تبيان

« مرجعه » منصوب على الظرفيّة . و « التهافت » التساقط قطعة قطعة ،

من « هفت كضرب » إذا سقط كذلك ، و قيل : « هفت » أي تطاير لخفّته ، و المراد تلاشي الأجزاء و تفرّقها لعدم الطاقة . و « تغلظ » في بعض النسخ على صيغة المجهول من باب التفعيل ، و في بعضها على صيغة المجرّد المعلوم يقال : « غلظ الشي‏ء ككرم » ضدّ رقّ كما في النسخة ، و جاء [ غلّظ ] كضرب . و « الاستعداد للشي‏ء » التهيّؤ له .

و لفظ الرواية على ما ذكره ابن الأثير في النهاية أظهر قال : في حديث عليّ عليه السلام : « من أحبّنا أهل البيت فليعدّ للفقر جلبابا » [ 45 ] أي ليزهد في الدنيا و ليصبر على الفقر و العلّة . و « الجلباب » الإزار و الرداء و قيل : هو كالمقنعة تغطّي به المرأة رأسها و ظهرها و صدرها ، و جمعه « جلابيب » كنّى به عن الصبر لأنّه يستر الفقر كما يستر الجلباب البدن .

و قيل : إنّما كنّي بالجلباب عن اشتماله بالفقر أي فليلبس إزار الفقر ، و يكون منه على حالة تعمّه و تشمله ، لأنّ الغنا من أحوال أهل الدنيا و لا يتهيّأ الجمع بين حبّ الدّنيا و حبّ أهل البيت . انتهى .

و قال ابن أبي الحديد 46 : قد ثبت أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال :

« لا يحبّك إلاّ مؤمن و لا يبغضك إلاّ منافق » . و قد ثبت أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال : « إنّ البلوى أسرع إلى المؤمن من الماء إلى الحدور » .

هاتان المقدّمتان يلزمهما نتيجة صادقة هي أنّه عليه السلام لو أحبّه جبل لتهافت ، و لعلّ هذا هو مراد الرّضيّ رضي اللّه عنه بقوله : معنى آخر ليس هذا موضع ذكره .

[ 45 ] مرّ في ذيل ص 227 [ بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ] حديث عن المعاني ، يقول فيه الصادق عليه السلام ،

الحديث : « من أحبّنا فليعدّه للفقر جلبابا » . فراجع .

-----------
( 46 ) راجع شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 18 ، ص 275 ، ط بيروت .

[ 369 ]

انتهى . و فيه تأمّل .

و قال ابن ميثم : « الجلباب » مستعار لتوطين النفس على الفقر و الصبر عليه ، و وجه الاستعارة كونهما ساترين للمستعدّ بهما من عوارض الفقر و ظهوره في سوء الخلق و ضيق الصدر و التحيّر الّذي ربّما أدّى إلى الكفر ، كما يستر بالملحفة . و لمّا كانت محبّتهم عليهم السلام بصدق يستلزم متابعتهم و الاستشعار بشعارهم ، و من شعارهم الفقر و رفض الدنيا و الصبر على ذلك ، وجب أن يكون كلّ محبّ مستشعرا للفقر و مستعدّا له جلبابا من توطين النفس عليه و الصبر . 47 و قد ذكر ابن قتيبة هذا المعنى بعبارة أخرى ، فقال : من أحبّنا فليقتصر على التّقلّل من الدنيا و التقنّع فيها ، قال : و شبّه الصبر على الفقر بالجلباب لأنّه يستر الفقر ،

كما يستر الجلباب البدن .

قال : و يشهد بصحّة هذا التأويل ما روي أنّه رأي قوما على بابه ، فقال : يا قنبر من هؤلاء ؟

فقال : شيعتك يا أمير المؤمنين فقال : ما لي لا أرى فيهم سيماء الشيعة ؟

قال : و ما سيماء الشيعة ؟

قال : خمص البطون من الطوى ، يبس الشفاه من الظماء ، عمش العيون من البكاء .

و قال أبو عبيد : إنّه لم يرد الفقر في الدنيا ، ألا ترى أنّ فيمن يحبّهم مثل ما في سائر الناس من الغنى ؟ و إنّما أراد الفقر يوم القيامة ، و أخرج الكلام مخرج الوعظ و النصيحة و الحثّ على الطاعات ، فكأنّه أراد من أحبّنا فليعدّ لفقره يوم القيامة ما يحسره من الثواب ، و التقرّب إلى اللّه تعالى و الزلفة عنده .

قال : و قال السيّد المرتضى رحمه اللّه : و الوجهان جميعا حسنان ، و إن كان

-----------
( 47 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 298 .

[ 370 ]

قول ابن قتيبة أحسن ، فذلك معنى قول السيّد رضي اللّه عنه و قد تؤوّل ذلك على معنى آخر . انتهى كلام ابن ميثم .

و قال القطب الراونديّ رحمه اللّه بعد ذكر المعنيين المحكيّين عن ابن قتيبة و أبي عبيد : و قال المرتضى فيه وجها ثالثا ، أي من أحبّنا فليزمّ نفسه و ليقدها إلى الطاعات ، و ليذلّلها على الصبر عمّا كره منها ، فالفقر أن يحزّ أنف البعير فيلوى عليه حبل يذلّل به الصعب ، يقال : « فقره » إذا فعل به ذلك . انتهى .

و لا يخفى أنّه لو كان المراد الصبر على الفقر و ستره و الكفّ عن إظهار الحاجة إلى الناس ، و ذلك هو المعبّر عنه بالجلباب ، كما أشير إليه أوّلا ، لا يقدح فيه ما ذكره أبو عبيد من أنّ فيمن يحبّهم مثل ما في سائر الناس من الغنى ، لأنّ الأمر بالصبر و الستر حينئذ يتوجّه إلى من ابتلاه اللّه بالفقر ، فالمراد أنّ من ابتلى من محبّينا بالفقر ، فليصب عليه و لا يكشفها ، و لا يستفاد منه فقد الغنى من الشيعة .

و أمّا الخبر الأوّل فقد قيل : يحتمل أن تكون مفاده صعوبة حمل محبّتهم الكاملة ،

فيكون قريبا من قوله عليه السلام : إنّ أمرنا صعب مستصعب ، لا يحتمله إلاّ ملك مقرّب ، أو نبيّ مرسل ، أو عبد امتحن اللّه قلبه للإيمان 48 .

فتهافت الجبل حينئذ لثقل هذا الحمل و شدّة المهابة ، كقوله تعالى : لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ 49 . و قوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهَا . 50 و الظاهر من المقام أنّه ليس المراد بالمحبّة ما في العوامّ و الأوساط ، بل ما يستلزم التشبّه به عليه السلام على وجه كامل ، و الاقتداء التامّ به عليه السلام في الفضائل و محاسن الأعمال على قدر الطاقة ، و إن كانت درجته الرفيعة فوق إدراك الأفهام و أعلى من أن تناله الأوهام ، و حقّ للجبل أن يتهافت عن حمل مثل ذلك الحمل .

-----------
( 48 ) ارجع إلى : الكافي ، ج 1 ، ص 401 و بصائر الدرجات ، ص 20 .

-----------
( 49 ) الحشر : 21 .

-----------
( 50 ) الأحزاب : 73 .

[ 371 ]