبعثها يطلب غرته لينفث بما في صدره من حال ابي بكر و عمر إمّا مكاتبة أو مراسلة فيجعل ذلك حجّة عليه عند أهل الشام و يضيفه إلى ما قدره [ 118 ] في أنفسهم من ذنوبه [ 119 ] زعم فكان غمصه عندهم بأنّه قتل عثمان ، أو [ 120 ] مالأ على قتله و أنّه قتل طلحة و الزبير و آسر عايشة و أراق دماء أهل البصرة و بقيت خصلة واحدة و هو أن يثبت عندهم أنّه يبرأ [ 121 ] من أبي بكر و عمر ، و ينسبهما إلى الظلم و مخالفة الرسول في أمر الخلافة ، و أنّهما وثبا عليها غلبة و غصباه إيّاها . فكانت هذه تكون الطامة الكبرى و ليست مقتصرة على إفساد أهل الشام عليه ، بل و أهل العراق

[ 116 ] في المصدر : فقلت .

[ 117 ] في المصدر : ينعى عليه .

[ 118 ] في المصدر : قرّره .

[ 119 ] في المصدر : من ذنوبه كما زعم .

[ 120 ] في المصدر : و .

[ 121 ] في المصدر : تتبرّأ .

[ 78 ]

الّذين هم جنده و بطانته و أنصاره لأنّهم كانوا يعتقدون إمامة الشيخين إلاّ القليل الشاذّ من خواصّ الشيعة . فلمّا كتب ذلك الكتاب مع أبي مسلم الخولاني قصد أن يغضب عليّا و يخرجه [ 122 ] و يحوجه إذا قرأ ذكر أبي بكر و أنّه أفضل المسلمين إلى أن يرهن [ 123 ] خطّه في الجواب بكلمة تقتضي طعنا في أبي بكر ، فكان [ 124 ] مجمجما غير بيّن ليس فيه تصريح بالتظليم لهما و لا التصريح ببراءتهما ، و تارة يترحّم عليها ، و تارة يقول : أخذا [ 125 ] حقّى و قد تركته لهما فأشار عمرو بن العاص على معاوية أن يكتب كتابا ثانيا مناسبا للكتاب الأوّل ليستفزّا فيه عليّا عليه السلام و يستخفّاه و يحمله الغضب منه أن يكتب كلاما يتعلّقان به في تقبيح حاله و تهجين مذهبه . و قال له عمرو : إنّ عليّا عليه السلام رجل نزق طيّاه [ 126 ] ، ما استطعمت منه الكلام بمثل تقريظ أبي بكر و عمر فاكتب . فكتب كتابا أنفذه إليه مع أبي إمامة الباهلي و هو من الصحابة بعد أن عزم على بعثه [ 127 ] مع أبي الدرداء . و نسخة الكتاب :

من عبد اللّه معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام أمّا بعد ، فإنّ اللّه تعالى جدّه اصطفى محمدا صلّى اللّه عليه و آله لرسالته و اختصّه بوحيه و تأدية شريعته فأنقذ به من العماية و هدى به من الغواية ثم قبضه إليه رشيدا خميدا قد بلّغ الشرع و محق الشرك و أخمد نار الإفك فأحسن اللّه جزاءه و ضاعف عليه نعمه و آلاءه ثمّ انّ اللّه سبحانه اختصّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بأصحاب أيّدوه و آزروه و نصروه و كانوا كما قال اللّه سبحانه لهم : أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ 128 . فكان أفضلهم مرتبة و أعلاهم عند اللّه و المسلمين منزلة الخليفة الأوّل الّذي جمع الكلمة و لمّ الدعوة و قاتل أهل

[ 122 ] في المصدر : يحرجه .

[ 123 ] في المصدر : يخلط .

[ 124 ] في المصدر : فكان الجواب .

[ 125 ] في المصدر : أخذ .

[ 126 ] في المصدر : تيّاه .

[ 127 ] في المصدر : بعثته .

-----------
( 128 ) الفتح : 29 .

