بيان

سيأتي هذا الخبر بأسانيد جمّة [ 74 ] في باب الاضطرار إلى الحجّة . و « الجبّان و الجبّانة » بالتشديد ، الصحراء ، و تسمّى بهما المقابر أيضا . و « أصحر » أي أخرج إلى الصحراء . و « أوعاها » أي أحفظها للعلم و أجمعها . و « الربّانيّ » منسوب إلى الربّ بزيادة الألف و النون على خلاف القياس كالرقبانيّ ، قال الجوهريّ :

« الربّانيّ » المتألّه العارف باللّه تعالى ، و كذا قال الفيروزآباديّ . و قال في

[ 74 ] بفتح الجيم و ضمّها : كثيرة .

[ 393 ]

الكشّاف : « الربّانيّ » هو شديد التمسّك بدين اللّه تعالى و طاعته . و قال في مجمع البيان : هو الّذي يربّ أمر الناس بتدبيره و إصلاحه إيّاه [ 75 ] و « الهمج » قد مرّ . و « الرعاع » الأحداث الطغام من العوام و السفلة و أمثالهم . و « النعيق » صوت الراعي بغنمه ، و يقال لصوت الغراب أيضا ، و المراد أنّهم لعدم ثباتهم على عقيدة من العقائد و تزلزلهم في أمر الدين يتّبعون كلّ داع و يعتقدون بكلّ مدّع و يخبطون خبط العشواء من غير تمييز بين محقّ و مبطل ، و لعلّ في جمع هذا القسم و إفراد القسمين الأوّلين إيماء إلى قلّتهما و كثرته ، كما ذكره الشيخ البهائيّ رحمه اللّه . و « الركن الوثيق » هو العقائد الحقّة البرهانيّة اليقينيّة الّتي يعتمد عليها في دفع الشبهات و رفع مشقّة الطاعات . و « العلم يحرسك » أي من مخاوف الدنيا و الآخرة و الفتن و الشكوك و الوساوس الشيطانيّة . و « المال تنقصه » و في ف : تفنيه . و « العلم يزكو على الإنفاق » أي ينمو و يزيد به ، إمّا لأنّ كثرة المدارسة توجب وفور الممارسة و قوّة الفكر ، أو لأنّ اللّه تعالى يفيض من خزائن علمه على من لا يبخل به .

و قال الشيخ البهائيّ رحمه اللّه : كلمة « على » يجوز أن تكون بمعنى « مع » كما قالوا في قوله تعالى : وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ 76 ، و أن تكون للسببيّة و التعليل كما قالوه في قوله تعالى : وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَيكُمْ 77 .

و في ف بعد ذلك : « و العلم حاكم و المال محكوم عليه » إذ بالعلم يحكم على الأموال في القضاء ، و ينتزع من أحد الخصمين و يصرف إلى الآخر ، و أيضا إنفاقه و جمعه على وفق العلم بوجوه تحصيله و مصارفه . « محبّة العالم دين يدان به » ، « الدين » الطاعة و الجزاء أي طاعة هي جزاء نعم اللّه و شكر لها ، أو يدان و يجزى صاحبه به ، أو محبّة العالم و هو الإمام دين و ملّة يعبد اللّه بسببه و لا تقبل الطاعات إلاّ به .

[ 75 ] قال ابن ميثم : قيل : سمّوا بذلك لأنّهم يربّون المتعلّمين بصغار العلوم قبل كبارها ، و قيل : لأنّهم يربّون العلم ، أي يقومون باصلاحه . شرح النهج ، ج 5 ، ص 322 .

-----------
( 76 ) الرعد : 8 .

-----------
( 77 ) البقرة : 185 .

[ 394 ]

و في ما : « صحبة العالم دين يدان اللّه به » أي عبادة يعبد اللّه بها .

و في نهج البلاغة : « معرفة العلم دين يدان به » . قوله « يكسبه الطاعة » قال الشيخ البهائيّ رحمه اللّه : بضمّ الحرف المضارعة من « أكسب » و المراد أنّه يكسب الانسان طاعة اللّه ، أو يكسبه طاعة العباد له .

أقول : لا حاجة إلى نقله إلى باب الإفعال ، بل المجرّد أيضا ورد بهذا المعنى ، بل هو أفصح . قال الجوهريّ : « الكسب » الجمع ، و كسبت أهلي خيرا و كسبت الرجل مالا فكسبه . و هذا ممّا جاء « فعلته ففعل » . انتهى . و الضمير في « يكسبه » راجع إلى صاحب العلم .

