تبيين

قال الجوهري : قال الكسائي : « جبيت الماء في الحوض و جبوته » أي جمعته ، و « جبيت الخراج جباية و جبوته جباوة » ، و لا يهمزو أصله الهمز . و في القاموس : « جبى كسعى و رمى جبوة و جباء و جباوة و جباية » بكسرهنّ . انتهى .

و قال الكيدري : « الجبوة » بالفتح للمرّة و بالكسر للهيئة ، و النصب على البدليّة أو على أنّه مفعول له ل « ولاه » . و لعلّ المراد بالخراج هنا كلّ ما يأخذه الوالي . و « أن ينصر اللّه سبحانه بيده » كالجهاد بالسيف و ضرب من احتاج إليه في النهي عن المنكر مثلا . و « قلبه » في الاعتقادات و الانكار القلبي اللاّتي بالمنكرات و العزم على إجراء الأحكام و العبادات . و تكفّله سبحانه بقوله : وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ

[ 248 ]

يَنْصُرُهُ 351 و أمثالها . و « الكسر من النفس » كناية عن كفّها عن بعض ما تشتهيه .

و قال الجوهري : « و زعته أزعه » كففته ، « فاتّزع هو » أي كفّ و قال :

« جمح الفرس » إذا اعتزّ فارسه و غلبه . و الجموح من الرجال الّذي يركب هواه ، فلا يمكن ردّه . و « جمح » أي أسرع . قال أبو عبيدة في قوله تعالى : لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَ هُمْ يَجْمَحُونَ 352 أي يسرعون .

و قال : « الدولة » بالفتح ، في الحرب يقال : كانت لنا عليهم الدولة و بالضمّ ،

المال ، يقال : صار الفي‏ء دولة بينهم يتداولونه . يكون مرّة لهذا و مرّة لهذا . و الجمع « دولات و دول » ، و قال بعضهم : كلتاهما تكون في الحرب و المال . قوله عليه السلام « أنّ النّاس ينظرون » أي كما كنت تمدح قوما من الولاة و تذمّ قوما كذلك ، من يسع أخبارك يمدحك بأفعالك الحسنة و يذمّك بأعمالك القبيحة ، فاحذر أن تكون ممّن عاب و يذمّ ذخيرة العمل الصالح . في بعض النسخ برفع « ذخيرة » و الإضافة و في بعضها بالنصب على التمييز و رفع « العمل » و « صالح » . « فيما أحببت و كرهت » أي عند الشهوة و الغضب ، أو في الأفعال و التروك . و « أشعر قلبك الرحمة » أي اجعلها شعاره ، « و اللطف بهم » في بعض النسخ بالتحريك و هو الاسم من « لطف كنصر لطفا » بالضمّ إذا رفق و دنا . و قال الجوهري : « ضرى الكلب بالصيد ضراوة » أي تعوّد ، و كلب ضار كلبة ضارية . و « أضراه صاحبه » أي عوّده و أضراه أيضا أي أعزاه . « إمّا نظير لك » أي انسان مثلك . « يفرط منهم الزلل » أي ليسوا معصومين ، يقال : « فرط إليه منه قول » أي سبق . و « العلل » الأمراض المعنويّة أو أسباب المعاصي و دواعيها . قوله عليه السلام « و يؤتى على أيديهم » ، قال ابن أبي الحديد : هذا مثل قولك « يؤخذ على أيديهم » أي يؤدّبون و يمنعون . يقال : « خذ على يد هذا السفيه » و « قد حجر الحاكم على فلان و أخذ على يده » . 353 و قال ابن ميثم :

-----------
( 351 ) الحج : 40 .

-----------
( 352 ) التوبة : 57 .

-----------
( 353 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 17 ، ص 33 ، ط بيروت .

[ 249 ]

كناية عن كونهم غير معصومين بل هم ممّن يؤتون من قبل العمد و الخطأ ، و تأتي على أيديهم أوامر الولاة و المؤاخذات فيما يقع منهم من عمد أو خطأ . انتهى . 354 و أقول : في بعض النسخ بصيغة الخطاب و في بعضها بصيغة الغيبة . فعلى الأوّل يحتمل أن يكون الغرض بيان احتياجه إليهم و تضرّره من ناحيتهم ، أي تهلك بسبب ما يجري على أيديهم عملأ أو خطأ من قولهم : « أتى عليه الدهر » أي أهلكه ، و قولهم : « أتى من جهة كذا » إذا أتاه الضرر من تلك الجهة ، و على الثاني ، الظرف قائم مقام الفاعل . أي يهلك الحكّام و الولاة أيديهم ، كناية عن منعهم عن التصرّفات و مؤاخذاتهم بما عملته أيديهم ،

فيرجع إلى بعض ما مرّ . و يمكن أن يكون القائم مقام الفاعل الضمير الراجع إلى الوالي بقرينة المقام فيؤول إلى ما أفادته النسخة الأخرى . أو المعنى أنّهم ربّما صدر منهم بعض القبائح بإضلال غيرهم ، فكأنّه جرى فعل المضلّ بأيديهم فهم مستحقّون للصفح عنهم .

« و قد استكفاك » الضمير المرفوع راجع إلى اللّه أو إلى الموصول في « من ولاّك » أي طلب منك كفاية أمورهم و امتحنك بهم . و « نصب النفس لحرب اللّه » كناية عن مبارزته بالمعاصي . قوله عليه السلام « لا يدي لك » ، قال ابن أبي الحديد : اللاّم مقمحة و المراد الإضافة و نحوه قولهم : « لا أبا لك » . 355 و قال ابن ميثم : و حذف النون لمضارعته المضاف ، و قيل : لكثرة الاستعمال . 356 و قال في النهاية فيه : « أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم » أي لا قدرة و لا طاقة ، يقال : مالي بهذا الأمر يد و لا يدان لأنّ المباشرة و الدفاع إنّما يكون باليد ، فكانت يديه معدومتان لعجزه عن دفعه . و في بعض النسخ « لا يد الك » .

و قال الجوهري : « البجح » الفرح . و قال : « البادرة » الحدة ، و « بدرت منه

-----------
( 354 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 142 .

-----------
( 355 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 17 ، ص 33 ، ط بيروت .

-----------
( 356 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 142 .

[ 250 ]

بوادر غضب » أي خطأ و سقطات عند ما احتدّ و « البادرة » البديهة . و « المندوحة » السعة . و « التأمير » تولية الإمارة ، يقال : هو أمير مؤمّر . و « الإدغال » إدخال الفساد . و « منهكة » أي ضعف و سقم .

و قال الجزري فيه : « من يكفر اللّه يلقى الغير » أي تغيّر الحال و انتقالها عن الصلاح إلى الفساد . و « الغير » الاسم من قولك : « غيّرت الشي‏ء فتغيّر . » و قال :

« الأبّهة » العظمة . و « المخيلة » الكبر .

و قال الفيروزآبادي : « طامن الأمر » سكن . و قال : « الطماح » ككتاب النشوز و الجماح . و « اليك » متعلّق ب « طامن » على تضمين معنى القبض أو الجذب و « من » للتبعيض .

و قال الكيدري : ضمن « يطامن » معنى يرد ، فلذا عدّاه ب « إلى » أي يرد إليك سورة غضبك و اعتلائك و لا يخليها تتجاوز عنك إلى غيرك . و قيل : إنّ « إلى » يتعلّق ب « طماحك » ، و هو من قولهم : « طمح بصره إلى الشي‏ء » أي ارتفع ، أى يسكن ذلك بعض نظرك نفسك بعين العجب و الكبريآء . و « الغرب » بالفتح ، الحدة و بالكسر ،

البعد . و « يفي‏ء إليك » أي يرجع إليك بما بعد عنك من عقلك . و « المساماة » مفاعلة من « السمى » و هو العلوّ .

