بيان

« على أربع دعائم » الدّعامة بالكسر ، عماد البيت و « دعائم الايمان » ما يستقرّ عليه و يوجب ثباته و استمراره و قوّته . « على الصبر و اليقين و العدل و الجهاد » قال ابن ميثم 10 : فاعلم أنّه عليه السلام أراد الإيمان الكامل ، و ذلك له أصل و له كمالات بها يتمّ أصله ، فأصله هو التصديق بوجود الصانع ، و ماله من صفات الكمال و نعوت الجلال ، و بما تنزّلت به كتبه ، و بلّغته رسله ، و كمالاته المتمّمة هي الأقوال المطابقة و مكارم الأخلاق و العبادات ، ثمّ إنّ هذا الأصل و متمّماته هو كمال النفس

-----------
( 10 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 254 .

[ 333 ]

الانسانيّة لأنّها ذات قوّتين : علميّة و عمليّة . و كمالها بكمال هاتين القوّتين ، فأصل الإيمان هو كمال القوّة العلميّة منها و متمّماته و هي مكارم الأخلاق ، و العبادات هي كمال القوّة العمليّة .

إذا عرفت هذا فنقول : لمّا كانت أصول الفضائل الخلقيّة الّتي هي كمال الإيمان أربعا هي : الحكمة ، و العفّة ، و الشجاعة ، و العدل . أشار إليها و استعار لها لفظ الدعائم باعتبار أنّ الإيمان الكامل لا يقوم في الوجود إلاّ بها ، كدعائم البيت ، فعبّر عن الحكمة باليقين ، و الحكمة منها علميّة و هي استكمال القوّة النظريّة بتصوّر الأمور و التصديق بالحقائق النظريّة و العلميّة بقدر الطاقة و لا تسمّى حكمة حتّى يصير هذا الكمال حاصلا لها باليقين و البرهان ، و منها عمليّة و هي استكمال النفس بملكة العلم بوجوه الفضائل النفسانيّة الخلقيّة و كيفيّة اكتسابها و وجوه الرذائل النفسانيّة و كيفيّة الاحتزاز عنها و اجتنابها ، و ظاهر أنّ العلم الّذي صار ملكة هو اليقين . و عبّر عن العفّة بالصبر ، و العفّة هي الإمساك عن الشره في فنون الشهوات المحسوسة ، و عدم الانقياد للشهوة ، و قهرها و تصريفها بحسب الرأي الصحيح و مقتضى الحكمة المذكورة .

و إنّما عبّر عنها بالصبر لأنّها لازم من لوازمه إذ رسمه أنّه ضبط النفس و قهرها عن الانقياد لقبائح اللّذّات ، و قيل : هو ضبط النفس عن أن يقهرها ألم مكروه ينزل بها ، و يلزم في العقل احتماله ، أو يلزمها حبّ مشتهى يتوق الانسان إليه و يلزمه في حكم العقل اجتنابه حتّى لا يتناوله على غير وجهه ، و ظاهر أنّ ذلك يلازم العفّة . و كذلك عبّر عن الشجاعة بالجهاد لاستلزامه إيّاها إطلاقا لاسم الملزوم على لازمه ،

و الشجاعة هي ملكة الإقدام الواجب على الأمور الّتي يحتاج الانسان أن يعرض نفسه لاحتمال المكروه و الآلام الواصلة إليه منها ، و أمّا العدل فهو ملكة فاضلة ينشأ عن الفضائل الثلاث المذكورة و تلزمها ، إذ كلّ واحدة من هذه الفضائل محتوشة برذيلتين هما طرفا الإفراط و التفريط منها ، و مقابلة برذيلة هي ضدّها . انتهى .

« على أربع شعب » الشعبة من الشجرة بالضم الغصن المتفرّع منها ، و قيل :

الشعبة ما بين الغصنين و القرنين ، و الطائفة من الشي‏ء ، و طرف الغصن ، و المراد هنا

[ 334 ]

فروع الصبر و أنواعه أو أسباب حصوله . « على الشوق و الإشفاق » و في سائر الكتب « و الشفق و الزهد » و في المجالس : « و الزهادة و الترقّب » شوق إلى الشي‏ء بنزوع النفس إليه و حركة الهوى . « و الشفق » بالتحريك ، الخدر و الخوف كالإشفاق . و « الزهد » ضدّ الرغبة و « الترقّب » الانتظار ، أي انتظار الموت و مداومة ذكره و عدم الغفلة عنه .

