إيضاح

قال ابن ابي الحديد : قد اختلف الناس في المكتوب إليه هذا الكتاب . فقال الأكثرون : إنّه عبد اللّه بن العبّاس رحمه اللّه و رووا في ذلك روايات و استدلّوا عليه بألفاظ من ألفاظ الكتاب ، كقوله « أشركتك في أمانتي و جعلتك بطانتي و شعاري و أنّه لم يكن في أهلي رجل أوثق منك » ، و قوله « على ابن عمّك قد كلب » ، ثمّ قال ثانيا : « قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ » ، ثمّ قال ثالثا : « فلا

[ 242 ] في المصدر : لرجل واحدا ه .

[ 243 ] في المصدر : إن كان .

-----------
( 244 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 42 ، تاريخ أمير المؤمنين ، ص 182 185 . فراجع أيضا شرح النهج لابن أبي الحديد ،

ج 16 ، ص 169 171 ، ط بيروت .

[ 141 ]

ابن عمّك آسيت » ، و قوله « لا أبا لغيرك » . و هذه كلمة لا تقال إلاّ لمثله ، فأمّا غيره من أفناء الناس فإنّ عليّا عليه السلام كان يقول له : « لا أبالك » ، و قوله « أيّها المعدود كان عندنا من أولي الألباب » ، و قوله « و اللّه لو أنّ الحسن و الحسين عليهما السلام » . و هذا يدلّ على أنّ المكتوب إليه هذا الكتاب قريب من أن يجري مجراهما عنده . و قد روى أرباب القول أنّ عبد اللّه بن عبّاس كتب إلى عليّ عليه السلام جوابا عن هذا الكتاب .

قالوا : و كان جوابه :

أمّا بعد ، فقد أتاني كتابك تعظّم عليّ ما أصبت من بيت مال البصرة و لعمري إنّ حقّي في بيت المال لأكثر ممّا أخذت ، و السلام .

قالوا : فكتب إليه عليّ عليه السلام أمّا بعد ، فإنّ من العجب أن تزيّن لك نفسك أنّ لك في بيت مال المسلمين من الحقّ أكثر ممّا لرجل [ 245 ] من المسلمين فقد أفلحت إن كان تمنّيك الباطل و ادّعاؤك مالا يكون ينجيك من المآثم و يحلّ لك المحرم ، إنّك لأنت المهتدي السعيد إذا . و قد بلغني أنك اتّخذت مكّة وطنا و ضربت بها عطنا ، تشتري بها مولدات مكّة و المدينة و الطائف ، تختارهنّ على عينك و تعطي فيهنّ مال غيرك ، فارجع هداك اللّه إلى رشدك و تب إلى اللّه ربّك ، و اخرج إلى المسلمين من أموالهم . فعمّا قليل تفارق من ألفت ، و تترك ما جمعت ، و تغيب في صدع من الأرض غير موسّد و لا ممهّد . قد فارقت و سكنت التراب [ 246 ] و أوجهت الحساب غنيّا عمّا خلفت فقيرا إلى ما قدّمت ، و السلام .

[ 245 ] في المصدر : لرجل واحد .

[ 246 ] في المصدر : قد فارقت الأحباب و سكنت له التراب .

[ 142 ]

قالوا : فكتب إليه عبد اللّه بن عبّاس :

أمّا بعد ، فإنّك قد أكثرت عليّ و واللّه لئن ألقى اللّه قد احتويت على كنوز الأرض كلّها من ذهبها و عقيانها و لجينها أحبّ إلىّ من أن ألقاه بدم امرئ مسلم ،

و السلام .

و قال آخرون ، و هم الأقلّون : هذا لم يكن و لا فارق عبد اللّه بن عبّاس عليّا عليه السلام و لا باينه و لا خالفه و لم يزل أمير على البصرة إلى أن قتل عليّ عليه السلام . قالوا : و يدلّ على ذلك ما رواه أبو الفرج علي بن الحسين الإصبهاني من كتابه الّذي كتبه إلى معاوية من البصرة لمّا قتل علي عليه السلام ، و قد ذكرناه من قبل ، قالوا : و كيف يكون ذلك و لم يختدعه [ 247 ] معاوية و يجرّه إلى جهته . فقد علمتم كيف اختدع كثيرا من عمّال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام و استمالهم إليه بالأموال فمالوا و تركوا أمير المؤمنين عليه السّلام ، فما باله و قد علم النبوّة الّتي حدثت بينهما لم يستمل ابن عبّاس و لا اجتذبه إلى نفسه . و كلّ من قرأ السير و عرف التواريخ ،