« أنصف اللّه » أي بالقيام بما فرض عليك . و أنصف الناس بالقيام بحقوقهم و معاملتهم بالعدل . « دون عباده » أي فقط ، أو كان اللّه هو الحقيق بأن يسمّى خصما ،

فإنّ مخاصمة العباد مضمحلّة في جنب مخاصمته و انتقامه . و قال الجوهري : « دحضت حجّته دحوضا » بطلت و أدحضه اللّه . و قال : « أنا حرب لمن حاربني » أي عدوّ . و قال : « نزع عن الأمور نزوعا » انتهى عنها .

أقول : يحتمل أن يكون أداء حقوق الناس إليهم من التوبة ، أو يكون نزوعه عبارة عن أداء حقوقهم و توبته عن ندمه ، فإنّه مادام حابسا لحقوقهم ظالم ، فلم يكن تاركا للظلم منتهيا عنه . و « المرصاد » الطريق و الموضع يرصد فيه العدوّ .

و قال في النهاية : كلّ خصلة محمودة فلها طرفان مذمومان ، فهي بين الطرفين . و

[ 251 ]

فيه : « الوالد أوسط أبواب الجنّة » أي خيرها .

قوله عليه السلام « لرضى الرعيّة » أي العامّة . « يجحف برضى الخاصّة » أي يبطله و لا يجدى نفعا عند سخط العامّة ، من قولهم : « أجحف به » أي ذهب به .

و لعلّ المراد بالعامّة أعيان أهل البلد و ذوو المروّة منهم و من يلازم الوالي و صار كالصديق له . « يغتفر » أي يستر و لا يضرّ عند رضا العامّة . « أثقل على الوالي مؤونة » لسؤال المطالب و الشفاعات . و « أقلّ معونة له في البلآء » كوقت الحاجة و عند العزل و النكبة لعدم حصول متمنّياتهم . و « ألحف السائل » ألحّ . و « أقلّ شكرا عند الإعطاء » لاعتقادهم زيادة فضلهم على العامّة . و « أبطأ عذرا عند المنع » أي إن منعهم الوالي و لم يعطهم ، لم يقبلوا منه عذرا . و « ملمّات الدهر » نوازله و مصائبه . « من أهل الخاصّة » متعلّق ب « أثقل » و ما عطف عليه . و « جماع الشي‏ء » مجمعه و مظنّته .

و قال الجوهري : يقال : « صغو معك و صغوه معك و صغاه معك » أي ميلة في بعض النسخ بالفاء أي خالص ودّك .

و « الشناءة » مثل الشناعة ، البغض . و « إطلاق عقدة الحقد » إخراجه من القلب ، أي لا تحقد على أحد . فتكون الجملة التالية كالتفسير لها . و يحتمل أن يكون المراد إخراج الحقد على نفسه عن قلوب الناس بحسن الخلق أو حقد بعضهم على بعض بالموعظة و نحوها ، فتكون الجملة التالية مؤسّسة . و قال في النهاية . « السبب » في الأصل الحبل ثمّ استعير لكلّ ما يتوصّل به إلى شي‏ء . و في الصحاح : « الوتر » بالكسر ، الفرد و بالفتح ، الذحل أي الحقد و العداوة . هذه لغة أهل العالية ، فأمّا لغة أهل الحجاز فبالضدّ منهم . و أمّا تميم فبالكسر فيهما . و قال : « تغابى » تغافل ، أي لا تتعرّض لأمر لم يتّضح لك من أمورهم الّتي توجب حدّا أو تعزيرا أو عتابا و تعييرا . و « الساعي » من يسعى إلى الوالي بذمّ الناس و جرائمهم . و « الباء » في « يعدل بك » للتعدية . و « الفضل » الإحسان . و « يعدك الفقر » أي يخوفك منه ، إشارة إلى قوله تعالى : الشَّيْطَان يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ 357 . و قوله « بالجور » متعلّق ب « الشره » ، فالجور جور المأمور أو

-----------
( 357 ) البقرة : 268 .

[ 252 ]

ب « التزيين » فالمراد جور الآمر . و « الشره » غلبة الحرص . و « الجور » الميل عن القصد .

« يجمعها سوء الظنّ » أي هو ملزومها أو معنى مشترك بينها .

و « بطانة » الرجل بالكسر ، صاحب سرّه و محلّ مشورته . و « الواو » في قوله « و أنت واجد » يحتمل العطف و الحاليّة . و « منهم » متعلّق باسم التفضيل مقدّم عليه . و « ممّن » بيان ل « خير الخلف » . و يقال : « رجل نافذ في أمره » أي ماض . و « الآصار » جمع الإصر بالكسر و هو الذنب و الثقل . و « الحنو » و « العطف » الشفقة . و « حفلاتك » أي مجامعك . و « محفل القوم » مجتمعهم . و قوله عليه السلام « واقعا » منصوب على الحاليّة ، أي في حال وقوع ذلك القول منه و النصيحة و قلّة المساعدة حيث وقع من هواك سواء كان في هوى عظيم أو حقير . أو حيث وقع هواك ، أى سواء كان ما تهواه عظيما أو ليس بعظيم . و يحتمل أن يريد واقعا ذلك الناصح من هواك و محبّتك حيث وقع أي يجب أن يكون له من هواك موقعا ، كذا ذكره ابن ميثم . و قيل : يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى ما يكون منك ، أي سواء كان ذلك الفعل الصادر عنك ممّا تهواه هوى عظيما أم لا . و الأظهر أنّ المعنى أنّ الناصح يقول و ينصح و يمنع سواء كان علمه موافقا لهواك و رضاك أم لا . فقوله « حيث وقع » أي من الموافقة و المخالفة . و « الصق » على بناء المجرّد و في بعض النسخ على بناء الإفعال أي « ألصق نفسك بهم » و على التقديرين المعنى : اجعلهم خاصّتك و خلصائك . « ثمّ رضهم » أي ربّهم و عوّدهم أن لا يمدحوك في وجهك . و قال الجوهري : « البجح » الفرح . و « بجّحته أنا تبجيحا فتبجّح » أي أفرحته ففرح . و التوصيف بقوله « لم تفعله » ليس للتخصيص ، بل المعنى : لا يفرحون بمدحك بما لم تفعله فإنّه باطل ، كما قال سبحانه : وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا 358 . و « الزهو » الكبر و الفخر . و « العزّة » بالعين المهملة و الزاي ، بمعنى القوّة و الغلبة و الشدّة ، أي يفرّ بك إلى أن يقوى الشيطان نفسك الأمّارة و يغلبا عليك ، أو إلى أن يقسو قليلا فتغلب الرعيّة و تظلمهم . و في بعض النسخ بالعين

-----------
( 358 ) آل عمران : 188 .

[ 253 ]

المعجمة و الرآء المهملة ، أي الغفلة عن الحقّ و الإغترار بالباطل . و « التزهيد » خلاف الترغيب . و « التدريب » التعويد . و « ألزم كلاّ منهم » أي فجاز المحسن بالإحسان و المسي‏ء بالإساءة . و « النصب » التعب و هو هنا اغتمامه حذرا من أن يصيبه منهم مكروه أو لا يطيعوه . و « البلآء » يطلق على الخير و الشرّ ، كما قال تعالى : و نَبْلُوكُمْ بِالْخَيْرِ وَ الشَّرِّ فِتْنَةً 359 . و المراد هنا بالأوّل الأوّل و بالثاني الثاني .