و في نهج البلاغة : يكسب الانسان الطاعة . و « جميل الأحدوثة » أي الكلام الجميل و الثناء ، « و الأحدوثة » مفرد الأحاديث . و في ف بعد ذلك : « و منفعة المال تزول بزواله » و هو ظاهر . « مات خزّان الأموال و هم أحياء » أي هم في حال حياتهم في حكم الأموات ، لعدم ترتّب فائدة الحياة على حياتهم من فهم الحقّ و سماعه و قبوله و العمل به و استعمال الجوارح فيما خلقت لأجله ، كما قال تعالى : أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَ مَا يَشْعُرُونَ 78 و العلماء بعد موتهم أيضا باقون بذكرهم الجميل و بما حصل لهم من السعادات و اللذّات في عالم البرزخ و النشأة الآخرة و بما يترتّب على آثارهم و علومهم و ينتفع الناس من بركاتهم الباقية مدى الأعصار . و على نسخة أمالي الشيخ المراد أنّهم ماتوا و مات ذكرهم و آثارهم معهم ، و العلماء بعد موتهم باقون بآثارهم و علومهم و أنوارهم .

قوله عليه السلام « و أمثالهم في القلوب موجودة » قال الشيخ البهائيّ :

« الأمثال » جمع « مثل » بالتحريك ، فهو في الأصل بمعنى النظير ، استعمل في القول السائر الممثّل مضربه بمورده ثمّ في الكلام الّذي له شأن و غرابة ، و هذا هو المراد ههنا ،

أي أنّ حكمهم و مواعظهم محفوظة عند أهلها يعملون بها . انتهى . و يحتمل أن يكون

-----------
( 78 ) النحل : 21 .

[ 395 ]

المراد بأمثالهم أشباحهم و صورهم ، فإنّ المحبّين لهم المهتدين بهم المقتدين لآثارهم يذكرونهم دائما و صورهم متمثّلة في قلوبهم على أن يكون جمع « مثل » بالتحريك أو جمع « مثل » بالكسر ، فإنّه أيضا يجمع على أمثال . « إنّ ههنا لعلما » و في نهج البلاغة :

« لعلما جمّا » أي كثيرا . « لو أصبت له حملة » بالفتحات ، جمع « حامل » أي من يكون أهلا له ، و جواب « لو » محذوف ، أي لأظهرته أو لبذلته له . مع أنّ كلمة « لو » إذا كانت للتمنّي لا تحتاج إلى الجزاء عند كثير من النحاة . « بلى أصبت له لقنا » و في نهج البلاغة : « اصيب لقنا » ، و « اللّقن » بفتح اللاّم و كسر القاف ، الفهم من « اللقانة » و هي حسن الفهم . « غير مأمون » أي يذيعه إلى غير أهله ، و يضعه في غير موضعه .

« يستعمل آلة الدين في الدنيا » و في ف : « في طلب الدنيا » أي يجعل العلم الّذي هو آلة و وصلة إلى الفوز بالسعادات الأبديّة آلة و وسيلة إلى تحصيل الحظوظ الفانية الدنيويّة .

قوله عليه السلام « يستظهر بحجج اللّه على خلقه » لعلّ المراد بالحجج و النعم أئمّة الحقّ ، أي يستعين بهؤلاء و يأخذ منهم العلوم ليظهر هذا العلم للناس فيتّخذه ضعفاء العقول بطانة [ 79 ] و وليجة و يصدّ الناس عن وليّ الحقّ و يدعوهم إلى نفسه ، و يحتمل أن يكون المراد بالحجج و النعم العلم الّذي آتاه اللّه ، و يكون الظرفان متعلّقين بالاستظهار ، أي يستعين بالحجج للغلبة على الخلق و بالنعم للغلبة على العباد . و غرضه من هذا الاستظهار إظهار الفضل ليتّخذه الناس وليجة ، قال الفيروزآباديّ :

« الوليجة » الدخيلة و خاصّتك من الرجال أو من تتّخذه معتمدا عليه من غير أهلك . و في ف : « و بنعمة اللّه على معاصيه » .

أو منقادا لحملة العلم » بالحآء المهملة و في بعض النسخ بالجيم أي مؤمنا بالحقّ معتقدا له على سبيل الجملة ، و في ف : أو قائلا بجملة الحقّ .

« لا بصيرة له في أحنائه » بفتح الهمزة و بعدها حآء مهملة ثمّ نون ، أي جوانبه ،

[ 79 ] بطانة الرجل : أهله و خاصّته .

[ 396 ]

أي ليس له غور و تعمّق فيه و في بعض نسخ الكتابين و في ف و في بعض نسخ النهج أيضا « في إحيائه » باليآء المثنّاة من تحت ، أي في ترويجه و تقويته . « يقدح » على صيغة المجهول ، يقال : « قدحت النار » أي استخرجتها بالمقدحة ، و في ما مثل ف يقتدح و في النهج : ينقدح . و على التقادير حاصله أنّه يشتعل نار الشكّ في قلبه بسبب أوّل شبهة عرضت له ، فكيف إذا توالت و تواترت ؟

« ألا لا ذا و لا ذاك » أي ليس المنقاد العديم البصيرة أهلا لتحمّل العلم ، و لا اللّقن الغير المأمون . و هذا الكلام معترض بين المعطوف و المعطوف عليه . « أو منهوما باللّذات » أي حريصا عليها منهمكا فيها ، و « المنهوم » في الأصل هو الّذي لا يشبع من الطعام . أقول . في أكثر نسخ الكتابين : « فمنهوم » أي فمن طلبة العلم أو من الناس . و في ف : « اللّهم لا ذا و لا ذاك فمن إذا المنهوم باللذّة السلس القياد للشهوة ، أو مغرم بالجمع و الادّخار ليسا من رعاة الدين و لا ذوي البصائر و اليقين » . و في النهج : « أو منهوما باللذّة سلس القياد للشهوة أو مغرما » .