يعرف مشاقة ابن عبّاس لمعاوية بعد وفاة عليّ عليه السلام و ما كان يلقاه به من قوارع الكلام و شديد الخصام و ما كان يثني به على أمير المؤمنين عليه السّلام و يذكر خصائصه و فضائله و يصدع به من مناقبه و مآثره فلو كان بينهما غبار أو كدر لما كان به الأمر [ 248 ] كذلك ، بل كانت الحال تكون بالضدّ ممّا [ 249 ] اشتهر من أمرهما ، و هذا عندي هو الأمثل و الأصوب . و قد قال الراوندي : المكتوب إليه هذا الكتاب ، هو عبيد اللّه بن العبّاس لا عبد اللّه . و ليس ذلك بصحيح ، فإنّ عبيد اللّه كان عامل عليّ عليه السلام على اليمن و قد ذكرنا قصّته مع بشر بن أرطاة فيما تقدّم ، و لم ينقل عنه أنّه أخذ مالا و لا فارق طاعة .

[ 247 ] في المصدر : و لم يخدعه .

[ 248 ] في المصدر : لما كان الأمر .

[ 249 ] في المصدر : لما .

[ 143 ]

و قد أشكل عليّ أمر هذا الكتاب فإن أنا كذبت النقل و قلت هذا كلام موضوع على أمير المؤمنين عليه السّلام خالفت الرواة فإنّهم قد أطبقوا على رواية هذا الكلام عنه و قد ذكر في أكثر كتب السيرة . و إن صرفته إلى عبد اللّه بن عبّاس صدّني عنه ما أعلمه من ملازمته لطاعة أمير المؤمنين في حياته و بعد وفاته . و إن صرفته إلى غيره لم أعلم إلى من أصرفه من أهل أمير المؤمنين عليه السّلام . و الكلام يشرع [ 250 ] بأنّ الرجل المخاطب من أهله و من بني عمّه ، فأنا في هذا الموضع من المتوقّفين .

انتهى . 251 و قال ابن ميثم : هذا مجرّد استبعاد ، و معلوم أنّ ابن عباس لم يكن معصوما و على عليّ عليه السلام لم يكن ليراقب في الحقّ أحدا و لو كان أعزّ أولاده ، بل يجب أن تكون الغلظة على الأقرباء في هذا الأمر أشدّ ثمّ إنّ غلظته عليه و عتابه لا يوجب مفارقته إيّاه . 252 و لنرجع إلى الشرح .

قوله عليه السلام « كنت أشركتك في أمانتي » أي جعلتك شريكا في الخلافة الّتي ائتمنني اللّه عليها . و « الأمانة الثانية » ما تعارفه الناس .

و قال في النهاية : « بطانة الرجل » صاحب سرّه و داخلة أمر الّذي يشاوره في أحواله . و « المواساة » المشاركة و المساهمة ، و أصله الهمزة قلبت تخفيفا . و « الموازرة » المشاركة في حمل الأثقال و المعاونة في إمضاء الأمور .

و قال في النهاية في حديث عليّ عليه السلام : كتب إلى ابن عباس حين أخذ مال البصرة : « فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب » أي اشتدّ ، يقال :

« كلب الدهر على أهله » إذا ألحّ عليهم و اشتدّ و قال : « و العدوّ قد حرب » أي غضب ،

يقال : منه « حرب يحرب حربا » بالتحريك . انتهى .

[ 250 ] في المصدر : يشعر . و هذا صحيح ( المصحّح ) .

-----------
( 251 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 16 ، ص 169 172 ، ط بيروت .

-----------
( 252 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 90 .

[ 144 ]

« قد خزيت » أي هانت و ذلت . و المراد عدم اهتمام الناس بحفظها .

و قال الجوهري : « الفتك » [ 253 ] أن يأتي الرجل صاحبه و هو غارّ حتّى يشدّ عليه فيقتله . و قد فتك به يفتك و يفتك ، و « الفاتك » الجري‏ء .

و قال : « شغر البلد » أي خلا من الناس . و في القاموس : « شغرت الأرض » لم يبق بها أحد يحميها و يضبطها . و « الشغر » البعد و التفرقة .

و قال ابن أبي الحديد : أي خلت من الخير . و قال في قوله عليه السلام « قلبت لابن عمّك » أي كنت معه فصرت عليه و أصل ذلك أنّ الجيش إذا لقوا العدوّ كانت ظهور مجانّهم إلى وجه العدوّ و بطونها إلى عسكرهم ، فإذا فارقوا رئيسهم عكسوا .

« على بيّنة من ربّك » أي لم يكن إيمانك عن حجّة و برهان .