و قال الجوهري : « صدر كلّ شي‏ء » أوّله . و « الصلاح » ضدّ الفساد و الفعل كدخل و حسن . و « المنافثة » المحادثة . و في الحديث : « إنّ الروح الأمين نفث في روعي » . و في بعض النسخ « مثافنة الحكماء » بتقديم المثلّثة على النون ، و هي المعاونة . و قال الراوندي رحمه اللّه : اشتقاقه من « ثفنة البعير » و هي ما يقع على الأرض من أعضائه اذا يستنيخ كأنّك ألصقت ثفنة ركبتك بثفنة ركبته .

قوله عليه السلام « من أهل الذمّة » قال ابن ميثم : لفّ و نشر . و يحتمل أن يكون بيانا لأهل الخراج ، فإنّ للإمام أن يقبل أرض الخراج من سائر المسلمين و أهل الذمّة . 360 و « التجّار » بالضمّ و التشديد و بالكسر و التخفيف ، جمع « تاجر » . و « الصناعة » بالكسر ، حرفة الصانع . و الضميران في « حدّه و فريضته » إمّا راجعان إلى « اللّه » أو إلى « كلّ » . و المراد بالعهد الحكم الخاصّ بكلّ منهم .

و « قوام الشي‏ء » بالكسر ، ما يقوم به و ينتظم به أمره . قوله عليه السلام « و يكون من وراء حاجتهم » أي فيما يحتاجون إليه . و « الوراء » إمّا بمعنى الخلف كأنّه ظهر لحاجتهم و محلّ لاعتمادهم أو بمعنى القدام ، كما قيل في قوله تعالى : وَ كَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ 361 فكأنّه يسعى بين يدي حاجتهم لكفاية أمورهم ، و الأوّل أظهر . و « يحكمون » بصيغة الإفعال . قوله عليه السلام « من مرافقهم » أي مرافق الرعيّة

-----------
( 359 ) الأنبياء : 35 .

-----------
( 360 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 158 .

-----------
( 361 ) الكهف : 79 .

[ 254 ]

أو التجّار و ذوي الصناعات أي المرافق الحاصلة بهم . و كذلك الضمير في « أسواقهم » و المرفوع في « يكفونهم » راجع إلى « التجّار » و ما عطف عليه ، و كذا ضميرا « بأيديهم و غيرهم » .

قال الجوهري : « المرفق » من الأمر هو ما ارتفقت به و انتفعت به . و قال : « حقّ الشي‏ء يحقّ » أي وجب ، و قال : « الرفد » العطاء و الصلة . قوله عليه السلام « و في اللّه » أي في جوده و عنايته ، فليعتمدوا على اللّه في تدبير أمورهم أو في حكمه و شريعته و ما قرّر لكلّ منهم في كتابه و سنّة نبيّه . « بقدر ما يصلحه » الضمير راجع إلى الكلّ ، و قيل : إلى الوالي و هو بعيد . « فولّ من جنودك » أي اجعل الوالي على جندك من كان كذلك . « أنقاهم جيبا » أي أطهرهم جيبا ، أي عفيفا أمينا ، و يكنّى عن العفّة و الأمانة بطهارة الجيب لأنّ الّذي يسرق يجعل المسروق في جيبه ، و هذه الوصيّة في ولاة الجيش لأجل الغنائم . كذا ذكره ابن أبي الحديد . و قال ابن ميثم : « ناصح الجيب » كناية عن الأمين . 362 و لعلّه لم يكن في نسخته لفظ « أنقاهم » . و قال الجوهري :

« رجل ناصح الجيب » أمين . و يحتمل أن يكون المراد بطهارة جيبه أو نصحه كونه محبّا للإمام عليه السلام غير مبطن لعداوة أو نفاق . و « يستريح إلى العذر » أي يسكن عند العذر و يميل إليه فيقبله . و يحتمل أن يكون من قولهم « عذرته عذرا فيما صنع » فالعذر بمعنى قبول العذر . و « ينبو على الأقوياء » كذا في اكثر النسخ المصحّحة أي يعلو على الأقوياء و يدفع ظلمهم عن الضعفاء ، من « النباوة » و هي الأرض المرتفعة . و في بعض النسخ « عن الأقوياء » أي يتجافى و يبعد عنهم و لا يميل إليهم ، من قولهم : « نبا بصره عن الشي‏ء » إذا تجافى عنه . « و ممّن لا يثيره » عطف على قوله « ممّن يبطي‏ء » أي لا يكون له عنف فيثيره ، و لو كان له عنف بمقتضى طبعه يطفيه بعقله أو أنّه لو عنف به أحد تحلّم و صبر .

و لعلّ المراد ب « الالصاق بذوي الأحساب » تفويض الولايات و الأمور إليهم

-----------
( 362 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 160 .

[ 255 ]

أو تفقّد أحوالهم و تربيتهم و حفظهم عن الضياع . و « الحسب » بالتحريك ما يعدّ من المآثر ، و قيل : الشرف الثابت له و لآبائه . و « السوابق » الفضائل الّتي يسبق بها . و قال الجوهري : « النجدة » الشجاعة ، و « لاقى فلان نجدة » أي شدّة . و « السماحة » بالفتح موافقة الرجل على [ ما ] أريد منه ، أو الجود و العطاء . « فإنّهم جماع من الكرم » أي مجمع من مجامع الكرم ، أو تلك الصفات من الصفات الجامعة من جملة صفات الكرم . و في إتيان ضمير ذوي العقول تجوّز ، كقوله « فإنّهم عدوّ لي إلاّ ربّ العالمين » . و قال ابن أبي الحديد : أي مجمع الكرم و منه الحديث : « الخمر جماع الإثم » . و « من » ههنا زائدة و إن كان في الإيجاب على مذهب الأخفش . و « شعب من العرف » أي شعب العرف أقسامه و أجزاؤه ، أو من المعروف لأنّ غيرها أيضا من الكرم و المعروف نحو العدل و الفقه . « ثمّ تفقّد من أمورهم » أي أمور الجنود ، أو ذوي الأحساب و من بعده ،

أو الرعيّة مطلقا . و « التفقّد للشي‏ء » عند غيبته . و قال الجوهري : « تفاقم الأمر » عظم ،

و التآء في « داعية » للمبالغة ، « اتّكالا على جسيمها » أي اعتمادا على تفقّد عظيمها .

و « من واساهم » أي الجنود ، « من جدته » أي غناه ، و « من خلوف أهليهم » أي من يخلفونه من أولادهم و أهليهم . « إلاّ بحيطتهم » في أكثر النسخ المصحّحة بفتح الحآء و تشديد اليآء ، و ليس موجودا فيما ظفرنا به من كتب اللغة بل فيها « الحيطة » بكسر الحآء و سكون الياء كما في بعض النسخ قال الجوهري : « الحيطة » بالكسر ،

الحياطة و هما من الواو : « و قد حاطه يحوطه حوطا و حياطة و حيطة » أي كلاه و دعاه . و « مع فلان حيطة لك » أي تحنّن و تعطّف . و قال ابن أبي الحديد : و أكثر الناس يروونها بتشديد اليآء و كسرها ، و الصحيح بكسر الحآء و تخفيف اليآء . و « قلّة استثقال دولهم » أي بأن كانوا راضين بدولتهم و لا يعدّوها ثقيلا و لا يتمنّوا زوالها . و « الاستبطاء » عدّ الشي‏ء بطيئا . و « واصل في حسن الثناء عليهم » أي كرّره حتّى كأنّك وصلته بعضه ببعض ، أو واصلهم و تحبّب إليهم بذلك و في بعض النسخ « من حسن » . و « تعديد البلآء » كثرة إظهاره . و قال في النهاية فيه : أن يؤتى هذا من « لا يبلي بلائي » أي لا يعمل مثل عملي في الحرب ، كأنّه يريد « أفعل فعلا أختبر فيه و

[ 256 ]

يظهر خيري و شرّي » . و « الهزّ » التحريك . و « التحريض » الترغيب .

