وصايا شتى

و تلافيك ( 3700 ) ما فرط ( 3701 ) من صمتك أيسر من إدراكك ما فات ( 3702 ) من منطقك ، و حفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء ( 3703 ) ، و حفظ ما في يديك أحبّ إليّ من طلب ما في يدي غيرك . و مرارة اليأس خير من الطّلب إلى النّاس ، و الحرفة مع العفّة خير من الغنى مع الفجور ،

و المرء أحفظ لسرّه ( 3704 ) ، و ربّ ساع فيما يضرّه من أكثر أهجر ( 3705 ) ،

[ 107 ]

و من تفكّر أبصر . قارن أهل الخير تكن منهم ، و باين أهل الشّرّ تبن عنهم . بئس الطّعام الحرام و ظلم الضّعيف أفحش الظّلم إذا كان الرّفق خرقا ( 3706 ) كان الخرق رفقا . ربّما كان الدّواء داء ، و الدّاء دواء . و ربّما نصح غير النّاصح ، و غشّ المستنصح ( 3707 ) . و إيّاك و الاتّكال على المنى ( 3708 ) فإنّها بضائع النّوكى ( 3709 ) ، و العقل حفظ التّجارب ، و خير ما جرّبت ما وعظك . بادر الفرصة قبل أن تكون غصّة . ليس كلّ طالب يصيب ، و لا كلّ غائب يؤوب . و من الفساد إضاعة الزّاد ، و مفسدة المعاد . و لكلّ أمر عاقبة ، سوف يأتيك ما قدّر لك . التّاجر مخاطر ، و ربّ يسير أنمى من كثير لا خير في معين مهين ( 3710 ) ، و لا في صديق ظنين ( 3711 ) . ساهل الدّهر ( 3712 ) ما ذلّ لك قعوده ( 3713 ) ، و لا تخاطر بشي‏ء رجاء أكثر منه ، و إيّاك أن تجمح بك مطيّة اللّجاج ( 3714 ) .

احمل نفسك من أخيك عند صرمه ( 3715 ) على الصّلة ( 3716 ) ، و عند صدوده ( 3717 ) على اللّطف ( 3718 ) و المقاربة ، و عند جموده ( 3719 ) على البذل ( 3720 ) ، و عند تباعده على الدّنوّ ، و عند شدّته على اللّين ، و عند جرمه على العذر ، حتّى كأنّك له عبد ، و كأنّه ذو نعمة عليك .

و إيّاك أن تضع ذلك في غير موضعه ، أو أن تفعله بغير أهله .

[ 108 ]

لا تتّخذنّ عدوّ صديقك صديقا فتعادي صديقك ، و امحض أخاك النّصيحة ، حسنة كانت أو قبيحة ، و تجرّع الغيظ ( 3721 ) فإنّي لم أر جرعة أحلى منها عاقبة ، و لا ألذّ مغبّة ( 3722 ) . و لن ( 3723 ) لمن غالظك ( 3724 ) ،

فإنّه يوشك أن يلين لك ، و خذ على عدوّك بالفضل فإنّه أحلى الظّفرين .

و إن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقيّة يرجع إليها إن بدا له ذلك يوما مّا . و من ظنّ بك خيرا فصدّق ظنّه ، و لا تضيعنّ حقّ أخيك اتّكالا على ما بينك و بينه ، فإنّه ليس لك بأخ من أضعت حقّه . و لا يكن أهلك أشقى الخلق بك ، و لا ترغبنّ فيمن زهد عنك ، و لا يكوننّ أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته ،

و لا تكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان . و لا يكبرنّ عليك ظلم من ظلمك ، فإنّه يسعى في مضرّته و نفعك ، و ليس جزاء من سرّك أن تسوءه .

و اعلم يا بنيّ أنّ الرّزق رزقان : رزق تطلبه ، و رزق يطلبك ،

فإن أنت لم تأته أتاك . ما أقبح الخضوع عند الحاجة ، و الجفاء عند الغنى إنّما لك من دنياك ، ما أصلحت به مثواك ( 3725 ) ، و إن كنت جازعا على ما تفلّت ( 3726 ) من يديك ، فاجزع على كلّ ما لم يصل إليك .

استدلّ على ما لم يكن بما قد كان ، فإنّ الأمور أشباه ، و لا تكوننّ

[ 109 ]

ممن لا تنفعه العظة إلاّ إذا بالغت في إيلامه ، فإنّ العاقل يتّعظ بالآداب ، و البهائم لا تتّعظ إلاّ بالضّرب . اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصّبر و حسن اليقين . من ترك القصد ( 3727 ) جار ( 3728 ) ،

و الصّاحب مناسب ( 3729 ) ، و الصّديق من صدق غيبه ( 3730 ) . و الهوى ( 3731 ) شريك العمى ، و ربّ بعيد أقرب من قريب ، و قريب أبعد من بعيد ،

و الغريب من لم يكن له حبيب . من تعدّى الحقّ ضاق مذهبه ، و من اقتصر على قدره كان أبقى له . و أوثق سبب أخذت به سبب بينك و بين اللّه سبحانه . و من لم يبالك ( 3732 ) فهو عدوّك . قد يكون اليأس إدراكا ، إذا كان الطّمع هلاكا . ليس كلّ عورة تظهر ، و لا كلّ فرصة تصاب ، و ربّما أخطأ البصير قصده ، و أصاب الأعمى رشده .

أخّر الشّرّ فإنّك إذا شئت تعجّلته ( 3733 ) ، و قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل . من أمن الزّمان خانه ، و من أعظمه ( 3734 ) أهانه . ليس كلّ من رمى أصاب . إذا تغيّر السّلطان تغيّر الزّمان . سل عن الرّفيق قبل الطّريق ، و عن الجار قبل الدّار . إيّاك أن تذكر من الكلام ما يكون مضحكا ، و إن حكيت ذلك عن غيرك .