بيان

« بغاه » طلبه . و « زواه عنه » قبضه و صرفه . قوله عليه السلام « اللّه اللّه » أي اتّقوا اللّه و اذكروا اللّه . قوله عليه السلام « فلا تغبّوا أفواههم » أي لا تجيعوهم بأن تطعموهم يوما و تتركوهم يوما . و روي « فلا تغيّروا أفواههم » و المعنى واحد ، فإنّ الجائع يتغيّر فمه . قوله عليه السلام « فانّه وصيّة نبيّكم » الحمل للمبالغة ، أي أوصاكم فيهم . و « ألفاه » وجده .

و قال الجزريّ : يقال : « مثلت بالحيوان » إذا قطعت أطرافه و شوّهت به ، و « مثلت بالقتيل » إذا جدعت أنفه و اذنه و مذاكيره أو شيئا من أطرافه ، فأمّا « مثّل » بالتشديد ، للمبالغة . 280 تذنيب : سئل الشيخ المفيد قدّس اللّه روحه في المسائل العكبريّة : الامام عندنا مجمع على أنّه يعلم ما يكون ، فما بال أمير المؤمنين عليه السّلام خرج إلى المسجد و هو يعلم أنّه مقتول و قد عرف قاتله و الوقت و الزمان ؟ و ما بال الحسين بن علي عليهما السلام سار إلى الكوفة و قد علم أنّهم يخذلونه و لا ينصرونه و أنّه مقتول في سفرته تيك ؟ و لم لمّا حصروا و عرف أنّ الماء قد منع منه و أنّه إن حفر أذرعا قريبة نبع الماء و لم يحفر و أعان على نفسه حتّى تلف عطشا ؟ و الحسن عليه السلام و ادع معاوية و هادنه و هو يعلم أنّه ينكث و لا يفي و يقتل شيعة أبيه عليه السلام ، فأجاب الشيخ رحمه اللّه عنها بقوله :

-----------
( 280 ) النهاية ، ج 4 ، ص 77 .

[ 170 ]

و أمّا الجواب عن قوله « إنّ الإمام يعلم ما يكون » فإجماعنا أنّ الأمر على خلاف ما قال ، و ما أجمعت الشيعة على هذا القول . و إنّما إجماعهم ثابت على أنّ الإمام يعلم الحكم في كلّ ما يكون دون أن يكون عالما بأعيان ما يحدث و يكون على التفصيل و التمييز ، و هذا يسقط الأصل الّذي بنى عليه الأسولة بأجمعها . و لسنا نمنع أن يعلم الإمام أعيان ما يحدث و يكون 281 باعلام اللّه تعالى [ له ] ذلك ، فأمّا القول بأنّه يعلم كلّ ما يكون ، فلسنا نطلقه و لا نصوّب قائله ، لدعواه فيه من غير حجّة و لا بيان . و القول بأنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان يعلم قاتله و الوقت الّذي كان يقتل فيه فقد جاء الخبر متظاهرا أنّه كان يعلم في الجملة أنّه مقتول ، و جاء أيضا بأنّه يعلم قاتله على التفصيل ،

فأمّا علمه بوقت قتله ، فلم يأت عليه أثر على التحصيل و لو جاء به أثر لم يلزم فيه ما يظنّه المعترضون ، إذ كان لا يمتنع أن يتعبّده اللّه تعالى بالصبر على الشهادة و الاستسلام للقتل ، ليبلغه بذلك علوّ الدرجات ما لا يبلغه إلاّ به ، و لعلمه بأنّه يطيعه في ذلك طاعة لو كلّفها سواه لم يردها . و لا يكون بذلك أمير المؤمنين عليه السّلام ملقيا بيده إلى التهلكة ، و لا معينا على نفسه معونة تستقبح في العقول .

و أمّا علم الحسين عليه السلام بأنّ أهل الكوفة خاذلوه ، فلسنا نقطع على ذلك ، إذ لا حجّة عليه من عقل و لا سمع ، و لو كان عالما بذلك لكان الجواب عنه ما قدّمناه في الجواب عن علم أمير المؤمنين عليه السّلام بوقت قتله و معرفة قاتله كما ذكرناه . و أمّا دعواه علينا أنّا نقول : إنّ الحسين عليه السلام كان عالما بموضع الماء قادرا عليه ، فلسنا نقول ذلك ، و لا جاء به خبر ، على أنّ طلب الماء و الاجتهاد فيه يقضي بخلاف ذلك . و لو ثبت أنّه كان عالما بموضع الماء لم يمتنع في العقول أن يكون متعبّدا بترك السعي في طلب الماء من حيث كان ممنوعا منه حسب ما ذكرناه في أمير المؤمنين عليه السّلام غير أن ظاهر الحال بخلاف ذلك على ما قدّمناه .

و الكلام في علم الحسن عليه السلام بعاقبة موادعته معاوية بخلاف

-----------
( 281 ) أي يكون علمه .

[ 171 ]

ما تقدّم ، و قد جاء الخبر بعلمه بذلك ، و كان شاهد الحال له يقضي به ، غير أنّه دفع به عن تعجيل قتله و تسليم أصحابه له إلى معاوية ، و كان في ذلك لطف في بقائه إلى حال مضيّه و لطف لبقاء كثير من شيعته و أهله و ولده ، و دفع فساد في الدين هو أعظم من الفساد الّذي حصل عند هدنته . و كان عليه السلام أعلم بما صنع لما ذكرناه و بيّنّا الوجوه فيه . انتهى كلامه رفع اللّه مقامه .

أقول : و سأل السيّد مهنّا بن سنان العلاّمة الحلّي نوّر اللّه ضريحه عن مثل ذلك في أمير المؤمنين عليه السّلام فأجاب بأنّه يحتمل أن يكون عليه السلام اخبر بوقوع القتل في تلك الليلة ، و لم يعلم في أيّ وقت من تلك الليلة أو أيّ مكان يقتل ،

و أنّ تكليفه عليه السلام مغاير لتكليفنا ، فجاز أن يكون بذل مهجته الشريفة في ذات اللّه تعالى ، كما يجب على المجاهد الثبات ، و إن كان ثباته يفضي إلى القتل .

تذييل : رأينا في بعض الكتب القديمة رواية في كيفيّة شهادته عليه السلام .

أوردنا منه شيئا ممّا يناسب كتابنا هذا على وجه الاختصار . قال : روى أبو الحسن عليّ بن عبد اللّه بن محمّد البكريّ ، عن لوط بن يحيى ، عن أشياخه و أسلافه قالوا : لمّا توفّي عثمان و بايع الناس أمير المؤمنين عليه السّلام كان رجل يقال له حبيب بن المنتجب واليا على بعض أطراف اليمن من قبل عثمان ، فأقرّه عليّ عليه السلام على عمله ، و كتب إليه كتابا يقول فيه :

بسم اللّه الرحمن الرحيم من عبد اللّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى حبيب ابن المنتجب .

سلام عليك .

أمّا بعد ، فإنّي أحمد اللّه الّذي لا إله إلاّ هو ، و أصلّي على محمّد عبده و رسوله ،

و بعد ، فإنّي ولّيتك ما كنت عليه لمن كان من قبل ، فأمسك 282 على عملك ،

-----------
( 282 ) في ( خ ) و ( م ) : فامكث .

[ 172 ]

و إنّي اوصيك بالعدل في رعيّتك ، و الإحسان إلى أهل مملكتك . و اعلم أنّ من ولّي على رقاب عشرة من المسلمين و لم يعدل بينهم ، حشره اللّه يوم القيامة و يداه مغلولتان إلى عنقه ، لا يفكّها إلاّ عدله في دار الدنيا ، فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقرأه على من قبلك من أهل اليمن ، و خذ لي البيعة على من حضرك من المسلمين فإذا بايع القوم مثل بيعة الرضوان فامكث في عملك ، و أنفذ إليّ منهم عشرة يكونون من عقلائهم و فصحائهم و ثقاتهم ، ممّن يكون أشدّهم عونا من أهل الفهم و الشجاعة عارفين باللّه ، عالمين بأديانهم ، و ما لهم و ما عليهم ، و أجودهم رأيا ، و عليك و عليهم السلام .

و طوى الكتاب و ختمه و أرسله مع أعرابيّ ، فلمّا وصل إليه ، قبّله و وضعه على عينيه و رأسه ، فلمّا قرأه صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ، و صلّى على محمّد و آله ثمّ قال : أيّها الناس اعلموا أنّ عثمان قد قضى نحبه ، و قد بايع الناس من بعده العبد الصالح و الامام الناصح أخا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و خليفته ، و هو أحقّ بالخلافة و هو أخو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ابن عمّه ، و كاشف الكرب عن وجهه ، و زوج ابنته و وصيّه ، و أبو سبطيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، فما تقولون في بيعته و الدخول في طاعته ؟ قال : فضجّ الناس بالبكاء و النحيب ، و قالوا : سمعا و طاعة و حبّا و كرامة للّه و لرسوله و لأخي رسوله ، فأخذ له البيعة عليهم عامّة ، فلمّا بايعوا قال لهم : اريد منكم عشرة من رؤسائكم و شجعانكم انفذهم إليه كما أمرني به ، فقالوا : سمعا و طاعة . فاختار منهم مائة ثمّ من المائة سبعين ،

ثمّ من السبعين ثلاثين ، ثمّ من الثلاثين عشرة ، فيهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه اللّه . و خرجوا من ساعتهم ، فلمّا أتوه عليه السلام سلّموا عليه و هنّؤوه بالخلافة ، فردّ عليهم السلام و رحّب بهم ، فتقدّم ابن ملجم و قام بين يديه و قال : السلام عليك أيّها الإمام العادل و البدر التمام ، و الليث الهمام ، و البطل الضرغام ، و الفارس القمقام ، و من فضّله اللّه على سائر الأنام ، صلّى اللّه عليك و على آلك الكرام ، أشهد أنّك

[ 173 ]

أمير المؤمنين صدقا و حقّا ، و أنّك وصيّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و الخليفة من بعده ، و وارث علمه ، لعن اللّه من جحد حقّك و مقامك . أصبحت أميرها و عميدها ،

لقد اشتهر بين البريّة عدلك ، و هطلت شآبيب [ 283 ] فضلك و سحائب رحمتك و رأفتك عليهم ، و لقد أنهضنا الأمير إليك ، فسررنا بالقدوم عليك ، فبوركت بهذه الطلعة المرضيّة ،

و هنّئت بالخلافة في الرعيّة .

ففتح أمير المؤمنين عليه السّلام عينيه في وجهه ، و نظر إلى الوفد فقرّبهم و أدناهم فلمّا جلسوا دفعوا إليه الكتاب ، ففضّه و قرأه و سرّ بما فيه ، فأمر لكلّ واحد منهم بحلّة يمانيّة و رداء عدنيّة و فرس عربية ، و أمر أن يفتقدوا و يكرموا ، فلمّا نهضوا قام ابن ملجم و وقف بين يديه و أنشد :

أنت المهيمن و المهذّب ذو النّدى
و ابن الضراغم في الطراز الأوّل

اللّه خصّك يا وصيّ محمّد
و حباك فضلا في الكتاب المنزل

و حباك بالزّهراء بنت محمّد
حوريّة بنت النبيّ المرسل

ثمّ قال : يا أمير المؤمنين ارم بنا حيث شئت لترى منّا ما يسرّك ، فواللّه ما فينا إلاّ كلّ بطل أهيس ، و حازم أكيس ، و شجاع أشوس [ 284 ] ، ورثنا ذلك عن الآباء و الأجداد ، و كذلك نورثه صالح الأولاد .

قال : فاستحسن أمير المؤمنين عليه السّلام كلامه من بين الوفد فقال له :

ما اسمك يا غلام ؟

قال : اسمي عبد الرحمن .

قال : ابن من ؟

قال : ابن ملجم المراديّ .

[ 283 ] « هطل » أي نزل متتابعا . و « الشآبيب » جمع « الشؤبوب » بمعنى الدفعة من المطر و أوّل ما يظهر من الحسن .

[ 284 ] « الاهيس » الشجاع . « الاشوس » الشديد الجري‏ء في القتال .

[ 174 ]

قال له : أمرادي أنت ؟

قال : نعم يا أمير المؤمنين .

فقال عليه السلام : إنّا للّه و إنّا إليه راجعون ، و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم .

قال : و جعل أمير المؤمنين عليه السّلام يكرّر النظر إليه و يضرب إحدى يديه على الاخرى و يسترجع ، ثمّ قال له : ويحك أمرادي أنت ؟

قال : نعم .

فعندها تمثّل عليه السلام يقول :

أنا أنصحك منّي بالوداد
مكاشفة و أنت من الأعادي

أريد حياته و يريد قتلي
عذيرك من خليلك من مراد

قال الأصبغ بن نباتة : لمّا دخل الوفد إلى أمير المؤمنين عليه السّلام بايعوه و بايعه ابن ملجم ، فلمّا أدبر عنه دعاه أمير المؤمنين عليه السّلام ثانيا ، فتوثق منه بالعهود و المواثيق أن لا يغدر و لا ينكث ، ففعل ، ثمّ سار عنه . ثمّ استدعاه ثالثا ، ثمّ توثّق منه فقال ابن ملجم : يا أمير المؤمنين ما رأيتك فعلت هذا بأحد غيري .

فقال : امض لشأنك فما أدراك تفي بما بايعت عليه .

فقال له ابن ملجم : كأنّك تكره و فودي عليك لما سمعته من اسمي و إنّي و اللّه لاحبّ الإقامة معك و الجهاد بين يديك ، و إنّ قلبي محبّ لك ، و إنّي و اللّه اوالي وليّك و اعادي عدوّك .

قال : فتبسّم عليه السلام و قال له : باللّه يا أخا مراد إن سألتك عن شي‏ء تصدّقني فيه ؟

قال : إي و عيشك يا أمير المؤمنين فقال له : هل كان لك داية يهوديّة فكانت إذا بكيت تضربك و تلطم جبينك و تقول لك : اسكت فإنّك أشقى من عاقر ناقة صالح و إنّك ستجني في كبرك جناية عظيمة يغضب اللّه بها عليك و يكون مصيرك إلى النار ؟

[ 175 ]

فقال : قد كان ذلك ، و لكنّك و اللّه يا أمير المؤمنين أحبّ إليّ من كلّ أحد .

فقال أمير المؤمنين عليه السّلام : و اللّه ما كذبت و لا كذبت ، و لقد نطقت حقّا و قلت صدقا ، و أنت و اللّه قاتلي لا محالة ، و ستخضب هذه من هذه و أشار إلى لحيته و رأسه و لقد قرب وقتك و حان زمانك .

فقال ابن ملجم : و اللّه يا أمير المؤمنين إنّك أحبّ إليّ من كلّ ما طلعت عليه الشمس ، و لكن إذا عرفت ذلك منّي فسيّرني إلى مكان تكون ديارك من دياري بعيدة .

فقال عليه السّلام : كن مع أصحابك حتّى آذن لكم بالرجوع إلى بلادكم ثمّ أمرهم بالنزول في بني تميم ، فأقاموا ثلاثة أيّام ، ثم أمرهم بالرجوع إلى اليمن ، فلمّا عزموا علي الخروج مرض ابن ملجم مرضا شديدا ، فذهبوا و تركوه . فلمّا بري ، أتى أمير المؤمنين عليه السّلام و كان لا يفارقه ليلا و لا نهارا ، و يسارع في قضاء حوائجه ، و كان عليه السّلام يكرمه و يدعوه إلى منزله و يقرّبه ، و كان مع ذلك يقول له : أنت قاتلي ، و يكرّر عليه الشعر :

أريد حياته و يريد قتلي
عذيرك من خليلك من مراد

فيقول له : يا أمير المؤمنين إذا عرفت ذلك منّي فاقتلني .

