150

و قال عليه السلام لرجل سأله أن يعظه :

لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير العمل ، و يرجّي التّوبة ( 4650 ) بطول الأمل ، يقول في الدّنيا بقول الزّاهدين ، و يعمل فيها بعمل الرّاغبين ،

إن أعطي منها لم يشبع ، و إن منع منها لم يقنع ، يعجز عن شكر ما أوتي ، و يبتغي الزّيادة فيما بقي ، ينهى و لا ينتهي ، و يأمر بما لا يأتي ، يحبّ الصّالحين و لا يعمل عملهم ، و يبغض المذنبين و هو أحدهم ، يكره الموت لكثرة ذنوبه ، و يقيم ( 4651 ) على ما يكره الموت

[ 82 ] و هذا من عجيب قوله رحمه اللّه ، و كيف يتصوّر أن يكون هناك لفظ يفيد معنى بحسب العرف يستعمله مثله عليه السلام و هو أخطب العرب ثمّ تعرفه اللّغة ؟ و هل العرف إلاّ المعروف من اللغة الّذي يعرفه أهلها بحسب مرحلة الاستعمال ؟ ط

-----------
( 83 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 1 ، كتاب العلم ، ص 189 .

[ 399 ]

من أجله ، إن سقم ( 4652 ) ظلّ نادما ، و إن صحّ أمن لاهيا ، يعجب بنفسه إذا عوفي ، و يقنط إذا ابتلي ، إن أصابه بلاء دعا مضطرّا ، و إن ناله رخاء أعرض مغترّا ، تغلبه نفسه على ما يظنّ ، و لا يغلبها على ما يستيقن ( 4653 ) ، يخاف على غيره بأدنى من ذنبه ، و يرجو لنفسه بأكثر من عمله ، إن استغنى بطر ( 4654 ) و فتن ، و إن افتقر قنط ( 4655 ) و وهن ( 4656 ) ،

يقصّر إذا عمل ، و يبالغ إذا سأل ، إن عرضت له شهوة أسلف ( 4657 ) المعصية ، و سوّف ( 4658 ) التّوبة ، و إن عرته محنة ( 4659 ) انفرج ( 4660 ) عن شرائط الملّة ( 4661 ) . يصف العبرة ( 4662 ) و لا يعتبر ، و يبالغ في الموعظة و لا يتّعظ ، فهو بالقول مدلّ ( 4663 ) ، و من العمل مقلّ ، ينافس فيما يفنى ، و يسامح فيما يبقى . يرى الغنم ( 4664 ) مغرما ( 4665 ) ، و الغرم مغنما ، يخشى الموت ، و لا يبادر ( 4666 ) الفوت ( 4667 ) ، يستعظم من معصية غيره ما يستقلّ أكثر منه من نفسه ، و يستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره ، فهو على النّاس طاعن ، و لنفسه مداهن ، اللّهو مع الأغنياء أحبّ إليه من الذّكر مع الفقراء ، يحكم على غيره لنفسه ،

و لا يحكم عليها لغيره ، يرشد غيره و يغوي نفسه ، فهو يطاع و يعصي ،

و يستوفي و لا يوفي ، و يخشى الخلق في غير ربّه و لا يخشى ربّه في خلقه .

[ 400 ]

قال الرضي : و لو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة ، و حكمة بالغة ، و بصيرة لمبصر ، و عبرة لناظر مفكر .