و لمّا كان للصبر أنواع ثلاثة كما سيأتي في بابه : الصبر عند البليّة ، و الصبر على مشقّة الطاعة ، و الصبر على ترك الشهوات المحرّمة ، و كان ترك الشهوات قد يكون للشوق إلى اللذّات الأخرويّة ، و قد يكون للخوف من عقوباتها ، جعل بناء الصبر على أربع :

على الشوق إلى الجنّة ثمّ بيّن ذلك بقوله « فمن اشتاق إلى الجنّة سلا عن الشهوات » أي نسيها و صبر على تركها ، يقال : « سلاعن الشي‏ء » أي نسيه و « سلوت عنه سلوا كقعدت قعودا » أي صبرت .

و على الإشفاق عن النار ، و بيّنها بقوله « و من أشفق من النار رجع عن المحرّمات » ، و في المجالس و التحف : « عن الحرمات » . و يمكن أن تكون الشهوات المذكورة سابقا شاملة للمكروهات أيضا .

و على الزهد و عدم الرغبة في الدنيا و ما فيها من الأموال و الأزواج و الأولاد ،

و غيرها من ملاذّها و مألوفاتها ، و بيّنها بقوله « و من زهد في الدّنيا هانت عليه المصائب » و في بعض النسخ و الكتابين : « المصيبات » و في النهج : « استهان بالمصيبات » أي عدّها سهلا هيّنا و استخفّ بها لأنّ المصيبة حينئذ بفقد شي‏ء من الأمور الّتي زهد عنها و لم يستقرّ في قلبه حبّها .

و على ارتقاب الموت و كثرة تذكّره ، و بيّنها بقوله « و من راقب الموت سارع إلى الخيرات » و في الكتابين [ 11 ] : « و من ارتقب » ، و في النهج : « في الخيرات » .

[ 11 ] أمالي الطوسي و أمالي المفيد . أقول : و هكذا في نسخة النهج .

[ 335 ]

ثمّ إنّ تخصيص الشوق إلى الجنّة ، و الإشفاق من النار بترك المشتهيات و المحرّمات مع أنّهما يصيران سببين لفعل الطاعات أيضا إمّا لشدّة الاهتمام بترك المحرّمات و كون الصبر عليها أشقّ و أفضل كما سيأتي في الخبر ، أو لأنّ فعل الطاعات أيضا داخلة فيهما ، فإنّ المانع من الطاعات غالبا الاشتغال بالشهوات النفسانيّة ،

فالسلو عنها يستلزم فعلها ، بل لا يبعد أن يكون الغرض الأصلي من الفقرة الأولى ذلك ،

بل يمكن إدخال فعل الواجبات في الفقرة الثانية ، لأنّ ترك كلّ واجب محرّم ، و يدخل ترك المكروهات و فعل المندوبات في الفقرة الأولى .

« و اليقين على أربع شعب : تبصرة الفطنة » ، « التبصرة » مصدر باب التفعيل ،

و « الفطنة » الحذق وجودة الفهم ، و قال ابن ميثم : هي سرعة هجوم النفس على حقائق ما تورده الحواسّ عليها ، و قال : « تبصرة الفطنة » إعمالها .

أقول : يمكن أن تكون الإضافة إلى الفاعل أي جعل الفطنة الانسان بصيرا أو إلى المفعول أي جعل الانسان الفطنة بصيرة ، و يحتمل أن تكون التبصرة بمعنى الابصار و الرؤية ، فرؤيتها كناية عن التوجّه و التأمّل فيها و في مقتضاها ، فالإضافة إلى المفعول و حمله على الإضافة إلى الفاعل محوج إلى تكلّف في قوله « فمن أبصر الفطنة » .

« و تأوّل الحكمة » التأوّل و التّأويل تفسير ما يؤل إليه الشي‏ء ، و قيل : « أوّل الكلام و تأوّله » أي دبّره و قدّره و فسّره ، و « الحكمة » العلم بالأشياء على ما هي عليه ،

ف « تأوّل الحكمة » التأوّل الناشئ من العلم و المعرفة ، و هو الاستدلال على الأشياء بالبراهين الحقّة ، و قال ابن ميثم : هو تفسير الحكمة و اكتساب الحقائق ببراهينها و استخراج وجوه الفضائل و مكارم الأخلاق من مظانّها ككلام يؤثّر أو عبرة يعتبر .