« ثمّ اعرف » أي اعلم مقدار بلآء كلّ امرئ منهم و جازه بذلك المقدار . « و لا تقصّرنّ به دون غاية بلائه » أي بأن تذكر بعضه أو تحقره و لا تجازيه بحسبه .

« ما يضلعك » في بعض النسخ بالضاد و في بعضها بالطآء و في النهاية فيه :

« أعوذ بك من ضلع الدين » أي ثقله ، و « الضلع » الاعوجاج أي يثقله حتّى يميل صاحبه عن الاستوآء و الاعتدال . يقال : « ضلع بالكسر ضلعا بالتحريك و ضلع بالفتح يضلع ضلعا بالتسكين » أي مال . و من الأوّل حديث عليّ عليه السلام :

« واردد إلى اللّه و رسوله ما يضلعك من الخطوب » أي يثقلك . و قال في الظآء :

« الظلع » بالسكون ، العرج ، و « ظلعوا » أي تأخّروا و انقطعوا لتقصيرهم . و « أخاف ظلعهم » بفتح اللام أي ميلهم عن الحقّ و ضعف إيمانهم ، و قيل : ذنوبهم . و أصله داء في قوائم الدابّة يغمز منها . و « رجل ظالع » أي مائل ، و قيل : إنّ المائل بالضاد . و قال ابن أبي الحديد : الرواية الصحيحة بالضاد و إن كان للرواية بالظآء وجه . « بسنّته الجامعة » أي التي تصير أهواءهم و نيّاتهم بالأخذ بها واحدة و لا يتفرّقون عن طاعة اللّه و عبادته .

« ثمّ اختر » هو وصيّته في نصب القضاة . « في نفسك » أي اعتقادك . و « الباء » في « تضيق به » للتعدية . و « لا تمحكه الخصوم » كذا في النسخ المعتبرة على صيغة المجرّد إمّا باليآء أو بالتآء ، و الّذي يظهر من كلام أهل اللغة هو أنّ « محك » لازم و الّذي رواه ابن الأثير في النهاية هو « يمحكه » بضمّ الياء من باب الإفعال ، قال : في حديث عليّ عليه السلام « لا تضيق به الأمور و لا تمحكه الحضوم » ، « المحك » اللجاج و قد محك يمحك و أمحكه غيره . انتهى . و في بعض النسخ « يمحّكه » على بناء التفعيل . قال ابن ميثم : « ممّن لا يمحّكه الخصوم » أي يغلبه على الحقّ باللجاج ،

و قيل : ذلك كناية عمّن يرتضيه الخصوم فلا يلاجّه و يقبل باوّل قوله . « و لا يتمادى في الزلّة » أي لا يستمرّ في الخطاب بل يرجع بعد ظهور الحقّ . و قال الجوهري : « الحصر » العيّ ، يقال : « حصر الرجل يحصر حصرا مثل تعب تعبا » . و « الحصر » أيضا ضيق

[ 257 ]

الصدر ، يقال : حصرت صدورهم . و كلّ من امتنع من شي‏ء لم يقدر عليه فقد حصر عنه .

و « حصرت الرجل » فهو محصور أى حبسته ، و « حصره العدوّ يحصرونه » إذا ضيّقوا عليه . انتهى . و المعنى : لا يضيق صدره و لا يشكل عليه الرجوع إلى الحقّ بعد معرفته أولا يحبس نفسه عنه . و « التبرّم » التضجّر و الملال ، أي لا يملّ من معاودة الكلام رجاء ظهور الحقّ . و « أصرمهم » أقطعهم و أمضاهم . و قال الجوهري :

« زهاه و ازدهاه » استخفّه و تهاون به . و منه قولهم : « فلان لا يزدهي بخديعة » . و « الإطراء » المدح . و « الإغراء » التحريض . « ثمّ أكثر تعاهد قضائه » أي ابحث و استخبر ما يقضى و يحكم به هل هو موافق للحقّ . ثمّ أمره بأن يفرض له عطاء واسعا يملأ عينه و يتعفّف به عن الرشوة . و قال الجوهري : « زاح الشي‏ء يزيح زيحا » [ 363 ] أي بعد و ذهب ، و أزحت علّته فزاحت . و قال ابن ميثم : ما في قوله « ما يزيح علّته » يحتمل أن يكون بدلا من « البذل » ، و أن يكون مفعولا لفعل محذوف دلّ عليه « البذل » أي فتبذل له ما يزيح علّته ، و أن يكون مفعولا ل « افسح » أي وسع له ما يكفيه من المال أو في معنى مصدر « افسح » أي « افسح له فسحا يزيل علّته » . انتهى . 364 و « الاغتيال » في الأصل أن تقتل رجلا خدعة ، و ههنا كناية عن ذمّ الناس له و تقبيح ذكره عند الوالي حتّى ينحرف عنه . « قد كان أسيرا » أي في زمن من تقدّم من الخلفاء .

و « العمّال » هم المنصوبون لجباية الخراج و الجزية و الصدقات « فاستعملهم اختيارا » في بعض النسخ بالمثنّاة [ 365 ] أي انصب من عمّالك من كان مختارا عندك . و « الاختيار » الاصطفاء أو من تختاره بعد التأمّل و التفكّر . و في بعضهما بالموحّدة [ 366 ] و [ 367 ] امتحانك لهم . و قال الجوهري : « حباه يحبوه » أي أعطاه . و قال ابن أبي الحديد :

[ 363 ] هكذا في البحار .

-----------
( 364 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 164 .

[ 365 ] يعني « اختبارا » .

[ 366 ] يعني « اختيارا » .

[ 367 ] في معتقدي أنّ الواو هنا ليست بصحيحة و الصواب أن يكون « أي » ( المصحّح ) .

[ 258 ]

أي لا تولّهم محاباة لهم أو لمن يشفع لهم . و لا « أثرة » و إنعاما عليهم . 368 و قال في القاموس : « حاباه محاباة و حباء » نصره و اختصّه و مال اليه . « فإنّهما » أي المحاباة و الأثرة كما هو مصرّح به في بعض النسخ بدل الضمير و في بعض النسخ « فإنّهم » . و « التوخّي » التحرّي و القصد ، قاله الجوهري و قال : و « القدم » واحد الأقدام ، و « القدم السابقة في الأمر » يقال : « لفلان قدم صدق » أي أثرة حسنة . و قال الفيروزآباديّ : فالقدم بمعنى الرجل مؤنّثة و قول الجوهري « واحد الأقدام » سهو ، صوابه « واحدة » . و قال في النهاية : « الأعراض » جمع « العرض » و هو موضع المدح و الذّم من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره ، و قيل : هو جانبه الّذي يصونه من نفسه و حسبه و يحامي عنه أن ينتقص أو يثلب . و قال ابن قتيبة :

« عرض الرجل » نفسه و بدنه لا غير . و قال ابن أبي الحديد : « الإشراف » [ 369 ] شدّة الحرص على الشي‏ء 370 ما تحت أيديهم ، أي من أموال المسلمين ممّا أمروا بجبايتها .

