147

و من كلام له عليه السلام لكميل بن زياد النخعي قال كميل بن زياد : أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، فأخرجني إلى الجبّان ( 4626 ) ، فلما أصحر ( 4627 ) تنفس الصّعداء ( 4628 ) ، ثم قال :

يا كميل بن زياد ، إنّ هذه القلوب أوعية ( 4629 ) ، فخيرها أوعاها ( 4630 ) ،

فاحفظ عنّي ما أقول لك :

-----------
( 72 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 82 ، كتاب الطهارة ، ص 84 .

-----------
( 73 ) الغارات ، ج 1 ، ص 148 .

[ 391 ]

النّاس ثلاثة : فعالم ربّانيّ ( 4631 ) ، و متعلّم على سبيل نجاة ،

و همج ( 4632 ) رعاع ( 4633 ) أتباع كلّ ناعق ( 4634 ) ، يميلون مع كلّ ريح ،

لم يستضيئوا بنور العلم ، و لم يلجؤوا إلى ركن وثيق .

يا كميل ، العلم خير من المال ، العلم يحرسك و أنت تحرس المال . و المال تنقصه النّفقة ، و العلم يزكو ( 4635 ) على الإنفاق ، و صنيع المال يزول بزواله .

يا كميل بن زياد ، معرفة العلم دين يدان به ، به يكسب الإنسان الطّاعة في حياته ، و جميل الأحدوثة بعد وفاته . و العلم حاكم ، و المال محكوم عليه .

يا كميل ، هلك خزّان الأموال و هم أحياء ، و العلماء باقون ما بقي الدّهر : أعيانهم مفقودة ، و أمثالهم في القلوب موجودة . ها إنّ هاهنا لعلما جمّا ( و أشار بيده إلى صدره ) لو أصبت له حملة ( 4636 ) بلى أصبت لقنا ( 4637 ) غير مأمون عليه ، مستعملا آلة الدّين للدّنيا ،

و مستظهرا بنعم اللّه على عباده ، و بحججه على أوليائه ، أو منقادا لحملة الحقّ ( 4638 ) ، لا بصيرة له في أحنائه ( 4639 ) ، ينقدح الشّكّ في قلبه لأوّل عارض من شبهة . ألا لا ذا و لا ذاك أو منهوما ( 4640 ) باللّذّة ،

[ 392 ]

سلس القياد ( 4641 ) للشّهوة ، أو مغرما ( 4642 ) بالجمع و الادّخار ( 4643 ) ،

ليسا من رعاة الدّين في شي‏ء ، أقرب شي‏ء شبها بهما الأنعام ( 4644 ) السّائمة ( 4645 ) كذلك يموت العلم بموت حامليه .

اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة ، إمّا ظاهرا مشهورا ،

و إمّا خائفا مغمورا ( 4646 ) ، لئلاّ تبطل حجج اللّه و بيّناته . و كم ذا و أين أولئك ؟ أولئك و اللّه الأقلّون عددا ، و الأعظمون عند اللّه قدرا .

يحفظ اللّه بهم حججه و بيّناته ، حتّى يودعوها نظراءهم ، و يزرعوها في قلوب أشباههم . هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة ، و باشروا روح اليقين ، و استلانوا ( 4647 ) ما استعوره ( 4648 ) المترفون ( 4649 ) ، و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، و صحبوا الدّنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى . أولئك خلفاء اللّه في أرضه ، و الدّعاة إلى دينه . آه آه شوقا إلى رؤيتهم انصرف يا كميل إذا شئت .