تبيين

قال ابن أبي الحديد : أمّا زياد فهو زياد بن عبيد ، فمن الناس من يقول :

« عبيد بن فلان » و ينسبه إلى ثقيف . و الأكثرون يقولون : إنّ عبيدا كان عبدا و إنّه بقي إلى أيّام زياد فابتاعه و أعتقه و نسب زياد إلى غير أبيه لخمول أبيه و للدعوة الّتي استلحق بها ، فقيل تارة : زياد بن سميّة و هي كانت أمّه للحارث بن كلدة الثقفي و كانت تحت عبيد و قيل تارة زياد بن أبيه و تارة زياد بن أمّه . و لما استلحق قال له الأكثر : « زياد بن أبي سفيان لأنّ الناس مع الملوك » .

ثم روي عن ابن عبد البر و البلاذري و الواقدي عن ابن عباس و غيره أنّ عمر بعث زيادا في إصلاح فساد وقع باليمن ، فلمّا رجع خطب عند عمر خطبة لم يسمع مثلها ،

و أبو سفيان حاضر و عليّ عليه السلام و عمرو بن العاص ، فقال عمرو : للّه أبو هذا الغلام لو كان قرشيا لساق العرب بعصاه .

فقال أبو سفيان : إنه لقرشيّ و إنّي لأعرف الّذي وضعه في رحم أمّه .

فقال علي عليه السلام : و من هو ؟

[ 150 ]

قال : أنا .

فقال : مهلا يا أبا سفيان فقال أبو سفيان :

أما و اللّه لو لا خوف شخص
يراني يا علي من الأعادي

لاظهر أمره صخر بن حرب
و لم يخف المقالة في زياد

و قد طالت مجاملتي ثقيفا
و تركي فيهم ثمر الفؤاد

عنى بقوله « لو لا خوف شخص » عمر بن الخطّاب .

و في رواية أخرى : قال : أتيت أمّه في الجاهليّة سفاحا .

فقال عليّ عليه السلام : يا أبا سفيان فانّ عمر إلى المساءة سريع .

قال : و عرف زياد ما دار بينهما فكانت في نفسه . و في أخرى : قال له عمرو بن العاص : فهلاّ تستلحقه ؟

قال : أخاف هذا الغير الجالس أن يخرق على إهابي .

قال : و روى المدائني أنّه لمّا كان زمن عليّ ولّى زيادا فارس أو بعض أعمال فارس فضبطها ضبطا صالحا وجبى خراجها و حماها و عرف ذلك معاوية ، فكتب اليه .

أمّا بعد ، فإنه غرّتك قلاع تأوي إليها ليلا كما يأوي الطير إلى و كرها و أيم اللّه لولا انتظاري بك ما اللّه أعلم به لكان لك منّى ما قاله العبد الصالح : فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَ هُمْ صَاغِرُونَ . 261 و كتب في أسفل الكتاب شعرا من جملته :

تنسى أباك و قد شالت نعامته
إذ تخطب [ 262 ] الناس الوالي لهم عمر

فلمّا ورد الكتاب على زياد ، قام فخطب الناس و قال : العجب من ابن آكلة الأكباد و رأس النفاق يتهدّدني و بيني و بينه ابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله

-----------
( 261 ) النمل : 37 .

[ 262 ] في المصدر : يخطب .

[ 151 ]

و زوج سيدة نساء العالمين و أبو السبطين و صاحب الولاء و المنزلة و الإخآء في مائة ألف من المهاجرين و الأنصار و التابعين لهم بإحسان ، أما و اللّه لو تخطّى هؤلاء أجمعين إليّ لوجدني أحمر محشا جرّابا بالسيف . ثمّ كتب إلى عليّ عليه السلام و بعث بكتاب معاوية في كتابه ، فكتب إليه عليّ عليه السلام :

أمّا بعد ، فإنّي قد ولّيتك ما ولّيتك و أنا أراك لذلك أهلا ، و إنّه قد كانت من أبي سفيان فلتة أيّام عمر من أمانيّ التيه و كذب النفس لم تستوجب بها ميراثا و لم تستحقّ بها نسبا و إنّ معاوية كالشيطان الرجيم يأتي المرء من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله فاحذره ثمّ احذره ، و السلام .

قال : و روى أبو جعفر محمد بن حبيب رحمه اللّه قال : كان عليّ عليه السلام قد ولّى زيادا قطعة من أعمال فارس و اصطنعه لنفسه فلمّا قتل عليّ عليه السلام ، بقي زياد في عمله و خاف معاوية جانبه و أشفق من ممالاته الحسن بن علي عليهما السلام . فكتب إليه كتابا يهدّده و يوعّده و يدعوه إلى بيعته .

فأجابه زياد بكتاب أغلظ منه . فشاور معاوية في ذلك المغيرة بن شعبة ، فأشار عليه بأن يكتب إليه كتابا يستعطفه فيه . و يذهب المغيرة بالكتاب إليه فلمّا أتاه ، أرضاه و أخذ منه كتابا يظهر فيه الطاعة بشروط . فأعطاه معاوية جميع ما سأله و كتب إليه بخطّ يده ما وثق به ، فدخل إليه الشّام و قرّبه و أدناه و أقرّه على ولايته ، ثمّ استعمله على العراق .

