54 و من كتاب له عليه السلام إلى طلحة و الزبير ( مع عمران بن الحصين الخزاعي ) ذكره أبو جعفر الإسكافي في كتاب « المقامات » في مناقب أمير المؤمنين عليه السّلام .

أمّا بعد ، فقد علمتما ، و إن كتمتما ، أنّي لم أرد النّاس حتّى أرادوني ، و لم أبايعهم حتّى بايعوني . و إنّكما ممّن أرادني و بايعني ،

و إنّ العامّة لم تبايعني لسلطان غالب ، و لا لعرض ( 4229 ) حاضر ، فإن كنتما بايعتماني طائعين ، فارجعا و توبا إلى اللّه من قريب ، و إن كنتما بايعتماني كارهين ، فقد جعلتما لي عليكما السّبيل ( 4230 ) بإظهاركما الطّاعة ، و إسراركما المعصية . و لعمري ما كنتما بأحقّ المهاجرين بالتّقيّة و الكتمان ، و إنّ دفعكما هذا الأمر من قبل أن تدخلا فيه ،

كان أوسع عليكما من خروجكما منه ، بعد إقراركما به .

و قد زعمتما أنّي قتلت عثمان ، فبيني و بينكما من تخلّف عنّي

-----------
( 387 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 612 617 ، ط تبريز .

[ 270 ]

و عنكما من أهل المدينة ، ثمّ يلزم كلّ امرى‏ء بقدر ما احتمل فارجعا أيّها الشّيخان عن رأيكما ، فإنّ الآن أعظم أمركما العار ، من قبل أن يتجمّع العار و النّار ، و السّلام .

بيان قوله عليه السلام « من قبل » متعلّق بقوله « فارجعا » .

أقول : قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : قال كلّ صنف من أهل السير و الأخبار [ 388 ] : إنّ عائشة كانت من أشدّ الناس على عثمان حتّى أنّها أخرجت ثوبا من ثياب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فنصبته في منزلها و كانت تقول للداخلين إليها : « هذا ثوب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لم يبل ، و عثمان قد أبلى سنّته » .

قالوا : أوّل من سمّى عثمان نعثلا عائشة ، و « النعثل » الكثير شعر اللحية و الجسد . و كانت تقول : اقتلوا نعثلا قتل اللّه نعثلا . و روى المدائني في كتاب الجمل قال : لمّا قتل عثمان كانت عائشة بمكّة و بلغ قتله إليها و هي بشراف فلم تشكّ في أنّ طلحة [ 389 ] صاحب الأمر و قالت بعد النعثل : « و سحقا أيّه ذا الإصبع أيّه أباشيل أيّه يا ابن عمّ لكأنّي أنظر إلى إصبعه و هو يبايع له حنوها لابل و ذعذعوها » . [ 390 ] قال : و قد كان طلحة حين قتل عثمان أخذ مفاتيح بيت المال و أخذ نجائب كانت لعثمان في داره ثمّ فسد أمره فدفعها إلى عليّ عليه السلام . و قال أبو مخنف في كتابة : إنّ عايشة لمّا بلغها قتل عثمان و هي بمكّة أقبلت مسرعة و هي تقول : « أيّه ذا الإصبع للّه أبوك » .

أمّا إنّهم وجدوا طلحة لها كفوا فلمّا انتهت إلى شراف استقبلها عبيد بن أبي سلمة [ 391 ] ،

فقالت له : ما عندك ؟

[ 388 ] في المصدر : كلّ من صنّف في السير و الأخبار .

[ 389 ] في المصدر : هو صاحب الأمر .

[ 390 ] في المصدر : و هو يبايع له حثو الإبل و دعدعوها .

[ 391 ] في المصدر : عبيد بن أبي سلمة الليثي .

[ 271 ]

قال : قتل عثمان .

قالت : ثمّ ما ذا ؟

قال : ثمّ حارت بهم الأمور إلى خير محار ، بايعوا عليّا .

