31 و من وصية له عليه السلام للحسن بن علي عليهما السلام ، كتبها إليه « بحاضرين » ( 3585 ) عند انصرافه من صفّين :

من الوالد الفان ، المقرّ للزّمان ( 3586 ) ، المدبر العمر ، المستسلم للدّنيا ، السّاكن مساكن الموتى ، و الظّاعن عنها غدا ، إلى المولود المؤمّل ما لا يدرك ، السّالك سبيل من قد هلك ، غرض ( 3587 ) الأسقام ،

و رهينة ( 3588 ) الأيّام ، و رميّة ( 3589 ) المصائب ، و عبد الدّنيا ، و تاجر الغرور ، و غريم المنايا ، و أسير الموت ، و حليف الهموم ، و قرين الأحزان ، و نصب الآفات ( 3590 ) ، و صريع ( 3591 ) الشّهوات ، و خليفة الأموات .

أمّا بعد ، فإنّ فيما تبيّنت من إدبار الدّنيا عنّي ، و جموح الدّهر ( 3592 ) عليّ ، و إقبال الآخرة إليّ ، ما يزعني ( 3593 ) عن ذكر من سواي ، و الاهتمام بما ورائي ( 3594 ) ، غير أنّي حيث تفرّد بي دون هموم النّاس همّ نفسي ، فصدفني ( 3595 ) رأيي ، و صرفني عن هواي ،

و صرّح لي محض أمري ( 3596 ) ، فأفضى بي إلى جدّ لا يكون فيه لعب ،

و صدق لا يشوبه كذب . و وجدتك بعضي ، بل وجدتك كلّي ، حتّى كأنّ شيئا لو أصابك أصابني ، و كأنّ الموت لو أتاك أتاني ، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي ، فكتبت إليك كتابي مستظهرا به ( 3597 ) إن أنا بقيت لك أو فنيت .

[ 96 ]

فإنّي أوصيك بتقوى اللّه أي بنيّ و لزوم أمره ، و عمارة قلبك بذكره ، و الاعتصام بحبله . و أيّ سبب أوثق من سبب بينك و بين اللّه إن أنت أخذت به أحي قلبك بالموعظة ، و أمته بالزّهادة ، و قوّه باليقين ، و نوّره بالحكمة ، و ذلّله بذكر الموت ، و قرّره بالفناء ( 3598 ) ، و بصّره ( 3599 ) فجائع ( 3600 ) الدّنيا ، و حذّره صولة الدّهر و فحش تقلّب اللّيالي و الأيّام ، و اعرض عليه أخبار الماضين ، و ذكّره بما أصاب من كان قبلك من الأوّلين ، و سر في ديارهم و آثارهم ، فانظر فيما فعلوا و عمّا انتقلوا ، و أين حلّوا و نزلوا فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة ، و حلّوا ديار الغربة ، و كأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم .

فأصلح مثواك ، و لا تبع آخرتك بدنياك ، و دع القول فيما لا تعرف ، و الخطاب فيما لم تكلّف . و أمسك عن طريق إذا خفت ضلالته ، فإنّ الكفّ عند حيرة الضّلال خير من ركوب الأهوال .

و أمر بالمعروف تكن من أهله ، و أنكر المنكر بيدك و لسانك ، و باين ( 3601 ) من فعله بجهدك ، و جاهد في اللّه حقّ جهاده ، و لا تأخذك في اللّه لومة لائم . و خض الغمرات ( 3602 ) للحقّ حيث كان ، و تفقّه في

[ 97 ]

الدّين ، و عوّد نفسك التّصبّر على المكروه ، و نعم الخلق التّصبّر في الحقّ و ألجى‏ء نفسك في أمورك كلّها إلى إلهك ، فإنّك تلجئها إلى كهف ( 3603 ) حريز ( 3604 ) ، و مانع عزيز . و أخلص في المسألة لربّك ،

فإنّ بيده العطاء و الحرمان ، و أكثر الاستخارة ( 3605 ) ، و تفهّم وصيّتي ،

و لا تذهبنّ عنك صفحا ( 3606 ) ، فإنّ خير القول ما نفع . و اعلم أنّه لا خير في علم لا ينفع ، و لا ينتفع بعلم لا يحقّ ( 3607 ) تعلّمه .

