بيان

قال ابن أبي الحديد : هذا الكتاب هو جواب كتاب وصل من معاوية إليه بعد قتل عليّ عليه السلام الخوارج ، و فيه تلويح بما كان يقوله من قبل : « إنّ

[ 296 ]

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عدني بقتال طائفة أخرى غير أصحاب الجمل و صفّين ، و إنّه سمّاهم المارقين » . فلمّا واقفهم في النهروان و قتلهم في يوم واحد و هم عشرة الآف فارس ، أحبّ أن يذكر معاوية بما كان يقوله من قبل و يعد به أصحابه و خواصّه ، فقال له : « قد آن لك » أي قرب و حان أن تنتفع بما عاينت و شاهدت معاينة من صدق القول الّذي كنت أقوله للناس و يبلغك و تستهزئ به . 434 و قال : يقال : قد رأيته لمحا باصرا أي نظرا بتحديق شديد و مخرجه مخرج « رجل لابن و تامر » أي ذو لبن و تمر فمعنى « باصر » ذو بصر . و « عيان الأمور » معاينتها أي قرب أن تنتفع بما تعلمه يقينا من استحقاقي للخلافة و برآءتي من كلّ شبهة . 435 و قال ابن ميثم : وصف اللمح بالباصر مبالغة في الإبصار كقولهم « ليل أليل » . 436 « و المدرج » المسلك .

و قال ابن أبي الحديد : « الأباطيل » جمع باطل علي غير القياس . 437 و « اقتحامك » أي إلقاؤك نفسك بلا رويّة في « غرور المين » و هو الكذب . و « بانتحالك » أي ادّعائك كذبا . « ما قد علا عنك » أي لم تبلغه و لست أهلا له . و « ابتزازك » أي استلابك . « لما اختزن دونك » أي منعك اللّه منه من إمرة المسلمين و بيت ما لهم ، من قولهم « اختزن المال » أي أحرزه . « فرارا » أي فعلت ذلك كلّه فرارا من الحقّ . « لما هو ألزم لك » يعني فرض طاعتي عليك .

قال ابن ميثم : لأنّهما دائما في التغيّر و التبدّل بخلاف وجوب الطاعة فإنّه أمر لازم . انتهى . 438

-----------
( 434 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 18 ، ص 27 ، ط بيروت .

-----------
( 435 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 18 ، ص 23 ، ط بيروت .

-----------
( 436 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 213 .

-----------
( 437 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 18 ، ص 23 ، ط بيروت .

-----------
( 438 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 214 .

[ 297 ]

و يمكن أن يقال : لأنّك تفارقهما و لا تفارقه ، و الظاهر أنّ ذلك مجاز عن شدّة اللزوم « ممّا قد وعاه سمعك » أي من النصّ . و كلمة « ما » في « ماذا » استفهاميّة ، أو نافية .

« على لبستها » في بعض النسخ بالضمّ و في بعضها بالكسر قال في النهاية :

« اللّبسة » بالكسر ، الهيئة و الحالة .

و قال ابن أبي الحديد : « اللّبسة » بالضمّ يقال : « في الأمر لبسة » أي اشتباه و ليس بواضح ، و يجوز أن يكون « اشتمالها » مصدرا مضافا إلى معاوية ، أي اشتمالك إيّاها على اللبسة ، أي إدراعك إيّاها و تقمّصك بها على ما فيها من الإبهام و الاشتباه . و يجوز أن يكون مصدرا مضافا إلى ضمير الشبهة فقط ، أي احذر الشبهة و احتوائها على اللّبسة الّتي فيها . و قال : « أغدفت المرأة قناعها » أي أرسلته على وجهها . 439 و « أغشت الأبصار » أي جعلتها سترا للأبصار و في بعض النسخ بالعين المهملة و هو سوء البصر بالليل أو العمى ، فالظلمة مرفوعة بالفاعليّة . « ذو أفانين » أي أساليب مختلفة لا يناسب بعضها بعضا .

« ضعفت قواها عن السّلم » قال ابن ميثم : أي ليس لها قوّة أن يوجب صلحا . 440 قال ابن أبي الحديد : أي عن الإسلام ، أي لم تصدر تلك الأفانين المختلفة عن مسلم و كان كتب إليه أن يفرده بالشام و أن يولّيه العهد من بعده و أن لا يكلّفه الحضور عنده . و قرأ أبو عمرو ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً 441 ليس المعنى الصلح بل الإسلام و الإيمان لا غير . و قال : « الأساطير » الأباطيل ، واحدها « أسطورة و أسطارة » بالكسر .

و « حوك » الكلام صنعته و نظمه . « و الحلم » العقل ، أو الإناة . 442

-----------
( 439 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 18 ، ص 25 ، ط بيروت .

-----------
( 440 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 214 .

-----------
( 441 ) البقرة : 208 .

-----------
( 442 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 18 ، ص 26 ، ط بيروت .

[ 298 ]

و قال ابن ميثم : لأنّ الكتاب كان فيه خشونة و تهوّر ، و ذلك ينافي الحلم و ينافي غرضه من الصلح . 443 و قال الجوهري : « الدهس و الدهاس » مثل اللبث و اللباث المكان السهل الليّن لا يبلغ أن يكون رملا و ليس هو بتراب و لا طين و لونه الدهسة . و قال :

« الديماس » السرب المظلم تحت الأرض . و « السرب » البيت في الأرض تقول :

« السرب الوحشي في سربه » . و الغرض عدم استقامة القول . و « المرقبة » الموضع العالي ، أي دعوى الخلافة . و « المرام » المقصد ، و بعده كناية عن الرفعة .

و « نزوح الأعلام » عن صعوبة الوصول إليها . و في الصحاح : « نزحت الدار نزوحا » بعدت . و قال : « الأنوق » على فعول ، طائر و هو الرّخمة ، و في المثل « أعزّ من بيض الأنوق » لأنّها تحرزه فلا تكاد يظفر بها ، لأنّ أو كارها في رؤوس الجبال و الأماكن البعيدة و هي تحمق مع ذلك . انتهى . و « حاش للّه » أصله « حاشا للّه » أي معاذ اللّه و هو فعل ماض على صيغة المفاعلة مأخوذ من « الحشا » أي الناحية ، و فاعله « أن قلى » .

و قال الزجاج : معنى « حاش للّه » براءة للّه . و « الصّدر » بالتحريك رجوع الشاربة عن الماء كالورد بالكسر الاشراف على الماء . « فتدارك نفسك » أي تدبّر آخر أمرك . « حتّى ينهد » أي ينهض . « أرتجت عليك » أى أغلقت . 444