فيقول : إنّه لا يحلّ ذلك أن أقتل رجلا قبل أن يفعل بي شيئا .

و في خبر آخر قال : إذا قتلتك فمن يقتلني ؟

قال : فسمعت الشيعة ذلك ، فوثب مالك الأشتر و الحارث بن الأعور و عيرهما من الشيعة ، فجرّدوا سيوفهم و قالوا : يا أمير المؤمنين من هذا الكلب الّذي تخاطبه بمثل هذا الخطاب مرارا ؟ و أنت إمامنا و وليّنا و ابن عمّ نبيّنا ، فمرنا بقتله .

فقال لهم : اغمدوا سيوفكم بارك اللّه فيكم و لا تشقّوا عصا هذه الأمّة . أترون أنّي أقتل رجلا لم يصنع بي شيئا ؟

فلما انصرف عليه السّلام إلى منزله اجتمعت الشيعة و أخبر بعضهم بعضا

[ 176 ]

بما سمعوا و قالوا : إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام يغلس إلى الجامع [ 285 ] و قد سمعتم خطابه لهذا المراديّ و هو ما يقول إلاّ حقّا ، و قد علمتم عدله و إشفاقه علينا ، و نخاف أن يغتاله هذا المراديّ ، فتعالوا نقترع على أن نحوطه كلّ ليلة منّا قبيلة . فوقعت القرعة في الليلة الأولى و الثانية و الثالثة على أهل الكناس ، فتقلّدوا سيوفهم و أقبلوا في ليلتهم إلى الجامع ، فلمّا خرج عليه السّلام رآهم على تلك الحالة ، فقال : ما شأنكم ؟

فأخبروه ، فدعا لهم و تبسّم ضاحكا و قال : جئتم تحفظوني من أهل السماء أم من أهل الأرض ؟

قالوا : من أهل الأرض .

قال : ما يكون شي‏ء في السماء إلاّ هو في الأرض ، و ما يكون من شي‏ء في الأرض إلاّ هو في السماء ، ثمّ تلا « قُل : لن يصيبنا إلاّ ما كتب اللّه لنا » 286 ، ثمّ أمرهم أن يأتوا منازلهم و لا يعودوا لمثلها .

ثمّ إنّه صعد المأذنة و كان إذا تنحنح يقول السامع : ما أشبهه بصوت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فتأهّبّ الناس لصلاة الفجر ، و كان إذا أذّن يصل صوته إلى نواحي الكوفة كلّها ، ثمّ نزل فصلّى ، و كانت هذه عادته .

قال : و أقام ابن ملجم بالكوفة إلى أن خرج أمير المؤمنين عليه السّلام إلى غزاة النهروان ، فخرج ابن ملجم معه و قاتل بين يديه قتالا شديدا ، فلمّا رجع إلى الكوفة و قد فتح اللّه على يديه ، قال ابن ملجم لعنه اللّه : يا أمير المؤمنين أتأذن لي أن أتقدّمك إلى المصر لا بشّر أهله بما فتح اللّه عليك من النصر ؟

فقال له : ما ترجو بذلك ؟

قال : الثواب من اللّه و الشكر من الناس ، و افرّح الأولياء و اكمد الأعداء .

فقال له : شأنك .

[ 285 ] « الغلس » ظلمة آخر الليل ، أي يذهب إلى الجامع أخر الليل للعبادة التهجّد .

-----------
( 286 ) التوبة : 51 .

[ 177 ]

ثمّ أمر له بخلعة سنيّة و عمامتين و فرسين و سيفين و رمحين . فسار ابن ملجم و دخل الكوفة ، و جعل يخترق أزقّتها و شوارعها و هو يبشّر الناس بما فتح اللّه على أمير المؤمنين عليه السّلام و قد دخله [ 287 ] العجب في نفسه ، فانتهى به الطريق إلى محلّة بني تميم فمرّ على دار تعرف بالقبيلة و هي أعلى دار بها و كانت لقطام بنت سخينة بن عوف بن تيم اللاّت ، و كانت موصوفة بالحسن و الجمال و البهاء و الكمال ، فلمّا سمعت كلامه بعثت إليه [ و ] سألته النزول عندها ساعة لتسأله عن أهلها ، فلمّا قرب من منزلها و أراد النزول عن فرسه خرجت إليه ، ثمّ كشفت له عن وجهها و أظهرت له محاسنها ، فلمّا رآها أعجبته و هواها من وقته ، فنزل عن فرسه و دخل إليها ، و جلس في دهليز الدار و قد أخذت بمجامع قلبه ، فبسطت له بساطا و وضعت له متّكأ و أمرت خادمها أن تنزع أخفافه ، و أمرت له بماء فغسل وجهه و يديه ، و قدّمت إليه طعاما ،

فأكل و شرب ، و أقبلت عليه تروّحه من الحرّ . فجعل لا يملّ من النظر إليها ، و هي مع ذلك متبسّمة في وجهه ، سافرة له عن نقابها ، بارزة له عن جميع محاسنها ما ظهر منه و ما بطن فقال لها : أيّتها الكريمة لقد فعلت اليوم بي ما وجب به بل ببعضه عليّ مدحك و شكرك دهري كلّه ، فهل من حاجة أتشرّف بها و أسعى في قضائها ؟

قال : فسألته عن الحرب و من قتل فيه .

فجعل يخبرها و يقول : فلان قتله الحسن و فلان قتله الحسين ، إلى أن بلغ قومها و عشيرتها ، و كانت قطام لعنها اللّه على رأي الخوارج و قد قتل أمير المؤمنين عليه السّلام في هذا الحرب من قومها جماعة كثيرة ، منهم أبوها و أخوها و عمّها .

فلمّا سمعت منه ذلك صرحت باكية ، ثمّ لطمت خدّها و قامت من عنده ، و دخلت البيت و هي تندبهم طويلا .

قال : فندم ابن ملجم ، فلمّا خرجت إليه قالت : يعزّ عليّ فراقهم ، من لي

[ 287 ] في ( خ ) و ( م ) : و قد دخل .

[ 178 ]

بعدهم ؟ أفلا ناصر ينصرني و يأخذ لي بثاري و يكشف عن عاري ؟ فكنت أهب له نفسي و أمكّنه منها و من مالي و جمالي .

فرقّ لها ابن ملجم و قال لها : غضّي صوتك و ارفقي بنفسك فإنّك تعطين مرادك .

قال : فسكتت من بكائها و طمعت في قوله ، ثمّ أقبلت عليه بكلامها و هي كاشفة عن صدرها و مسبلة شعرها .

فلمّا تمكّن هواها من قلبه ، مال إليها بكلّيّته ، ثمّ جذبها إليه و قال لها : كان أبوك صديقا لي ، و قد خطبتك منه فأنعم لي بذلك ، فسبق إليه الموت فزوّجيني نفسك لآخذ لك بثارك .

قال : ففرحت بكلامه و قالت : قد خطبني الأشراف من قومي و سادات عشيرتي فما أنعمت إلاّ لمن يأخذ لي بثاري ، و لمّا سمعت عنك أنّك تقاوم الأقران و تقتل الشجعان فأحببت أن تكون لي بعلا و أكون لك أهلا .

فقال لها : فأنا و اللّه كفو كريم ، فاقترحي عليّ ما شئت من مال و فعال .

فقالت له : إن قدمت على العطيّة و الشرط فها أنا بين يديك فتحكّم كيف شئت .

فقال لها : و ما العطيّة و الشرط ؟ فقالت له : أمّا العطيّة فثلاثة آلاف دينار و عبد وقينة . [ 288 ] فقال : هذا أنا مليّ به ، فما الشرط المذكور ؟ قالت : نم على فراشك حتّى أعود إليك .

ثمّ إنّها دخلت خدرها فلبست أفخر ثيابها ، و لبست قميصا رقيقا يرى صدرها و حليّها ، و زادت في الحليّ و الطيب و خرجت في معصفرها ، فجعلت تباشره بمحاسنها ليرى حسنها و جمالها ، و أرخت عشرة ذوائب من شعرها منظومة بالدرّ و الجوهر ، فلمّا

[ 288 ] « القينة » الأمة المغنية الماشطة .

[ 179 ]

وصلت إليه أرخت لثامها عن وجهها ، و رفعت معصفرها و كشفت عن صدرها و أعكانها [ 289 ] و قالت : إن قدمت على الشرط المشروط ظفرت بها جميعها [ 290 ] و أنت مسرور مغبوط .

قال : فمدّ ابن ملجم عينيه إليها فحار عقله و هوى لحينه مغشيّا عليه ساعة ، فلمّا أفاق قال : يا منية النفس ما شرطك فاذكريه لي ؟ فإنّي سأفعله و لو كان دونه قطع القفار و خوض البحار و قطع الرؤوس و اختلاس النفوس .

قالت له الملعونة : شرطي عليك أن تقتل عليّ بن أبي طالب عليه السّلام بضربة واحدة بهذا السيف في مفرق رأسه ، يأخذ منه ما يأخذ و يبقى ما يبقى .

فلمّا سمع ابن ملجم كلامها استرجع و رجع إلى عقله و أغاظه و أفلقه ، ثمّ صاح بأعلى صوته : ويحك ما هذا الّذي و اجهتنى به ؟ بئس ما حدّثتك به نفسك من المحال ، ثمّ طأطأ رأسه يسيل عرقا و هو متفكّر [ 291 ] في أمره ، ثمّ رفع رأسه إليها و قال لها :

ويلك من يقدر على قتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ؟ المجاب الدعاء ، المنصور من السماء ، و الأرض ترجف من هيبته ، و الملائكة تسرع إلى خدمته ، يا ويلك و من يقدر على قتل عليّ بن أبي طالب و هو مؤيّد من السماء ؟ و الملائكة تحوطه بكرة و عشيّة ، و لقد كان في أيّام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذا قاتل يكون جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره و ملك الموت بين يديه . فمن هو هكذا لا طاقة لأحد بقتله ، و لا سبيل لمخلوق على اغتياله ، و مع ذلك إنّه قد أعزّني و أكرمني و أحبّني و رفعني و آثرني على غيري ، فلا يكون ذلك جزاؤه منّي أبدا ، فإن كان غيره قتلته لك شرّ قتلة و لو كان أفرس أهل زمانه ، و أمّا أمير المؤمنين فلا سبيل لي عليه .

قال : فصبرت عنه حتّى سكن غيظه و دخلت معه في الملاعبة [ 292 ] و الملاطفة ، و

[ 289 ] « الاعكان » جمع « العكنة » بمعنى ما انطوى و تثنّى من لحم البطن .

[ 290 ] في ( خ ) و ( م ) : بهذا جميعه .

[ 291 ] في ( خ ) و ( م ) : مفتكر .

[ 292 ] كذا في ( ك ) . و في غيره من النسخ : المداعبة .

[ 180 ]

علمت أنّه قد نسي ذلك القول ، ثمّ قالت : يا هذا ما يمنعك من قتل عليّ بن أبي طالب و ترغب في هذا المال و تتنعّم بهذا الجمال ؟ و ما أنت بأعفّ و أزهد من الّذين قاتلوه و قتلهم ، و كانوا من الصوّامين و القوّامين ، فلمّا نظروا إليه و قد قتل المسلمين ظلما و عدوانا اعتزلوه و حاربوه ، و مع ذلك فإنّه قد قتل المسلمين و حكم بغير حكم اللّه و خلع نفسه من الخلافة و إمرة المؤمنين ، فلمّا رأوه قومي على ذلك اعتزلوه ، فقتلهم بغير حجّة له عليهم .

فقال لها ابن ملجم : يا هذه كفّي عنّي ، فقد أفسدت عليّ ديني ، و أدخلت الشكّ في قلبي ، و ما أدري ما أقول لك و قد عزمت على رأي ثمّ أنشد :

ثلاثة آلاف و عبد وقينة
و ضرب عليّ بالحسام المصمّم

فلا مهر أغلا من عليّ و إن غلا
و لا فتك إلاّ دون فتك ابن ملجم

فأقسمت بالبيت الحرام و من أتى
إليه جهارا من محلّ و محرم

لقد أفسدت عقلي قطام و إنّني
لمنها على شكّ عظيم مذمّم

لقتل عليّ خير من وطي‏ء الثرى
أخي العلم الهادي النبيّ المكرّم

ثمّ أمسك ساعة و قال :

فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة
كمهر قطام من فصيح و أعجم

ثلاثة آلاف و عبد وقينة
و ضرب عليّ بالحسام المصمّم

فلا مهر أغلا من عليّ و إن غلا
و لا فتك إلاّ دون فتك ابن ملجم

فأقسم بالبيت الحرام و من أتى
إليه جهارا من محلّ و محرم

لقد خاب من يسعى بقتل إمامه
و ويل له من حرّ نار جهنّم

إلى آخر ما أنشد من الأبيات . ثمّ قال لها : أجّليني ليلتي هذه حتّى أنظر في أمري و آتيك غدا بما يقوى عليه عزمي ، فلمّا همّ بالخروج أقبلت إليه و ضمّته إلى صدرها ، و قبّلت ما بين عينيه و أمرته بالاستعجال في أمرها ، و سايرته إلى باب الدار و هي بشجّعه ، و أنشدت له أبياتا . فخرج الملعون من عندها و قد سلبت فؤاده و أذهبت رقاده و رشاده ، فبات ليلته قلقا متفكّرا ، فمرّة يعاتب نفسه و مرّة يفكّر في دنياه و

[ 181 ]

آخرته . فلمّا كان وقت السحر أتاه طارق فطرق الباب ، فلمّا فتحه إذا برجل من بني عمّه على نجيب ، و إذا هو رسول من إخوته إليه يعزّونه في أبيه و عمّه و يعرّفونه أنّه خلّف مالا جزيلا ، و أنّهم دعوه سريعا ليحوز ذلك المال ، فلمّا سمع ذلك بقي متحيّرا في أمره ،

إذ جاءه ما يشغله عمّا عظم عليه من أمر قطام ، فلم يزل مفكّرا في أمره حتّى عزم على الخروج ، و كان له أخوان لأبيه و أمّه ، و أمّه كانت من زبيد يقال لها عدنيّة ، و هي ابنة أبي عليّ بن ماشوج ، و كان أبوه مراديّا و كانوا يسكنون عجران صنعاء . فلمّا وصل إلى النجف ، ذكر قطام و منزلتها في قلبه و رجع إليها ، فلمّا طرق الباب أطلعت عليه و قالت : من الطارق ؟ فعرفته على حالة السفر ، فنزلت إليه و سلّمت عليه و سألته عن حاله ، فأخبرها بخبره و وعدها بقضاء حاجتها إذا رجع من سفره ، و تملّكها جميع ما يجي‏ء به من المال ، فعدلت عنه مغضبة فدنا منها و قبّلها و ودّعها ، و حلف لها أنّه يبلغها مأمولها في جميع ما سألته . فخرج و جاء إلى أمير المؤمنين عليه السّلام و أخبره بما جاؤوا إليه لأجله ، و سأله أن يكتب إلى ابن المنتجب كتابا ليعينه على استخلاص حقّه ، فأمر كاتبه فكتب له ما أراد ، ثمّ أعطاه فرسا من جياد خيله ، فخرج و سار سيرا حثيثا حتّى وصل إلى بعض أودية اليمن ، فأظلم عليه الليل ، فبات في بعضها ،

فلمّا مضى من الليل نصفه و إذا هو بزعقة عظيمة من صدر الوادي ، و دخان يفور و نار مضرمة ، فانزعج لذلك و تغيّر لونه ، و نظر إلى صدر الوادي و إذا بالدخان قد أقبل كالجبل العظيم و هو واقع عليه ، و النار تخرج من جوانبه ، فخرّ مغشيّا عليه ، فلمّا أفاق و إذا بهاتف يسمع صوته و لا يرى شخصه و هو يقول :