أي بنيّ ، إنّي لمّا رأيتني قد بلغت سنّا ( 3608 ) ، و رأيتني أزداد وهنا ( 3609 ) ، بادرت بوصيّتي إليك ، و أوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي ( 3610 ) إليك بما في نفسي ، أو أن أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي ، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى و فتن الدّنيا ، فتكون كالصّعب ( 3611 ) النّفور ( 3612 ) . و إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شي‏ء قبلته . فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ، و يشتغل لبّك ، لتستقبل بجدّ رأيك ( 3613 ) من الأمر ما قد كفاك أهل التّجارب بغيته ( 3614 ) و تجربته ، فتكون قد كفيت مؤونة الطّلب ، و عوفيت من علاج التّجربة ، فأتاك من ذلك ما قد كنّا نأتيه ، و استبان ( 3615 ) لك ما ربّما أظلم علينا منه .

أي بنيّ ، إنّي و إن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي ، فقد نظرت

[ 98 ]

في أعمالهم ، و فكّرت في أخبارهم ، و سرت في آثارهم ، حتّى عدت كأحدهم ، بل كأنّي بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم ، فعرفت صفو ذلك من كدره ، و نفعه من ضرره ،

فاستخلصت لك من كلّ أمر نخيله ( 3616 ) ، و توخّيت ( 3617 ) لك جميله ،

و صرفت عنك مجهوله ، و رأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشّفيق ، و أجمعت عليه ( 3618 ) من أدبك أن يكون ذلك و أنت مقبل العمر و مقتبل ( 3619 ) الدّهر ، ذو نيّة سليمة ، و نفس صافية ، و أن أبتدئك بتعليم كتاب اللّه عزّ و جلّ و تأويله ، و شرائع الإسلام و أحكامه ،

و حلاله و حرامه ، لا أجاوز ( 3620 ) ذلك بك إلى غيره . ثمّ أشفقت ( 3621 ) أن يلتبس عليك ما اختلف النّاس فيه من أهوائهم و آرائهم مثل الّذي التبس ( 3622 ) عليهم ، فكان إحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحبّ إليّ من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك به الهلكة ( 3623 ) ،

و رجوت أن يوفّقك اللّه فيه لرشدك ، و أن يهديك لقصدك ، فعهدت إليك وصيّتي هذه .

و اعلم يا بنيّ أنّ أحبّ ما أنت آخذ به إليّ من وصيّتي تقوى اللّه و الاقتصار على ما فرضه اللّه عليك ، و الأخذ بما مضى عليه الأوّلون من آبائك ، و الصّالحون من أهل بيتك ، فإنّهم لم يدعوا ( 3624 ) أن

[ 99 ]

نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر ، و فكّروا كما أنت مفكّر ، ثمّ ردّهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا ، و الإمساك عمّا لم يكلّفوا ، فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك ذلك بتفهّم و تعلّم ، لا بتورّط الشّبهات ، و علق الخصومات . و ابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك ، و الرّغبة إليه في توفيقك ،

و ترك كلّ شائبة ( 3625 ) أولجتك ( 3626 ) في شبهة ، أو أسلمتك إلى ضلالة . فإن أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع ، و تمّ رأيك فاجتمع ،

و كان همّك في ذلك همّا واحدا ، فانظر فيما فسّرت لك ، و إن لم يجتمع لك ما تحبّ من نفسك ، و فراغ نظرك و فكرك ، فاعلم أنّك إنّما تخبط العشواء ( 3627 ) ، و تتورّط ( 3628 ) الظّلماء . و ليس طالب الدّين من خبط أو خلط ، و الإمساك ( 3629 ) عن ذلك أمثل ( 3630 ) .