[ 79 ]

الردة ثمّ الخليفة الثاني الّذي فتح الفتوح و مصر الأمصار و أذلّ رقاب المشركين . ثمّ الخليفة الثالث المظلوم الّذي نشر الملّة و طبق الآفاق بالكلمة الحنيفيّة ، فلمّا استوثق الإسلام و ضرب بجرانه ، عدوت عليه فبغيته الغوائل و نصبت له المكائد و ضربت له بطن الأمر و ظهره و دسست عليه و أغربت به و قعدت حيث استنصرك عن نصرته و سألك أن تدركه قبل أن يمزّق ، فما أدركته و ما يوم المسلمين منك بواحد .

لقد حسدت أبا بكر و التويت عليه و رمت إفساد أمره و قعدت في بيتك عنه و استغويت عصابة من الناس حتّى تأخّروا عن بيعته ثمّ كرهت خلافة عمر و حسدته و استطلت مدّته و سررت بقتله و أظهرت الشماتة بمصابه ، حتّى أنّك حاولت قتل ولده لأنّه قتل قاتل أبيه ثمّ لم تكن أشدّ حسدا منك لابن عمّك عثمان . نشرت مقابحه و طويت محاسنه ، و طعنت في فقهه ثمّ في دينه ثمّ في سيرته ثمّ في عقله و أغريت به السفهاء من أصحابك و شيعتك حتّى قتلوه بمحضر منك .

لا تدفع عنه بلسان و لا يد ، و ما من هؤلاء إلاّ من بغيت عليه و تلكأت في بيعته حتّى حملت إليه قهرا تساق بحزائم الإقتسار كما يساق الفحل المخشوش ثمّ نهضت الآن تطلب الخلافة و قتلة عثمان خلصاؤك و سمراءك ( سجراءك خ ل ) 129 و المحدقون بك و تلك من أمانيّ النفوس و ضلالات الأهواء ، فدع اللّجاج و العنت 130 جانبا و ادفع إلينا قتلة عثمان ، و أعدّ الأمر شورى بين المسلمين ليتّفقوا على من هو للّه رضا . فلا بيعة لك في أعناقنا و لا طاعة لك علينا و لا عتبى لك عندنا و ليس لك و لأصحابك عندي إلاّ السيف . و الّذي لا اله إلاّ هو لأطلبنّ قتلة عثمان أين كانوا و حيث كانوا حتّى أقتلهم أو تلتحق روحي باللّه . فأمّا ما لا تزال تمنّ به من سابقتك و جهادك فإنّي وجدت اللّه سبحانه يقول : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ اَنْ اَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَىَّ اِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أنْ هَدَيكُمْ لِلْإِيمانِ اِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 131 . و لو نظرت في حال نفسك لوجدتها أشدّ الأنفس امتنانا على اللّه بعملها و إذا كان الامتنان على السائل يبطل أجر الصدقة فالامتنان

[ 129 ] في المصدر : شجراؤك .

[ 130 ] في المصدر : العبث .

-----------
( 131 ) الحجرات : 17 .

[ 80 ]

على اللّه يبطل أجر الجهاد و يجعله ك صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْ‏ءٍ مِمَّا كَسَبُوا ، وَ اللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرينَ . 132 قال النقيب أبو جعفر : فلمّا وصل هذا الكتاب إلى [ عليّ ] عليه السلام مع أبي امامة الباهلي ، كلّم أبا إمامة بنحو ممّا كلّم به أبا مسلم الخولاني و كتب معه هذا الجواب .

قال النقيب : و في كتاب معاوية هذا ذكر لفظ الجمل المخشوش أو الفحل المخشوش لا في الكتاب الواصل مع أبي مسلم و ليس في ذلك هذه اللفظة . و إنّما فيه :

« حسدت الخلفاء و بغيت عليهم عرفنا ذلك من نظرك الشزر و قولك الهجر و تنفسك الصعداء إبطائك عن الخلفاء » .

