45 و من كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري و كان عامله على البصرة و قد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها ، فمضى إليها قوله :

-----------
( 264 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 16 ، ص 179 ، ط بيروت .

-----------
( 265 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 639 ، ط كمپانى و ص 589 ، ط تبريز .

[ 154 ]

أمّا بعد ، يابن حنيف : فقد بلغني أنّ رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة ( 3863 ) فأسرعت إليها تستطاب ( 3864 ) لك الألوان ( 3865 ) ،

و تنقل إليك الجفان ( 3866 ) . و ما ظننت أنّك تجيب إلى طعام قوم ،

عائلهم ( 3867 ) مجفوّ ( 3868 ) ، و غنيّهم مدعوّ . فانظر إلى ما تقضمه ( 3869 ) من هذا المقضم ، فما اشتبه عليك علمه فالفظه ( 3870 ) ، و ما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه .

ألا و إنّ لكلّ مأموم إماما ، يقتدي به و يستضي‏ء بنور علمه ، ألا و إنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ( 3871 ) ، و من طعمه ( 3872 ) بقرصيه ( 3873 ) . ألا و إنّكم لا تقدرون على ذلك ، و لكن أعينوني بورع و اجتهاد ، و عفّة و سداد ( 3874 ) . فو اللّه ما كنزت من دنياكم تبرا ( 3875 ) ، و لا ادّخرت من غنائمها وفرا ( 3876 ) ، و لا أعددت لبالي ثوبي طمرا ( 3877 ) ، و لا حزت من أرضها شبرا ، و لا أخذت منه إلاّ كقوت أتان دبرة ( 3878 ) ، و لهي في عيني أوهى و أهون من عفصة مقرة ( 3879 ) .

بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السّماء ، فشحّت عليها نفوس قوم ، و سخت عنها نفوس قوم آخرين ، و نعم الحكم اللّه .

و ما أصنع بفدك ( 3880 ) و غير فدك ، و النّفس مظانّها ( 3881 ) في غد جدث ( 3882 ) تنقطع في ظلمته آثارها ، و تغيب أخبارها ، و حفرة لو

[ 155 ]

زيد في فسحتها ، و أوسعت يدا حافرها ، لأضغطها ( 3883 ) الحجر و المدر ( 3884 ) ، و سدّ فرجها ( 3885 ) التّراب المتراكم ، و إنّما هي نفسي أروضها ( 3886 ) بالتّقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر ، و تثبت على جوانب المزلق ( 3887 ) . و لو شئت لاهتديت الطّريق ، إلى مصفّى هذا العسل ، و لباب هذا القمح ، و نسائج هذا القز ( 3888 ) . و لكن هيهات أن يغلبني هواي ، و يقودني جشعي ( 3889 ) إلى تخيّر الأطعمة و لعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ( 3890 ) ، و لا عهد له بالشّبع أو أبيت مبطانا و حولي بطون غرثى ( 3891 ) و أكباد حرّى ( 3892 ) ،

أو أكون كما قال القائل :

و حسبك داء أن تبيت ببطنة ( 3893 )
و حولك أكباد تحنّ إلى القدّ ( 3894 )

أأقنع من نفسي بأن يقال : هذا أمير المؤمنين ، و لا أشاركهم في مكاره الدّهر ، أو أكون أسوة لهم في جشوبة ( 3895 ) العيش فما خلقت ليشغلني أكل الطّيّبات ، كالبهيمة المربوطة ، همّها علفها ، أو المرسلة شغلها تقمّمها ( 3896 ) ، تكترش ( 3897 ) من أعلافها ( 3898 ) ، و تلهو عمّا يراد بها ، أو أترك سدى ، أو أهمل عابثا ، أو أجرّ حبل الضّلالة ،

أو أعتسف ( 3899 ) طريق المتاهة ( 3900 ) و كأنّي بقائلكم يقول : « إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب ، فقد قعد به الضّعف عن قتال الأقران ،

[ 156 ]