فتفهّم يا بنيّ وصيّتي ، و اعلم أنّ مالك الموت هو مالك الحياة ،

و أنّ الخالق هو المميت ، و أنّ المفني هو المعيد ، و أنّ المبتلي هو المعافي ، و أنّ الدّنيا لم تكن لتستقرّ إلاّ على ما جعلها اللّه عليه من النّعماء ، و الابتلاء ، و الجزاء في المعاد ، أو ما شاء ممّا لا تعلم ، فإن أشكل عليك شي‏ء من ذلك فاحمله على جهالتك ، فإنّك أوّل ما

[ 100 ]

خلقت به جاهلا ثمّ علّمت ، و ما أكثر ما تجهل من الأمر ، و يتحيّر فيه رأيك ، و يضلّ فيه بصرك ثمّ تبصره بعد ذلك فاعتصم بالّذي خلقك و رزقك و سوّاك ، و ليكن له تعبّدك ، و إليه رغبتك ، و منه شفقتك ( 3631 ) .

و اعلم يا بنيّ أنّ أحدا لم ينبى‏ء عن اللّه سبحانه كما أنبأ عنه الرّسول صلّى اللّه عليه و آله فارض به رائدا ( 3632 ) ، و إلى النّجاة قائدا ، فإنّي لم آلك ( 3633 ) نصيحة . و إنّك لن تبلغ في النّظر لنفسك و إن اجتهدت مبلغ نظري لك .

و اعلم يا بنيّ أنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله ، و لرأيت آثار ملكه و سلطانه ، و لعرفت أفعاله و صفاته ، و لكنّه إله واحد كما وصف نفسه ، لا يضادّه في ملكه أحد ، و لا يزول أبدا و لم يزل .

أوّل قبل الأشياء بلا أوّليّة ، و آخر بعد الأشياء بلا نهاية . عظم عن أن تثبت ربوبيّته بإحاطة قلب أو بصر . فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله في صغر خطره ( 3634 ) ، و قلّة مقدرته ، و كثرة عجزه ، و عظيم حاجته إلى ربّه ، في طلب طاعته ، و الخشية من عقوبته ، و الشّفقة من سخطه : فإنّه لم يأمرك إلاّ بحسن ، و لم

[ 101 ]

ينهك إلاّ عن قبيح .

يا بنيّ إنّي قد أنبأتك عن الدّنيا و حالها ، و زوالها و انتقالها ،

و أنبأتك عن الآخرة و ما أعدّ لأهلها فيها ، و ضربت لك فيهما الأمثال ، لتعتبر بها ، و تحذو عليها . إنّما مثل من خبر ( 3635 ) الدّنيا كمثل قوم سفر ( 3636 ) نبا ( 3637 ) بهم منزل جديب ( 3638 ) ، فأمّوا ( 3639 ) منزلا خصيبا و جنابا ( 3640 ) مريعا ( 3641 ) ، فاحتملوا و عثاء ( 3642 ) الطّريق ،

و فراق الصّديق ، و خشونة السّفر ، و جشوبة ( 3643 ) المطعم ، ليأتوا سعة دارهم ، و منزل قرارهم ، فليس يجدون لشي‏ء من ذلك ألما ،

و لا يرون نفقة فيه مغرما . و لا شي‏ء أحبّ إليهم ممّا قرّبهم من منزلهم ،

و أدناهم من محلّتهم .

و مثل من اغترّ بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب ، فنبا بهم إلى منزل جديب ، فليس شي‏ء أكره إليهم و لا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه ، إلى ما يهجمون عليه ( 3644 ) ، و يصيرون إليه .

يا بنيّ اجعل نفسك ميزانا فيما بينك و بين غيرك ، فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك ، و اكره له ما تكره لها ، و لا تظلم كما لا تحبّ أن تظلم ، و أحسن كما تحبّ أن يحسن إليك ، و استقبح

[ 102 ]

من نفسك ما تستقبحه من غيرك ، و ارض من النّاس بما ترضاه لهم من نفسك ، و لا تقل ما لا تعلم و إن قلّ ما تعلم ، و لا تقل ما لا تحبّ أن يقال لك .

و اعلم أنّ الإعجاب ( 3645 ) ضدّ الصّواب ، و آفة الألباب ( 3646 ) . فاسع في كدحك ( 3647 ) ، و لا تكن خازنا لغيرك ( 3648 ) ، و إذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربّك .

و اعلم أنّ أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة ، و مشقّة شديدة ، و أنّه لا غنى بك فيه عن حسن الارتياد ( 3649 ) ، و قدر بلاغك ( 3650 ) من الزّاد ، مع خفّة الظّهر ، فلا تحملنّ على ظهرك فوق طاقتك ، فيكون ثقل ذلك وبالا عليك ، و إذا وجدت من أهل الفاقة ( 3651 ) من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة ، فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه فاغتنمه و حمّله إيّاه ، و أكثر من تزويده و أنت قادر عليه ، فلعلّك تطلبه فلا تجده . و اغتنم من استقرضك في حال غناك ، ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك .

و اعلم أنّ أمامك عقبة كؤودا ( 3652 ) ، المخفّ ( 3653 ) فيها أحسن حالا من المثقل ( 3654 ) ، و المبطى‏ء عليها أقبح حالا من المسرع ، و أنّ

[ 103 ]

مهبطك بها لا محالة إمّا على جنّة أو على نار ، فارتد ( 3655 ) لنفسك قبل نزولك ، و وطّى‏ء المنزل قبل حلولك ، « فليس بعد الموت مستعتب ( 3656 ) » ، و لا إلى الدّنيا منصرف ( 3657 ) .

و اعلم أنّ الّذي بيده خزائن السّموات و الأرض قد أذن لك في الدّعاء ،

و تكفّل لك بالإجابة ، و أمرك أن تسأله ليعطيك ، و تسترحمه ليرحمك ،

و لم يجعل بينك و بينه من يحجبك عنه ، و لم يلجئك إلى من يشفع لك إليه ، و لم يمنعك إن أسأت من التّوبة ، و لم يعاجلك بالنّقمة ، و لم يعيّرك بالإنابة ( 3658 ) ، و لم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى ، و لم يشدّد عليك في قبول الإنابة ، و لم يناقشك بالجريمة و لم يؤيسك من الرّحمة ، بل جعل نزوعك ( 3659 ) عن الذّنب حسنة ،

و حسب سيّئتك واحدة ، و حسب حسنتك عشرا ، و فتح لك باب المتاب ، و باب الاستعتاب ، فإذا ناديته سمع نداك ، و إذا ناجيته علم نجواك ( 3660 ) ، فأفضيت ( 3661 ) إليه بحاجتك ، و أبثثته ( 3662 ) ذات نفسك ( 3663 ) ، و شكوت إليه همومك ، و استكشفته كروبك ( 3664 ) ، و استعنته على أمورك ، و سألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره ،

من زيادة الأعمار ، و صحّة الأبدان ، و سعة الأرزاق . ثمّ جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته ، فمتى شئت

[ 104 ]

استفتحت بالدّعاء أبواب نعمته ، و استمطرت شآبيب ( 3665 ) رحمته ،

فلا يقنّطنّك ( 3666 ) إبطاء إجابته ، فإنّ العطيّة على قدر النّيّة .

و ربّما أخّرت عنك الإجابة ، ليكون ذلك أعظم لأجر السّائل ،

و أجزل لعطاء الآمل . و ربّما سألت الشّي‏ء فلا تؤتاه ، و أوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا ، أو صرف عنك لما هو خير لك ، فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته ، فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله ، و ينفى عنك وباله ، فالمال لا يبقى لك و لا تبقى له .

و اعلم يا بنيّ أنّك إنّما خلقت للآخرة لا للدّنيا ، و للفناء لا للبقاء ، و للموت لا للحياة ، و أنّك في قلعة ( 3667 ) و دار بلغة ( 3668 ) ،

و طريق إلى الآخرة ، و أنّك طريد الموت الّذي لا ينجو منه هاربه ، و لا يفوته طالبه ، و لا بدّ أنّه مدركه ، فكن منه على حذر أن يدركك و أنت على حال سيّئة ، قد كنت تحدّث نفسك منها بالتّوبة ، فيحول بينك و بين ذلك ، فإذا أنت قد أهلكت نفسك .