بيان

« إلى الأبتر » إشارة إلى قوله تعالى : إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ 221 فانّه نزل فيه . قال ابن أبي الحديد : أمّا غيّ معاوية [ 222 ] فلا ريب في ظهور ضلاله و بغيه . [ 223 ] و أمّا « مهتوك سرّه » فإنّه كان كثير الهزل و الخداعة [ 224 ] صاحب جلساء و سمار . و معاوية لم يتوقّر و لم يلزم قانون الرئاسة إلاّ منذ خرج على أمير المؤمنين و احتاج إلى الناموس و السكينة ، و إلاّ فقد كان في أيام عثمان شديد التّهتّك موسوما بكلّ قبيح و كان في أيّام عمر يستر نفسه قليلا [ 225 ] منه إلاّ أنّه كان يلبس الحرير [ 226 ] و يشرب في آنية الذهب و الفضّة و يركب البغلات ذوات السروج المحلاّة بها و عليها [ 227 ] جلال الديباج و الوشى .

و كان حينئذ شابّا عنده برق الصبّي [ 228 ] و أثر الشبيبة و سكر السلطان و الإمرة . و نقل

-----------
( 220 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 16 ، ص 163 ، ط بيروت .

-----------
( 221 ) الكوثر : 4 .

[ 222 ] في المصدر : فأمّا قوله عليه السلام في معاوية « ظاهر غيّه » .

[ 223 ] في المصدر : و بغيه و كلّ باغ غاو .

[ 224 ] في المصدر : الخلاعة .

[ 225 ] في المصدر : خوفا منه .

[ 226 ] في المصدر : يلبس الحرير و الديباج .

[ 227 ] في المصدر : بهما و عليهما .

[ 228 ] في المصدر : نزق الصبا .

[ 133 ]

الناس عنه في كتب السيرة أنّه كان يشرب الخمر في أيّام عثمان بالشام ، فأمّا بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السّلام و استقرار الأمر له فقد اختلف فيه . فقيل : إنّه شرب الخمر في ستروقيل : لم يشرب . و لا خلاف في أنّه سمع الغنآء و طرب عليه و أعطى و وصل عليه أيضا . 230 و أمّا قوله « يشين الكريم بمجلسه و يسفّه الحليم بخلطته » فالأمر كذلك لأنّه لم يكن في مجلسه إلاّ شتم بني هاشم و قذفهم و التعرّض بذكر الإسلام و الطعن عليه و إن أظهر الانتماء إليه . 231 قوله عليه السلام « كما وافق شن » . قال في مجمع الأمثال : قال الشرفي بن القطامي : كان رجل من دهاة العرب و عقلائهم يقال له : « شن » فقال : و اللّه لأطوفنّ حتّى أجد امرأة مثلي فأتزوجّها . فبينما هو في بعض مسيره إذا رافقه رجل في الطريق فسأله « شن » : أين تريد ؟

فقال : موضع كذا و كذا يريد القرية الّتي يقصدها « شن » .

فرافقه حتّى إذا أخذا في مسيرهما ، قال « شن » : أتحملني أم أحملك ؟

فقال له الرجل : يا جاهل أنا راكب و أنت راكب فقال : أحملك أم تحملني ؟

فسكت عنه « شن » ، فسارا حتّى إذا قربا من القرية إذا هما بزرع قد استحصد فقال : أترى هذا الزرع أكل أم لا ؟

فقال له الرجل : يا جاهل ترى بنتا مستحصدا فتقول أكل أم لا ؟

فسكت عنه « شن » ، حتّى إذا دخلا القرية لقيتهما جنازة فقال « شن » : أترى صاحب هذا النعش حيّا أو ميّتا ؟

فقال الرجل : ما رأيت أجهل منك ، ترى جنازة تسأل عنها أميّت صاحبها أم حيّ .

فسكت عنه « شن » ، فأراد مفارقته فأبى الرجل أن يتركه حتّى يسير به إلى

-----------
( 230 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 16 ، ص 160 162 .

-----------
( 231 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 16 ، ص 160 162 .

[ 134 ]

منزله فمضى معه و كان للرجل بنت يقال لها طبقة ، فلمّا دخل عليها أبوها سألته عن ضيفه . فأخبرها بمرافقته إيّاه و شكى إليها جهله و حدّثها بحديثه .

فقالت : يا أبت ما هذا بجاهل . أمّا قوله « أتحملني أم أحملك ؟ » ، فأراد « أتحدّثني أم أحدّثك حتّى نقطع طريقنا ؟ » . و أمّا قوله « أ ترى هذا الزرع أكل أم لا ؟ » ، فإنّما أراد « هل باعه أهله فأكلوا ثمنه أم لا ؟ » . و أمّا قوله في الجنازة فأراد « هل ترك عقبا يحيى بهم ذكره أم لا ؟ » . فخرج الرجل فقعد مع « شن » فحادثه ساعة ثمّ قال : أتحبّ أن أفسّر لك ما سألتني عنه ؟

قال : نعم .

ففسّره ، فقال « شن » : ما هذا من كلامك فأخبرني من صاحبه .

فقال : ابنة لي .

فخطبها إليه فزوّجه و حملها إلى أهله فلمّا رأوها قالوا : « وافق شن طبقة » فذهبت مثلا يضرب للمتوافقين .

و قال الأصمعي : هم قوم كان لهم وعاء أدم فتشنن فجعلوا له طبقا فوافقه فقيل : « وافق شن طبقة » . و هكذا رواه أبو عبيدة في كتابه و فسّره .

و قال ابن الكلبي : طبقة قبيلة من « أياد » كانت لا تطاق فوقعت بها شن ابن أقصى بن عبد القيس فانتصفت منها و أصابت فيها فضربتا مثلا للمتّفقين في الشدّة و غيرها .

قال الشاعر :

لقيت شن أياد بالقنا
طبقا وافق شن طبقة

فزاد المتأخّرون فيه : وافقه فاعتنقه . انتهى .

و قال الجوهري : « أنا يأني أنا » أي حان ، و « أنى » أيضا « أدرك » . و في بعض النسخ بالتآء .

و « الحوايا » الامعاء ، جمع « حويّة » . قوله عليه السلام « أدركت » أي

[ 135 ]

من الدنيا بقدر كفايتك أو من الآخرة . قوله عليه السلام « فإن يمكّن اللّه » المفعول محذوف أي يمكّنني . قوله عليه السلام « و إن تعجزا » أي غلبتما عليّ ، فالمفعول محذوف أيضا . و لنذكر هنا نسب هذا الأبتر لعنه اللّه و صاحبه الأكفر و بعض مثالبه و مثالب أبيه . [ 232 ]