« أو ثلموا أمانتك » كناية عن الخيانة . و « الثلمة » الخلل في الحائط و غيره . و « ابعث العيون » أي من يراقبهم و يطّلع عليهم . و « العين » الجاسوس و الديدبان . « حدوة لهم » أي باعث و محرض لهم . و « الحدو » في الأصل سوق الإبل و الغناء لها . و « تحفّظ من الأعوان » أي من خيانة أعوان الولاة أو أعوانك في ذكر أحوال العمّال بأغراضهم الفاسدة ، أو الأعوان هم الحاضرون عنده الّذين يبعثهم إلى المواضع القريبة . و ضمير « بها » راجع إلى الخيانة . و « اكتفيت » جزاء الشرط . و « أخذه بما أصاب من عمله » استعادة ما أخذه خيانة . و قال الجوهري : « وسمته وسما و سمة » إذا أثرت فيه بسمة و كيّ ، و الهاء عوض عن الواو . و « قلّدته عار التهمة » أي جعلت العار كالقلادة في عنقه .

« لأنّ ذلك » أي الخراج أو استجلابه . « فإن شكوا ثقلا » أي ثقل الخراج

-----------
( 368 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 17 ، ص 69 ، ط بيروت .

[ 369 ] هكذا روي في البحار .

-----------
( 370 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 17 ، ص 70 ، ط بيروت .

[ 259 ]

المضروب عليهم أو ثقل و طاءة العامل . « أو علّة » كالجواد و البرد و نحوهما . و « الشرب » بالكسر ، الحظّ من الماء . و قال الجوهري و الجزري : يقال : « لا بتلك عندي بالّة » أي لا يصيبك منّي ندى و لا خير . و قال ابن ميثم : « البالّة » القليل من الماء يبلّ به الأرض . و قال : « أحالت الأرض » تغيّرت عمّا كانت عليه من الإستواء فلا تبحّت زرعها و لا أثمرت نخلها . 371 و قال ابن أبي الحديد : « أو بالّة » يعني المطر . 372 و قال في النهاية :

« حالت الناقة و أحالت » حملت عاما و لم تحمل عاما ، و قال : في الحديث « إنّه جعل على كلّ جريب عامر أو غامر درهما و قفيز الغامر ما لم يزرع ممّا يحتمل الزراعة من الأرض » سمّي « غامرا » لأنّ الماء يغمره . فهو و العامر فاعل بمعنى مفعول . انتهى . و « أجحف به » أي ذهب به ، و المعنى : أتلفها عطش بأن لا يكفيها الماء الموجود في الشرب أو لتقصير أو مانع . « حسن نيّاتهم » أي ثناء باطنهم و ميلهم بالقلوب و في بعض النسخ « ثنائهم » . و « استفاضة العدل » انتشاره . و قوله « معتمدا » حال من ضمير خففت أي قاصدا . و « الإجمام » الترفيه . و قوله « الثقة » النسخ متّفقة على جرّها فيكون معطوفا على « قوّتهم » أو « إجمامك » . و قال ابن ميثم : « فضل » نصب بالمفعول من « معتمدا » و « الثقة » معطوف على المفعول المذكور ، و لعلّه قرأ بالنصب . « فربّما حدث من الأمور » كاحتياجك إلى مساعدة مال يقسطونه عليهم قرضا لك أو معونة محضة . و « الإعواز » الفقر على الجمع أي جمع المال لأنفسهم أو للسلطان . و « سوء ظنّهم بالبقاء » أي بالبقاء على العمل لخوف العزل ، أو يظنّون طول البقاء و ينسون الموت و الزوال . و في النهاية : « العبر » جمع عبرة ، و هي كالموعظة ممّا يتّعظ به الإنسان و يعمل به و يعتبر ليستدلّ به على غيره .

« فولّ على أمورك » لعلّ المراد بها ما يكون لها نهاية الاختصاص بالوالي من الأمور الكلّيّة دون الجزئيّة المتعلّقة بالقرى و نحو ذلك . فالمراد ب « خيرَهم » خير كتّاب

-----------
( 371 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 157 .

-----------
( 372 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 17 ، ص 72 ، ط بيروت .

[ 260 ]

الوالي ، و يمكن أن يراد بها مطلق أموره ، فالضمير في « خيرهم » عائد إلى مطلق الكتّاب ، و الأوّل أظهر . « مكائدك » أي تدابيرك الخفيّة ، و المعنى : اجعل رسائلك المذكورة مخصوصة بمن كان منهم أشدّ جمعا للأخلاق الصالحة كالعلم بوجوه الآراء المصلحة و الوفاء و النصيحة و الأمانة و غيرها . و « البطر » الطغيان عند النعمة . و « لا تقصر به » أي لا تجعله الغفلة مقصّرا . و « فيما » لعلّه معطوف على قوله « عن إيراد » .

« يأخذ لك » كالخراج أو المكاتيب الّتي تكون حجّة لك . و « يعطي منك » كسهام الجند أو المكاتيب الّتي تكون حجّة لغيرك . قوله عليه السلام « و لا يضعف » أي إن عقد لك عقدا قوّاه و أحكمه ، و إن عقد خصومك عليك عقدا اجتهد في إدخال ما يمكن به حلّه و نقضه عند الحاجة . فالمراد ب « الإطلاق » إمّا ترك التقييد أو حلّ العقد ، و في بعض النسخ « لا يعجز » بصيغة الإفعال أي لا يعجزك . و « استنامتك » أي ميل قلبك إليه ،

قال الجوهري : « استنام إليه » أي سكن إليه و اطمأنّ . « فإنّ الرجال يتعرّضون » قال ابن أبي الحديد : و يروى « يتعرّفون » أي يجعلون أنفسهم بحيث تعرف بالمحاسن بتصنّعهم . « فاعمد لأحسنهم كان » أي اقصد لمن كان في زمن الصالحين قبلك أحسنهم . و « لمن ولّيت أمره » أي لإمامك . « و اجعل لرأس كلّ أمر » قال ابن أبي الحديد : نحو أن يكون أحدهم للرسائل إلى الأطراف و الأعداء ، و الآخر لأجوبة عمّال السواد ، و الآخر لخاصّته و نفقاته . « لا يقهره كبيرها » أي لا يعجز عن القيام بحقّه . « و لا يتشتّت عليه » أي لا يتفرّق لكثرته . و ضميرا « كبيرها و كثيرها » راجعان إلى الأمور . « ألزمته » أي يأخذك اللّه و الإمام بتغافلك .