قال : و إنّما كثير من الناس لا يعرفون الكتابين و المشهور عندهم كتاب أبي مسلم ، فيجعلون هذه اللفظة فيه . و الصحيح أنّها في كتاب أبي إمامة ، إلاّ تراها عادت في الجواب و لو كانت في كتاب أبي مسلم لعادت في جوابه . انتهى كلام النقيب أبي جعفر . 133 أقول : إنما أوردت هذا الكتاب على كاتبه و ممليه أشدّ العذاب ليتّضح الجواب و ليظهر لكلّ عاقل كفر هذا المنافق المرتاب .

قوله عليه السلام « فلقد خبّأ لنا الدهر » قال في النهاية : « خبأت الشى‏ء خبأ » إذا أخفبته . و « الخبأ » كلّ شى‏ء غائب مستور . و لعلّ المعنى أن الدهر أخفى لنا من أحوالك شيئا عجبا لم نكن نظنّ ذلك حتّى ظهر منك . و يحتمل أن يكون على سبيل التجريد ، أي أنت أعجب الأشياء في الدهر كنت مخفيّا فظهرت ، من قبيل « لقيني منه أسد » . و قال ابن ميثم : و وجه العجب أنّه أخبر أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه و

-----------
( 132 ) البقرة : 264 .

-----------
( 133 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 15 ، ص 184 188 ، ط بيروت .

[ 81 ]

آله بحاله و ما أنعم اللّه به عليه مع علمهم البالغ بحاله و كونهم أولى بالأخبار عنها و ضرب له في ذلك مثلين . و أصل المثل الأوّل أنّ رجلا قدم من هجر إلى البصرة بمال اشترى به شيئا للربح فلم يجد فيها أكسد من التمر ، فاشترى بماله تمرا و حمله إلى هجر و ادّخره في البيوت ينتظر به السّعر . فلم يزدد الا رخصا حتّى فسد جميعه و تلف ماله ، فضرب مثلا لمن يحمل الشي‏ء إلى معدنه لينتفع به فيه . و « هجر » معروفة بكثرة التمر حتّى أنّه ربّما يبلغ سعر خمسين جلّة بدينار . و وزن الجلّة مائة رطل ، فذلك خمسة آلاف رطل ، و لم يسمع ذلك في غيرها من البلاد . و الثاني أنه شبهه بداعي مسدّده و أستاده في الرّمي إلى المراماة و مسدّده أولى بأن يدعوه إلى ذلك . قوله عليه السلام « إن تمّ اعتزلك كلّه » أي تباعد عنك . و المعنى : ذكرت أمرا إن تمّ لم ينفعك و ان نقص لم يضرّك ، بل لا تعلّق له بك أصلا . « الثلمة » الخلل في الحائط و غيره . و « السياسة » القيام على الشي‏ء بما يصلحه و ليس في هذا الكلام شهادة منه عليه السلام على فضل الخلفاء لما عرفت من المصلحة في هذا الإجمال .

و قال في النهاية : أصل « الحنين » ترجيع الناقة صوتها إثر ولدها ، و منه كتاب عليّ عليه السلام إلى معاوية : « حنّ قدح ليس منها » هو مثل يضرب لرجل ينتمي إلى نسب ليس منه أو يدعى ما ليس منه في شي‏ء . و « القدح » بالكسر ، أحد سهام الميسر ، فإذا كان من غير جوهر إخوانه ثمّ حرّكها المفيض بها خرج له صوت يخالف أصواتها يعرف به . و قال الزمخشري في المستقصى : القداح الّتي يضرب بها تكون من نبع ، فربّما ضاع منها قدح فينحت على مثاله من غرب أو غيره آخر بالعجلة فإذا احتكّ معها صوت صوتا لا يشابه أصواتها فيقال ذلك . ثم ضربه عمر لعقبة بن أبي معيط حين أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بضرب عنقه يوم بدر فقال : أأقتل من بين قريش ؟

أراد عمر أنّك لست من قريش . و قيل في بني الحنان و هم بطن من بلحرث ، إنّ جدّهم ألقى قدحا في قداح قوم يضربون بالميسر و كان يضرب لهم رجل أعمى . فلما وقع قدحه في يده قال : « حنّ قدح ليس منها » فلقب الحنان لذلك يضرب لمنتحل نسبا أو فضلا انتهى .