قوله عليه السلام « سلس القياد » أي سهل الانقياد من غير توقّف . « أو مغرى بالجمع و الادّخار » أي شديد الحرص على جمع المال و ادّخاره كأنّ أحدا يغريه بذلك و يبعثه عليه ، و « الغرم » أيضا بمعناه ، يقال : « فلان مغرم بكذا » أي لازم له مولع به . « ليسا من رعاة الدين » ، « الرعاة » بضمّ أوّله جمع « راع » بمعنى الوالي ، أي ليس « المنهوم » و « المغرى » المذكوران من ولاة الدين ، و فيه إشعار بأنّ العالم الحقيقي وال على الدين و قيّم عليه . « أقرب شبها » أي « الأنعام السّائمة » أي الراعية أشبه الأشياء بهذين الصنفين . « كذلك يموت » أي مثل ما عدم من يصلح لتحمّل العلوم تعدم تلك العلوم أيضا و تندرس آثارها بموت العلماء العارفين لأنّهم لا يجدون من يليق لتحمّلها بعدهم .

و لمّا كانت سلسلة العلم و العرفان لا تنقطع بالكليّة مادام نوع الانسان بل لا بدّ من إمام حافظ للدين في كلّ زمان ، استدرك أمير المؤمنين عليه السلام كلامه هذا بقوله « اللّهم بلى » و في النهج : « لا تخلو الأرض من قائم للّه بحججه إمّا ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا » . و في ف : « من قائم بحجّة إمّا ظاهرا مكشوفا أو خائفا مفردا ،

[ 397 ]

لئلاّ تبطل حجج اللّه و بيّناته و رواة كتابه » . و الإمام الظاهر المشهور كأمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و الخائف المغمور كالقائم في زماننا و كباقي الأئمّة المستورين للخوف و التقيّة ، و يحتمل أن يكون باقي الأئمّة عليهم السلام داخلين في الظاهر المشهور . « و كم و أين » استبطاء لمدّة غيبة القائم عليه السلام و تبرّم [ 80 ] من امتداد دولة أعدائه أو إبهام لعدد الأئمّة عليهم السلام و زمان ظهورهم و مدّة دولتهم لعدم المصلحة في بيانه . ثم بيّن عليه السلام قلّة عددهم و عظم قدرهم ، و على الثاني يكون الحافظون و المودّعون الأئمّة عليهم السلام و على الأوّل يحتمل أن يكون المراد شيعتهم الحافظين لأديانهم في غيبتهم . « هجم بهم العلم » أي أطلعهم العلم اللّدنّيّ على حقائق الأشياء دفعة ، و انكشفت لهم حجبها و أستارها . و « الروح » بالفتح الراحة و الرحمة و النسيم ، أي وجدوا لذّة اليقين و هو من رحمته تعالى و نسائم لطفه . « و استلانوا ما استوعره المترفون » ، « الوعر من الأرض » ضدّ السهل و « المترف » المنعم ،

أي استسهلوا ما استصعبه المتنعّمون من رفض الشهوات و قطع التعلّقات . « و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون » من الطاعات و القربات و المجاهدات في الدين . « صحبوا الدنيا بأبدان الخ » أي و إن كانوا بأبدانهم مصاحبين لهذا الخلق ، و لكن بأرواحهم مبائنون عنهم بل أرواحهم معلّقة بقربه و وصاله تعالى مصاحبة لمقرّبي جنابه من الأنبياء و الملائكة المقرّبين . « أولئك خلفاء اللّه في أرضه » تعريف المسند إليه بالإشارة للدلالة على أنّه حقيق بما يسند إليه بعدها بسبب اتّصافه بالأوصاف المذكورة قبلها كما قالوه في قوله تعالى :

أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ اُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . 81 و في نسخ نهج البلاغة : « آه ، آه » و في سائرها في بعضها : « هاى هاى » و في بعضها : « هاه هاه » ، و على التقادير الغرض إظهار الشوق إليهم و التوجّع على مفارقتهم ،

[ 80 ] « تبرّم » أي تضجّر .

-----------
( 81 ) البقرة : 5 .

[ 398 ]

و إن لم يرد بعضها في اللّغة ففي العرف شائع . [ 82 ] و إنّما بيّنّا هذا الخبر قليلا من التبيين لكثرة جدواه للطالبين ، و ينبغي أن ينظروا فيه كلّ يوم بنظر اليقين ، و سنوضح بعض فوائده في كتاب الإمامة إن شاء اللّه تعالى . 83