بيان

و روى ابن أبي الحديد و ابن ميثم أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كتب إلى معاوية بن أبي سفيان عليهما اللعنة :

أمّا بعد ، فإنّ الدنيا دار تجارة ، ربحها أو خسرها الآخرة [ 162 ] ، فالسعيد من كانت بضاعته فيها الأعمال الصالحة ، و من رأى الدنيا بعينها و قدّرها بقدرها .

و إنّى لأعظك مع علمي بسابق العلم فيك ممّا لا مردّ له دون نفاذه ، و لكنّ اللّه تعالى أخذ على العلماء أن يؤدّوا [ 163 ] الأمانة ، و أن ينصحوا الغويّ و الرشيد ،

فاتّق اللّه و لا تكن ممّن لا يرجو للّه وقارا ، و من حقّت عليه [ 164 ] كلمة العذاب ،

فإنّ اللّه بالمرصاد ، و إنّ دنياك ستدبر عنك ، و ستعود حسرة عليك ، فانتبه [ 165 ] من الغيّ و الضلال على كبر سنّك و فناء عمرك ، فإنّ حالك اليوم كحال الثوب المهيل الّذي لا يصلح من جانب إلاّ فسد من آخر .

و قد أرديت جيلا من الناس كثيرا خدعتهم بغيّك و ألقيتهم في موج بحرك ،

تغشاهم الظلمات ، و تتلاطم بهم الشبهات ، فحاروا [ 166 ] عن وجهتهم ، و نكصوا على

[ 162 ] في النهج لابن ميثم : ربحها الآخرة .

[ 163 ] في النهج لابن ميثم : يردّوا .

[ 164 ] في النهج لابن ميثم : عليهم .

[ 165 ] في النهج لابن ميثم : فاقلع عمّا أنت عليه .

[ 166 ] هكذا في البحار .

[ 112 ]

أعقابهم ، و تولّوا على أدبارهم ، و عوّلوا على أحسابهم ، إلاّ من فآء من أهل البصائر ،

فإنّهم فارقوك بعد معرفتك ، و هربوا إلى اللّه من موازرتك ، إذ حملتهم على الصّعب ،

و عدلت بهم عن القصد . فاتّق اللّه يا معاوية في نفسك ، و جاذب الشيطان قيادك ،

فإنّ الدّنيا منقطعة عنك ، و الآخرة قريبة منك ، و السلام . 167 قال ابن أبي الحديد : قال أبو الحسن عليّ بن محمّد المدائنى : فكتب إليه معاوية :

من معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب أمّا بعد ، فقد وقفت على كتابك ، و قد أبيت على الغبن [ 168 ] الاّ تماديا ، و إنّى لعالم أنّ الّذي يدعوك إلى ذاك مصرعك الّذي لا بدّ لك منه ، و إن كنت موائلا فازدد غيّا إلى غيّك ، فطالما خفّ عقلك ، و منيت نفسك ما ليس لك ، التويت على من هو خير منك ثمّ كانت العافية [ 169 ] لغيرك ، و احتملت الوزر بما أحاط بك من خطيئتك ، و السلام .

قال : فكتب عليّ عليه السلام :

أمّا بعد ، فإن ما اتيت به من ضلالك ليس ببعيد الشبه مما أتى به أهلك و قومك الّذين حملهم الكفر و تمنّي الأباطيل على حسد محمّد صلّى اللّه عليه و آله حتّى صرعوا مصارعهم حيث علمت ، لم يمنعوا حريما ، و لم يدفعوا عظيما ، و أنا صاحبهم في تلك المواطن الصّالي بحربهم و الفالّ لحدّهم و القاتل لرؤوسهم رؤوس الضلالة ، و المتبع إن شاء اللّه خلفهم بسلفهم فبئس الخلف خلف اتّبع سلفا و محلّه محطّه [ 170 ] النّار ، و السلام .

فكتب إليه معاوية لعنه اللّه :

أمّا بعد ، فقد طال في الغيّ ما استمررت أدراجك كما طال ما تمادى عن الهرب نكوصك و إبطاؤك ، تتوعّد [ 171 ] وعيد الأسد و تروّغ روغان الثعلب ، فحتام تحيد

[ 167 ] شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 68 ، و شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 16 ، ص 133 ، ط بيروت .