[ 82 ]

قوله عليه السلام « يحكم فيها » أي في هذه القصّة أو القضيّة من كان الحكم لها عليه لاله ، و يجوز إرجاع الضمير إلى الطبقات .

و قال ابن ميثم : يضرب لمن يحكم على قوم و فيهم ، و هو من أراذلهم و ليس للحكم باهل بل هم أولى منه به . 134 و قال الجوهري : يقال : « اربع على نفسك و اربع على ظلعك » أي ارفق بنفسك و كفّ . يقال : « ظلعت الأرض بأهلها » أي ضافت بهم من كثرتهم . و يقال : « ارق على ظلعك » أي اربع على نفسك و لا تحمل عليها أكثر ممّا تطيق .

و قال في النهاية فيه : إنّه لا يربع على ظلعك . « الظلع » بالسكون ، العرج .

و المعنى : لا يقيم عليك في حال ضعفك . و « ربع في المكان » إذا أقام به . و في الصحاح :

أصل « الذراع » إنّما هو بسط اليد و يقال : « ضقت بالأمر ذرعا » إذا لم تطقه و لم تقو عليه .

و قال ابن ميثم : « حيث أخّره القدر » إشارة إلى مرتبته النازلة الّتي جرى القدر بها أن تكون نازلة عن مراتب السابقين و قد أمر بالتأخّر فيها و الوقوف عندها . 135 قوله عليه السلام « في التّيه » أي في الضلال و التحيّر أو في التكبّر .

قال في النهاية : « تاه يتيه تيها » إذا تحيّر و ضلّ و إذا تكبّر . و « الروّاغ » الميّال « القصد » المعتدل الّذي لا يميل إلى طرفي الإفراط و التفريط . قوله عليه السلام « غير مخبر » أي أتكلّم بكلامي هذا لا لإخباري إيّاك ، بل للتحدّث بنعمته سبحانه إمّا لأنّ معاوية غير قابل للخطاب و الإخبار بهذا الكلام و المقام مقام تحقيره ،

أو لأنّه كان عالما به ، أو لأنّه يتراءى من مثل هذا الكلام و إخبار الخصم به المفاخرة بذكر تلك الفضائل ، فدفع ذلك التوهّم بقوله « لكن بنعمة اللّه أحدث » و ما بعد لكن بهذا الاحتمال أنسب و ان كان قوله عليه السلام « لك » بالأوّل ألصق .

قوله عليه السلام « قيل : سيّد الشهداء » قال ابن أبي الحديد : أي في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأنّ عليّا عليه السلام مات شهيدا و لا خلاف في

-----------
( 134 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 4 ، ص 437 438 .

-----------
( 135 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 4 ، ص 437 438 .

[ 83 ]

أنّه أفضل من حمزة و جعفر و غيرهما بل هو سيّد المسلمين .

قوله عليه السلام « بسبعين تكبيرة » قال ابن ميثم : أي في أربع عشرة صلوة و ذلك أنّ كلّما كبّر عليه خمسا حضرت جماعة من الملائكة فصلّى بهم عليه أيضا و ذلك من خصائص حمزة رضي اللّه عنه . 136 قوله عليه السلام « لذكر ذاكر » يعني نفسه و إنّما نكره و لم يأت بالألف و اللاّم و لم ينسبه إلى نفسه لئلاّ يصرّح بتزكية نفسه . و استعار لفظ ( المجّ ) لكراهية النفس لبعض ما يكرّر سماعه و إعراضها عنه ، فإنّها تصير كالقاذف له من الأذن كما يقذف الماجّ الماء من فيه كذا قيل ، و الظاهر أنّه كناية عن أنّها لوضوحها لا يمكن لأحد إنكارها ، فغير المؤمنين و ان ثقل عليهم سماعها فلا يمكنهم إنكارها .