اسمع وع القول يا ابن ملجم
إنّك في أمر مهول معظم

تضمر قتل الفارس المكرّم
أكرم من طاف و لبّى و أحرم

ذاك عليّ ذو التقاء الأقدم
فارجع إلى اللّه لكيلا تندم

فلمّا سمع توهّم أنّه من طوارق الجنّ ، و إذا بالهاتف يقول :

يا شقيّ ابن الشقيّ أمّا ما أضمرت من قتل الزاهد العابد العادل الراكع الساجد إمام الهدى و علم التقى و العروة الوثقى فإنّا علمنا بما تريد أن تفعله بأمير

[ 182 ]

المؤمنين ، و نحن من الجنّ الّذين أسلمنا على يديه ، و نحن نازلون بهذا الوادي ، فإنّا لا ندعك تبيت فيه ، فإنّك ميشوم على نفسك ، ثمّ جعلوا يرمونه بقطع الجنادل ، فصعد فوق شاهق فبات بقيّة ليله . فلمّا أصبح سار ليلا و نهارا حتّى وصل اليمن ، و أقام عندهم شهرين و قلبه على حرّ الجمر من أجل قطام ، ثمّ إنّه أخذ الّذي أصابه من المال و المتاع و الأثاث و الجواهر و خرج . فبينا هو في بعض الطريق إذ خرجت عليه حراميّة فسايرهم و سايروه ،

فلمّا قربوا من الكوفة حاربوه و أخذوا جميع ما كان معه ، و نجا بنفسه و فرسه و قليل من الذهب على وسطه و ما كان تحته ، فهرب على وجهه حتّى كاد أن يهلك عطشا ، و أقبل سائرا في الفلاة مهموما جائعا عطشانا . فلاح له شبح فقصده ، فإذا بيوت من أبيات الحرب ، فقصد منها بيتا فنزل عندهم ، و استسقاهم شربة ماء فسقوه ، و طلب لبنا فأتوه به ، فنام ساعة . فلمّا استيقظ أتاه رجلان و قدّما إليه طعاما فأكل و أكلا معه ، و جعلا يسألانه عن الطريق فأخبرهما ، ثمّ قالا له : ممّن الرجل ؟

قال : من [ بني ] مراد .

قالا : أين تقصد ؟

قال : الكوفة .

فقالا له : كأنّك من أصحاب أبي تراب ؟

قال : نعم .

فاحمّرت أعينهما غيظا ، و عزما على قتله ليلا ، و أسرّا ذلك و نهضا .

فتبيّن له ما عزما عليه و ندم على كلامه ، فبينما هو متحيّر إذ أقبل كلبهم و نام قريبا منهم ، فأقبل اللعين يمسح بيده على الكلب و يشفق عليه و يقول : مرحبا بكلب قوم أكرموني .

فاستحسنا ذلك و سألاه : ما اسمك ؟ قال : عبد الرحمن بن ملجم .

فقالا له : ما أردت بصنعك هذا في كلبنا ؟

فقال : أكرمته لأجلكم حيث أكرمتموني ، فوجب عليّ شكركم . و كان هذا منه خديعة و مكرا .

[ 183 ]

فقالا : اللّه أكبر الآن و اللّه وجب حقّك علينا ، و نحن نكشف لك عمّا في ضمائرنا ، نحن قوم نرى رأي الخوارج ، و قد قتل أعمامنا و أخوالنا و أهالينا كما علمت ، فلمّا أخبرتنا أنّك من أصحابه عزمنا على قتلك في هذه الليلة ، فلمّا رأينا صنعك هذا بكلبنا صفحنا عنك . و نحن الآن نطلعك على ما قد عزمنا عليه ، فسألهما عن أسمائهما .

فقال أحدهما : أنا البرك بن عبد اللّه التميميّ و هذا عبد اللّه بن عثمان العنبري صهري و قد نظرنا إلى ما نحن عليه في مذهبنا [ 293 ] فرأينا أنّ فساد الأرض و الأمّة كلّها من ثلاثة نفر ، أبو تراب و معاوية و عمرو بن العاص ، فأمّا أبو تراب فإنّه قتل رجالنا كما رأيت ، و افتكرنا أيضا في الرجلين معاوية و ابن العاص و قد ولّيا علينا هذا الظالم الغشوم بشر بن أرطاة ، يطرقنا في كلّ وقت و يأخذ أموالنا ، و قد عزمنا على قتل هؤلاء الثلاثة ، فإذا قتلناهم توطّأت الأرض ، و أقعد الناس لهم إماما يرضونه .

فلمّا سمع ابن ملجم كلامهما صفق بإحدى يديه على الأخرى و قال : و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة و تردّى بالعظمة إنّي لثالثكما ، و إنّي مرافقكما على رأيكما و إنّي [ 294 ] أكفيكما أمر عليّ بن أبي طالب .

فنظرا إليه متعجّبين من كلامه .

قال : و اللّه ما أقول لكما إلاّ حقّا ، ثمّ ذكر لهما قصّته .

فلمّا سمعا كلامه عرفا صحّته و قالا : إنّ قطام من قومنا ، و أهله كانوا من عشيرتنا ، فنحن نحمد اللّه على اتّفاقنا ، فهذا لا يتمّ إلاّ بالأيمان المغلّظة ، فنركب الآن مطايانا و نأتي الكعبة و نتعاقد عندها على الوفاء .

فلمّا أصبحوا و ركبوا ، حضر عندهم بعض قومهم فأشاروا عليهم و قالوا :

لا تفعلوا ذلك فما منكم أحد إلاّ و يندم ندامة عظيمة . فلم يقبلوا و ساروا جميعا حتّى

[ 293 ] في ( خ ) و ( م ) : من مذهبنا .

[ 294 ] في ( خ ) و ( م ) : و أنا .

[ 184 ]

أتوا البيت و تعاهدوا عنده .

فقال البرك : أنا لعمرو بن العاص .

و قال العنبريّ : أنا لمعاوية .

و قال ابن ملجم لعنه اللّه : أنا لعليّ .

فتحالفوا على ذلك [ 295 ] بالأيمان المغلّظة ، و دخلوا المدينة و حلفوا عند قبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على ذلك ، ثمّ افترقوا و قد عيّنوا يوما معلوما يقتلون فيه الجميع .

ثمّ سار كلّ منهم على طريقه .

فأمّا البرك فأتى مصر و دخل الجامع و أقام فيه أيّاما ، فخرج عمرو بن العاص ذات يوم إلى الجامع و جلس فيه بعد صلاته ، فجاء البرك إليه و سلّم عليه ، ثمّ حادثه في فنون الأخبار و طرف الكلام و الأشعار ، فشعف به عمرو بن العاص و قرّبه و أدناه ، و صار يأكل معه على مائدة واحدة فأقام إلى اللّيلة الّتي تواعدوا فيها . فخرج إلى نيل مصر و جلس مفكّرا ، فلمّا غربت الشمس أتى الجامع و جلس فيه فلمّا كان وقت الافطار افتقده عمرو بن العاص فلم يره . فقال لولده : ما فعل صاحبنا و أين مضى فإنّي لا أراه ؟ فبعثه إليه يدعوه فقال : قل له : إنّ هذه اللّيلة ليست كاللّيالي ، و قد أحببت أن أقيم ليلتي هذه في الجامع رغبة فيما عند اللّه ، و احبّ أن أشرك الأمير في ذلك ، فلمّا رجع إليه و أخبره بذلك سرّه سرورا عظيما و بعث إليه مائدة فأكل و بات ليلته ينتظر قدوم عمرو و كان هو الّذي يصلّي بهم ، فلمّا كان عند طلوع الفجر أقبل المؤذّن إلى باب عمرو ، و أذّن و قال : الصلاة يرحمك اللّه الصلاة ، فانتبه فاتي بالماء و توضّأ و تطيّب و ذهب ليخرج إلى الصلاة فزلق [ 296 ] فوقع على جنبه فاعتوره عرق النساء فأشغلته عن الخروج ، فقال : قدّموا خارجة بن تميم القاضي يصلّي بالناس ، فأتى القاضي و دخل المحراب في غلس فجاء البرك فوقف خلفه و سيفه تحت ثيابه ، و هو لا يشكّ أنّه

[ 295 ] في ( ك ) : في ذلك .

[ 296 ] « زلفت القدم » زلّت و لم تثبت .

[ 185 ]

عمرو ، فأمهله حتّى سجد و جلس من سجوده ، فسلّ سيفه و نادى : لا حكم إلاّ للّه و لا طاعة لمن عصى اللّه ، ثمّ ضربه بالسيف على امّ رأسه ، فقضى نحبه لوقته .

فبادر الناس و قبضوا عليه و أخذوا سيفه من يده و أوجعوه ضربا [ شديدا ] و قالوا له : يا عدوّ اللّه قتلت رجلا مسلما ساجدا في محرابه .

فقال : يا حمير أهل مصر إنّه يستحقّ القتل .

قالوا : بما ذا ويلك ؟

قال : لسعيه في الفتنة ، لأنّه الداهية الدهماء الّذي أثار الفتنة و نبذها و قوّاها ،

و زيّن لمعاوية محاربة عليّ .

فقالوا له : يا ويلك من تعني ؟

قال : الطاغي الباغي الكافر الزّنديق عمرو بن العاص الّذي شقّ عصا المسلمين ، و هتك حرمة الدين .

قالوا : لقد خاب ظنّك و طاش سهمك ، إنّ الّذي قتلته ما هو ، إنّما هو خارجة .

فقال : يا قوم المعذرة إلى اللّه و إليكم ، فو اللّه ما أردت خارجة و إنّما أردت قتل عمرو ، فأوثقوه كتافا و أتوا به إلى عمرو .

فلمّا رآه قال : أليس هذا هو صاحبنا الحجازيّ ؟

قالوا له : نعم .

قال : ما باله ؟

قالوا : إنّه قد قتل خارجة .

فدهش عمرو لذلك و قال : إنّا للّه و إنّا إليه راجعون و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم . ثمّ التفت إليه و قال : يا هذا لم فعلت ذلك ؟

فقال له : و اللّه يا فاسق ما طلبت غيرك و لا أردت سواك .

قال : و لم ذلك ؟

قال : إنّا ثلاثة تعاهدنا بمكّة على قتلك و قتل عليّ بن أبي طالب و معاوية في هذه اللّيلة ، فإن صدقا صاحباي فقد قتل عليّ بالكوفة و معاوية بالشام ، و أمّا أنت

[ 186 ]

فقد سلمت .

فقال عمرو : يا غلام احبسه حتّى نكتب إلى معاوية فحبسه حتّى أمره معاوية بقتله فقتله .

و أمّا عبد اللّه العنبريّ ، فقصد دمشق و استخبر عن معاوية فأرشد إليه ، فجعل يتردّد إلى داره فلا يتمكّن من الدخول إليه ، إلى أن أذن معاوية يوما للناس إذنا عامّا ،

فدخل إليه مع الناس و سلّم عليه ، و حادثه ساعة و ذكر له ملوك بني قحطان و من له كلام مصيب حتّى ذكر له بني عمّه و هم أوّل ملوك قحطان و شيئا من أخبارهم ،

فلمّا تفرّقوا بقي عنده مع خواصّه ، و كان فصيحا خبيرا بأنساب العرب و أشعارهم ،

فأحبّه معاوية حبّا شديدا ، فقال : قد أذنت لك في كلّ وقت نجلس فيه أن تدخل علينا من غير مانع و لا دافع . فكان يتردّد إليه إلى ليلة تسع عشرة و كان قد عرف المكان الّذي يصلّي فيه معاوية ، فلمّا أذّن المؤذّن للفجر و أتى معاوية المسجد و دخل محرابه ثار إليه بالسيف و ضربه ، فراغ عنه ، فأراد ضرب عنقه فانصاع عنه [ 297 ] فوقع السيف في إليته ، و كانت ضربته ضربة جبان .

فقال معاوية : لا يفوتنّكم الرجل ، فاستخلف بعض أصحابه للصلاة ، و نهض إلى داره .

و أمّا العنبريّ فأخذه الناس و أوثقوه و أتوا به إلى معاوية و كان مغشيّا عليه ،

فلمّا أفاق قال له : و يلك يا لكع لقد خاب ظنّي فيك ، ما الّذي حملك على هذا ؟

فقال له : دعني من كلامك ، اعلم أنّنا ثلاثة تحالفنا على قتلك و قتل عمرو بن العاص و عليّ بن أبي طالب فإن صدق صاحباي فقد قتل عليّ و عمرو ، و أمّا أنت فقد روغ أجلك كروغك الثعلب [ 298 ] فقال له معاوية : على رغم أنفك

[ 297 ] أي رجع مسرعا .

[ 298 ] « راغ الصيد » ذهب ههنا و ههنا . « راغ عن الطريق » حاد عنه .

[ 187 ]

فأمر به إلى الحبس .

فأتاه الساعديّ و كان طبيبا فلمّا نظر إليه قال له : اختر إحدى الخصلتين :

إمّا أن أحمي حديدة فأضعها موضع السيف ، و إمّا أن أسقيك شربة تقطع منك الولد و تبرأ منها ، لأنّ ضربتك مسمومة .

فقال معاوية : أمّا النار فلا صبر لي عليها ، و أمّا انقطاع الولد فإنّ في يزيد و عبد اللّه ما تقرّبه عيني فسقاه الشربة فبري‏ء و لم يولد له بعدها .

و أمّا ابن ملجم لعنه اللّه فانّه سار حتّى دخل الكوفة ، و اجتاز على الجامع ،

و كان أمير المؤمنين عليه السّلام جالسا على باب كندة ، فلم يدخله و لم يسلّم عليه ،

و كان إلى جانبه الحسن و الحسين عليهما السلام و معه جماعة من أصحابه . فلمّا نظروا إلى ابن ملجم و عبوره قالوا : ألا ترى إلى ابن ملجم عبر و لم يسلّم عليك ؟

قال : دعوه فإنّ له شأنا من الشأن ، و اللّه ليخضبنّ هذه من هذه و أشار إلى لحيته و هامته ثمّ قال :

ما من الموت لانسان نجاء
كلّ امري‏ء لا بدّ يأتيه الفناء

تبارك اللّه و سبحانه
لكلّ شي‏ء مدّة و انتهاء

يقدّر الانسان في نفسه
أمرا و يأتيه عليه القضاء

لا تأمننّ الدهر في أهله
لكلّ عيش آخر و انقضاء

بينا ترى الانسان في غبطة
يمسي و قد حلّ عليه القضاء

ثمّ جعل يطيل النظر إليه حتّى غاب عن عينه ، و أطرق إلى الأرض يقول : إنّا للّه و إنّا إليه راجعون و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم .

قال : و سار ابن ملجم حتّى وصل إلى دار قطام ، و كانت قد أيست من رجوعه إليها ، و عرضت نفسها على بني عمّها و عشيرتها و شرطت عليهم قتل أمير المؤمنين عليه السلام فلم يقدم أحد على ذلك ، فلمّا طرق الباب قالت : من الطارق ؟ قال :

أنا عبد الرحمن ففرحت قطام به و خرجت إليه و اعتنقته و أدخلته دارها ، و فرشت له فرش الديباج و أحضرت له الطعام و المدام ، فأكل و شرب حتّى سكر ، و سألته عن

[ 188 ]

حاله فحدّثها بجميع ما جرى له في طريقه ، ثمّ أمرته بالاغتسال و تغيير ثيابه ، ففعل ذلك ،

و أمرت جارية لها ففرشت الدار بأنواع الفرش ، و أحضرت له شرابا و جواري ، فشرب مع الجوار و هنّ يلعبن له بالعيدان و المزامير و المعازف و الدفوف . فلمّا أخذ الشراب منه أقبل عليها و قال : ما بالك لا تجالسيني و لا تحادثيني يا قرّة عيني و لا تماز حيني فقالت له : بلى سمعا و طاعة ، ثمّ إنّها نهضت و دخلت إلى خدرها ، و لبست أفخر ثيابها و تزيّنت و تطيّبت و خرجت إليه ، و قد كشفت له عن رأسها و صدرها و نهودها [ 299 ] و أبرزت له عن فخذيها ، و هي في طاق غلالة [ 300 ] روميّ يبيّن له منها جميع جسدها و هي تتبختر في مشيتها ، و الجوار حولها يلعبن ، فقام الملعون و اعتنقها و ترشّفها و حملها حتّى أجلسها مجلسها ، و قد بهت و تحيّر ، و استحوذ عليه الشيطان ، فضربت بيدها على زرّ قميصها فحلّته ، و كان في حلقها عقد جوهر ليست له قيمة ، فلمّا أراد مجامعتها لم تمكّنه من ذلك .

فقال : لم تما نعيني عن نفسك و أنا و أنت على العهد الّذي عاهدتك عليه من قتل عليّ ؟ و لو أحببت لقتلت معه شبليه الحسن و الحسين ثمّ ضرب يده على هميانه فحلّه من وسطه و رماه إليها ، و قال : خذيه فإنّ فيه أكثر من ثلاثة آلاف دينار و عبد وقينة .

فقالت له : و اللّه لا أمكّنك من نفسي حتّى تحلف لي بالأيمان المغلّظة أنّك تقتله .

فحملته القساوة على ذلك ، و باع آخرته بدنياه و تحكّم الشيطان فيه بالإيمان المغلّظة أنّه يقتله و لو قطعوه إربا إربا .

فمالت إليه عند ذلك و قبّلته و قبّلها ، فأراد وطيها فمانعته ، و بات عندها تلك الليلة من غير نكاح ، فلمّا كان من الغد تزوّج بها سرّا و طاب قلبه . فلمّا أفاق من سكرته

[ 299 ] جمع « النهد » بمعنى الثدي .

[ 300 ] « الطاق » ضرب من الثياب . و « الغلالة » بالكسر ، شعار يلبس تحت الثوب .

[ 189 ]

ندم على ما كان منه ، و عاتب نفسه و لعنها . فلم تزل تراوغه [ 301 ] في كلّ ليلة و تعده بوصالها .

فلمّا دنت الليلة الموعودة مدّ يده إليها ليضاجعها و يجامعها فأبت عليه و قالت :

ما يكون ذلك إلاّ أن تفي بوعدك .

و كان الملعون اعتلّ علّة شديدة فبري‏ء منها ، و كانت الملعونة لا تمكّنه من نفسها مخافة أن تبرد ناره فيخلّ بقضاء حاجتها .

فقال لها : يا قطام في هذه الليلة أقتل لك عليّ بن أبي طالب .

و أخذ سيفه و مضى به إلى الصيقل فأجاد صقاله ، و جاء به إليها ، فقالت :

إنّي أريد أن أعمل فيه سمّا .

قال : و ما تصنع بالسمّ ؟ لو وقع على جبل لهدّه .

فقالت : دعني أعمل فيه السمّ فإنّك لو رأيت عليّا لطاش عقلك و ارتعشت يداك ، و ربّما ضربته ضربة لا تعمل فيه شيئا ، فإذا كان مسموما فإن لم تعمل الضربة عمل السمّ .

فقال لها : يا ويلك أتخوّفيني من عليّ ؟ فواللّه لا أرهب عليّا و لا غيره فقالت له : دعني من قولك هذا و إنّ عليّا ليس كمن لاقيت من الشجعان ،

فأطرت [ 302 ] في مدحه و ذكرت شجاعته ، و كان غرضها أن يحمل الملعون على الغضب ،

و يحرّضه على الأمر ، فأخذت السيف و أنفذته إلى الصيقل ، فسقاه السمّ و ردّه إلى غمده .

و كان ابن ملجم قد خرج في ذلك اليوم يمشي في أزقّة الكوفة ، فلقيه صديق له و هو عبد اللّه بن جابر الحارثيّ ، فسلّم عليه و هنّأه بزواج قطام ، ثمّ تحادثا ساعة فحدّثه

[ 301 ] أي تخادعه .

[ 302 ] « أطراه » أحسن الثناء عليه و بالغ في مدحه .

[ 190 ]

بحديثه من أوّله إلى آخره ، فسرّ بذلك سرورا عظيما ، فقال له : أنا أعاونك .

فقال ابن ملجم : دعني من هذا الحديث ، فإنّ عليّا أروغ من الثعلب و أشدّ من الأسد .

ثمّ مضى ابن ملجم لعنه اللّه يدور في شوارع الكوفة ، فاجتاز على أمير المؤمنين عليه السّلام و هو جالس عند ميثم التمّار ، فخطف عنه كيلا يراه ،

ففطن به فبعث خلفه رسولا فلمّا أتاه وقف بين يديه و سلّم عليه و تضرّع لديه ، فقال عليه السلام له : ما تعمل ههنا ؟

قال : أطوف في أسواق الكوفة و أنظر إليها .

فقال عليه السلام : عليك بالمساجد فإنّها خير لك من البقاع كلّها ، و شرّها الأسواق ما لم يذكر اسم اللّه فيها . ثمّ حادثه ساعة و انصرف .

فلمّا ولّى جعل أمير المؤمنين عليه السّلام يطيل النظر إليه و يقول : يا لك من عدوّ لي من مراد ، ثمّ قال عليه السلام :

اريد حياته و يريد قتلي
و يأبى اللّه إلاّ أن يشاء

ثمّ قال عليه السلام : يا ميثم هذا و اللّه قاتلي لا محالة ، أخبرني به حبيبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله .

فقال ميثم : يا أمير المؤمنين فلم لا تقتله أنت قبل ذلك ؟

فقال : يا ميثم لا يحلّ القصاص قبل الفعل .

فقال ميثم : يا مولاي إذا لم تقتله فاطرده .

فقال : يا ميثم لو لا آية في كتاب اللّه يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشاءُ وَ يَثْبُتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ 303 و أيضا إنّه بعد ما جنى جناية فيؤخذ بها ، و لا يجوز أن يعاقب قبل الفعل .

فقال ميثم : جعل [ اللّه ] يومنا قبل يومك ، و لا أرانا اللّه فيك سوء أبدا ، و متى يكون ذلك يا أمير المؤمنين ؟

-----------
( 303 ) الرعد : 39 .

[ 191 ]

فقال عليه السلام : إنّ اللّه تفرّد بخمسة أشياء لا يطّلع عليها نبيّ مرسل و لا ملك مقرّب ، فقال عزّ من قائل : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية 304 . يا ميثم هذه خمسة لا يطّلع عليها إلاّ اللّه تعالى ، و ما اطّلع عليها نبيّ و لا وصيّ و لا ملك مقرّب . يا ميثم لا حذر من قدر . يا ميثم إذا جاء القضاء فلا مفرّ .

فرجع ابن ملجم و دخل على قطام لعنهما اللّه ، و كانت تلك الليلة ليلة تسع عشرة من شهر رمضان .

قالت امّ كلثوم بنت أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه : لمّا كانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان قدّمت إليه عند إفطاره طبقا فيه قرصان من خبز الشعير و قصعة فيها لبن و ملح جريش [ 305 ] ، فلمّا فرغ من صلاته أقبل على فطوره ، فلمّا نظر إليه و تأمّله حرّك رأسه و بكى بكاء شديدا عاليا ، و قال : يا بنيّة ما ظننت أنّ بنتا تسوء أباها كما قد أسأت أنت إليّ .

قال : و ماذا يا أباه ؟

قال : يا بنيّة أتقدّمين إلى أبيك إدامين في فرد طبق واحد ؟ أتريدين أن يطول وقوفي غدا بين يدي اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة ؟ أنا أريد أن أتّبع أخي و ابن عمّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما قدّم إليه إدامان في طبق واحد إلى أن قبضه اللّه ، يا بنيّة ما من رجل طاب مطعمه و مشربه و ملبسه إلاّ طال وقوفه بين يدي اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة . يا بنيّة إنّ الدنيا في حلالها حساب و في حرامها عقاب و قد أخبرني حبيبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنّ جبرئيل عليه السلام نزل إليه و معه مفاتيح كنوز الأرض و قال : يا محمّد السلام يقرؤك السلام و يقول لك : إن شئت صيّرت معك جبال تهامة ذهبا و فضّة ، و خذ هذه مفاتيح كنوز الأرض و لا ينقص ذلك من حظّك يوم القيامة .

-----------
( 304 ) لقمان : 34 .

[ 305 ] « الجريش » ما طحنته غير ناعم .

[ 192 ]

قال : يا جبرئيل و ما يكون بعد ذلك ؟

قال : الموت .

فقال : إذا لا حاجة لي في الدنيا ، دعني أجوع يوما و أشبع يوما . فاليوم الّذي أجوع فيه أتضرّع إلى ربّي و أسأله ، و اليوم الّذي أشبع فيه أشكر ربّي و أحمده .

فقال له جبرئيل : وفّقت لكلّ خير يا محمّد ثمّ قال عليه السلام : يا بنيّة الدنيا دار غرور و دار هوان ، فمن قدّم شيئا وجده . يا بنيّة و اللّه لا آكل شيئا حتّى ترفعين أحد الادامين ، فلمّا رفعته تقدّم إلى الطعام فأكل قرصا واحدا بالملح الجريش ، ثمّ حمد اللّه و أثنى عليه ، ثمّ قال إلى صلاته ،

فصلّى و لم يزل راكعا و ساجدا و مبتهلا و متضرّعا إلى اللّه سبحانه و يكثر الدخول و الخروج و هو ينظر إلى السماء و هو قلق يتململ . ثمّ قرأ سورة « يس » حتّى ختمها . ثمّ رقد هنيئة و انتبه مرعوبا ، و جعل يمسح وجهه بثوبه ، و نهض قائما على قدميه و هو يقول :

« اللّهمّ بارك لنا في لقائك » و يكثر من قول « لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم » . ثمّ صلّى حتّى ذهب بعض الليل ، ثمّ جلس للتعقيب ، ثمّ نامت عيناه و هو جالس ، ثمّ انتبه من نومته مرعوبا .

قالت امّ كلثوم : كأنّي به و قد جمع أولاده و أهله و قال لهم : في هذا الشهر تفقدوني . إنّي رأيت في هذه الليلة رؤيا هالتني و أريد أن أقصّها عليكم .

قالوا : و ما هي ؟

قال : إنّي رأيت الساعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في منامي و هو يقول لي : يا أبا الحسن إنّك قادم إلينا عن قريب . يجي‏ء إليك أشقاها فيخضب شيبتك من دم رأسك . و أنا و اللّه مشتاق إليك ، و إنّك عندنا في العشر الآخر من شهر رمضان ، فهلمّ إلينا فما عندنا خير لك و أبقى .

قال : فلمّا سمعوا كلامه ، ضجّوا بالبكاء و النحيب و أبدوا العويل ، فأقسم عليهم بالسكوت فسكتوا . ثمّ أقبل يوصيهم و يأمرهم بالخير و ينهاهم عن الشرّ .

قالت امّ كلثوم : و لم يزل تلك الليلة قائما و قاعدا و راكعا و ساجدا ، ثمّ يخرج

[ 193 ]

ساعة بعد ساعة يقلّب طرفه في السماء و ينظر في الكواكب و هو يقول : و اللّه ما كذبت و لا كذبت ، و إنّها الليلة الّتي وعدت بها ، ثمّ يعود إلى مصلاّه و يقول : « اللّهمّ بارك لي في الموت » و يكثر من قول « إنّا للّه و إنّا إليه راجعون » « و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم » ، و يصلّي على النبيّ و آله ، و يستغفر اللّه كثيرا .

قالت امّ كلثوم : فلمّا رأيته في تلك الليلة قلقا متململا كثير الذكر و الاستغفار أرقت معه ليلتي و قلت : يا أبتاه مالي أراك هذه الليلة لا تذوق طعم الرقاد ؟

قال : يا بنيّة إنّ أباك قتل الأبطال و خاض الأهوال و ما دخل الخوف له جوف [ 306 ] ، و ما دخل في قلبي رعب أكثر ممّا دخل في هذه الليلة ثمّ قال : إنّا للّه و إنّا إليه راجعون .

فقلت : يا أباه مالك تنعي نفسك منذ الليلة ؟

قال : يا بنيّة قد قرب الأجل و انقطع الأمل .

قالت امّ كلثوم : فبكيت .

فقال لي : يا بنيّة لا تبكين ، فإنّي لم أقل ذلك إلاّ بما عهد إليّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ثمّ إنّه نعس و طوى ساعة ، استيقظ من نومه و قال : يا بنيّة إذا قرب وقت الأذان فأعلميني . ثمّ رجع إلى ما كان عليه أوّل الليل من الصلاة و الدعاء و التضرّع إلى اللّه سبحانه و تعالى .

قالت امّ كلثوم : فجعلت أرقّب وقت الأذان ، فلمّا لاح الوقت أتيته و معي إناء فيه ماء ، ثمّ أيقظته ، فأسبغ الوضوء و قام و لبس ثيابه و فتح بابه ، ثمّ نزل إلى الدار و كان في الدار إوزّ قد أهدي إلى أخي الحسين عليه السلام فلمّا نزل خرجن وراءه و رفرفن و صحن في وجهه ، و كان قبل تلك الليلة لم يصحن ، فقال عليه السلام :

لا إله إلاّ اللّه صوارخ تتبعها نوائح ، و في غداة غد يظهر القضاء .

فقلت له : يا أباه هكذا تتطيّر ؟

[ 306 ] الظاهر كما في ( ت ) و هامش ( ك ) : و ما دخل له خوف .

[ 194 ]

فقال : يا بنيّة ما منّا أهل البيت من يتطيّر و لا يتطيّر به ، و لكن قول جرى على لساني ، ثمّ قال : يا بنيّة بحقّي عليك إلاّ ما أطلقتيه ، فقد حبست ما ليس له لسان و لا يقدر على الكلام إذا جاع أو عطش ، فأطعميه و اسقيه و إلاّ خلّي سبيله يأكل من حشائش الأرض ، فلمّا وصل إلى الباب فعالجه ليفتحه فتعلّق الباب بمئزره فانحلّ مئزره حتّى سقط ، فأخذه و شدّه و هو يقول :

اشدد حيازيمك للموت فإنّ الموت لاقيكا
و لا تجزع من الموت إذا حلّ بناديكا

و لا تغترّ بالدهر و إن كان يواتيكا
كما أضحكك الدهر كذاك الدهر يبكيكا

ثمّ قال : « اللّهمّ بارك لنا في الموت ، اللّهمّ بارك لي في لقائك » .

قالت امّ كلثوم : و كنت أمشي خلفه ، فلمّا سمعته يقول ذلك . قلت : و اغوثاه يا أبتاه أراك تنعي نفسك منذ الليلة .

قال : يا بنيّة ما هو بنعاء و لكنّها دلالات و علامات للموت تتبع بعضها بعضها فأمسكي عن الجواب ، ثمّ فتح الباب و خرج .