و قال الكيدريّ : « تأوّل الحكمة » هو العلم بمراد الحكماء فيما قالوا ، و « أوّل الحكمة » بأن يعلم قول اللّه و رسوله ، قال تعالى : وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَ الحِكْمَةَ 12 . « و معرفة العبرة » و في سائر الكتب : « و موعظة العبرة » و « العبرة » ما

-----------
( 12 ) الجمعة : 2 .

[ 336 ]

يتّعظ به الإنسان و يعتبره ليستدلّ به على غيره ، و « الموعظة » تذكير ما يلين القلب و « موعظة العبرة » أن تعظ العبرة الانسان فيتّعظ بها . « و سنّة الأوّلين » السنّة السيرة محمودة كانت أو مذمومة ، أي معرفة سنّة الماضين ، و ما آل أمرهم إليه من سعادة أو شقاوة فيتّبع أعمال السعداء ، و يجتنب قبائح الأشقياء .

ثمّ بيّن عليه السلام فوائد هذه الشعب و كيفيّة ترتّب اليقين عليها ، فقال :

« فمن أبصر الفطنة » أي جعلها بصيرة أو نظر إليها و أعملها ، كأنّ من لم يعملها و لم يعمل بمقتضاها لم يبصرها و في سائر الكتب « تبصّر في الفطنة » و هو أظهر . « عرف الحكمة » و في النهج : « تبيّنت له الحكمة » و في التحف : « تأوّل الحكمة » و في المجالس : « تبيّن الحكمة » و الكلّ حسن ، و قال الكيدريّ : « تبصّر » أي نظر و تفكّر و صارذا بصيرة و قال : « الحكمة » العلم الّذي يدفع الانسان عن فعل القبيح ، مستعار من حكمة اللّجام . « و من تأوّل الحكمة » و عرفها كما هي « عرف العبرة » بأحوال السماء و الأرض ، و الدنيا و أهلها ، فتحصل له الحكمة النظريّة و العمليّة . و في النهج : « و من تبيّنت له الحكمة » و في المجالس : « و من تبيّن الحكمة » .

« و من عرف العبرة عرف السنّة » أي سنّة الأوّلين و سنّة اللّه فيهم ، فانّها من أعظم العبر « و من عرف السنّة فكأنّما كان مع الأوّلين » في حياتهم أو بعد موتهم أيضا فإنّ المعرفة الكاملة تفيد فائدة المعاينة لأهلها . « و اهتدى » أي بذلك « إلى الّتي هي أقوم » أي إلى الطريقة الّتي هي أقوم الطرائق .

ثمّ بيّن عليه السلام كيفيّة العبرة فقال : « و نظر إلى من نجا » أي من الأوّلين « بما نجا » من متابعة الأنبياء و المرسلين ، و الأوصياء المرضيّين ، و الاقتداء بهم علما و عملا . « و من هلك بما هلك » من مخالفة أئمة الدين ، و متابعة الأهواء المضلّة و الشهوات المزلّة .

و ليست هذه الفقرات من قوله « و اهتدى » إلى قوله « بطاعته » في سائر الكتب .

« و العدل على أربع شعب » كأنّ المراد بالعدل هنا ترك الظلم ، و الحكم بالحقّ

[ 337 ]

بين الناس ، و إنصاف الناس من نفسه ، لا ما هو مصطلح الحكماء من التوسّط في الأمور ، فإنّه يرجع إلى سائر الأخلاق الحسنة . « غامض الفهم » الغامض خلاف الواضح من الكلام و نسبته إلى الفهم مجاز ، و كأنّ المعنى فهم الغوامض ، أو هو من قولهم « أغمض حدّ السيف » أي رقّقه . و في النهج و التحف « غائص » من الغوص و هو الدخول تحت الماء لإخراج اللؤلؤ و غيره ، و قال الكيدريّ : و هو من إضافة الصفة إلى الموصوف للتأكيد . و « الفهم الغائص » ما يهجم على الشي‏ء فيطّلع على ما هو عليه كمن يغوص على الدرّ و اللؤلؤ . « و غمر العلم » أي كثرته ، في القاموس : « الغمر » الماء الكثير ، و « غمر الماء غمارة و غمورة » كثر ، و « غمره الماء غمرا و اغتمره » غطّاه . و في النهج : « و غور العلم » و غور كلّ شي‏ء قعره ، و « الغور » الدخول في الشي‏ء و تدقيق النظر في الأمر . « و زهرة الحكم » ، « الزّهرة » بالفتح البهجة و النضارة و الحسن و البياض و نور النبات ، و « الحكم » بالضمّ ، القضاء و العلم و الفقه . « و روضة الحلم » الإضافة فيها و في الفقرة السابقة من قبيل « لجين الماء » و فيهما مكنيّة و تخييليّة ، و حيث شبّه الحكم الواقعي بالزهرة لكونه معجبا و مثمرا لأنواع الثمرات الدنيويّة و الأخرويّة ، و الحلم بالروضة لكونه رائقا و نافعا في الدارين و في النهج : « و رساخة الحلم » يقال :