فقالت : لوددت أنّ السماء انطبقت على الأرض إن تمّ هذا ، انظر ما تقول [ 392 ] قال : هو ما قلت لك يا أمّ المؤمنين ، فولولت ، فقال لها : ما شأنك يا أمّ المؤمنين ؟ و اللّه ما أعرف بين لابتيها [ 393 ] أحدا أولى بها منه و لا أحقّ و لا أرى له نظيرا في جميع حالاته فلمّا ذا تكرهين ولايته ؟

قال : فما ردّت [ 394 ] جوابا .

و في رواية قيس بن أبي حاذم : ثم ردّت ركابيها إلى مكّة ، فرأيتها في مسيرها تخاطب نفسها : « قتلوا ابن عفّان مظلوما » ، فقلت لها : يا أمّ المؤمنين ألم أسمعك آنفا تقولين : « أبعده اللّه » ؟ و قد رأيتك قبل أشدّ الناس عليه و أقبحهم فيه قولا .

فقالت : لقد كان ذلك و لكنّي نظرت في أمره فرأيتهم استتابوه حتّى إذا تركوه كالفضّة البيضاء أتوه صائما محرما في شهر حرام فقتلوه .

قال : و كتب طلحة و الزبير إلى عائشة و هي بمكّة كتبا أن خذّلي الناس عن بيعة عليّ و أظهري الطلب بدم عثمان . و حمل [ 395 ] الكتب مع ابن أختها عبد اللّه بن الزبير فلمّا قرأت الكتب كاشفت و أظهرت الطلب بدم عثمان .

قال : و لمّا عزمت عائشة على الخروج إلى البصرة طلبوا لها بعيرا أيدا يحمل هودجها فجاءهم يعلى بن أميّة ببعير يسمّى عسكرا [ 396 ] و كان عظيم الخلق شديدا . فلمّا

[ 392 ] في المصدر : ويحك ، انظر ماذا تقول

[ 393 ] « اللاّبت » إن استعمل في اللّغة العربيّة ، يكون بمعنى « الّذي هو يلوي » من ( لبت لبتايده : لواها ) و لكن « اللاّتب » هو بمعنى « اللاّصق » . و في معتقدي أنّ الثاني يكون أنسب لهذا المقام ( المصحّح ) .

[ 394 ] في المصدر : فما ردّت عليه جوابا .

[ 395 ] في المصدر : حملا . و هذا صحيح ( المصحّح ) .

[ 396 ] في المصدر : ببعيره المسمّى عسكرا .

[ 272 ]

رأته أعجبها و أنشأ الجمال يحدثها بقوّته و شدّته ، و يقول في أثناء كلامه « عسكر » ،

فلمّا سمعت هذه اللفظة استرجعت و قالت : ردّوه ، لا حاجة لي فيه . و ذكرت حيث سئلت أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ذكر لها هذا الإثم [ 397 ] و نهاها عن ركوبه و أمرت أن يطلب لها غيره فلم يوجد لها ما يشبهه فغيّر لها بجلال غير جلال و قيل لها : قد أصبنالك أعظم منه خلقا و أشدّ منه قوّة و أتيت به فرضيت .

قال أبو مخنف : و أرسلت إلى حفصة تسألها الخروج و المسير معها ، فبلغ ذلك عبد اللّه بن عمر فأتى أخته فعزم عليها فأقامت و حطّت الرجال بعد ما همّت .

و كتب الأشتر من المدينة إلى عائشة و هي بمكّة :

أمّا بعد ، فإنّك ظعينة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قد أمرك أن تقرّي في بيتك ، فإن فعلت فهو خير لك و إن أبيت ، ألا إن تأخذي منسأتك و تلقي جلبابك و تبدي للناس شعيراتك قاتلتك حتّى أردّك إلى بيتك و الموضع الّذي يرضاه لك ربّك .