قالت امّ كلثوم : فجئت إلى أخي الحسن عليه السلام فقلت يا أخي :

قد كان من أمر أبيك الليلة كذا و كذا ، و هو قد خرج في هذا الليل الغلس فألحقه ،

فقام الحسن بن عليّ عليه السلام و تبعه ، فلحق به قبل أن يدخل الجامع فقال يا أباه : ما أخرجك في هذه الساعة و قد بقى من الليل ثلثه ؟

فقال : يا حبيبي و يا قرّة عيني خرجت لرؤيا رأيتها في هذه الليلة أهالتني و أزعجتني و أقلقتني ، فقال له : خيرا رأيت و خيرا يكون فقصّها عليّ ، فقال عليه السلام :

يا بنيّ رأيت كأنّ جبرئيل عليه السلام قد نزل عن السماء على جبل أبي قبيس فتناول منه حجرين و مضى بهما إلى الكعبة و تركهما على ظهرها ، و ضرب أحدهما على الآخر فصارت كالرميم ، ثمّ ذرّهما في الريح ، فما بقي بمكّة و لا بالمدينة بيت إلاّ و دخله من ذلك الرماد .

[ 195 ]

فقال له : يا أبت و ما تأويلها ؟

فقال : يا بنيّ إن صدقت رؤياي فإنّ أباك مقتول ، و لا يبقى بمكّة حينئذ و لا بالمدينة بيت إلاّ و يدخله من ذلك غمّ و مصيبة من أجلي .

فقال الحسن عليه السلام : و هل تدري متى يكون ذلك يا أبت ؟

قال : يا بنيّ إنّ اللّه يقول : وَ مَا تَدْرِيَ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَ مَا تَدْرِي نَفْسٌ بَأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ 307 . و لكن عهد إليّ حبيبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنّه يكون في العشر الأواخر من شهر رمضان ، يقتلني ابن ملجم المراديّ .

فقلت له : يا أبتاه إذا علمت منه ذلك فاقتله .

قال : يا بنيّ لا يجوز القصاص إلاّ بعد الجناية و الجناية لم تحصل منه . يا بنيّ لو اجتمع الثقلان الإنس و الجنّ على أن يدفعوا ذلك لما قدروا . يا بنيّ ارجع إلى فراشك .

فقال الحسن عليه السلام : يا أبتاه أريد أمضي معك إلى موضع صلاتك .

فقال له : أقسمت بحقّي عليك إلاّ ما رجعت إلى فراشك لئلاّ يتنغّص عليك نومك ، و لا تعصني في ذلك .

قال : فرجع الحسن عليه السلام فوجد اخته امّ كلثوم قائمة خلف الباب تنتظره ، فدخل فأخبرها بذلك ، و جلسا يتحادثان و هما محزونان حتّى غلب عليهما النعاس ، فقاما و دخلا إلى فراشهما و ناما .

قال أبو مخنف و غيره : و سار أمير المؤمنين عليه السّلام حتّى دخل المسجد ، و القناديل قد خمد ضوؤها ، فصلّى في المسجد ورده و عقّب ساعة ، ثمّ إنّه قام و صلّى ركعتين ، ثمّ علا المأذنة و وضع سبّا بتيه في أذنيه و تنحنح ثمّ أذّن ، و كان عليه السلام إذا أذّن لم يبق في بلدة الكوفة بيت إلاّ اخترقه صوته .

-----------
( 307 ) لقمان : 34 .

[ 196 ]

قال الراوي : و أمّا ابن ملجم ، فبات في تلك الليلة يفكّر في نفسه ، و لا يدري ما يصنع ، فتارة يعاتب نفسه و يوبخها و يخاف من عقبى فعله ، فيهمّ أن يرجع عن ذلك ،

و تارة يذكر قطام لعنها اللّه و حسنها و جمالها و كثرة مالها فتميل نفسه إليها ، فبقي عامّة ليله يتقلّب على فراشه و هو يترنّم بشعره ذلك إذا أتته الملعونة و نامت معه في فراشه ، و قالت له : يا هذا من يكون على هذا العزم يرقد ؟

فقال لها : و اللّه إنّي أقتله لك الساعة .

فقالت : اقتله و ارجع إليّ قرير العين مسرورا ، و افعل ما تريد فإنّي منتظرة لك .

فقال لها : بل أقتله و أرجع إليك سخين العين محزونا منحوسا محسورا .

فقالت : أعوذ باللّه من تطيّرك الوحش .

قال : فوثب الملعون كأنّه الفحل من الإبل ، قال : هلمّي إليّ بالسيف ، ثمّ إنّه اتّزر بمئزر و اتّشح بإزار ، و جعل السيف تحت الإزار مع بطنه ، و قال : افتحي لي الباب ففي هذه الساعة أقتل لك عليّا .

فقامت فرحة مسرورة و قبّلت صدره ، و بقي يقبّلها و يترشّفها ساعة ، ثمّ راودها عن نفسها . فقالت له : هذا عليّ أقبل إلى الجامع و أذّن ، فقم إليه فاقتله ثمّ عد إليّ فها أنا منتظرة رجوعك .

فخرج من الباب و هي خلفه تحرّضه بهذه الأبيات :

أقول إذا ماحيّة أعيت الرقّا
و كان ذعاف الموت منه شرابها [ 308 ]

رسسنا [ 309 ] إليها في الظلام ابن ملجم
همام إذا ما الحرب شبّ لها بها

فخذها عليّ فوق رأسك ضربة
بكفّ سعيد سوف يلقى ثوابها

قال الراوي : فالتفت إليها و قال لها : أفسدت و اللّه الشعر في هذا البيت الآخر .

[ 308 ] « الذعاف » السمّ الّذي يقتل من ساعته .

[ 309 ] في ( خ ) و ( م ) : دسسنا .

[ 197 ]

قالت : و لم داك ؟

قال لها : هلاّ قلت : « بكفّ شقيّ سوف يلقى عقابها » .

قال مصنّف هذا الكتاب قدّس روحه : هذا الخبر غير صحيح ، بل إنّا كتبناه كما وجدناه . و الرواية الصحيحة أنّه بات في المسجد و معه رجلان : أحدهما شبيب بن بحيرة [ 310 ] و الآخر وردان بن مجالد ، يساعدانه على قتل عليّ عليه السلام فلمّا أذّن عليه السلام و نزل من المأذنة و جعل يسبّح اللّه و يقدّسه و يكبّره و يكثر من الصلاة على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، قال الراوي : و كان من كرم أخلاقه عليه السلام أنّه يتفقّد النائمين في المسجد و يقول للنائم : الصلاة يرحمك اللّه الصلاة ، قم إلى الصلاة المكتوبة عليك ، ثمّ يتلو عليه السلام : إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ 311 ففعل ذلك كما كان يفعله على مجاري عادته مع النائمين في المسجد ، حتّى إذا بلغ إلى الملعون فرآه نائما على وجهه قال له : يا هذا قم من نومك هذا فإنّها نومة يمقتها اللّه ، و هي نومة الشيطان و نومة أهل النار ، بل نم على يمينك فإنّها نومة العلماء أو على يسارك فإنّها نومة الحكماء و لا تنم على ظهرك فإنّها نومة الأنبياء .

قال : فتحرّك الملعون كأنّه يريد أن يقوم و هو من مكانه لا يبرح ، فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام : لقد هممت بشي‏ء تكاد السماوات يتفطّرن منه و تنشقّ الأرض و تخرّ الجبال هدّا ، و لو شئت لأنبأتك بما تحت ثيابك . ثمّ تركه و عدل عنه إلى محرابه ، و قام قائما يصلّي ، و كان عليه السلام يطيل الركوع و السجود في الصلاة كعادته في الفرائض و النوافل حاضرا قلبه . فلمّا أحسّ به فنهض الملعون مسرعا و أقبل يمشي حتّى وقف بإزاء الأسطوانة الّتي كان الامام عليه السلام يصلّي عليها ،

فأمهله حتّى صلّى الركعة الأولى و ركع و سجد السجدة الأولى منها و رفع رأسه ، فعند ذلك أخذ السيف و هزّه ، ثمّ ضربه على رأسه المكرّم الشريف ، فوقعت الضربة على

[ 310 ] في ( ت ) : بجرة .

-----------
( 311 ) العنكبوت : 45 .

[ 198 ]

الضربة الّتي ضربه عمرو بن عبدودّ العامريّ ، ثمّ أخذت الضربة إلى مفرق رأسه إلى موضع السجود ، فلمّا أحسّ الإمام بالضرب لم يتأوّه و صبر و احتسب ، و وقع علي وجهه و ليس عنده أحد قائلا : « بسم اللّه و باللّه و على ملّة رسول اللّه » ثمّ صاح و قال : « قتلني ابن ملجم ، قتلني اللعين ابن اليهوديّة و ربّ الكعبة ، أيّها النّاس لا يفوتنّكم ابن ملجم » . و سار السمّ في رأسه و بدنه و ثار جميع من في المسجد في طلب الملعون ،

و ما جوابا لسلاح فما كنت أرى إلاّ صفق الأيدي على الهامات و علوّ الصرخات ، و كان ابن ملجم ضربه ضربة خائفا مرعوبا ، ثمّ ولىّ هاربا و خرج من المسجد ، و أحاط الناس بأمير المؤمنين عليه السّلام و هو في محرابه يشدّ الضربة و يأخذ التراب و يضعه عليها . ثمّ تلا قوله تعالى : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَ فِيهَا نُعِيدُكُمْ وَ مِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى 312 ثمّ قال عليه السلام : جاء أمر اللّه و صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، ثمّ إنّه لمّا ضربه الملعون ارتجّت الأرض و ماجت البحار و السماوات ، و اصطفقت أبواب الجامع ، قال : و ضربه اللعين شبيب بن بجرة فأخطأه و وقعت الضربة في الطاق .

قال الراوي : فلمّا سمع الناس الضجّة ثار إليه كلّ من كان في المسجد ، و صاروا يدورون و لا يدرون أين يذهبون من شدّة الصدمة و الدهشة ، ثمّ أحاطوا بأمير المؤمنين عليه السّلام و هو يشدّ رأسه بمئزره ، و الدم يجري على وجهه و لحيته ، و قد خضبت بدمائه و هو يقول : « هذا ما وعد اللّه و رسوله و صدق اللّه و رسوله » .

قال الراوي : فاصطفقت أبواب الجامع ، و ضجّت الملائكة في السماء بالدعاء ،

و هبّت ريح عاصف سوداء مظلمة ، و نادى جبرئيل عليه السلام بين السماء و الأرض بصوت يسمعه كلّ مستيقظ : « تهدّمت و اللّه أركان الهدى ، و انطمست و اللّه نجوم السماء و أعلام التقى ، و انفصمت و اللّه العروة الوثقى ، قتل ابن عمّ محمّد المصطفى ،

قتل الوصيّ المجتبى ، قتل عليّ المرتضى ، قتل و اللّه سيّد الأوصياء ، قتله أشقى

-----------
( 312 ) طه : 55 .

[ 199 ]

الأشقياء » . قال : فلمّا سمعت أمّ كلثوم نعي جبرئيل فلطمت على وجهها و خدّها و شقّت جيبها و صاحت : وا أبتاه وا عليّاه وا محمّداه وا سيّداه ، ثمّ أقبلت إلى أخويها الحسن و الحسين فأيقظتهما و قالت لهما : لقد قتل أبوكما : فقاما يبكيان ، فقال لها الحسن عليه السلام : يا أختاه كفّي عن البكاء حتّى نعرف صحّة الخبر كيلا تشمت الأعداء فخرجا فإذا الناس ينوحون و ينادون : وا إماماه وا أمير المؤمنيناه ، قتل و اللّه إمام عابد مجاهد لم يسجد لصنم ، كان أشبه الناس برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فلمّا سمع الحسن و الحسين عليهما السلام صرخات الناس ناديا : وا أبتاه وا عليّاه ليت الموت أعدمنا الحياة ، فلمّا وصلا الجامع و دخلا وجدا أبا جعدة بن هبيرة و معه جماعة من الناس ، و هم يجتهدون أن يقيموا الامام في المحراب ليصلّي بالناس ، فلم يطق على النهوض و تأخّر عن الصفّ و تقدّم الحسن عليه السلام فصلّى بالناس ، و أمير المؤمنين عليه السّلام يصلّي إيماءا من جلوس ، و هو يمسح الدم عن وجهه و كريمه الشريف ، يميل تارة و يسكن أخرى ، و الحسن عليه السلام ينادي : وا انقطاع ظهراه يعزّ و اللّه عليّ أن أراك هكذا . ففتح عينه و قال : يا بنيّ لا جزع على أبيك بعد اليوم ، هذا جدّك محمّد المصطفى و جدّتك خديجة الكبرى و أمّك فاطمة الزهراء و الحور العين محدقون منتظرون قدوم أبيك ، فطب نفسا وقرّ عينا و كفّ عن البكاء فإنّ الملائكة قد ارتفعت أصواتهم إلى السماء .

قال : ثمّ إنّ الخبر شاع في جوانب الكوفة و انحشر الناس حتّى المخدّرات خرجن من خدرهنّ إلى الجامع ينظرن إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام . فدخل الناس الجامع فوجدوا الحسن و رأس أبيه في حجره ، و قد غسل الدم عنه و شدّ الضربة و هي بعدها تشخب دما ، و وجهه قد زاد بياضا بصفرة ، و هو يرمق السماء بطرفه و لسانه يسبّح اللّه و يوحّده ، و هو يقول : « أسألك يا ربّ الرفيع الأعلى » .

فأخذ الحسن عليه السلام رأسه في حجره فوجده مغشيّا عليه ، فعندها بكى بكاء شديدا و جعل يقبّل وجه أبيه و ما بين عينيه و موضع سجوده ، فسقط من دموعه قطرات على وجه أمير المؤمنين عليه السّلام ، ففتح عينيه فرآه باكيا .

[ 200 ]

فقال له : يا بنيّ يا حسن ما هذا البكاء ؟ يا بنيّ لا روع على أبيك بعد اليوم ،

هذا جدّك محمّد المصطفى و خديجة و فاطمة و الحور العين محدقون منتظرون قدوم أبيك ،

فطب نفسا و قرّ عينا ، و اكفف عن البكاء فإنّ الملائكة قد ارتفعت أصواتهم إلى السماء . يا بنيّ أتجزع على أبيك و غدا تقتل بعدي مسموما مظلوما ؟ و يقتل أخوك بالسيف هكذا ، و تلحقان بجدّكما و أبيكما و أمّكما .

فقال له الحسن عليه السلام : يا أبتاه ما تعرّفنا من قتلك و من فعل بك هذا ؟

قال : قتلني ابن اليهوديّة عبد الرحمن بن ملجم المراديّ .

فقال : يا أباه من أيّ طريق مضى ؟

قال : لا يمضي أحد في طلبه فإنّه سيطلع عليكم من هذا الباب و أشار بيده الشريفة إلى باب كندة .

قال : و لم يزل السمّ يسري في رأسه و بدنه ، ثمّ أغمي عليه ساعة و الناس ينتظرون قدوم الملعون من باب كندة ، فاشتغل الناس بالنظر إلى الباب ، و يرتقبون قدوم الملعون . و قد غصّ المسجد بالعالم ما بين باك و محزون ، فما كان إلاّ ساعة و إذا بالصيحة قد ارتفعت و زمرة من الناس و قد جاؤوا بعدوّ اللّه ابن ملجم مكتوفا ، و هذا يلعنه و هذا يضربه .

قال : فوقع الناس بعضهم على بعض ينظرون إليه ، فأقبلوا باللعين مكتوفا و هذا يلعنه و هذا يضربه ، و هم ينهشون لحمه بأسنانهم و يقولون له : يا عدوّ اللّه ما فعلت ؟ أهلكت أمّة محمّد و قتلت خير الناس ، و إنّه لصامت و بين يديه رجل يقال له حذيفة النخعيّ ، بيده سيف مشهور ، و هو يردّ الناس عن قتله ، و هو يقول : هذا قاتل الإمام عليّ عليه السلام حتّى أدخلوه المسجد .