« ثمّ استوص » قال ابن أبي الحديد : أي « أوص » نحو « قرّ في المكان و استقرّ » ، يقول : « استوص بالتّجار خيرا » أي أوص نفسك بذلك ، و منه قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله « استوصوا بالنساء خيرا » . و مفعولا « استوص و أوص » هيهنا محذوفان للعلم بهما ، و يجوز أن يكون « استوص » أي اقبل الوصيّة بهم و أوص بهم أنت غيرك . و « المضطرب » يعني المسافر ، و « الضرب » السير في الأرض . قال اللّه

[ 261 ]

تعالى : إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ . 373 و « المترفّق ببدنه » أي أهل الصنايع ، فإنّهم يتكلّفون نفع الناس و نفع أنفسهم بتجشّم العمل و إتعاب البدن . و « المرافق » ما ينتفع بها . و « المطارح » المواضع البعيدة ،

قال الجوهري : « الطرح » بالتحريك ، المكان البعيد . « و حيث » قال ابن أبي الحديد :

و يروى بحذف الواو ، أي من مكان لا يجتمع الناس لمواضع تلك المنافع منه . 374 « و لا يجترؤون عليها » فيه كالبحار و الجبال و نحوها . و الضمير في « مواضعها و عليها » يعود إلى المنافع . « فإنّهم سلم » أي أو لو سلم و صلح لا يتخوّف منهم إفساد في دولة و لا خيانة في مال . و « البائقة » الداهية ، و قيل : الظلم . و « الغائلة » الشرّ . و « حواشي البلاد » أطرافها . و « الشحّ » البخل و الحرص . و « الحكر » الجمع و الإمساك ، و « الإحتكار » الحبس انتظارا للغلاء ، و سيأتي أحكام الاحتكار في محلّها . و قال في القاموس : « تحكّم في الأمر » جار فيه و حكمه . قال : « البياعة » بالكسر ، السلعة ، و الجمع « بياعات » . و « عيب » في بعض النسخ بالرفع عطفا على « باب » و في بعضها بالجرّ عطفا على « مضرّة » . و « سمح بكذا سمحا » بالفتح ، أي جاد و أعطى ، أو وافق على ما أريد منه ، و المراد هنا إمّا ترك النجس في المكيال و الميزان ، فالمراد بقوله « بموازين عدل » عدم النقص في أصل الميزان ، و يحتمل التأكيد ، أو المراد بالسمح إعطاء الراجع قليلا ،

أو الرفق بالمشتري و ترك الخشونة على الاستحباب و إن كان الظاهر الوجوب . و « قارفه » أي قاربه و خالطه . و المراد ب « التنكيل و المعاقبة في غير إسراف » التعزير على قدر المصلحة .

« ثمّ اللّه اللّه » أي اذكر و اتّقه . و « الحيلة » الحذق في تدبير الأمور . و « أهل البؤسى » ، لفظ أهل غير موجود في أكثر النسخ ، و « البؤسى » مصدر كالنعمى و هي شدّة الحاجة ، فلا يصحّ عطفه على المساكين و المحتاجين إلاّ بتقدير . و أمّا

-----------
( 373 ) النساء : 101 .

-----------
( 374 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 17 ، ص 84 ، ط بيروت .

[ 262 ]

« الزمنى » فهو جمع « زمن » ، فيكون معطوفا على « أهل البؤسى » لا « البؤسى » . و سيأتي تفسير « القانع » و « المعترّ » . « و احفظ اللّه » أي اعمل بما أمر اللّه به في حقّهم ، أو اعمل بما أمرك به من ذلك للّه . و قال في النهاية : « الصوافي » الأملاك و الأراضي الّتي خلى عنها أهلها أو ماتوا و لا وارث لها ، واحدها « صافية » . قال الأزهري : يقال للضياع الّتي يستخلصها السلطان لخاصّة الصوافي ، و به أخذ من قرأ « فاذكروا اسم اللّه عليها صوافي » أي خالصة للّه لها . انتهى . و لعلّ المراد بالقسم من بيت المال هو السهم المفروض لهم من الزكوات و الأخماس ، و بالقسم من غلاّت الصوافي ما يكفيهم لسدّ خلّتهم من خاصّة الامام عليه السلام من الفي‏ء و الأنفال تبرّعا . و يحتمل شموله لبيت المال أيضا . و المراد بالأقصى من بعد من بلد الوالي ، و قيل : من بعد من جهة الأنساب و الأسباب منه ، و قيل : أي لا تصرف ما كان من الصوافي في بعض البلاد على مساكين ذلك البلد خاصّة ، فإنّ لغيرهم فيها مثل حقّهم . « و كلّ قد استرعيت حقّه » أي أمرك اللّه برعاية حقّه . « نظر » أي تفكّر في أمر آخر و اهتمام به . و في بعض النسخ « بطر » بالبآء و الطآء المهملة أي صرح و طغيان . و « التافه » الحقير .

« لإحكامك » في أكثر النسخ بفتح الهمزة ، و يمكن أن يقرأ بالكسر و لعلّه أنسب كما لا يخفى . و « الإشخاص » الإخراج . و « لا تصعّر خدّك لهم » أي لا تمل وجهك عن الناس تكبّرا . « ممّن تقتحمه العيون » أي تزدريه . و « تحتقره » و « تحقره » بالتخفيف و كسر القاف ، اي تستحقره و في بعض النسخ على التفعيل . « ففرّغ لأولئك ثقتك » أي عيّن لرفع أمورهم إليك رجلا من أهل الخشية للّه و التواضع لهم أو للّه ، أو الخشية للّه و التواضع للامام أولئك . « ثمّ اعمل فيهم » أي اعمل في حقّهم بما أمر اللّه به بحيث تكون ذا عذر عنده إذا سألك عن فعلك بهم . و قال الجوهري :

« الرقق » محرّكة ، الضعف و « رجل رقيق » أي ضعيف . و قال ابن ميثم : أي المشايخ الّذين بلغوا في الشيخوخة إلى أن رقّ جلدهم ثمّ ضعف حالهم عن النهوض ، فلا حيلة لهم . و قال الكيدري : أي الّذين بلغوا في السنّ غاية يرقى لهم و يرحم عليهم . « و لا ينصب نفسه » أي حياء أو ثقة باللّه و العاقبة في بعض النسخ بالقاف و البآء الموحّدة و في بعضها بالفآء و اليآء المثنّاة . « فصبّروا أنفسهم » بالتخفيف و التشديد ،

[ 263 ]

قال في النهاية : أصل « الصبر » الحبس و قال تعالى : وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ 375 . و قال الفيروزآبادي : « صبره » طلب منه أن يصبر .

قوله عليه السلام « قسما » أي من أوقاتك . « تفرّغ لهم فيه شخصك » أي لا تشتغل فيه بسائر الأشغال . « و تقعد عنهم جندك » أي تنهاهم عن التعرّض لهم و الدخول في أمورهم . و « الأحراس » جمع « حارس » أي الحفظة . و قال في النهاية :

« شرط السلطان » نخبة أصحابه الّذين يقدمهم على غيرهم من جنده . و « الشرطة » أوّل طائفة من الجيش تشهد الوقعة . و قال فيه : « حتّى يؤخذ للضعيف حقّه غير متتعتع » بفتح التآء ، أي من غير أن يصيبه أذى يقلقه و يزعجه ، يقال : « تعتعته فتتعتع » . و « غير » منصوب لأنّه حال من « الضعيف » . انتهى . « لن تقدّس » أي لن تطهر عن العيوب و النقائص ، و هو على المجهول من التفعيل و المعلوم من التفعّل . و « الخرق » الجهل و كذلك « العيّ » ، أي يحمل عنهم و لا تعاقبهم . و « الضيق » التضييق عليهم في الأمور أو البخل أو ضيق الصدر بما يرد من الأمور ، أو العجز . و « الأنف » بالتحريك ، الامتناع من الشي‏ء استكبارا . و « الكنف » بالتحريك ،

الجانب و الناحية . و « الإعطاء الهني‏ء » ما لكم [ 376 ] يكن مشوبا بالمنّ و الأذى و نحو ذلك و يقال : « اجملت الصنيعة عند فلان و أجمل في صنيعته » ذكره الجوهري . و « أعذر » أي أبدى عذره و قوله « أمور » خبره محذوف ، أي هناك أمور . و في الصحاح : « عيى » إذا لم يهتد لوجهه ، و « العيّ » خلاف البيان ، و قد عيّ في منطقه و عيى أيضا . و قال : « مكان حرج » ، و « حرج » أي ضيق ، و قد حرج صدره يحرج حرجا .