قوله عليه السلام « فدع عنك الخ » ، « الرمية » الصيد يرمى ، يقال :

« بئس الرميّة الأرنب » أي بئس الشي‏ء ممّا يرمي الأرنب . و المعنى : ذكر من مال إلى الدنيا و مالت به و أمالته إليها و أمالته عن الطريق المستقيم . فإنّ شأن الصيد الخروج عن الطريق ، هي إشارة إلى الخلفاء و الكلام في بيان التفاضل سابقا و لا حقا .

و قال ابن أبي الحديد : هذه إشارة إلى عثمان لا إلى أبي بكر و عمر ، و هذا ممّا لا يسمن و لا يغني من جوع مع أنّ المذكور في كتاب معاوية لم يكن عثمان وحده كما عرفت . 137 و قال ابن ميثم رحمه اللّه : أي فدع عنك أصحاب الأغراض الفاسدة و لا تلتفت إلى ما يقولون في حقّنا كعمرو بن العاص و يحتمل أن يكون الإشارة إلى نفسه على طريقة قولهم : « إيّاك أعنى و اسمعى ياجاره » . و استعار لفظ الرميّة و كنى بها عن الأمور الّتي تقصدها النفوس و ترميها بقصودها . 138 انتهى .

-----------
( 136 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 4 ، ص 438 .

-----------
( 137 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 15 ، ص 194 ، ط بيروت .

-----------
( 138 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 4 ، ص 439 .

[ 84 ]

و لا يخفى بعده ، و أبعد منه ما ذكره الكيدري حيث قال : أراد أنّه مطعون في نسبه و حسبه و أنّه أزاله عن مقام التفاخر و التنافر مطاعن شهرت فيه ، انتهى و كأنّه حمل الرميّة على السهام المرميّة .

قوله عليه السلام « فإنّا صنائع ربّنا » هذا كلام مشتمل على أسرار عجيبة من غرائب شأنهم الّتي تعجز عنها العقول و لنتكلّم على ما يمكننا إظهاره و الخوض فيه .

فنقول : « صنيعة الملك » من يصطنعه و يرفع قدره و منه قوله تعالى : و اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي أي اخترتك و أخذتك صنيعتي لتنصرف على إرادتي و محبّتي .

فالمعنى أنّه ليس لأحد من البشر علينا نعمة بل اللّه تعالى أنعم علينا فليس بيننا و بينه واسطة و الناس بأسرهم صنائعنا فنحن الوسائط بينهم و بين اللّه سبحانه . و يحتمل أن يريد بالناس بعض الناس أي المختار من الناس نصطنعه و نرفع قدره .

و قال ابن أبي الحديد : هذا مقام جليل ظاهره ما سمعت ، و باطنه أنّهم عبيد اللّه و الناس عبيدهم . 139 و قال ابن ميثم : لفظ « الصنايع » في الموضعين مجاز من قبيل إطلاق اسم المقبول على القابل و الحال على المحلّ يقال : « فلان صنيعة فلان » إذا اختصّه لموضع نعمته . و النعمة الجزيلة الّتي اختصّهم اللّه بها هي نعمة الرسالة و ما يستلزمه من الشرف و الفضل حتّى كان الناس عيالاتهم فيها . 140 قوله عليه السلام « و عاديّ طولنا » قال الجوهري : عاد قبيلة و هم قوم هود عليه السلام و شي‏ء عاديّ أي قديم كأنّه منسوب إلى عاد .

و قال ابن أبي الحديد : « الطول » الفضل و قال : الأفعال الجميلة كما تكون عادية بطول المدّة تكون عادية بكثرة المناقب و المآثر و المفاخر و إن كانت المدّة قصيرة و لايراد بالقديم قديم الزمان ، بل من قولهم : « لفلان قديم أثر » أي سابقة حسنة ، و إنّما جعلنا اللفظ مجازا لأنّ بني هاشم و بني أمية لم يفترقا في الشرف إلاّ منذ نشأ هاشم بن

-----------
( 139 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 15 ، ص 194 ، ط بيروت .