« رسخ كمنع رسوخا بالضمّ و رساخة بالفتح » أي ثبت و « الحلم » الأناة و التثبّت و قيل : هو الإمساك عن المبادرة إلى قضاء و طر الغضب . و « رساخة الحلم » قوّته و كماله .

« فمن فهم فسّر جميع العلم و من علم عرف شرائع الحكم » أي من فهم غوامض العلوم ، فسّر ما اشتبه على الناس منها ، و من كان كذلك عرف شرائع الحكم بين الناس ، فلا يشتبه عليه الأمر ، و لا يظلم و لا يجوز . و بعده في المجالس : « و من عرف شرايع الحكم لم يضلّ » . « و من حلم لم يفرط في أمره » و لم يغضب على الناس و تثبّت في الأمر . و في النهج : « فمن فهم علم غور العلم و من علم غور العلم صدر عن شرايع الحكم و من حلم الخ » . و « الصدر » الرجوع عن الماء و الشريعة و مورد الناس للاستقاء ، و « الصدور عن شرائع الحكم » كناية عن الإصابة فيه ، و عدم الوقوع في الخطاء . « و لم

[ 338 ]

يفرّط » على بناء التفعيل ، أي لم يقصّر فيما يتعلّق به من أمور القضاء و الحكم أو مطلقا و في بعض نسخ النهج على بناء الإفعال أي لم يجاوز الحدّ . « و عاش في الناس حميدا » ، و « العيش » الحياة و « الحميد » المحمود المرضىّ .

« و الجهاد على أربع شعب » تلك الشعب إمّا أسباب الجهاد أو أنواعه الخفيّة ذكرها لئلاّ يتوهّم أنّه منحصر في الجهاد في السيف ، مع أنّه أحد أفراد الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، بل الجهاد استفراغ الوسع في إعلاء كلمة اللّه و اتّباع مرضاته و ترويج شرائعه باليد و اللسان و القلب .

قال الراغب 13 : « الجهاد و المجاهدة » استفراغ الوسع في مدافعة العدوّ و الجهاد ثلاثة أضرب : مجاهدة العدوّ الظاهر ، و مجاهدة الشيطان ، و مجاهدة النفس ، و تدخل ثلاثتها في قوله [ تعالى ] : وَ جَاهِدُوا فِي اللّهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هَاجَرُوا وَ جَاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ 14 و قال صلّى اللّه عليه و آله : « جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم » و المجاهدة تكون باليد و اللسان ، قال عليه السلام : « جاهدوا الكفّار بأيديكم و ألسنتكم » .

« على الأمر بالمعروف » هو الّذي عرّفه الشارع و عدّه حسنا ، فإن كان واجبا فالأمر واجب ، و إن كان مندوبا فالأمر مندوب . « و النهي عن المنكر » أي ما أنكره الشارع و عدّه قبيحا ، و هما مشروطان بالعلم بكونه معروفا أو منكرا ، و تجويز التأثير ، و عدم المفسدة ، و هما يجبان باليد و اللسان و القلب . « و الصدق في المواطن » أي ترك الكذب على كلّ حال إلاّ مع خوف الضرر ، فيورّي فلا يكون كذبا . و « المواطن » مواضع جهاد النفس . و جهاد العدوّ و جهاد الفاسق بالأمر و النهي و مواطن الرضا و السخط و الضّرّ و النفع ما لم يصل إلى حدّ تجويز التقية . و أصل الصدق و الكذب أن يكونا في القول ثمّ في الخبر من أصناف الكلام كما قال تعالى : وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ

-----------
( 13 ) المفردات ، ص 101 .

-----------
( 14 ) الآيات على الترتيب في : الحج : 78 و الحجرات : 15 و الأنفال : 72 .