فكتبت إليه في الجواب :

أمّا بعد ، فإنّك أوّل العرب شبّ الفتنة و دعا إلى الفرقة و خالف الأئمّة و سعى في قتل الخليفة . و قد علمت أنّك لن تعجز اللّه حتّى يصيبك منه بنقمة ينتصر بها منك للخليفة المظلوم و قد جاءني كتابك و فهمت ما فيه و سنكفيك و كلّ من أصبح ممّا يلالك في غيّك و ضلالك إن شاء اللّه . [ 398 ] قال أبو مخنف : لمّا انتهت عائشة في مسيرها إلى الحوأب و هو ماء لبني عامر بن صعصعة نبحتها الكلاب حتّى نفرت صعاب إبلها ، فقال قائل من أصحابها : ألا ترون ما أكثر كلاب الحوأب و ما أشدّ نباحها ؟ فأمسكت زمام بعيرها و قالت : و إنّها لكلاب الحوأب ردّوني ، فإني سمعت

[ 397 ] في المصدر : الاسم . و ما يكون في البحار أصوب و أفضل ( المصحّح ) .

[ 398 ] في المصدر : سيكفينّك اللّه و كلّ من أصبح مماثلا لك في ضلالك و غيّك إن شاء اللّه .

[ 273 ]

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول : . . . و ذكرت الخبر .

فقال لها قائل : مهلا يرحمك اللّه فقد جزنا ماء الحوأب .

فقالت : فهل من شاهد ؟

فلفقوا لها خمسين أعرابيّا جعلوا لهم جعلا فخلفوا لها أنّ هذا ليس بماء الحوأب ، فسارت لوجهها .

و لمّا انتهوا إلى حفر أبي موسى قريبا من البصرة أرسل عثمان بن حنيف ( و هو يومئذ عامل عليّ عليه السلام على البصرة ) الى القوم أبا الأسود الدؤلي يعلم له علمهم فجاء حتّى دخل على عائشة ، فسألها عن مسيرها ، فقالت : أطلب بدم عثمان .

قال : إنّه ليس بالبصرة من قتلة عثمان أحد .

قالت : صدقت ، و لكنّهم مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام بالمدينة و جئت استنهض أهل البصرة لقتاله ، أنغضب لكم من سوط عثمان و لا نغضب لعثمان من سيوفكم ؟ فقال لها : ما أنت من السوط و السيف ؟ إنّما أنت حبيس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أمرك أن تقرّي في بيتك و تتلي كتاب ربّك و ليس على النساء قتال و لا لهنّ الطلب بالدماء و إنّ عليّا عليه السلام لأولى بعثمان منك و أمسّ رحما فإنّهما ابنا عبد مناف .

فقالت : لست بمنصرفة حتّى أمضي لما قدمت له ، أفتظنّ يا أبا الأسود أنّ أحدا يقدم على قتالي ؟

فقال : أما و اللّه لنقاتلنّ قتالا أهونه الشديد .

ثمّ قام فأتى الزبير فقال : يا أبا عبد اللّه عهد الناس بك و أنت يوم بويع أبو بكر آخذ بقائم سيفك تقول : لا أحد أولى بهذا الأمر من ابن أبي طالب و أين هذا المقام من ذاك ؟ فذكر له دم عثمان ، قال : أنت و صاحبك ولّيتماه فيما بلغناه .

قال : فانطلق إلى طلحة فوجده مصرّا على الحرب و الفتنة [ 399 ] فرجع إلى عثمان

[ 399 ] في المصدر : قال : فانطلق إلى طلحة ، فاسمع ما يقول . فذهب إلى طلحة ، فوجده سادرا في غيّه ، مصرّا على الحرب و الفتنة .

[ 274 ]

بن حنيف فقال : إنّها الحرب فتأهّب لها .

قال : و لمّا نزل عليّ عليه السلام البصرة ، كتبت عائشة إلى زيد بن صوحان العبدي :

من عائشة بنت أبي بكر الصدّيق زوج النبيّ إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان أمّا بعد ، فأقم في بيتك و خذّل عن عليّ و ليبلغني عنك ما أحبّ فإنّك أوثق أهلي عندي ، و السلام .

فكتب إليها :

من زيد بن صوحان إلى عائشة بنت أبي بكر أمّا بعد ، فإنّ اللّه أمرك و أمرنا بأمر ، أمرك أن تقرّي في بيتك و أمرنا أن نجاهد ،

و قد أتاني كتابك فأمرتني أن أصنع خلاف ما أمرني اللّه فأكون قد صنعت ما أمرك اللّه به و صنعت ما أمرني به ، فأمرك عندي غير مطاع و كتابك غير مجاب ،

و السلام .