توضيح

قوله عليه السلام « و كنت أشركتك في أمانتي » أي في الخلافة الّتي ائتمنني اللّه عليها حيث جعلتك واليا . و « بطانة الرجل » صاحب سرّه الّذي يشاوره في أحواله . و « المواساة » المشاركة و المساهمة . قوله « قد كلب » بكسر اللام ، أي اشتدّ ،

[ 138 ]

يقال : « كلب الدهر على أهله » إذا ألحّ عليهم و اشتدّ ، قاله الجزري . 234 و قال :

« قد حرب » أي غضب . 235 و « الفتك » أن يأتي الرجل صاحبه و هو غار غافل حتّى يشدّ عليه فيقتله . قوله عليه السلام « و شغرت » أي خلت من الخير ، قال الجوهريّ :

« شغر البلد » أي خلا من الناس . 236 قوله عليه السلام « قلّبت لابن عمّك » أي كنت معه فصرت عليه ، و أصل ذلك أنّ الجيش إذا لقوا العدوّ كانت ظهور مجانّهم إلى وجه العدوّ و بطونها إلى عسكرهم ،

فإذا فارقوا رئيسهم عكسوا . قوله عليه السلام « فلمّا أمكنتك الشدّة » من قولهم « شدّ عليه في الحرب » إذا حمل .

و قال الجزريّ : « الأزلّ » في الأصل ، الصغير العجز و هو في صفات الذئب ،

الخفيف ، و قيل : هو من قولهم « زلّ زليلا » إذا عدا ، و خصّ الدامية لأنّ من طبع الذئب محبّة الدم حتّى أنّه يرى ذئبا داميا فيثب عليه ليأكله . 237 و « تأثّم » أي تحرّج عنه و كفّ . قوله عليه السلام « لا أبا لغيرك » استعمل ذلك في مقام « لا أبالك » تكرمة له و شفقة عليه ، و ما قيل من أنّ « لا أبا لك » لمّا كان يستعمل كثيرا في معرض المدح أي لا كافي لك غير نفسك ، فيحتمل أن يكون ذمّا له بمدح غيره فلا يخفى بعده ، و يقال : « حدرت السفينة » إذا أرسلتها إلى أسفل .

و قال الجزريّ فيه : « من نوقش في الحساب عذّب » أي من استقصي في محاسبته و حوقق ، و منه حديث عليّ عليه السلام « لنقاش الحساب » [ 238 ] و هو مصدر منه ، و أصل « المناقشة » من « نقش الشوكة » إذا استخرجها من جسمه . 239

-----------
( 234 ) النهاية ، ج 3 ، ص 30 31 .

-----------
( 235 ) النهاية ، ج 1 ، ص 212 .

-----------
( 236 ) الصحاح ، ص 700 .

-----------
( 237 ) النهاية ، ج 2 ، ص 130 .

[ 238 ] أصل الحديث : يوم يجمع اللّه فيه الأوّلين و الآخرين لنقاش الحساب .

-----------
( 239 ) النهاية ، ج 4 ، ص 170 .

[ 139 ]

قوله عليه السلام « أيّها المعدود كان عندنا » أدخل عليه [ السلام ] لفظة « كان » تنبيها على أنّه لم يبق كذلك ، قيل : و لعلّه عدل عن أن يقول : « يا من كان عندنا من ذوي الألباب » إشعارا بأنّه معدود في الحال أيضا عند الناس منهم . و « أعذر » أبدى عذرا . و « الهوادة » الرخصة و السكون و المحاباة . قوله « بارادة » أي بمراد . و « الازاحة » الإزالة و الإبعاد .

و قال الجزريّ : إنّ العرب كان يسيرون في ظعنهم ، فإذا مرّوا ببقعة من الأرض فيه كلأ و عشب قال قائلهم : ألا ضحّوا رويدا ، أي ارفقوا بالابل حتّى تتضحّى أي تنال من هذا المرعى ، و منه كتاب عليّ عليه السلام إلى ابن عبّاس « ألا ضحّ رويدا فقد بلغت المدى » أي اصبر قليلا . 240 و قال البيضاويّ في قوله تعالى : وَ لاَتَ حِينَ مَنَاصٍ أي ليس الحين حين مناص و « لا » هي المشبّهة بليس ، زيدت عليه تاء التأنيث للتأكيد كما زيدت على ربّ و ثمّ ، و خصّت بلزوم الأحيان و حذف أحد المعمولين ، و قيل : هي النافية للجنس ، أي « و لا حين مناص لهم » ، و قيل : للفعل و النصب بإضماره ، أي « و لا أرى حين مناص » إلى آخر ما حقّق في ذلك . 241 و « المناص » المنجى .

أقول : قال عبد الحميد بن أبي الحديد : اختلف الناس في المكتوب إليه هذا الكتاب ، فقال الأكثرون : إنّه عبد اللّه بن العبّاس كما تدلّ عليه عبارات الكتاب ،

و قد روى أرباب هذا القول أنّ عبد اللّه بن العبّاس كتب إلى عليّ عليه السلام جوابا عن هذا الكتاب ، قالوا : و كان جوابه :

أمّا بعد ، فقد أتاني كتابك تعظّم عليّ ما أصبت من بين مال البصرة ، و لعمري إنّ حقّي في بيت المال لأكثر ممّا أخذت ، و السّلام .

قالوا : فكتب إليه عليّ عليه السلام :

-----------
( 240 ) النهاية ، ج 3 ، ص 13 14 .

-----------
( 241 ) تفسير البيضاوي ، ج 2 ، ص 137 .

[ 140 ]

أمّا بعد ، فإنّ من العجب أن تزيّن لك نفسك أنّ لك في بيت مال المسلمين من الحقّ أكثر ممّا لرجل [ 242 ] من المسلمين فقد أفلحت لقد كان [ 243 ] تمنّيك الباطل و ادّعاؤك ما لا يكون ينجيك عن المآثم و يحلّ لك المحرّم ، إنّك لأنت المهتدي السعيد إذا . و قد بلغني أنّك اتّخذت مكّة وطنا و ضربت بها عطنا ، تشتري بها مولّدات مكّة و المدينة و الطائف ، تختارهنّ على عينك و تعطي فيهنّ مال غيرك ،

فارجع هداك اللّه إلى رشدك و تب إلى اللّه ربّك ، و اخرج إلى المسلمين من أموالهم . فعمّا قليل تفارق من ألفت و تترك ما جمعت ، و تغيّب في صدع من الأرض غير موسّد و لا ممهّد . قد فارقت الأحباب و سكنت التراب و واجهت الحساب غنيّا عمّا خلّفت فقيرا إلى ما قدّمت ، و السلام .

قالوا : فكتب إليه عبد اللّه بن العبّاس :

أمّا بعد ، فانّك قد أكثرت عليّ ، و واللّه لئن ألقى اللّه قد احتويت على كنوز الأرض كلّها من ذهبها و عقيانها و لجينها أحبّ إليّ من أن ألقاه بدم امرئ مسلم ،

و السلام . 244