قال الشعبيّ : كأنّي أنظر إليه و عيناه قد طارتا في أمّ رأسه كأنّهما قطعتا علق ، و قد وقعت في وجهه ضربة قد هشمت وجهه و أنفه ، و الدم يسيل على لحيته و على صدره ، و هو ينظر يمينا و شمالا و عيناه قد طارتا في أمّ رأسه ، و هو أسمر اللون حسن

[ 201 ]

الوجه ، و في وجهه أثر السجود و كان على رأسه شعر أسود منشورا على وجهه كأنّه الشيطان الرجيم ، فلمّا حاذاني سمعته يترنّم بهذه الأبيات :

أقول لنفسي بعد ما كنت أنهاها
و قد كنت أسناها و كنت أكيدها

أيا نفس كفّي عن طلابك و اصبري
و لا تطلبي همّا عليك يبيدها

فما قبلت نصحي و قد كنت ناصحا
كنصح و لو دغاب عنها وليدها

فما طلبت إلاّ عنائي و شقوتي
فياطول مكثي في الجحيم بعيدها

فلمّا جاؤوا به أوقفوه بين يدي أمير المؤمنين عليه السّلام فلمّا نظر إليه الحسن عليه السلام قال له : يا ويلك يا لعين يا عدوّ اللّه أنت قاتل أمير المؤمنين و مثكلنا إمام المسلمين هذا جزاؤه منك حيث آواك و قرّبك و أدناك و آثرك على غيرك ؟ و هل كان بئس الإمام لك حتّى جازيته هذا الجزاء يا شقيّ ؟

قال : فلم يتكلّم بل دمعت عيناه فانكبّ الحسن عليه السلام على أبيه يقبّله ، و قال له : هذا قاتلك يا أباه قد أمكن اللّه منه ، فلم يجبه و كان نائما ، فكره أن يوقظه من نومه ، ثمّ التفت إلى ابن ملجم و قال له : يا عدوّ اللّه هذا كان جزاؤه منك بوّأك و أدناك و قرّبك و حباك و فضّلك على غيرك ؟ هل كان بئس الإمام لك حتّى جازيته بهذا الجزاء يا شقيّ الأشقياء ؟

فقال له الملعون : يا أبا محمّد أفأنت تنقذ من في النار ؟

فعند ذلك ضجّت الناس بالبكاء و النحيب ، فأمرهم الحسن عليه السلام بالسكوت .

ثمّ التفت الحسن عليه السلام إلى الّذي جاء به حذيفة رضي اللّه عنه ، فقال له : كيف ظفرت بعدوّ اللّه و أين لقيته ؟

فقال : يا مولاي إنّ حديثي معه لعجيب ، و ذلك أنّي كنت البارحة نائما في داري و زوجتي إلى جانبي و هي من غطفان ، و أنا راقد و هي مستيقظة ، إذ سمعت هي الزعقة و ناعيا ينعي أمير المؤمنين عليه السّلام و هو يقول : « تهدّمت و اللّه أركان الهدى ، و انطمست و اللّه أعلام التقى ، قتل ابن عمّ محمّد المصطفى ، قتل عليّ

[ 202 ]

المرتضى ، قتله أشقى الأشقياء » .

فأيقظتني و قالت لي : أنت نائم و قد قتل إمامك عليّ بن أبي طالب ؟ فانتبهت من كلامها فزعا مرعوبا و قلت لها : يا ويلك ما هذا الكلام ،

رضّ اللّه [ 313 ] فاك ، لعلّ الشيطان قد ألقى في سمعك هذا أو حلم ألقي عليك ، يا ويلك إنّ أمير المؤمنين ليس لأحد من خلق اللّه تعالى قبله تبعة و لا ظلامة ، و إنّه لليتيم كالأب الرحيم ، و للأرملة كالزوج العطوف ، و بعد ذلك فمن ذا الّذي يقدر على قتل أمير المؤمنين و هو الأسد الضرغام و البطل الهمام و الفارس القمقام ؟

فأكثرت عليّ و قالت : إنّي سمعت ما لم تسمع و علمت ما لم تعلم .

فقلت لها : و ما سمعت ؟

فأخبرتني بالصوت فقالت لي : سمعت ناعيا ينادي بأعلى صوته « تهدّمت و اللّه أركان الهدى ، و انطمست و اللّه أعلام التقى ، قتل ابن عمّ محمّد المصطفى ، قتل عليّ المرتضي ، قتله أشقى الأشقياء » ثمّ قالت : ما أظنّ بيتا في الكوفة إلاّ و قد دخله هذا الصوت .

قال : فبينما أنا و هي في مراجعة الكلام و إذا بصيحة عظيمة و جلبة و ضجّة عظيمة و قائل يقول : « قتل أمير المؤمنين » قحسّ قلبي بالشرّ ، فمددت يدي إلي سيفي و سللته من غمده و أخذته ، و نزلت مسرعا و فتحت باب داري و خرجت ، فلمّا صرت في وسط الجادّة فنظرت يمينا و شمالا و إذا بعدوّ اللّه يجول فيها يطلب مهربا فلم يجد ، و إذا قد انسدّت الطرقات في وجهه فلمّا نظرت إليه و هو كذلك رابني أمره ، فناديته : يا ويلك من أنت ؟ و ما تريد لا أمّ لك في وسط هذا الدرب تمرّ و تجي‏ء ؟ فتسمّى بغير اسمه ،

و انتمى إلى غير كنيته .

فقلت له : من أين أقبلت ؟

قال : من منزلي .

[ 313 ] في ( خ ) : فضّ اللّه .

[ 203 ]

قلت : و إلى أين تريد تمضي في هذا الوقت ؟

قال : إلى الحيرة .

فقلت : و لم لا تقعد حتّى تصلّي مع أمير المؤمنين عليه السّلام صلاة الغداة و تمضي في حاجتك ؟

فقال : أخشى أن أقعد للصلاة فتفوتني حاجتي .

فقلت : يا ويلك إنّي سمعت صيحة و قائلا يقول : قتل أمير المؤمنين عليه السّلام فهل عندك من ذلك خبر ؟

قال : لا علم لي بذلك .

فقلت له : و لم لا تمضي معي حتّى تحقّق الخبر و تمضي في حاجتك ؟

فقال : أنا ماض في حاجتي و هي أهمّ من ذلك .

فلمّا قال لي مثل ذلك القول قلت : يا لكع الرجال حاجتك أحبّ إليك من التجسّس لأمير المؤمنين عليه السّلام و إمام المسلمين ؟ و إذا و اللّه يا لكع مالك عند اللّه من خلاق . و حملت عليه بسيفي و هممت أن أعلوبه فراغ عنّي ، فبينما أنا أخاطبه و هو يخاطبني إذهبّت ريح فكشفت إزاره ، و إذا بسيفه يلمع تحت الإزار كأنّه مرآة مصقولة فلمّا رأيت بريقه تحت ثيابه قلت : يا ويلك ، ما هذا السيف المشهور تحت ثيابك ؟ لعلّك أنت قاتل أمير المؤمنين ؟ فأراد أن يقول : « لا » ، فأنطق اللّه لسانه بالحقّ فقال :

« نعم » . فرفعت سيفي و ضربته ، فرفع هو سيفه و همّ أن يعلوني به ، فانحرفت عنه فضربته على ساقيه ، فأوقفته و وقع لحينه ، و وقعت عليه و صرخت صرخة شديدة و أردت آخذ سيفه فما نعني عنه ، فخرج أهل الحيرة فأعانوني عليه حتّى أوثقته كتافا و جئتك به ، فها هو بين يديك ، جعلني اللّه فداك فاصنع ما شئت .

فقال الحسن عليه السلام : الحمد للّه الّذي نصر وليّه و خذل عدوّه ، ثمّ انكبّ الحسن عليه السلام على أبيه يقبلّه و قال له : يا أباه هذا عدوّ اللّه و عدوّك قد أمكن اللّه منه ، فلم يجبه و كان نائما ، فكره أن يوقظه من نومه ، فرقد ساعة ثمّ فتح عليه السلام عينيه و هو يقول : ارفقوا بي يا ملائكة ربّي . فقال له الحسن

[ 204 ]

عليه السلام : هذا عدوّ اللّه و عدوّك ابن ملجم قد أمكن اللّه منه و قد حضر بين يديك .

قال : ففتح أمير المؤمنين عليه السّلام عينيه و نظر إليه و هو مكتوف و سيفه معلّق في عنقه ، فقال له بضعف و انكسار صوت و رأفة و رحمة : يا هذا لقد جئت عظيما و ارتكبت أمرا عظيما و خطبا جسيما أبئس الإمام كنت لك حتّى جازيتي بهذا الجزاء ؟ ألم أكن شفيقا عليك و آثرتك على غيرك و أحسنت إليك وزدت في إعطائك ؟ ألم يكن يقال لي فيك كذا و كذا فخلّيت لك السبيل و منحتك عطائي و قد كنت أعلم أنّك قاتلي لا محالة ؟ و لكن رجوت بذلك الاستظهار من اللّه تعالى عليك يا لكع و علّ أن ترجع عن غيّك ، فغلبت عليك الشقاؤة فقتلتني يا شقيّ الأشقياء .

قال : فدمعت عينا ابن ملجم لعنه اللّه ( تعالى ) و قال : يا أمير المؤمنين أفأنت تنقذ من في النار ؟

قال له : صدقت ، ثمّ التفت عليه السلام إلى ولده الحسن عليه السلام و قال له : ارفق يا ولدي بأسيرك و ارحمه ، و أحسن إليه و أشفق عليه ، ألا ترى إلى عينيه قد طارتا في أمّ رأسه و قلبه يرجف خوفا و رعبا و فزعا . فقال له الحسن عليه السلام : يا أباه قد قتلك هذا اللعين الفاجر و أفجعنا فيك و أنت تأمرنا بالرفق به ؟ فقال له : نعم يا بنيّ نحن أهل بيت لانزداد على المذنب إلينا إلاّ كرما و عفوا ، و الرحمة و الشفقة من شيمتنا لا من شيمته ، بحقّي عليك فأطعمه يا بنيّ ممّا تأكله ، واسقه ممّا تشرب ، و لا تقيّد له قدما ، و لا تغلّ له يدا ، فإن أنا متّ فاقتصّ منه بأن تقتله و تضربه ضربة واحدة و تحرقه بالنار ، و لا تمثّل بالرجل فإنّي سمعت جدّك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول : « إيّاكم و المثلة و لو بالكلب العقور » . و إن أنا عشت فأنا أولى بالعفو عنه ، و أنا أعلم بما أفعل به ، فإن عفوت فنحن أهل بيت لانزداد على المذنب إلينا إلاّ عفوا و كرما .

قال مخنف بن حنيف : إنّي و اللّه ليلة تسع عشرة في الجامع في رجال نصلّي

[ 205 ]

قريبا من السدّة الّتي يدخل منها أمير المؤمنين عليه السّلام فبينا نحن نصلّي إذ دخل أمير المؤمنين عليه السّلام من السدّة و هو ينادي : الصلاة ، ثمّ صعد المأذنة فأذّن ،

ثمّ نزل فعبر على قوم نيام في المسجد فناداهم : الصلاة . ثمّ قصد المحراب ، فما أدري دخل في الصلاة أم لا إذ سمعت قائلا يقول : الحكم للّه لا لك يا عليّ ، قال : فسمعت عند ذلك أمير المؤمنين عليه السّلام يقول : لا يفوتنّكم الرجل ، قال : فشدّ الناس عليه و أنا معهم ، و إذا هو وردان بن مجالد ، و أمّا ابن ملجم لعنه اللّه فإنّه هرب من ساعته و دخل الكوفة و رأينا أمير المؤمنين عليه السّلام مجروحا في رأسه .

قال محمّد بن الحنفيّة : ثمّ إنّ أبي عليه السلام قال : احملوني إلى موضع مصلاّي في منزلي ، قال : فحملناه إليه و هو مدنف و الناس حوله ، و هم في أمر عظيم باكين محزونين ، قد أشرفوا على الهلاك من شدّة البكاء و النحيب .

ثمّ التفت إليه الحسين عليه السلام و هو يبكي ، فقال له : يا أبتاه من لنا بعدك ؟ لا كيومك إلاّ يوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من أجلك تعلّمت البكاء يعزّ و اللّه عليّ أن أراك هكذا . فناداه عليه السلام فقال : يا حسين يا أبا عبد اللّه آدن منّي ، فدنا منه و قد قرحت أجفان عينيه من البكاء فمسح الدموع من عينيه و وضع يده على قلبه و قال له : يا بنيّ ربط اللّه قلبك بالصبر ، و أجزل لك و لإخوتك عظيم الأجر ، فكسّن روعتك و اهدأ من بكائك فإنّ الله قد آجرك على عظيم مصابك ، ثمّ أدخل عليه السلام إلى حجرته و جلس في محرابه .

قال الراوي : و أقبلت زينب و أمّ كلثوم حتّى جلستا معه على فراشه ، و أقبلتا تندبانه و تقولان : يا أبتاه من للصغير حتّى يكبر ؟ و من للكبير بين الملأ ؟ يا أبتاه حزننا عليك طويل ، و عبرتنا لا ترقأ [ 314 ] .

قال : فضجّ الناس من وراء الحجرة بالبكاء و النحيب ، و فاضت دموع أمير المؤمنين عليه السّلام عند ذلك ، و جعل يقلّب طرفه و ينظر إلى أهل بيته و

[ 314 ] « رقأ الدمع » جفّ و انقطع .

[ 206 ]

أولاده ، ثمّ دعا الحسن و الحسين عليهما السلام و جعل يحضّنهما و يقبّلهما ، ثمّ اغمي عليه ساعة طويلة و أفاق ، و كذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يغمى عليه ساعة طويلة و يفيق أخرى ، لأنّه صلّى اللّه عليه و آله كان مسموما ، فلمّا أفاق ناوله الحسن عليه السلام قعبا من لبن ، فشرب منه قليلا ثم نحّاه عن فيه و قال :

احملوه إلى أسيركم ، ثمّ قال للحسن عليه السلام : بحقّي عليك يا بنيّ إلاّ ما طيّبتم مطعمه و مشربه ، و ارفقوا به إلى حين موتي ، و تطعمه ممّا تأكل و تسقيه ممّا تشرب حتّى تكون أكرم منه ، فعند ذلك حملوا إليه اللبن و أخبروه بما قال أمير المؤمنين عليه السّلام في حقّه ، فأخذ اللعين و شربه .

قال : و لمّا حمل أمير المؤمنين عليه السّلام إلى منزله جاؤوا باللعين مكتوفا إلى بيت من بيوت القصر فحبسوه فيه .

فقالت له أمّ كلثوم و هي تبكي : يا ويلك أمّا أبي ، فإنّه لا بأس عليه ، و إنّ اللّه مخزيك في الدنيا و الآخرة ، و إنّ مصيرك إلى النار خالدا فيها .

فقال لها ابن ملجم لعنه اللّه : أبي إن كنت باكية ، فو اللّه لقد اشتريت سيفي هذا بألف و سممته بألف ، و لو كانت ضربتي هذه لجميع أهل الكوفة ما نجا منهم أحد . و في ذلك يقول الفرزدق :

فلا غرو للأشراف إن ظفرت بها [ 315 ]
ذئاب الأعادي من فصيح و أعجميّ

فحربة وحشيّ سقت حمزة الردى
و حتف عليّ من حسام ابن ملجم

قال محمّد بن الحنفية رضي اللّه عنه : و بتنا ليلة عشرين من شهر رمضان مع أبي و قد نزل السمّ إلى قدميه ، و كان يصلّي تلك اللّيلة من جلوس ، و لم يزل يوصينا بوصاياه و يعرّينا عن نفسه و يخبرنا بأمره و تبيانه إلى حين طلوع الفجر ، فلمّا أصبح استأذن الناس عليه ، فأذن لهم بالدخول ، فدخلوا عليه و أقبلوا يسلّمون عليه ، و هو يردّ عليهم السلام .

