بيان

« هو لك و عليك » قال ابن أبي الحديد : فإنّ أبا موسى كان يقول لأهل الكوفة : إنّ عليّا عليه السلام إمام هدى ، و بيعته صحيحة إلاّ أنّه لا يجوز القتال معه لأهل القبلة . انتهى . 429 و أقول : كون هذا الكلام له و عليه لاشتماله على الحقّ و الباطل و الحقّ ينفعه و الباطل يضرّه ، أو ظاهر الكلام له تستحسنه العوام ، و باطنه حجّة عليه ، إذ بعد الإقرار بصحّة البيعة لا مجال للأمر بالمخالفة ، أو ظنّ أنّ هذا الكلام ينفعه و في الواقع يضرّه ،

أو ينفعه في الدنيا و يضرّه في العقبى . و الأمر برفع الذيل و شدّ المئزر كنايتان عن الاهتمام في الأمر . و « الخروج من الحجر » استهانة به حيث جعله ثعلبا أو ضبعا .

« و الحجر » بالضمّ كلّ شي‏ء تحفره السباع و الهوام لأنفسها . قوله عليه السلام « فإن حقّقت » أي أمرك مبنيّ على الشكّ ، فإن حقّقت لزوم طاعتي « فانفذ » أي فسر حتّى تقدم عليّ ، و إن أقمت على الشكّ فاعتزل العمل ، أو إن أنكرت الطاعة فأظهر إنكارك و اعمل بمقتضاه . « و الخاثر » اللبن الغليظ . « و الزبد » خلاصة اللبن و صفوته ، يقال للرجل إذا ضرب حتّى أثخن : « ضرب حتّى خلط زبده بخاثره و ذائبه بجامده » كأنّه خلط مارق و لطف من إخلاطه بما كثف و غلظ منها . و هذا مثل و معناه : « ليفسدنّ حالك و ليضطربنّ ما هو الآن منتظم من أمرك . « و القعدة » بالكسر هيئة القعود كالجلسة و الركبة . قوله « و تحذر من أمامك » قيل : كناية عن غاية الخوف ، و إنّما جعل عليه السلام الحذر من خلف أصلا في التشبيه لكون الانسان من وراءه أشدّ خوفا ، و قيل : حتّى تخاف من الدنيا كما تخاف من الآخرة . و يحتمل أن يكون المعنى :

حتّى تحذر من هذا الأمر الّذي أقبلت إليه و أقدمت عليه و هو تثبيط الناس عن الجهاد كما تحذر ممّا خلفته وراء ظهرك و لم تقدم عليه و هو الجهاد .

و قال ابن أبي الحديد : أي يأتيكم أهل البصرة مع طلحة و نأتيكم بأهل المدينة و الحجاز فيجتمع عليكم سيفان من أمامكم و من خلفكم . 430 و قال في قوله

-----------
( 429 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 17 ، ص 246 ، ط بيروت .

-----------
( 430 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 17 ، ص 246 ، ط بيروت .

[ 292 ]

عليه السلام « و ما هي بالهوينى » أي ليست هذه الداهية بالشي‏ء الهيّن الّذي ترجو اندفاعه بسهولة ، فإنّ قصد الجيوش الكوفة من كلا الجانبين أمر صعب المرام فإنّه ليركبّن أهل الحجاز و أهل البصرة هذا الأمر المستصعب ، لأنّا نحن نطلب أن نملك الكوفة و أهل البصرة كذلك ، فيجتمع عليها الفريقان .

و قال في النهاية : « الهون » الرفق و اللين و التثبّت ، و « الهوينى » تصغير « الهونى » تأنيث « الأهون » . قوله « فاعقل عقلك » يحتمل المصدر ، و قيل : هو مفعول به . و « خذ نصيبك و حظّك » أي من طاعة الإمام و ثواب اللّه ، و قيل : « لا تتجاوز إلى ما ليس لك . « فإن كرهت فتنحّ » أي عن العمل ، فإنّي قد عزلتك . « إلى غير رحب » أي سعة بل يضيق عليك الأمر بعده .

و قال في النهاية : « بالحريّ أن يكون كذا » أي جدير .

و قال ابن أبي الحديد 431 : أي جدير أن تكفى هذه المؤونة الّتي دعيت إليها .

« و أنت نائم » أي لست معدودا عندنا و عند الناس من الرجال الّذين يفتقر الحرب و التدبيرات [ 432 ] إليهم فسيغني اللّه عنك ، و لا يقال : أين فلان ؟ 433