[ 168 ] في المصدر : الفتن .

[ 169 ] في المصدر : العاقبة .

[ 170 ] في المصدر : فبئس الخلف خلف اتّبع سلفا محلّه و محطّه .

[ 171 ] في المصدر : فتوعّد .

[ 113 ]

عن اللّقاء و مباشرة [ 172 ] الليوث الضّارية و الأفاعي المقاتلة [ 173 ] ، فلا تستبعدنّها ،

فكلّ ما هو آت قريب إن شاء اللّه ، و السّلام .

قال : فكتب إليه عليّ عليه السلام :

أمّا بعد ، فما أعجب ما يأتيني منك و ما أعلمني بما أنت صائر إليه و ليس إبطائي عنك إلاّ ترقّبا لما أنت له مكذّب و أنا له مصدّق ، و كأنّي بك غدا تضجّ و أنت من الحرب [ 174 ] ضجيج الجمال من الأثقال و ستدعوني أنت و أصحابك إلى كتاب تعظمونه بألسنتكم و تجحدونه بقلوبكم ، و السّلام .

قال : فكتب إليه معاوية :

أمّا بعد ، فدعني من أساطيرك ، و اكفف عنّي من أحاديثك و اقصر عن تقوّلك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و افترائك من الكذب ما لم يقل و غرور من معك و الخداع لهم ، فقد استغويتهم و يوشك أمرك أن ينكشف لهم فيعتزلوك و يعلموا أنّ ما جئت به باطل مضمحلّ ، و السّلام .

قال : فكتب إليه عليّ عليه السلام :

أمّا بعد ، فطالما دعوت أنت و أولياؤك ، و أولياء الشيطان الرّجيم الحق أساطير الأوّلين و نبذتموه ورآء ظهوركم و جهدتم في إطفاء [ 175 ] نور اللّه بأيديكم و أفواهكم وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُوِرِه وَ لَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ 176 و لعمري ليتمّنّ النّور على كرهك و ليفنذنّ العلم بصغارك ، و لتجازينّ بعملك ، فعث في دنياك المنقطعة عنك ما طاب لك فكأنّك بأجلك قد انقضى و عملك قد هوى [ 177 ] ثمّ تصير إلى لظى لم يظلمك اللّه شيئا وَ مَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ . 178

[ 172 ] في المصدر : فحتام تحيد عن لقاء مباشرة .

[ 173 ] في المصدر : القاتلة .

[ 174 ] في المصدر : و كأنّي بك غدا و أنت تضجّ من الحرب .

[ 175 ] في المصدر : بإطفاء .

-----------
( 176 ) الصفّ : 8 .

[ 177 ] في المصدر : فكأنّك بباطلك و قد انقضى و بعملك و قد هوى . . .

-----------
( 178 ) فصّلت : 46 .

[ 114 ]

قال : فكتب إليه معاوية :

أمّا بعد ، فما أعظم الرّين على قلبك و الغطاء على بصرك الشره من شيمتك . . .

إلى آخر ما مرّ برواية أخرى .

قال : فكتب إليه عليّ عليه السلام :

أمّا بعد ، فإنّ مساويك مع علم اللّه فيك حالت بينك و بين أن يصلح [ 179 ] أمرك أو [ 180 ] أن يرعوى قلبك يا ابن الصخر اللّعين زعمت أن يزن الجبال حلمك و يفصل بين أهل الشكّ علمك و أنت الجلف المنافق الأغلف القلب القليل العقل الجبان الرذل ، فإن كنت صادقا فيما تسطر و يعينك عليه أخوبني سهم ، فدع النّاس جانبا و أبرز [ 181 ] لما دعوتني إليه من الحرب و الصبر على الضرب ، و اعف الفريقين من القتال لنعلم [ 182 ] أيّنا المرين على قلبه المغطّى على بصره ، فأنا أبو الحسن قاتل جدّك و أخيك و خالك و ما أنت منهم ببعيد ، و السّلام . 183