[ 315 ] كذا في النسخ ، و الظاهر : فلا عز للاشراف .

[ 207 ]

ثمّ قال : أيّها الناس اسألوني قبل أن تفقدوني و خفّفوا سؤالكم لمصيبة إمامكم . قال : فبكى الناس عند ذلك بكاء شديدا ، و أشفقوا أن يسألوه تخفيفا عنه ،

فقام إليه حجر بن عديّ الطائيّ و قال :

فيا أسفى على المولى التقيّ
أبو الأطهار حيدرة الزكيّ

قتله كافر حنث زنيم
لعين فاسق نغل [ 316 ] شقيّ

فيلعن ربّنا من حاد عنكم
و يبرء منكم لعنا و بيّ

لأنّكم بيوم الحشر ذخري
و أنتم عترة الهادي النّبيّ

فلمّا بصر به و سمع شعره قال له : كيف لي بك إذا دعيت إلى البراءة منّي ، فما عساك أن تقول ؟

فقال : و اللّه يا أمير المؤمنين لو قطعت بالسيف إربا إربا و أضرم لي النار و ألقيت فيها لآثرت ذلك على البراءة منك .

فقال : وفّقت لكلّ خير يا حجر ، جزاك اللّه خيرا عن أهل بيت نبيّك . ثمّ قال :

هل من شربة من لبن ؟

فأتوه بلبن في قعب ، فأخذه و شربه كلّه ، فذكر الملعون ابن ملجم و أنّه لم يخلّف له شيئا ، فقال عليه السلام : « و كان أمر اللّه قدرا مقدورا » اعلموا أنّي شربت الجميع و لم أبق لأسيركم شيئا من هذا ، ألا و إنّه آخر رزقي من الدنيا ، فباللّه عليك يا بنيّ إلاّ ما أسقيته مثل ما شربت ، فحمل إليه ذلك فشربه .

قال محمّد بن الحنفيّة رضي اللّه عنه : لمّا كانت ليلة إحدى و عشرين و أظلم الليل و هي الليلة الثانية من الكائنة جمع أبي أولاده و أهل بيته و ودّعهم ، ثمّ قال لهم : اللّه خليفتي عليكم و هو حسبي و نعم الوكيل ، و أوصاهم الجميع منهم بلزوم الإيمان و الإديان و الأحكام الّتي أوصاه بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فمن ذلك ما نقل عنه عليه السلام أنّه أوصى به الحسن و الحسين عليهما السلام لمّا ضربه

[ 316 ] « النغل » المفسد في الأرض .

[ 208 ]

الملعون ابن ملجم و هي هذه : « أوصيكما بتقوى اللّه » ، و ساقها إلى آخر ما مرّ برواية السيّد الرضيّ .

قال : ثمّ تزايد و لوج السمّ في جسده الشريف ، حتّى نظرنا إلى قديمه و قد احمرّتا جميعا ، فكبر ذلك علينا و أيسنا منه ، ثمّ أصبح ثقيلا ، فدخل الناس عليه ، فأمرهم و نهاهم و أوصاهم ، ثمّ عرضنا عليه المأكول و المشروب فأبى أن يشرب ، فنظرنا إلى شفتيه و هما يختلجان بذكر اللّه تعالى و جعل جبينه يرشح عرقا و هو يمسحه بيده قلت : يا أبت أراك تمسح جبينك .

فقال : يا بنيّ إنّي سمعت جدّك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول :

« إنّ المؤمن إذا نزل به الموت و دنت وفاته عرق جبينه و صار كاللؤلؤ الرطب و سكن أنينه » . ثمّ قال : يا أبا عبد اللّه و ياعون ثمّ نادى أولاده كلّهم بأسمائهم صغيرا و كبيرا واحدا بعد واحد ، و جعل يودّعهم و يقول : اللّه خليفتي عليكم أستودعكم اللّه و هم يبكون .

فقال له الحسن عليه السلام : يا أبه ما دعاك إلى هذا ؟

فقال له : يا بنيّ إنّي رأيت جدّك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في منامي قبل هذه الكائنة بليلة ، فكشوت إليه ما أنا فيه من التذلّل و الأذى من هذه الأمّة ،

فقال لي : ادع عليهم ، فقتل : اللّهمّ أبدلهم بي شرّا منّي و أبدلني بهم خيرا منهم ، فقال لي : قد استجاب اللّه دعاك ، سينقلك إلينا بعد ثلاث ، و قد مضت الثلاث ، يا أبا محمّد أوصيك و يا أبا عبد اللّه خيرا ، فأنتما منّي و أنا منكما . ثمّ التفت إلى أولاده الّذين من غير فاطمة عليها السلام و أوصاهم أن لا يخالفوا أولاد فاطمة يعني الحسن و الحسين عليهما السلام .

ثمّ قال : أحسن اللّه لكم العزاء ، ألا و إنّي منصرف عنكم ، و راحل في ليلتي هذه ، و لا حق بحبيبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله كما وعدني ، فإذا أنا متّ يا أبا محمّد فغسّلني و كفّنّي و حنّطني ببقيّة حنوط جدّك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فإنّه من كافور الجنّة جاء به جبرئيل

[ 209 ]

عليه السلام إليه ، ثمّ ضعني على سريري ، و لا يتقدّم أحد منكم مقدّم السرير ،

و احملوا مؤخّره و اتّبعوا مقدّمه ، فأيّ موضع وضع المقدّم فضعوا المؤخّر ، فحيث قام سريري فهو موضع قبري . ثمّ تقدّم يا أبا محمّد و صلّ عليّ يا بنيّ يا حسن و كبرّ عليّ سبعا ، و اعلم أنّه لا يحلّ ذلك على أحد غيري إلاّ على رجل يخرج في آخر الزمان اسمه القائم المهديّ ،

من ولد أخيك الحسين يقيم اعوجاج الحقّ ، فإذا أنت صلّيت عليّ يا حسن فنحّ السرير عن موضعه ، ثمّ اكشف التراب عنه فترى قبرا محفورا و لحدا مثقوبا و ساجة منقوبة ،

فأضجعني فيها ، فإذا أردت الخروج من قبري فافتقدني فإنّك لا تجدني ، و إنّي لا حق بجدّك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و اعلم يا بنيّ ما من نبيّ يموت و إن كان مدفونا بالمشرق و يموت وصيّه بالمغرب إلاّ و يجمع اللّه عزّ و جلّ بين روحيهما و جسديهما ، ثمّ يفترقان فيرجع كلّ واحد منهما إلى موضع قبره و إلى موضعه الّذي حطّ فيه . ثمّ اشرج [ 317 ] اللحد باللبن و أهلّ التراب عليّ ثمّ غيّب قبري ، و كان غرضه عليه السلام بذلك لئلاّ يعلم بموضع قبره أحد من بني اميّة ، فإنّهم لو علموا بموضع قبره لحفروه و أخرجوه و أحرقوه كما فعلوا بزيد ابن عليّ بن الحسين عليه السلام .

ثمّ يا بنيّ بعد ذلك إذا أصبح الصباح ، أخرجوا تابوتا إلى ظهر الكوفة [ 318 ] على ناقة ، و اأمر بمن يسيّرها بما عليها كأنّها تريد المدينة ، بحيث يخفى على العامّة موضع قبري الّذي تضعني فيه ، و كأنّي بكم و قد خرجت عليكم الفتن من ههنا و ههنا فعليكم بالصبر فهو محمود العاقبة .

ثمّ قال : يا أبا محمّد و يا أبا عبد اللّه كأنّي بكما و قد خرجت عليكما من بعدي الفتن من ههنا ، فاصبرا حتّى يحكم اللّه و هو خير الحاكمين . ثمّ قال : يا أبا عبد اللّه أنت شهيد هذه الأمّة ، فعليك بتقوى اللّه و الصبر على بلائه ، ثمّ أغمي عليه ساعة ،

و أفاق و قال : هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عمّي حمزة و أخي جعفر و أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كلّهم يقولون : عجّل قدومك علينا فإنّا

[ 317 ] « شرح الحجارة » نضدها و ضمّ بعضها إلى بعض .

[ 318 ] في ( خ ) و ( ت ) : ظاهر الكوفة . )

[ 210 ]

إليك مشتاقون ، ثمّ أدار عينيه في أهل بيته كلّهم و قال : أستودعكم اللّه جميعا ،

سدّدكم اللّه جميعا ، حفظكم اللّه جميعا ، خليفتي عليكم اللّه و كفى باللّه خليفة . ثمّ قال :

و عليكم السلام يا رسل ربّي ، ثمّ قال : لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ 319 إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذينَ اتَّقَوْا وَ الَّذينَ هُمْ مُحْسِنُونَ 320 . و عرق جبينه و هو يذكر اللّه كثيرا ، و ما زال يذكر اللّه كثيرا و يتشهّد الشهادتين ، ثمّ استقبل القبلة و غمض عينيه و مدّ رجليه و يديه و قال : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ، ثمّ قضى نحبه عليه السلام و كانت وفاته في ليلة إحدى و عشرين من شهر رمضان ، و كانت ليلة الجمعة سنة أربعين من الهجرة .

قال : فعند ذلك صرخت زينب بنت عليّ عليه السلام و أمّ كلثوم و جميع نسائه ، و قد شقّوا الجيوب و لطموا الخدود ، و ارتفعت الصيحة في القصر ، فعلم أهل الكوفة أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قد قبض ، فأقبل النساء و الرجال يهرعون أفواجا أفواجا ، و صاحوا صيحة عظيمة ، فارتجّت الكوفة بأهلها و كثر البكاء و النحيب ، و كثر الضجيج بالكوفة و قبائلها و دورها و جميع أقطارها ، فكان ذلك كيوم مات فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، فلمّا أظلم الليل تغيّر أفق السماء و ارتجّت الأرض و جميع من عليها بكوه و كنّا نسمع جلبة و تسبيحا في الهواء ، فعلمنا أنّها من أصوات الملائكة ، فلم يزل كذلك إلى أن طلع الفجر ، ثمّ ارتفعت الأصوات و سمعنا هاتفا بصوت يسمعه الحاضرون و لا يرون شخصه يقول :

بنفسي و مالي ثمّ أهلي و أسرتي
فداء لمن أضحى قتيل ابن ملجم

عليّ رقى فوق الخلائق في الوغى
فهدّت به أركان بيت المحرّم

عليّ أمير المؤمنين و من بكت
لمقتله البطحا و أكناف زمزم

يكاد الصفا و المشعر ان كلاهما
يهدّا و بان النقص في ماء زمزم

-----------
( 319 ) الصافّات : 61 .

-----------
( 320 ) النحل : 128 .

[ 211 ]

و أصبحت الشمس المنير ضياؤها
لقتل عليّ لونها لون دلهم [ 321 ]

و ظلّ له أفق السماء كآبة
كشقّة ثوب لونها لون عندهم [ 322 ]
و ناحت عليه الجنّ إذ فجعت به
حنينا كثكلى نوحها بترنّم

و أضحى إليها الجود و النبل مقتما [ 323 ] و كان التقى في قبره المتهدّم

و أضحى التقى و الخير و الحلم و النهى
و بات العلى في قبره المتهدّم

يكاد الصفا و المستجار كلاهما
يهدّا و بان النقص في ماء زمزم

لفقد عليّ خبر من وطى‏ء الحصى
أخا العالم الهادي النّبيّ المعظّم

فالمعنى عند ذلك أنّ السماوات و الأرض و الملائكة و الجنّ و الإنس قد بكت و رثته في تلك الليلة ، و سمعنا في الهواء جلبة عظيمة و تسبيحا و تقديسا ، فعلمنا أنّها أصوات الملائكة ، فلم تزل كذلك حتّى بدا الصباح ، فارتفعت الأصوات فخرجنا و إذا بصائح في الهواء و هو يقول :

يا للرجال لعظم هول مصيبة
قدحت فليس مصابها بالهازل

و الشمس كاسفة لفقد إمامنا
خير الخلائق و الإمام العادل

يا خير من ركب المطيّ و من مشى
فوق الثرى من حافي أو ناعل

يا سيّدي و لقد هددت قواءنا
و الحقّ أصبح خاضعا للباطل

قال محمّد بن الحنفيّة : ثم أخذنا في جهازه ليلا و كان الحسن عليه السلام يغسّله و الحسين عليه السلام يصبّ الماء عليه ، و كان عليه السلام لا يحتاج إلى من يقلّبه ، بل كان يتقلّب كما يريد الغاسل يمينا و شمالا ، و كانت رائحته أطيب من رائحة المسك و العنبر ، ثمّ نادى الحسن عليه السلام بأخته زينب و أمّ كلثوم و قال : يا أختاه هلمّي بحنوط جدّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، فبادرت زينب

[ 321 ] « الدلهم » المظلم .

[ 322 ] « العندم » خشب نبات يصبغ به .

[ 323 ] « قتم وجهه » تغيّر و اسودّ .

[ 212 ]

مسرعة حتّى أتته به . قال الراوي : فلمّا فتحته فاحت الدار و جميع الكوفة و شوارعها لشدّة رائحة ذلك الطيب ، ثمّ لفّوه بخمسة أثواب كما أمر عليه السلام ثمّ وضعوه على السرير ، و تقدّم الحسن و الحسين عليهما السلام إلى السرير من مؤخّره و إذا مقدّمه قد ارتفع و لا يرى حامله ، و كان حاملاه من مقدّمه جبرئيل و ميكائيل ، فما مرّ بشي‏ء على وجه الأرض إلاّ انحنى له ساجدا و خرج السرير من مايل باب كندة ،

فحملا مؤخّره و سارا يتّبعان مقدّمه .

قال ابن الحنفيّة رضي اللّه عنه : و اللّه لقد نظرت إلى السرير و إنّه ليمرّ بالحيطان و النخل فتنحني له خشوعا ، و مضى مستقيما إلى النجف إلى موضع قبره الآن ، قال : و ضجّت الكوفة بالبكاء و النحيب ، و خرجن النساء يتبعنه لاطمات حاسرات ، فمنعهم الحسن عليه السلام و نهاهم عن البكاء و العويل ، و ردّهنّ إلى أماكنهنّ و الحسين عليه السلام يقول : لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم ، إنّا للّه و إنّا إليه راجعون . يا أباه وا انقطاع ظهراه ، من أجلك تعلّمت البكاء ، إلى اللّه المشتكى .

فلمّا انتهيا إلى قبره و إذا مقدّم السرير قد وضع ، فوضع الحسن عليه السلام مؤخّره ثمّ قام الحسن عليه السلام و صلّى عليه و الجماعة خلفه ، فكبّر سبعا كما أمره به أبوه عليه السلام ثمّ زحزحنا سريره و كشفنا التراب و إذا نحن بقبر محفور و لحد مشقوق و ساجة منقورة مكتوب عليها : « هذا ما ادّخره له جدّه نوح النبيّ للعبد الصالح الطاهر المطهّر » . فلمّا أرادوا نزوله سمعوا هاتفا يقول : أنزلوه إلى التربة الطاهرة ، فقد اشتاق الحبيب إلى الحبيب ، فدهش الناس عند ذلك و تحيّروا ، و ألحد أمير المؤمنين عليه السّلام قبل طلوع الفجر .