« بالغا من بدنك » أي و إن أتعبك ذلك تعبا كثيرا . « فلا تكوننّ منفّرا » أي بالتطويل الّذي يوجب نفرة الناس . « و لا مضيّعا » بالتأخير عن أوقات الفضيلة و التقصير في الآداب و التعليل للأوّل . « و كن بالمؤمنين رحيما » من تتمّة الحديث النبوي صلّى اللّه عليه و آله أو من كلامه عليه السلام ، و رجّح ابن أبي الحديد الثاني .

-----------
( 375 ) الكهف : 28 .

[ 376 ] قد وقع ههنا خطأ ، لأنّ الصحيح يكون « لم » ( المصحّح ) .

[ 264 ]

قوله عليه السلام « من الضيق » أي البخل أو ضيق الخلق أو غيرهما ممّا تقدّم . و « قلّة علم » أي سبب لها . و « الاحتجاب منهم » الضمير للولاة ، أي الناشي منهم . أو للرعيّة ، ف « من » بمعنى « عن » . و ضمير « عنهم » للولاة قطعا و كذا ضمير « عندهم » أي يصير سببا لأن يتوهّموا كبير الأمور بتسويل الأعوان و أصحاب الأغراض صغيرا ، و كذا العكس . « ما توارى عنه الناس به » أي أشتر ، و الضمير في « عنه » راجع إلى الوالي ، و في « به » إلى ما ، و « من الأمور » بيان له . « و ليست على الحقّ سمات » أي ليس على الحقّ و الباطل من الكلام علامات يعرفان بها بمجرّد السماع ، فلا بدّ من التجسّس حتّى يتميّزا . و في النهاية : « أسدى » و « أولى » و « أعطى » بمعنى . و « المظلمة » ما تطلبه من الظالم ، و هو اسم ما أخذ منك .

و « الاستئثار » الاستبداد بالأمور . و « التطاول » الترفع . و « الحامّة » الخاصّة و « حامّة الرجل » أقرباؤه . و في النهاية : « الأقطاع » يكون تمليكا و غير تمليك . و في الصحاح : « أقطعه قطيعة » أي طائفة من أرض الخراج . و في القاموس : « القطيعة » محالّ بغداد قطعها المنصور أناسا من أعيان دولته . « و لا يطمعنّ » فاعله « أحد » . و « العقدة » بالضمّ ، الضيعة و العقار الّذي اعتقده صاحبه ملكا . و « العقدة » المكان الكثير الشجر أو النخل ، كذا في كتب اللغة . و قال ابن ميثم : « اعتقد الضيعة » اقتناها . 377 و قال ابن أبي الحديد : « اعتقدت عقدة » أي أذخرت ذخيرة . 378 و لم نجدها في كلام أهل اللغة ، و لا يخفى عدم مناسبة ما ذكره ابن أبي الحديد . و قال في النهاية : كلّ أمر يأتيك من غير تعب ، فهو هني‏ء ، و لك المهنأ .

« و كن في ذلك » قال ابن ميثم : الواو في « و كن » للحال و كذا « واقعا » حال .

و في الأوّل نظر ، و الحاصل : ألزم الحقّ كلّ من لزم عليه ، أيّ حقّ كان من ظلامة أو حدّ أو قصاص ، و على أيّ امرى كان من قرابتك و خواصّك . « و ابتغ عاقبته » أي عاقبة ذلك الإلزام . و في القاموس : « الغبّ » بالكسر ، عاقبة الشي‏ء ك « المغبّة » بالفتح .

-----------
( 377 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 177 .

-----------
( 378 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 17 ، ص 98 ، ط بيروت .

[ 265 ]

« فأصحر لهم » أي أظهر لهم عذرك ، يقال : « أصحر الرجل » إذا خرج إلى الصحرآء ، و « أصحر به » إذا أخرجه . « و اعدل عنك » في بعض النسخ بقطع الألف على بناء الإفعال و في بعضها بالوصل على بناء المجرّد فعلى الأوّل من « عدل » بمعنى « حاد » ، و على الثاني من « عدله » أي نحاه . « فإنّ في ذلك إعذارا » أي إظهارا للعذر .

و « الدعة » الخفض وسعة العيش ، و الهآء عوض عن الواو . و « مقاربة العدوّ » إظهاره المودّة و طلبه الصلح . و « يتغفّل » أي يطلب غفلتك . و « الحزم » الأخذ في الأمر بالثقة . و « اتّهام حسن الظنّ » ترك العمل بمقتضاه . و في النهاية : « العقدة » البيعة المعقودة . و قال : « حاطه يحوطه » حفظه و صانه . « و اجعل نفسك جنّة » أي لا تغدر و لو ذهبت نفسك . « فإنّه ليس من فرائض اللّه شي‏ء » ، قال ابن أبي الحديد : « شي‏ء » اسم « ليس » و جاز ذلك و إن كان نكرة لاعتماده على النفي و لأنّ الجار و المجرور قبله في موضع الحال كالصفة يتخصّص بذلك . و « الناس » مبتدأ و « أشدّ » خبره . و هذه الجملة المركّبة من مبتدأ و خبر في موضع رفع لأنّها صفة « شي‏ء » ، و أمّا خبر المبتدأ الّذي هو « شي‏ء » محذوف تقديره في الوجود كما حذف الخبر في قولنا « لا إله إلاّ اللّه » ،

و يمكن أيضا أن يكون « من فرائض اللّه » في موضع رفع لأنّه خبر المبتدأ و قد تقدّم عليه ،

و يكون موضع « الناس » و ما بعده رفعا لأنّه صفة المبتدأ الّذي هو « شي‏ء » كما قلناه أوّلا و ليس يمتنع أيضا أن يكون « من فرائض اللّه » منصوب الموضع لأنّه حال و يكون موضع « الناس أشدّ » رفعا لأنّه خبر المبتدأ الّذي هو « شي‏ء » . « و قد لزم ذلك » أي لزم المشركون مع شركهم الوفاء بالعهود ، و صار ذلك سنّة لهم ، فالمسلمون أولى باللزوم و الوفاء . « لما استوبلوا » أي عدّوا عواقب الغدر و بالا .

قال في النهاية : « الوبال » في الأصل الثقل و المكروه ، و « استوبلوا المدينة » أي استوخموها ، و قال فيه : « إنّى لا أخيس بالعهد » أي لا أنقضه ، يقال : « خاس بعهده يخيس و خاس بوعده » إذا أخلفه . و قال : « ختله يختله » خدعه و راوغه . و قال ابن ميثم : « أفضاه » بسطه ، و « استفاض من المآء » سال . و قال في القاموس : « فضا المكان فضاء و فضّوا » اتّسع ، و « المنعة » بالتحريك ، العزّ و قد يسكن إلى جواره . قال ابن أبي

[ 266 ]

الحديد : إلى هيهنا متعلّق بمحذوف ، كقوله تعالى : فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرعَوْنَ 379 أي مرسلا إليه أي جعل ذمّته أمنا ينتشرون في طلب حوائجهم ، ساكنين إلى جواره . و في الصحاح : « الدغل » بالتحريك الفساد ، يقال : « قد أدغل في الأمر » إذا أدخل فيه ما يخالفه و يفسده . و قال : « المدالسة » كالمخادعة . « تجوّز فيه العلل » أي يتطرّق إليه التأويلات و المعاذير . و في النهاية : « اللحن » الميل عن جهة الاستقامة ، يقال : « لحنت لفلان » إذا قلت له قولا يفهمه و يخفى على غيره لأنّك تميله بالتورية عن الواضح المفهوم ، و المعنى : لا تنقض العهود و المواثيق تمسّكا بالتأويلات ، أو لا تقبل من الخصم ذلك ، و يحتمل الأعمّ . و « الانفساخ » في بعض النسخ بالخآء المعجمة من الفسخ و هو النقض . و في بعضها بالمهملة و هو الاتّساع . « لا تستقيل فيها » أي لا تكون لك إقالة في الدنيا و لا في الآخرة . « و انقطاع مدّة » كمدّة العمر و السلطنة وسعة العيش .