و منازلة الشّجعان » . ألا و إنّ الشّجرة البرّيّة ( 3901 ) أصلب عودا ،

و الرّواتع الخضرة ( 3902 ) أرقّ جلودا ، و النّابتات العذية ( 3903 ) أقوى و قودا ( 3904 ) ، و أبطأ خمودا . و أنا من رسول اللّه كالضّوء من الضّوء ( 3905 ) ،

و الذّراع من العضد ( 3906 ) . و اللّه لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها ، و لو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها . و سأجهد ( 3907 ) في أن أطهّر الأرض من هذا الشّخص المعكوس ، و الجسم المركوس ( 3908 ) ،

حتّى تخرج المدرة ( 3909 ) من بين حبّ الحصيد ( 3910 ) . و من هذا الكتاب ، و هو آخره :

إليك عنّي ( 3911 ) يا دنيا ، فحبلك على غاربك ( 3912 ) ، قد انسللت من مخالبك ( 3913 ) ، و أفلتّ من حبائلك ( 3914 ) ، و اجتنبت الذّهاب في مداحضك ( 3915 ) . أين القرون الّذين غررتهم بمداعبك ( 3916 ) أين الأمم الّذين فتنتهم بزخارفك فها هم رهائن القبور ، و مضامين اللّحود ( 3917 ) . و اللّه لو كنت شخصا مرئيّا ، و قالبا حسّيّا ، لأقمت عليك حدود اللّه في عباد غررتهم بالأماني ، و أمم ألقيتهم في المهاوي ( 3918 ) ، و ملوك أسلمتهم إلى التّلف ، و أوردتهم موارد البلاء ، إذ لا ورد ( 3919 ) و لا صدر ( 3920 ) هيهات من وطى‏ء دحضك ( 3921 ) زلق ( 3922 ) ، و من ركب لججك غرق ، و من ازورّ ( 3923 ) عن حبائلك

[ 157 ]

وفّق ، و السّالم منك لا يبالي إن ضاق به مناخه ( 3924 ) ، و الدّنيا عنده كيوم حان ( 3925 ) انسلاخه ( 3926 ) اعزبي ( 3927 ) عنّي فو اللّه لا أذلّ لك فتستذلّيني ، و لا أسلس ( 3928 ) لك فتقوديني . و ايم اللّه يمينا أستثني فيها بمشيئة اللّه لأروضنّ نفسي رياضة تهشّ ( 3929 ) معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما ،

و تقنع بالملح مأدوما ( 3930 ) ، و لأدعنّ ( 3931 ) مقلتي ( 3932 ) كعين ماء ،

نضب ( 3933 ) معينها ( 3934 ) ، مستفرغة دموعها . أ تمتلئ السّائمة ( 3935 ) من رعيها ( 3936 ) فتبرك ؟ و تشبع الرّبيضة ( 3937 ) من عشبها فتربض ( 3938 ) ؟

و يأكل عليّ من زاده فيهجع ( 3939 ) قرّت إذا عينه ( 3940 ) إذا اقتدى بعد السّنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة ( 3941 ) ، و السّائمة المرعيّة طوبى لنفس أدّت إلى ربّها فرضها ، و عركت بجنبها بؤسها ( 3942 ) ،

و هجرت في اللّيل غمضها ( 3943 ) ، حتّى إذا غلب الكرى ( 3944 ) عليها افترشت أرضها ( 3945 ) ، و توسّدت كفّها ( 3946 ) ، في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم ، و تجافت ( 3947 ) عن مضاجعهم ( 3948 ) جنوبهم ،

و همهمت ( 3949 ) بذكر ربّهم شفاههم ، و تقشّعت ( 3950 ) بطول استغفارهم ذنوبهم ، « أولئك حزب اللّه ، ألا إنّ حزب اللّه هم المفلحون » .

فاتّق اللّه يابن حنيف ، و لتكفف أقراصك ( 3951 ) ، ليكون من النّار

[ 158 ]

خلاصك .