و قال المدائني : لمّا أراد معاوية استلحاق زياد و قد قدّم عليه الشام ،

جمع الناس و صعد المنبر و أصعد زيادا معه على مرقاة تحت مرقاته و حمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال : أيّها النّاس إنّي قد عرفت شبهنا أهل البيت في زياد ، فمن كانت عنده شهادة فليقم بها . فقام ناس فشهدوا أنّه ابن أبي سفيان و أنّهم سمعوه أقربه قبل موته .

فقام أبو مريم السلولي و كان خمارا في الجاهليّة فقال : أشهد يا أمير المؤمنين أنّ أبا سفيان قدّم علينا بالطّائف فأتاني ، فاشتريت له لحما و خمرا و طعاما . فلمّا أكل قال : يا أبا مريم أصب لي بغيا . فخرجت ، فأتيت بسميّة فقلت لها : إنّ أبا سفيان من قد

[ 152 ]

عرفت شرفه وجوده ، و قد أمرني أن أصيب له بغيّا فهل لك ؟ فقالت : نعم يجي‏ء الآن عبيد بغنمه و كان راعيا . فاذا تعشّى و وضع رأسه ، أتيت فرجعت إلى أبي سفيان فأعلمته فلم يلبث أن جاءت تجرّ ذيلها فدخلت معه فلم تزل عنده حتّى أصبحت ،

فقلت له : لما انصرفت ، كيف رأيت صاحبتك ؟

فقال خير صاحبة لو لا طفر في إبطيها .

فقال زياد من فوق المنبر : يا أبا مريم لا تشتّم أمّهات الرجال فشتّم أمّك .

فلمّا انقضى كلام معاوية و مناشدته ، قام زياد فحمد اللّه و أثنى عليه ، ثمّ قال : أيّها الناس إنّ معاوية و الشهود قد قالوا ما سمعتم و لست أدري حقّ هذا من باطله و هو و الشهود أعلم بما قالوا ، و إنّما عبيد أب مبرور و وال مشكور ثمّ نزل . 263 انتهى كلام ابن أبي الحديد .

و أقول : إنّما أوردت تلك القصص لتعلم أنّ ما صدر من زياد و ولده لعنة اللّه عليهما إنّما نشأ من تلك الأنساب الخبيثة و تزيد إيمانا و يقينا بأنّه لا يبغضهم إلاّ من ولد من الزنا كما تواتر عن أئمة الهدى .

و لنرجع إلى شرح الكتاب :

قال في النهاية : « الغرب » الحدة و منه : غرب السيف . و « الفلّ » الكسر و « الفلّة » الثلمة في السيف ، و منه حديث عليّ عليه السلام « يستفلّ غربك » هو يستفعل من « الفلّ » الكسر . قوله عليه السلام « ليقتحم غفلته » أي ليلج و يهجم عليه و هو غافل جعل اقتحامه إيّاه اقتحاما للغفلة نفسها . كذا ذكره ابن أبي الحديد و قال : ليس المراد باستلاب الغرّة أن يأخذ الغرّة ، لأنّه لو كان كذلك لصار ذلك الغافل لبيبا عاقلا ، و إنّما المعنى ما يعنيه الناس بقولهم « أخذ فلان غفلتي و فعل كذا »

-----------
( 263 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 16 ، ص 179 187 ، ط بيروت . و العلاّمة قد خلّص عبارات الشرح كثيرا و هو واضح .

[ 153 ]

أي أخذ ما يستدلّ به على غفلتي كذا . 264 انتهى .

و أقول : لو كان الإسناد مجازيا كما حمل عليه الفقرة الأولى لم يفد هذا المعنى لأنّه يكون حينئذ من قبيل إسناد الشي‏ء إلى الحالة الّتي المفعول عليها كما يسند إلى الزمان و المكان فيكون المفاد الاستلاب وقت الغرّة و الاقتحام وقت الغفلة . و إنّما نسب إليهما مبالغة لبيان أنّ علّة الاستلاب و الاقتحام لم يكن إلاّ الغرّة و الغفلة فكأنّهما وقعا عليهما . و يمكن أن يكون المفعول محذوفا و يكون الغرّة و الغفلة منصوبتين بنزع الخافض ،

أي تقتحم عليه في حال غفلته و يستلب لبّه في حال غرّته . و « الفلتة » الأمر الّذي يصدر فجأة من غير تدبّر و رويّة . و « نزغ الشيطان بينهم » أفسد ، و عدم ثبوت النسب بها لقول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الولد للفراش و للعاهر الحجر . و في النهاية :

« الشرب » بفتح الشين و سكون الرآء ، الجماعة يشربون الخمر . و قال في حديث عليّ عليه السلام : « المتعلّق بها كالنّوط المذبذب » أراد ما يناط برحل الراكب من قعب أو غيره ، فهو أبدا يتحرّك إذا حثّ ظهره ، أي دابّته . و قال في المستقصى : « شالت نعامتهم » أي تفرّقوا و ذهبوا لأنّ النعامة موصوفة بالخفّة و سرعة الذهاب و الهرب . و قيل : « النعامة » جماعة القوم .

و قال الجوهري : « النعامة » الخشبة المعترضة على الزرنوقين . و يقال للقوم إذا ارتحلوا عن متهاهم أو تفرّقوا : « قد شالت نعامتهم » . و « النعامة » ما تحت القدم . 265