[ 339 ]

قيلاً ؟ وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثا ؟ . 15 و قد يكونان بالعرض في غيره من أنواع الكلام كقول القائل : أزيد في الدار ، لتضمّنه كونه جاهلا بحال زيد ، و كما إذا قال : و اسني لتضمّنه أنه محتاج إلى المواساة . و يستعملان في أفعال الجوارح ، فيقال : « صدق في القتال » إذا و فى حقّه و « صدق في الايمان » إذا فعل ما يقتضيه من الطاعة . فالصادق الكامل من يكون لسانه موافقا لضميره و فعله مطابقا لقوله ، و منه : « الصدّيق » حيث يطلق على المعصوم فيحتمل أن يكون الصدق هنا شاملا لجميع ذلك .

« و شنآن الفاسقين » الشنآن بالتحريك و السكون و قد صحّح بهما في النهج البغض ، يقال : شنئه كسمعه و منعه شنئا مثلّثة و شنائة و شنآنا . و هذا أولى مراتب النهي عن المنكر ، و قيل : هو مقتضى الايمان و يجب على كلّ حال و ليس داخلا في النهي عن المنكر . « شدّ ظهر المؤمن » و في النهج : « ظهور المؤمنين » و « شدّ الظهر » كناية عن التقوية ، كما أنّ « قصم الظهر » كناية عن ضدّها ، و الأمر بالمعروف يقوّي المؤمن لأنّه يريد ترويج شرائع الإيمان ، و عسى أن لا يتمكّن منه .

« أرغم أنف المنافق » إرقام الأنف كناية عن الإذلال ، و أصله إلصاق الأنف بالرّغام ، و هو التراب ، و يطلق على الإكراه على الأمر ، و يقال : « فعلته على رغم أنفه » أي على كره منه ، و « الرّغم » مثلّثة ، الكره . و المنكر مطلوب للمنافقين و الفسّاق الّذينهم صنف منهم حقيقة ، و النهي عن المنكر يرغم أنوفهم .

« و من صدق في المواطن قضى الّذي عليه » و في سائر الكتب سوى الخصال : « قضى ما عليه » أي من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، إذا لم يقدر على أكثر من ذلك ، أو من جميع التكاليف فإنّ الصدق في الإيمان و العقائد يقتضي العمل بجميع التكاليف فعلا و تركا أو لأنّه يأتي بها لئلاّ يكون كاذبا إذا سئل عنها . « و من شني‏ء الفاسقين » المضبوط في النهج بكسر النون .

و لنتمّم كلام المحقّق البحراني ، و إن لم يكن فيه كثير فائدة بعد ما ذكرنا ، قال

-----------
( 15 ) الآيات على الترتيب في : النساء : 122 و النساء : 87 .

[ 340 ]

بعد ما مرّ : و أمّا شعب هذه الدعائم ، فاعلم أنّه جعل لكلّ دعامة منها أربع شعب من الفضائل ، تتشعّب منها و تتفرّع عليها فهي كالفروع لها و الأغصان .

أمّا شعب الصبر الّذي هو عبارة عن ملكة العفّة فأحدها الشوق إلى الجنّة ، و محبّة الخيرات الباقيّة ، الثاني الشفق و هو الخوف من النار ، و ما يؤدّي إليها ، الثالث الزهد في الدنيا و هو الإعراض بالقلب عن متاعها و طيّباتها ، الرابع ترقّب الموت و هذه الأربع فضائل منبعثة عن ملكة العفّة لأنّ كلاّ منها يستلزمها .

و أمّا شعب اليقين ، فأحدها تبصرة الفطنة و إعمالها ، الثاني تأوّل الحكمة و هو تفسيرها ، الثالث موعظة العبرة ، الرابع أن يلحظ سنّة الأوّلين حتّى يصير كأنّه فيهم ، و هذه الأربع هي فضائل تحت الحكمة كالفروع لها ، و بعضها كالفرع للبعض .

و أمّا شعب العدل فأحدها غوص الفهم أي الفهم الغائص فأضاف الصفة إلى الموصوف ، و قدّمها للاهتمام بها ، و رسم هذه الفضيلة أنّها قوّة إدراك المعنى المشار إليه بلفظ أو كناية أو إشارة و نحوها ، الثاني غور العلم و أقصاه و هو العلم بالشي‏ء كما هو تحقيقه و كنهه ، الثالث نور الحكم أي تكون الأحكام الصادرة عنه نيّرة واضحة لا لبس فيها و لا شبهة ، الرابع ملكة الحلم و عبّر عنها بالرسوخ لأنّ شأن الملكة ذلك ، و الحلم هو الإمساك عن المبادرة إلى قضاء وطر الغضب ، فيمن يجني عليه جناية يصل مكروهها إليه .