و قال الجوهري : شي‏ء شديد بين الشدّة . و « الشدة » بالفتح ، الحملة الواحدة ، و قد شدّ عليه في الحرب . انتهى . و « الكرّة » الحملة و العود إلى القتال . و قال في النهاية في حديث عليّ عليه السلام : « اختطاف الذئب الأزلّ » . « الأزلّ » في الأصل ، الصغير العجز و هو في صفات الذئب الخفيف ، و قيل : هو من « زلّ زليلا » إذا عدى و خصّ الدامية ، لأنّ من طبع الذئب محبّة الدم حتّى أنّه يرى ذئبا داميا فيثب عليه ليأكله . و في الصحاح : المعز من الغنم خلاف الضّأن و هو اسم جنس و كذلك المعزى .

قوله « رحيب الصدر » أي واسعة طيب النفس . و قال الجوهري : « الإثم » الذنب و « تأثّم » أي تخرّج عنه و كفّ . و قال : « حدرت السفينة » أي أرسلتها إلى أسفل . انتهى .

و أمّا قوله عليه السلام « لا أبا لغيرك » فقال في النهاية : « لا أبالك » أكثر ما يستعمل في معرض المدح ، أي لا كافي لك غير نفسك . و قد يذكر في معرض الذّم كما يقال : « لا أم لك » . و قد يذكر في معرض العجب دفعا للعين . انتهى . فعلى الأوّل يكون « لا أبا لغيرك » ذمّا له بمدح غيره ، و على الثاني مدحا له و تلطّفا مع إشعار بالذّم .

[ 253 ] في البحار روي « فتكت » .

[ 145 ]

و على الثالث يكون إبعادا عن التعجّب من سوء فعله تلطّفا أو ذمّا له بالتعجّب من حسن فعل غيره دون فعله . و الأنسب بالمقام أن يكون الغرض « لا أبالك » للذمّ فعبّر هكذا لنوع ملاطفة . و قد يقال مثله في الفارسية ، يقال : « إن مات عدوّك » ، و الغرض « إن متّ » .

و في النهاية فيه : « من نوقش في الحساب عذب » أي من استقصى في محاسبته و حوقق ، و منه حديث عليّ عليه السلام « نقاش الحساب » و هو مصدر منه ، و أصله المناقشة من « نقش الشوكة » إذا استخرجها من جسمه . قوله عليه السلام « أيّها المعدود كان عندنا » أدخل عليه السلام بلفظة « كان » تنبيها على أنّه لم يبق كذلك ، فإنّ الظاهر من المعدود ، المعدود في الحال و قيل : لعلّه عليه السلام لم يقل : « يا من كان عندنا من ذوي الألباب » إشعارا بأنّه معدود في الحال أيضا عند الناس منهم . و في التعبير بالمعدود إشعار بأنّه لم يكن قبل ذلك أيضا منهم .

و في الصحاح : « مكّنه اللّه من الشي‏ء و أمكنه منه » بمعنى . و في القاموس :

« أعذر » أبدى عذرا و أحدث و ثبت له عذر و بالغ . و في النهاية « الهوادة » الرخصة و السكون و المحاباة ، و في الصحاح : « الهوادة » الصلح و الميل . قوله عليه السلام « بإرادة » أي بمراد .

و قال الجوهري : « زاح » أي ذهب و بعد و أزاحه غيره . قال : « الظلامة و المظلمة » ما تطلبه عند الظالم ، و هو اسم ما أخذ منك .

و قال الزمخشري في المستقصى : « ضحّ رويدا » أي ترفّق في الأمر و لا تعجل ،

و الاصله [ 254 ] أنّ الأعراب في باديتها تسير بالظعن فإذا عثرت على لمع من العشب قالت ذلك ، و غرضها أن ترعى الابل الضحّاء قليلا قليلا و هي سائرة حتّى إذا بلغت مقصدها شبعت فلمّا كان من الترفّق في هذا توسّعوا فقالوا في كلّ موضع : « ضحّ » بمعنى

[ 254 ] في معتقدي هذا غلط و سهو واضح لا يحتاج إلى بيان ، لأنّ المعرّف باللاّم لا يقبل الضمير و لا بالعكس ، و الصحيح هنا إمّا « الأصل » أو « أصله » ، و الثاني أفصح و أوفق بالمقام ( المصحّح ) .

[ 146 ]

« ارفق » و الأصل ذاك . و قال الجوهري : قوله تعالى وَ لاَتَ حِينَ مَناصٍ 255 قال الأخفش : شبّهوا لات بليس و أضمروا فيها اسم الفاعل و قال : لا تكون « لات » إلاّ مع « حين » و قد جآء حذف « حين » في الشعر و قرأ بعضهم : « و لات حين مناص » برفع حين و أضمر الخبر . قال أبو عبيد : هي « لا » و التآء إنّما زيدت في « حين » ، و كذلك في تلوّن ؟ ؟ ؟ واوان و إن كتبت مفردة . و قال المورّج : زيدت التآء في « لات » كما زيدت في تمّة و ربّة . 256