« و ينقله » أي إلى غيرك . و « القود » القصاص . و « الوكز » الضرب بجمع الكفّ أو مطلقا ، و المعنى : قد يؤدّي أمثالها إلى القتل . و قال الجوهري : « طمح بصره إلى الشي‏ء » ارتفع و كلّ مرتفع فهو طامح . و « أطمح فلان بصره » رفعه ، و المعنى : لا يمنعك كبر السلطنة عن أداء الدية ، و ظاهره ثبوت الديّة في الخطأ في إقامة الحدّ و التعزير ،

و اختلف فيه الأصحاب ، فقيل : لا يضمن مطلقا و قيل : يضمن في بيت المال إذا كان الحدّ للناس ، فلو كان للّه لم يضمن . و قد يقال : الخلاف إنّما هو في التعزير ، فإنّ تقديره منوط بالاجتهاد لا الحدّ فإنّه مقدّر ، و سيأتي تمام الكلام فيه في محلّه .

و « عجب فلان بنفسه » على بناء المفعول إذا ترفّع و سرّ بما رأى من نفسه . و « أطريت فلانا » مدحته بأحسن ما فيه ، و قيل : جاوزت الحدّ في مدحه . « من أوثق فرص الشيطان في نفسه » أي اعتماد الشيطان في الإضلال بزعمه على هذا النوع من الفرصة أشدّ من اعتماده على سائر الأنواع . و « المحق » الإبطال .

و « التزيّد » في الحديث ، الكذب . و المراد هنا أن تعطي أحدا و أحدا فتقول :

-----------
( 379 ) النمل : 12 .

[ 267 ]

أعطيته عشرة .

« أو التساقط فيها » 380 قال ابن أبي الحديد : هذا عبارة عن النهي عن الحرص و الجزع ، قال الشنفري :

و إن مدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن
بأعجلهم إذا جشع القوم أعجل

انتهى . 381 و أخذه من قول الجوهري « تساقط على الشي‏ء » أي ألقى نفسه عليه إلاّ أنّه عدّاه ب « على » كما ترى ، و حينئذ لا يكون مقابلا للفقرة الأولى بل عينها و لا يخلو عن بعد بقرينة ما بعدها ، و الظاهر أنّ التساقط في الأمر التقصير و التكاهل فيها كما ذكره ابن ميثم . 382 و قال الفيروزآبادي : « التنكّر » التغيّر عن حال تسرّك إلى حال تكرهها ،

و الاسم « النكير » . و قال الجوهري : « استوضحت الشي‏ء » إذا وضعت يدك على عينك تنظر هل تراه . و « استوضحته الأمر » إذا سألته أن يوضّحه لك . انتهى . فعلى ما في بعض النسخ من بناء المجهول ، فالمعنى واضح أي إذا تأمّلت فيها و استعلمته و تقّته . و في بعضها على بناء المعلوم . و قال ابن أبي الحديد : أي وضحت و انكشفت ، 383 و لم أجده في كلام أهل اللغة .

« و التغابي عمّا تعنى به » أي التغافل عمّا تفعله خواصّك أو مطلقا من الأمور المنكرة الظاهرة ، فإنّك تقصد به و تؤخذ منك للمظلوم و تعاقب عليه . « ممّا قد وضح للعيون » لعلّ تخصيص هذا النوع لكونه أشنع أو لأنّه لا ينبغي للوالي تجسّس العيوب و المعاصي الخفيّة . و قال ابن ميثم : أي التغافل عمّا يجب العلم و العناية به من

-----------
( 380 ) هكذا روي في البحار .

-----------
( 381 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 17 ، ص 116 ، ط بيروت .

-----------
( 382 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 185 .

-----------
( 383 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 17 ، ص 116 ، ط بيروت .

[ 268 ]

حقوق الناس المأخوذة ظلما ممّا قد وضح للعيون إهمالك . انتهى . 384 و لا يخفى أنّه إنّما يستقيم إذا كان « يعنى » بصيغة المذكّر الغايب لا بالخطاب كما فيما عندنا من النسخ .

و « مأخوذ منك لغيرك » أي تعاقب عليه مع أنّك لم تنتفع به بل انتفع به غيرك ، و يمكن أن يكون المراد بالغير المظلوم . و « عمّا قليل » أي مجاوزا عن زمان قليل ، و « ما » زائدة أو نكرة موصوفة . « و ينتصف منك » أي ينتقم بالعدل . و قال في النهاية : في حديث معقل بن يسار « فحمى من ذلك أنفا » ، يقال : « أنف من الشي‏ء يأنف أنفا » إذا كرهه و شرفت نفسه عنه . و أراد هيهنا : أخذته الحميّة من الغيرة و الغضب ، و قيل :

« أنفا » بسكون النون للعضو أي اشتدّ غضبه و غيظه من طريق الكناية كما يقال للمتغيّظ : « ورم أنفه » . و « السورة » الحدّة و الشدّة ، و الاضافة للمبالغة . و « السطوة » الصولة . و « البادرة » من الكلام الّذي يسبق من الانسان في الغضب .

و « الأثر » بالتحريك اسم من « أثرت الحديث » أي نقلته . و « استوثقت » أي استحكمت . و « تسرّع الأمر » عجل .

« على إعطاء كلّ رغبة » قال ابن أبي الحديد : مصدر « رغب في كذا » كأنّه قال : القادر على إعطاء كلّ سؤال أي كلّ سائل ما سأله . 385 و روي « كلّ رغبته » أي كلّ ما يرغب فيه . « من الإقامة على العذر » لعلّ المعنى : على الجواب الواضح في كلّ ما سألنا اللّه عنه من حقوقه و حقوق خلقه ، و صاحب العذر بهذا المعنى لا يكون مذنبا . و قال ابن ميثم : يحتمل أن يكون العذر اسما من « الإعذار إلى اللّه » و هو المبالغة في الإتيان بأوامره فكأنّه قال : من الإقامة على المبالغة إليه في أداء أوامره . 386 انتهى .

و في كون العذر اسما من « أعذر » كما ذكره إشكال . و « تمام النعمة » عطف على قوله « ما فيه » أي لتمام نعمته عليّ و تضاعف كرامته لديّ و توفيقنا للأعمال الصالحة الّتي

-----------
( 384 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 185 .

-----------
( 385 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 17 ، ص 117 .

-----------
( 386 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 187 .

[ 269 ]

نستوجبهما بها ، كذا قيل . و الأظهر أنّه عطف على « حسن الثناء » .

و إنّما اكتفينا بهذا القدر من البيان إيثارا للاختصار و إلاّ فالمجلّدات لا تفي بشرحه . 387