إيضاح

« بحبل القرآن » لعلّ الإضافة بيانيّة ، كما قال صلّى اللّه عليه و آله في حديث الثقلين : كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض . « و انتصحه » أي عدّه لك ناصحا فيما أمرك به و نهاك عنه . و « أحلّ حلاله » أي اعتقده كذلك و اعمل به . « و صدّق بما سلف » أي صدّق بما تضمّنه القرآن من أيّام اللّه و مثلاته في الأيّام السالفة و النبيّين و المرسلين و ما جاؤوا به ، أو بما ظهر لك حقيقة من الأمور السالفة من ابتداء العالم و حدوثه و بعث النبيّين و أحوالهم و غيرها سوآء ظهر من الكتاب أو السنّة أو البرهان العقليّ . « و كلّها حائل » أي متغيّر . « إلاّ على حقّ » أي على حقّ عظيم معتدّ به من الأموال ، أو مطلقا مالا أو غيره ، أو الغرض عدم الحلف على الباط . « و لا تتمنّ الموت » أي لا تطلبه إلاّ مقرونا و مشروطا بأن يكون صلاحك فيه و تدخل الجنّة بعده و تكون مغفورا مبرورا .

و قال ابن أبي الحديد 448 : أي إلاّ و أنت واثق من أعمالك الصالحة أنّها تؤدّيك إلى الجنّة و تنقذك من النار ، و هذا معنى قوله تعالى لليهود : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَ لاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيِهِمْ 449 . انتهى .

-----------
( 448 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 18 ، ص 44 ، ط بيروت .

-----------
( 449 ) الجمعة : 6 7 .

[ 304 ]

و أقول : على هذا لعلّه يرجع إلى النهي عن تمنّي الموت مطلقا فإنّ ذلك الوثوق ممّا لا يكاد يحصل لأحد سوى الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام .

« و لا تجعل عرضك غرضا » أي اتّق مواضع التّهم ، و « الغرض » الهدف .

و « النبل » السهام العربيّة ، و لا واحد له من لفظه ، و « النبال » جمع الجمع . و « الصفح مع الدولة » العفو عند الغلبة على الخصم . « و استصلح كلّ نعمه » أي استدم نعم اللّه تعالى بشكرها . و تضييعها بترك الشكر أو بصرفها في غير مصارفها المشروعه . و « رؤية أثر النعمة » باستعمالها كلبس الفاخر من الثياب و إطعام الطعام . و « التقدمة من النفس » بذلها في الجهاد و إتعابها و إذا بتها بالصيام و القيام ، و من الأهل ببعث الأولاد و العشيرة إلى الجهاد و عدم المبالاة بما أصابهم في سبيل اللّه و الرضا بقضاء اللّه في مصائبهم ، و من المال بإنفاقه في طاعة اللّه . « و إنّك ما تقدّم » إشارة إلى قوله تعالى وَ مَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللّهِ هُوَ خَيْراً وَ أَعْظَمَ أَجْراً 450 و قال الجوهري : « فال رأيه » ضعف ، و « رجل فال » أي ضعيف الرأي ،

مخطي‏ء الفراسة .

« فإنّ الصاحب معتبر » قال ابن ميثم : فإنّك تقاس بصاحبك و ينسب فعلك إلى فعله و لأنّ الطبع مع الصحبة أطوع للفعل منه للقول ، فلو صحبه لشابه فعله فعله . و في القاموس : صحبه كسمعه صحابة و يكسر .

و في الصحاح : « الجماع » ما جمع شيئا ، يقال : الخمر جماع الإثم . « و احذر منازل الغفلة » كالقرى و البوادي و كلّ منزل يكون أهله غافلين عن اللّه ، جافين لأوليائه ، باعدين عن الآداب الحسنة ، غير معتنين على طاعة اللّه . « على ما يعينك » أي يهمّك . و « المعاريض » جمع « معرض » بفتح الميم أو كسرها ، و هو محلّ عروض الشي‏ء و ظهوره .

قال الجوهري : « المعرض » ثياب تحلّى فيها الجواري . « إلاّ فاصلا » أي

-----------
( 450 ) المزمّل : 20 .

[ 305 ]

شاخصا . قال تعالى : وَ لَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ 451 .