-----------
( 140 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 4 ، ص 440 .

[ 85 ]

عبد مناف ، ثمّ لم تكن المدة بين نشئ هاشم و إظهار محمد صلّى اللّه عليه و آله إلاّ نحو تسعين سنة . 141 انتهى . و أقول : قد ظهر لك ممّا سبق انّ بني اميّة لم يكن لهم نسب صحيح ليشاركوا في الحسب آباءه عليهم السلام مع أنّ قديم عزّهم لم ينحصر في النسب بل أنوارهم عليهم السلام أوّل المخلوقات و من بدء خلق أنوارهم إلى خلق أجسادهم و ظهور آثارهم كانوا معروفين بالعزّ و الشرف و الكمالات في الأرضين و السموات . يخبر بفضلهم كلّ سلف خلفا و رفع اللّه ذكرهم في كلّ أمّة عزّا و شرفا .

و قوله عليه السلام « فعل الأكفاء » منصوب على المصدر بفعل مقدّر . و « المكذّب » أبو سفيان و قيل : أبو جهل . و « أسد اللّه » حمزة رضى اللّه عنه و أرضاه .

و « أسد الأحلاف » هو أسد بن عبد الغرى .

و قال في القاموس : الحلف بالكسر ، العهد بين القوم و الصداقة و الصديق يحلف لصاحبه أن لا يغدر به ، و الجمع أحلاف . و الأحلاف في قول زهير أسد و غطفان ، لأنّهم تحالفوا على التناصر و الأحلاف قوم من ثقيف و في قريش ستّ قبائل : عبد الدار و كعب و جح و سهم و مخزوم و عدى ، لأنّهم لمّا أرادت بنو عبد مناف أخذ ما في أيدي عبد الدار من الحجابة و السقاية و أبت عبد الدار عقد كلّ قوم على أمرهم حلفا مؤكّدا على أن لا يتخاذلوا . فأخرجت بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا فوضعتها لأحلافهم و هم أسد و زهرة و تميم عند الكعبة فغمسوا أيديهم فيها و تعاهدوا و تعاقدت بنو عبد الدار و حلفاؤها حلفا آخر مؤكّدا فسمّوا الأحلاف . انتهى .

و نحوه قال في النهاية إلاّ أنه قال بعد قوله : فغمسوا أيديهم فيها و تعاقدوا فسمّوا المطيّبين . « صبية النار » إشارة إلى الكلمة الّتي قالها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لعقبة بن أبي معيط حين قتله صبرا يوم بدر ، و قال كالمستعطف له صلّى اللّه عليه و آله من للصبية يا محمّد قال : « النار » . و « حمّالة الحطب » هي أمّ جميل بنت حرب بن أميّة امرأة أبي لهب . و قوله عليه السلام « في كثير » متعلّق بمحذوف أي

-----------
( 141 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 15 ، ص 194 195 ، ط بيروت .

[ 86 ]

هذا الّذي ذكرنا داخل في كثير يتضمّن ما ينفعنا و يضرّكم . قوله عليه السلام « و جاهليّتنا » أي شرفنا و فضلنا في الجاهليّة لا يدفعه أحد و في بعض النسخ : و جاهليّتكم و لعلّه أظهر . و وجه الاستدلال بالآية الأولى ظاهر لأنّه عليه السلام كان أخصّ اولي الأرحام برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أقربهم إليه ، و كذا الثانية لأنّه عليه السلام كان أقرب الخلق إلى اتّباع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أوّل من آمن به و صدّقه . و قال الجوهري : « الفلج » الظفر و الفوز و « قد فلج الرجل على خصمه يفلج فلجا » و الاسم « الفلج » بالضمّ .