قال الراوي : لمّا ألحد أمير المؤمنين عليه السّلام وقف صعصعة بن صوحان العبديّ رضي اللّه عنه على القبر ، و وضع إحدى يديه على فؤاده و الأخرى قد أخذ بها التراب و يضرب به رأسه ، ثمّ قال : بأبي أنت و أمّي يا أمير المؤمنين ، ثمّ قال : هنيئا لك يا أبا الحسن ، فلقد طاب مولدك ، و قوي صبرك ، و عظم جهادك ، و ظفرت برأيك ،

[ 213 ]

و ربحت تجارتك ، و قدمت على خالقك ، فتلقّاك اللّه ببشارته ، و حفّتك ملائكته ، و استقررت في جوار المصطفى ، فأكرمك اللّه بجواره ، و لحقت بدرجة أخيك المصطفى ، و شربت بكأسه الأوفى ، فأسأل اللّه أن يمنّ علينا باقتفائنا أثرك و العمل بسيرتك ،

و الموالاة لأوليائك ، و المعاداة لأعدائك ، و أن يحشرنا في زمرة أوليائك ، فقد نلت ما لم ينله أحد ، و أدركت ما لم يدركه أحد ، و جاهدت في سبيل ربّك بين يدي أخيك المصطفى حقّ جهاده ، و قمت بدين اللّه حقّ القيام ، حتّى أقمت السنن ، و أبرت الفتن [ 324 ] و استقام الإسلام ، و انتظم الإيمان ، فعليك منّي أفضل الصلاة و السلام ، بك اشتدّ ظهر المؤمنين ، و اتّضحت أعلام السبل ، و أقيمت السنن ، و ما جمع لأحد مناقبك و خصالك ، سبقت إلى إجابة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مقدما مؤثرا ، و سارعت إلى نصرته ، و وقيته بنفسك ، و رميت سيفك ذا الفقار في مواطن الخوف و الحذر ، قصم اللّه بك [ كلّ جبّار عنيد ، و ذلّ بك ] كلّ ذي بأس شديد و هدم بك حصون أهل الشرك و الكفر و العدوان و الردى ، و قتل بك أهل الضلال من العدى ، فهنيئا لك يا أمير المؤمنين ، كنت أقرب الناس من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قربا و أوّلهم سلما ، و أكثرهم علما و فهما ، فهنيئا لك يا أبا الحسن ، لقد شرّف اللّه مقامك و كنت أقرب الناس إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نسبا ، و أوّلهم إسلاما ، و أوفاهم يقينا ، و أشدّهم قلبا ، و أبذلهم لنفسه مجاهدا ، و أعظمهم في الخير نصيبا ، فلا حرّمنا اللّه أجرك و لا أذلّنا بعدك ، فو اللّه لقد كانت حياتك مفاتح للخير و مغالق للشرّ ، و إنّ يومك هذا مفتاح كلّ شرّ و مغلاق كلّ خير ، و لو أنّ الناس قبلوا منك لأكلوا من فوقهم و من تحت أرجلهم ، و لكنّهم آثروا الدنيا على الآخرة .

ثمّ بكى بكاء شديدا و أبكى كلّ من كان معه ، و عدلوا إلى الحسن و الحسين و محمّد و جعفر و العبّاس و يحيى و عون و عبد اللّه عليهم السلام فعزّوهم في أبيهم صلوات اللّه عليه ، و انصرف الناس ، و رجع أولاد أمير المؤمنين عليه السّلام و

[ 324 ] « أبره » أصلحه .

[ 214 ]

شيعتهم إلى الكوفة ، و لم يشعر بهم أحد من الناس ، فلمّا طلع الصباح و بزغت الشمس أخرجوا تابوتا من دار أمير المؤمنين عليه السّلام و أتوا به إلى المصلّى بظاهر الكوفة ،

ثمّ تقدّم الحسن عليه السلام و صلّى عليه ، و رفعه على ناقة و سيّرها مع بعض العبيد .

قال الراوي : فلمّا كان الغداة اجتمعوا لأجل قتل الملعون ، قال أبو مخنف :

فلمّا رجع الحسن عليه السلام دخلت عليه أمّ كلثوم و أقسمت عليه أن لا يترك الملعون في الحياة ساعة واحدة ، و كان قد عزم على تأخيره ثلاثة أيّام ، فأجابها إلي ذلك ،

و خرج لوقته و ساعته ، و جمع أهل بيته و أهل البصائر من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام الّذين كانوا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كصعصعة و الأحنف و ما أشبههما رضي اللّه عنهم و تشاوروا في قتل ابن ملجم لعنه اللّه ( تعالى ) فكلّ أشار قتله في ذلك اليوم ، و اجتمع رأيهم على قتله في المكان الّذي ضرب فيه الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام .

قال الراوي : ثمّ إنّه لمّا رجع أولاد أمير المؤمنين عليه السّلام و أصحابه إلى الكوفة و اجتمعوا لقتل اللعين عدوّ اللّه ابن ملجم فقال عبد اللّه بن جعفر : اقطعوا يديه و رجليه و لسانه و اقتلوه بعد ذلك ، و قال ابن الحنفيّة رضي اللّه عنه : اجعلوه غرضا للنشّاب و أحرقوه بالنار ، و قال آخر : اصلبوه حيّا حتّى يموت ، فقال الحسن عليه السلام : أنا ممتثل فيه ما أمرني به أمير المؤمنين عليه السّلام أضربه ضربة بالسيف حتّى يموت فيها ، و أحرقه بالنار بعد ذلك .

قال : فأمر الحسن عليه السلام أن يأتوه به ، فجاؤوا به مكتوفا حتّى أدخلوه إلى الموضع الّذي ضرب فيه الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، و الناس يلعنونه و يوبّخونه ، و هو ساكت لا يتكلّم . فقال الحسن عليه السلام : يا عدوّ اللّه قتلت أمير المؤمنين عليه السّلام و إمام المسلمين ، و أعظمت الفساد في الدين .

فقال لهما : يا حسن و يا حسين عليكما السلام ما تريدان تصنعان بي ؟

قالا له : نريد قتلك كما قتلت سيّدنا و مولانا .

[ 215 ]

فقال لهما : اصنعا ما شئتما أن تصنعا ، و لا تعنّفا من استزلّه الشيطان فصدّه عن السبيل ، و لقد زجرت نفسي فلم تنزجر و نهيتها فلم تنته فدعها تدوق و بال أمرها و لها عذاب شديد ، ثمّ بكى .

فقال له : يا ويلك ما هذه الرقّة ؟ أين كانت حين وضعت قدمك و ركبت خطيئتك ؟

فقال ابن ملجم لعنه اللّه : اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَانْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ اُؤلِئكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ 325 . و لقد انقضى التوبيخ و المعايرة ، و إنّما قتلت أباك و حصلت بين يديك ، فاصنع ما شئت و خذ بحقّك منّي كيف شئت ، ثمّ برك على ركبتيه و قال : يا ابن رسول اللّه الحمد للّه الّذي أجرى قتلي على يديك .

فرقّ له الحسن عليه السلام لأنّ قلبه كان رحيما صلّى اللّه عليه .

فقام الحسن عليه السلام و أخذ السيف بيده و جرّده من غمده فهزّبه [ 326 ] حتّى لاح الموت في حدّه ثم ضربه ضربة أدار بها عنقه فاشتدّ زحام الناس عليه ، و علت أصواتهم ، فلم يتمكّن من فتح باعه فارتفع السيف إلى باعه فأبرأه فانقلب عدوّ اللّه على قفاه يحور في دمه .

فقام الحسين عليه السلام إلى أخيه و قال : يا أخي أ ليس الأب واحدا و الأمّ واحدة ولي نصيب في هذه الضربة ولي في قتله حقّ ؟ فدعني أضربه ضربة أشقي بها بعض ما أجده .

فناوله الحسن عليه السلام السيف فأخذه و هزّه و ضربه على الضربة الّتي ضربه الحسن عليه السلام فبلغ إلى طرف أنفه ، و قطع جانبه الآخر ، و ابتدره الناس بعد ذلك بأسيافهم ، فقطعوه إربا إربا ، و عجّل اللّه بروحه إلى النار و بئس القرار ، ثمّ جمعوا جثّته و أخرجوه من المسجد ، و جمعوا له حطبا و أحرقوه بالنار ، و قيل :

-----------
( 325 ) المجادلة : 19 .

[ 326 ] أي حرّكه . و في ( خ ) و ( م ) : و ندبه .

[ 216 ]

طرحوه في حفرة و طمّوه بالتراب ، و هو يعوي كعويّ الكلاب في حفرته إلى يوم القيامة .

و أقبلوا إلى قطام الملعونة الفاسقة الفاجرة فقطعوها بالسيف إربا إربا ، و نهبوا دارها ، ثمّ أخذوها و أخرجوها إلى ظاهر الكوفة و أحرقوها بالنار ، و عجّل اللّه بروحها إلى النار و غضب الجبّار .

و أمّا الرجلان اللّذان تحالفا معه فأحدهما قتله معاوية بن أبي سفيان بالشام ،

و الآخر قتله عمرو بن العاص بمصر لا رضي اللّه عنهما . و أمّا الرجلان اللّذان كانا مع ابن ملجم بالجامع يساعدانه على قتل عليّ عليه السلام فقتلا من ليلتهما ،

لعنهما اللّه و حشرهما محشر المنافقين الظالمين في جهنّم خالدين مع السالفين .

قال أبو مخنف : فلمّا فرغوا من إهلاكهم و قتلهم أقبل الحسن و الحسين عليهما السلام إلى المنزل ، فالتفت بهم امّ كلثوم و أنشدت تقول هذه الأبيات لمّا سمعت بقتله ، و قيل : إنّها لأمّ الهيثم بنت العربان الخثعميّة ، و قيل : للأسود الدؤلي شعرا يقول :

ألا يا عين جودي و اسعدينا
ألا فابكي أمير المؤمنينا

و تبكي امّ كلثوم عليه
بعبرتها و قد رأت اليقينا

ألاقل للخوارج حيث كانوا
فلا قرّت عيون الحاسدينا

و أبكي خير من ركب المطايا
و حثّ بها و أقرى الظاعنينا

و أبكي خير من ركب المطايا
و فارسها و من ركب السفينا

و من لبس النعال و من حفاها
و من قرأ المثاني و المئينا

و من صام الهجير و قام ليلا
و ناجى اللّه خير الخالقينا

إمام صادق برّ تقيّ
فقيه قد حوى علما و دينا

شجاع أشوس بطل همام
و مقدام الأساود في العرينا [ 327 ]

[ 327 ] « العرينة » مأوى الأسد .

[ 217 ]

كميّ باسل قرم هزبر
حميّ أروع ليث بطينا [ 328 ]

فعمرو قاده في الأسر لمّا
طغا و سقى ابن ودّ منه حينا [ 329 ]

و مرحب قدّه بالسيف قدّا
و عفّرذا الخمار على الجبينا

و بات على الفراش يقي أخاه
و لم يعبأ بكيد الكافرينا

و يدعو للجماعة من عصاه
و يقضي بالفرائض مستبينا

و كلّ مناقب الخيرات فيه
و حبّ رسول ربّ العالمينا

مضى بعد النبيّ فدته نفسي
أبو حسن و خير الصالحينا

إذا استقبلت وجه أبي حسين
رأيت البدر فاق الناظرينا

و كنّا قبل مقتله بخير
نرى مولى رسول اللّه فينا

يقيم الحقّ لا يرتاب فيه
و ينهك قطع أيدي السارقينا [ 330 ]

و ليس بكاتم علما لديه
و لم‏يخلق من المتجبّرينا

أفي الشهر الحرام فجعتمونا
بخير الخلق طرّا أجمعينا

و من بعد النبيّ فخير نفس
أبو حسن و خير الصالحينا

فلو أنّا سئلنا المال فيه
بذلنا المال فيه و البنينا

كأنّ الناس إذ فقدوا عليّا
نعام جال في بلد سنينا

فلا و اللّه لا أنسى عليّا
و حسن صلاته في الراكعينا

لقد علمت قريش حيث كانت
بأنّك خيرها حسبا و دينا

ألا فابلغ معاوية بن حرب
فلا قرّت عيون الشامتينا

[ 328 ] « الكميّ و الباسل » الشجاع . « القرم » بالفتح ، السيد العظيم . « الهزبر » الأسد . « الحميّ » من لا يحتمل الضيم .

« الاروع » من يعجبك بحسنه أو شجاعته .

[ 329 ] قوله « فعمر وقاده في الأسر » إشارة إلى ما جرى بينه عليه السلام و بين عمرو بن معديكرب . و قوله « و سقى ابن ودّ » إشارة إلى قتل عمرو بن عبدود بيده .

[ 330 ] « نهكه » بالغ في عقوبته .

[ 218 ]

و قل للشامتين بنا رويدا
سيلقى الشامتون كما لقينا

قتلتم خير من ركب المطايا
و ذلّلها و من ركب السفينا

ألا فابلغ معاوية بن حرب
بأنّ بقيّة الخلفاء فينا

قال : فلم يبق أحد في المسجد إلاّ انتحب و بكى لبكائها ، و كلّ من كان حاضرا من عدوّ و صديق ، و لم أر باكية و لا باكيا أكثر من ذلك اليوم .

أقول : روى البرسيّ في مشارق الأنوار عن محدّثي أهل الكوفة أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا حمله الحسن و الحسين عليهما السلام على سريره إلى مكان البئر المختلف فيه إلى نجف الكوفة وجدوا فارسا يتضوّع منه رائحة المسك ، فسلّم عليهما ثمّ قال للحسن عليه السلام : أنت الحسن بن عليّ رضيع الوحي و التنزيل و فطيم العلم و الشرف الجليل خليفة أمير المؤمنين و سيّد الوصيّين ؟

قال : نعم .

قال : و هذا الحسين بن أمير المؤمنين و سيّد الوصيّين سبط الرحمة و رضيع العصمة و ربيب الحكمة و والد الأئمّة ؟

قال : نعم .

قال : سلّماه إليّ و امضيا في دعة اللّه .

فقال له الحسن عليه السلام : إنّه أوصى إلينا أن لا نسلّم إلاّ إلى أحد رجلين : جبرئيل أو الخضر فمن أنت منهما ؟

فكشف النقاب فإذا هو أمير المؤمنين عليه السّلام ثمّ قال للحسن عليه السلام : يا أبا محمّد إنّه لا تموت نفس إلاّ و يشهدها أفما يشهد جسده ؟ .

قال : و روي عن الحسن بن عليّ عليهما السلام أنّ أمير المؤمنين قال للحسن و الحسين عليهما السلام : إذا وضعتماني في الضريح فصلّيا ركعتين قبل أن تهيلا عليّ التراب ، و انظرا ما يكون ، فلمّا وضعاه في الضريح المقدّس فعلا ما أمرا به ، و نظرا و إذا الضريح مغطّى بثوب من سندس ، فكشف الحسن عليه السلام ممّا يلي وجه أمير المؤمنين ، فوجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و آدم و إبراهيم يتحدّثون مع

[ 219 ]

أمير المؤمنين عليه السّلام و كشف الحسين ممّا يلي رجليه فوجد الزهراء و حوّاء و مريم و آسية عليهنّ السلام ينحن على أمير المؤمنين عليه السّلام و يندبنه . [ 331 ] بيان : لم أر هذين الخبرين إلاّ من طريق البرسيّ ، و لا أعتمد على ما يتفرّد بنقله و لا أردّهما لورود الأخبار الكثيرة الدالّة على ظهورهم بعد موتهم في أجسادهم المثاليّة ، و قد مرّت في كتاب المعاد و كتاب الإمامة . 332