« أو في أمر تعذر به » أي لضرورة تكون عذرا شرعا . « في جمل أمورك » 452 أي في جعلتها و كلّها . « و خادع نفسك » أي بأخذ عفوها و نشاطها و ترغيبها إلى العباد بذكر الوعد و الوعيد و صحبة العباد و النظر إلى أطوارهم الحسنة من غير قهر و جبر حتّى يملّ و يضجر ، بل بأن يتلطّف لها و لا يحملها فوق طاقتها . و قال الجوهري : « عفو المال » ما يفضل عن النفقة . « فإنّ الشرّ بالشرّ ملحق » لعلّ المراد بالشرّ الثاني صحبة الفاسق ، و بالأوّل سوء العاقبة ، أو بالأوّل ما تكتسبه النفس من تلك المصاحبة ، و قيل : أي الشرّ يقوى بالشرّ كالنار تقوى بالنار ، فمخالطتهم جاذبة لك إلى مساعدتهم و في بعض النسخ ملحق بصيغة اسم الفاعل أي يلحقك الشرّ بالشرّ . 453 [ ثمّ هناك توضيحات في مواضع أخرى من بحار الأنوار في شرح و بيان قسمة من هذا الكتاب ، و إنّا نذكرها فيما يلي : ] بيان : أي لا تتمنّ الموت إلاّ مشروطا بالمغفرة أو بعد تحصيل ما يوجب رفع درجات الآخرة في بقيّة العمر . و قال ابن أبي الحديد : أي لا تتمنّ الموت إلاّ و أنت واثق من أعمالك الصالحة أنّها تؤدّيك إلى الجنّة و تنقذك من النار .

أقول : على هذا يحتمل أن يكون نهيا عن تمنّي الموت مطلقا فإنّ ذلك الوثوق لا يكاد يحصل لأحد سوى الأنبياء و الأئمة عليهم السلام . 454 إيضاح : « في جمل أمورك » أي جميعها . « و خادع نفسك » أي حمّلها ما ثقل عليها من الطاعات بلطف و مداراة من غير عنف ، حتّى تتابعك و توافقك عليها . « و خذ عفوك » أي ما فضل من أوقاتها عن ضروريّاتها ، لتكون ناشطة فيها ، و لا تكلّفها فوق طاقتها و ما يشقّ عليها فتملّ و تضجر . قال الجوهري : « عفو المال » ما يفضل

-----------
( 451 ) يوسف : 94 .

-----------
( 452 ) هكذا روي في البحار .

-----------
( 453 ) بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 637 ، ط كمپانى و ص 587 ، ط تبريز .

-----------
( 454 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 82 ، كتاب الطهارة ، ص 180 .

[ 306 ]

عن النفقة 455 بيان : « فاصلا » أي شاخصا ، قال تعالى : وَ لَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ . و اعلم أنّه نقل العلاّمة و غيره الإجماع على تحريم السفر بعد الزوال لمن وجبت عليه الصلاة [ 456 ] و كذا على كراهته بعد الفجر .

و اعترض على الأوّل بأنّ علّة تحريم السفر استلزامه لفوات الجمعة ، و مع التحريم يجوز إيقاعها [ 457 ] فتنتفي العلّة فكذا المعلول و هو التحريم ، و هذا دور فقهيّ و هو ما يستلزم وجوده عدمه .

و أجيب بأنّ علّة حرمة السفر استلزام جوازه لجواز تفويت الواجب ،

و الاستلزام المذكور ثابت سواء كان السفر حراما أو مباحا ، فتأمّل . 458

-----------
( 455 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 87 ، باب جوامع أحكام النوافل اليوميّة ، ص 31 .

[ 456 ] و ذلك لأنّ إجابة النداء واجبة و من لم يجب النداء فقد عصى ، سواء اشتغل بالسفر أو اختفى في بيته و نام .

[ 457 ] جواز ايقاع صلاة الجمعة للمسافر انّما يستلزم جواز السفر إذا كان متمكّنا في سفره ذلك من إقامة الجمعة ، كما إذا سافر من قريته و قد سمع النداء بها و أدرك الصلاة في البلد أو قرية أخرى مثلها يقام فيها الجمعة ، و أمّا إذا سمع النداء ثمّ خرج عن البلد و ليس يدرك في سفره ذلك صلاة جمعة أخرى ، فالعصيان مقطوع به كما عرفت .

-----------
( 458 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 89 ، كتاب الصلاة ، ص 199 200 .

[ 307 ]