قوله عليه السلام « و تلك شكاة » قال الجوهري : يقال : « هذا أمر ظاهر عنك عاره » أي زائل . قال الشاعر :

و عيّرها الواشون إني أحبّها
و تلك شكاة ظاهر عنك عارها

و قال : شكوت فلأنّا شكاة إذا أخبرت بسوء فعله .

و قال ابن ميثم : البيت لأبي ذويب و هو مثل يضرب لمن ينكر أمرا ليس منه في شي‏ء و لا يلزمه دفعه . « الخشاش » بالكسر ، الّذي يدخل في عظم أنف البعير ، و « خششت البعير » إذا جعلت في أنفه الخشاش . و « الغضاضة » بالفتح ، المذلّة و المنقصة . قوله عليه السلام و « هذه حجّتي إلى غيرك » لعلّ المعنى لست أنت المقصود بها لحقارتك كقوله عليه السلام « غير مخبر لك » ، أو لعلمي بأنّك لا تقبل حججي و لا تؤمن بها ، أو لأنّك عالم بها و لا فائدة في إخبار العالم بل قصدي بذكرها إلى غيرك من السامعين لعلّه يؤمن بها من أنكرها و يطمئنّ بها قلبها من آمن بها .

و قال ابن ميثم : أي لست أنت المقصود بها إذ لست من هذا الأمر في شي‏ء بل القصد منها غيرك ، أي الّذين ظلموا أو إنّما ذكرت منها بقدر ما دعت الحاجة إليه و سنح لي أن أذكره في جوابك . قوله عليه السلام « فلك أن تجاب » أي هذه ليست مثل السابقة الّتي لم يكن لك السؤال فيها ، لأنّك من بني أميّة و بينك و بينه رحم . و قوله عليه السلام « فأيّنا » ابتداء تقرير الجواب . « و الأعدى » من العداوة أو من العدوان و الأوّل أصوب . و « أهدى إلى مقاتله » أي لوجوه قتله و مواضعه و من الآراء و الحيل .

[ 87 ]

« أمن بذل » أراد به نفسه المقدّسة فإنّه لمّا اشتدّ الحصار على عثمان بعث [ عليّ ] عليه السلام إليه و عرض عليه نصرته فقال عثمان : « لا أحتاج إلى نصرتك و لكن اقعد و كفّ شرّك » . و ذلك لأنّ عثمان كان متّهما له عليه السلام بالدخول في أمره . و أراد [ عليّ ] عليه السلام بقوله « من استنصره » معاوية ، و ذلك أنّه بعث عثمان حال حصاره إلى الشام مستصرخا بمعاوية فلم يزل يتراخى عنه و يؤخّر الخروج إلى أن قتل لطمعه في الأمر و ذكر القدر و نسبة القتل إليه هيهنا مناسب لتبرّيه من دمه .

و « البثّ » النشر . و « المنون » الدهر و المنيّة . أي نشر إليه نوائب الدهر و أسباب المنيّة .

و قوله عليه السلام « و اللّه لقد علم اللّه » اقتباس من قوله تعالى : قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الْمُعَوَّقينَ مِنْكُمْ . 142 قال الطبرسي رحمه اللّه : هم الّذين يعوّقون غيرهم عن الجهاد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله . و « التعويق » التثبيط و « القائلين لإخوانهم » يعني اليهود ، قالوا لإخوانهم المنافقين : « هلمّ إلينا » أي تعالوا و أقبلوا إلينا و دعوا محمّدا صلّى اللّه عليه و آله فإنّا نخاف عليكم الهلاك . و « لا يأتون البأس » أي لا يحضرون القتال . و « البأس » الحرب ، و أصله الشدّة . « إلاّ قليلا » إلاّ كارهين يكون قلوبهم مع المشركين ، و لعلّ الغرض من الإقتباس أنّه سبحانه عاب المعوّقين و القائلين فالمتراخي مقصّر على تقدير وجوب الحضور كما زعمته . و يحتمل أن يكون غرضه واقعا تعويقه عن نصره عليه السلام و إن أوهم ظاهره نصر عثمان .

و قال الجوهري : « نقمت على الرجل أنقم » بالكسر ، إذا عتبت عليه .