و اعلم أنّ فضيلتي جودة الفهم و غور العلم ، و إن كانتا داخلتين تحت الحكمة و كذلك فضيلة الحلم داخلة تحت ملكة الشجاعة إلاّ أنّ العدل لمّا كان فضيلة موجودة في الأصول الثلاثة كانت في الحقيقة هي و فروعها شعبا للعدل . بيانه أنّ الفضائل كلّها ملكات متوسّطة بين طرفي إفراط و تفريط ، و توسّطها ذلك هو معنى كونها عدلا فهي بأسرها شعب له و جزئيات تحته .

و أمّا شعب الشجاعة المعبّر عنها بالجهاد ، فأحدها الأمر بالمعروف ، و الثاني النهي عن المنكر ، و الثالث الصدق في المواطن المكروهة ، و وجود الشجاعة في هذه الشعب الثلاث ظاهر ، و الرابع شنآن الفاسقين ، و ظاهر أنّ بغضهم مستلزم لعداوتهم في

[ 341 ]

اللّه و ثوران القوّة الغضبيّة في سبيله لجهادهم ، و هو مستلزم للشجاعة .

و أمّا ثمرات هذه الفضائل فأشار إليها للترغيب في مثمراتها ، فثمرات شعب العفّة أربع : أحدها ثمرة الشوق إلى الجنّة ، و هو السلو عن الشهوات و ظاهر كونه ثمرة له ، إذ السالك إلى اللّه ما لم يشتق إلى ما وعد المتّقون لم يكن له صارف عن الشهوات الحاضرة ، مع توفّر الدواعي إليها ، فلم يسل عنها ، الثانية ثمرة الخوف من النار ، و هو اجتناب المحرّمات ، الثالثة ثمرة الزهد و هي الاستهانة بالمصيبات ، لأنّ غالبها و عامّها إنّما يلحق بسبب فقد المحبوب من الأمور الدنيويّة فمن أعرض عنها بقلبه كانت المصيبة بها هيّنة عنده ، الرابعة ثمرة ترقّب الموت و هي المسارعة في الخيرات و العمل له و لما بعده . و أمّا ثمرات اليقين فإنّ بعض شعبه ثمرة لبعض ، فإنّ تبيّن الحكمة و تعلّمها ثمرات لإعمال الفطنة و الفكرة ، و معرفة العبر و مواقع الاعتبار بالماضين ، و الاستدلال بذلك على صانع حكيم ثمرة لتبيّن وجوه الحكمة و كيفيّة الاعتبار .

و أمّا ثمرات العدل ، فبعضها كذلك أيضا و ذلك أنّ جودة الفهم و غوصه مستلزم للوقوف على غور العلم و غامضه ، و الوقوف على غامض العلم مستلزم للوقوف على شرائع الحكم العادل و الصدور عنها بين الخلق من القضاء الحقّ ، و أمّا ثمرة الحلم ،

فعدم وقوع الحليم في طرف التفريط و التقصير عن هذه الفضيلة و هي رذيلة الجبن و أن يعيش في الناس محمودا بفضيلته . و أمّا ثمرات الجهاد ، فأحدها ثمرة الأمر بالمعروف ، و هو شدّ ظهور المؤمنين و معاونتهم على إقامة الفضيلة ، الثانية ثمرة النهي عن المنكر و هي إرغام أنوف المنافقين و إذلالهم بالقهر عن ارتكاب المنكرات و إظهار الرذيلة ، الثالثة ثمرة الصدق في المواطن المكروهة ، و هي قضاء الواجب من أمر اللّه تعالى في دفع أعدائه و الذّبّ عن الحريم ، و الرابعة ثمرة بغض الفاسقين و الغضب للّه ، و هي غضب اللّه لمن أبغضهم و إرضاؤه يوم القيامة في دار كرامته . 16 و أقول : فرّق الكليني قدّس اللّه روحه الخبر على أربعة أبواب ، فجمعنا

-----------
( 16 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 255 258 .

[ 342 ]

ما أورده في بابي الاسلام و الإيمان هنا ، و سنورد ما أورده في بابي الكفر و النفاق في بابيها مع شرح تتمّة ما أورده السيّد و صاحب التحف و غيرهما إن شاء اللّه تعالى . 17