و قال ابن ميثم في قوله عليه السلام « فربّ ملوم و لا ذنب له » و أنا ذلك الملوم و هو مثل لأكثم بن صيفي يضرب لمن قد ظهر للناس منه امر أنكروه عليه و هم لا يعرفون حجّته و عذره فيه . و قوله « و قد يستفيد الخ » يضرب مثلا لمن يبالغ في النصيحة حتّى يتّهم أنّه غاش . و صدر البيت : و كم سقت في آثاركم من نصيحة .

-----------
( 142 ) 14 الأحزاب : 18 . تمام الآية موجود في الكتاب نفسه .

[ 88 ]

و قال في الصحاح و القاموس : « المتنصّح » من تشبّه بالنصحاء . و هذا المعنى و إن كان محتملا في كلامه عليه السلام على وجه بعيد ، لكنّ الظاهر أنّه ليس غرضا للشاعر . و الظاهر ما ذكره الخليل في العين حيث قال : « التنصّح » كثرة النصيحة . قال أكثم بن صيفي : إيّاكم و كثرة التنصّح فإنّه يورث التهمة . انتهى . « الظنّة » التهمة .

قوله عليه السلام « فلقد أضحكت بعد استعبار » قال الجوهري : « عبرت عينه و استعبرت » أي دمعت ، و « العبران » الباكي .

و قال ابن ميثم : أي أتيت بشي‏ء عجيب بالغ في الغرابة ، فإنّ الضحك بعد البكاء إنّما يكون لتعجّب بالغ . و ذلك كالمثل في معرض الاستهزاء و قيل معناه :

لقد أضحكت من سمع منك هذا تعجّبا بعد بكائه على الدين لتصرّفك فيه . و « ألفيت الشي‏ء » وجدته .

قوله عليه السلام « فألبث قليلا » [ 143 ] قال ابن ميثم : مثل يضرب للوعيد بالحرب . و أصله أنّ حمل بن بدر رجل من قشير اغير على إبل له في الجاهليّة في حرب داحس و الغبراء [ 144 ] فاستنقذها و قال :

لبّث قليلا تلحق الهيجا حمل
ما احسن الموت إذا الموت نزل

فأرسل مثلا . ثم أتى و قتل مالكا فظفر أخوه قيس بن زهير به و بأخيه حذيفة فقتلهما و قال :

شعر :

شفيت النفس من حمل بن بدر
و سيفي من حذيفة قد شفاني 145

انتهى .

[ 143 ] هذا أيضا سهو ورد إمّا في قلم المصنّف أو في قلم الكاتب ، لأنّ صحيحه يكون « فلبّث قليلا » كما قد جاء في نفس الكتاب ( المصحّح ) .

[ 144 ] في المصدر : و أغار .

-----------
( 145 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 4 ، ص 445 446 .

[ 89 ]

و قال الزمخشري في المستقصى : تمام البيت : « ما أحسن الموت إذا حان الأجل . » و قال : قالوا في جمل هو اسم رجل شجاع كان يستظهر به في الحرب ، و لا يبعد أن يراد به جمل بن بدر صاحب لغبراء يضربه من ناصره وراءه . انتهى .

ثمّ اعلم أنّ حملا في بعض النسخ بالحاء المهملة و في بعضها بالجيم .

و قال الفيروزآبادي : « أرقل » أسرع ، « الإرقال » ضرب من الجيب . و « الجحفل » بتقديم الجيم على المهملة ، الجيش . و « القتام » الغبار . و « سطع الغبار و الرائحة و الصبح » ارتفع . و « السربال » القميص . و « سرابيل الموت » إمّا كناية عن الدروع أو الأحوال و الهيئات الّتي كنتم قدرتم على القتل فيها ، فكأنّها أكفانهم . و قوله عليه السلام « ذريّة بذريّة » أي أولاد البدريّين . و قد مرّ أنّ أخاه حنظلة و خاله الوليد و جدّه عتبة أبو أمّه . 146