نقل و تحقيق [ في حقيقة السّحر ]

اعلم أنّ أصحابنا و المخالفين اختلفوا في حقيقة السّحر ، و أنّه هل له حقيقة أو محض توهّم . و لنذكر بعض كلماتهم في ذلك .

قال الشيخ قدّس سرّه في الخلاف : السحر له حقيقة ، و يصحّ منه أن يعقد و يؤثّر و يسحر فيقتل و يمرض و يكوع [ 118 ] الأيدي و يفرّق بين الرجل و زوجته ، و يتّفق له أن يسحر بالعراق رجلا بخراسان فيقتله عند أكثر أهل العلم و أبي حنيفة و أصحابه و مالك و الشافعيّ .

و قال أبو جعفر الاسترآباديّ : لا حقيقة له ، و إنّما هو تخييل و شعبدة . و به قال

[ 118 ] « كوع كسمع » عظم كوعه و هو طرف الزند الّذي يلي الإبهام و اعوجّ .

[ 437 ]

المغربيّ من أهل الظاهر ، و هو الّذي يقوى في نفسي . و يدلّ عليه قوله تعالى :

فَإِذَا حِبَالُهُمْ الآية 119 و ذلك أنّ القوم جعلوا من الحبال كهيئات الحيّات و طلوا عليها الزيبق و أخذوا الموعد على وقت تطلع فيه الشمس حتّى إذا وقعت على الزيبق تحرّك فخيّل لموسى عليه السلام أنّها حيّات و لم يكن لها حقيقة ، و كان هذا في أشدّ وقت الحرّ فألقى موسى عصاه فأبطل عليهم السحر فآمنوا به .

و أيضا فإنّ الواحد منّا لا يصحّ أن يفعل في غيره و ليس بينه و بينه اتّصال و لا اتّصال يتّصل بما يفعل فيه ، فكيف يفعل من هو ببغداد فيمن هو بالحجاز و أبعد منها ؟ و لا ينفي هذا قوله تعالى : وَ لَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ 120 لأنّ ذلك لا نمنع منه ، و إنّما الّذي منعنا منه أن يؤثّر الساحر الّذي يدّعونه ، فأمّا أن يفعلوا ما يتخيّل عنه أشياء ، فلا نمنع منه .

و رووا عن عائشة . . .

أقول : ثمّ ذكر نحوا ممّا مرّ من سحر اليهوديّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ثمّ قال : و هذه أخبار آحاد لا يعمل عليها في هذا المعنى . و قد روي عن عائشة أنّها قالت :

سحر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فما عمل فيه السحر و هذا معارض ذلك .

ثمّ قال قدّس سرّه : إذا أقرّ أنّه سحر قتل بسحره متعمّدا لا يجب عليه القود ، و به قال أبو حنيفة ، و قال الشافعيّ : يجب عليه القود . دليلنا أنّ الأصل براءة الذمّة ، و أنّ هذا ممّا يقتل به يحتاج إلى دليل .

و أيضا فقد بيّنّا أنّ الواحد لا يصحّ أن يقتل غيره بما لا يباشره به إلاّ أن يسقيه ما يقتل به على العادة مثل السّمّ ، و ليس السحر بشي‏ء من ذلك .

و قد روى أصحابنا أنّ الساحر يقتل ، و الوجه فيه أنّ هذا فساد في الأرض و السعي فيها به فلأجل ذلك وجب فيه [ 121 ] القتل .

-----------
( 119 ) طه : 66 .

-----------
( 120 ) البقرة : 102 .

[ 121 ] في ( خ ) : به .

[ 438 ]

و قال العلاّمة نوّر اللّه مرقده في التحرير : السحر عقد و رمي كلام يتكلّم به أو يكتبه أو يعمل شيئا يؤثّر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة ، و قد يحصل به القتل و المرض و التفريق بين الرجل و المرأة و بغض أحدهما لصاحبه و محبّة أحد الشّخصين للآخر . و هل له حقيقة أم لا ؟ فيه نظر .

ثمّ قال و السحر الّذي يجب فيه 122 القتل هو ما يعدّ في العرف سحرا ، كما نقل الأمويّ في مغازيه أنّ النجاشيّ دعا السواحر فنفخن في إحليل عمارة بن الوليد فهام مع الوحش ، فلم يزل معها إلى إمارة عمر بن الخطّاب فأمسكه انسان ، فقال : خلّني و إلاّ متّ ، فلم يخلّه فمات من ساعته .

و قيل : إنّ ساحرة أخذها بعض الأمراء فجاء زوجها كالهائم ، فقال : قولوا لها تخل عنّي فقالت : ائتوني بخيوط و باب فأتوا بذلك فجلست و جعلت تعقد فطار بها الباب فلم يقدروا عليها ، و أمثال ذلك . و أمّا الّذي يعزم على المصروع و يزعم أنّه يجمع الجنّ و يأسرها فتطيعه ، فلا يتعلّق به حكم ، و الّذي يحلّ السحر بشي‏ء من القرآن و الذكر و الأقسام فلا بأس به و إن كان بالسحر حرم على إشكال .

و قال في موضع آخر منه : الّذي اختاره الشيخ رحمه اللّه أنّه لا حقيقة للسحر ، و في الأحاديث ما يدلّ على أنّ له حقيقة . فعلى ما ورد في الأخبار لو سحره فمات بسحره ففي القود إشكال ، و الأقرب الدّية . . . إلى آخر ما قال .

و قال في المنتهى نحوا من أوّل الكلام ثمّ قال : و اختلف في أنّه له حقيقة أم لا . قال الشيخ رحمه اللّه : لا حقيقة له و إنّما هو تخييل ، و هو قول بعض الشافعيّة ، و قال الشافعيّ : له حقيقة . و قال أصحاب أبي حنيفة : إن كان يصل إلى بدن المسحور كدخان و نحوه جاز أن يحصل منه ما يؤثّر في نفس المسحور من قتل أو مرض أو أخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطيها أو يفرّق بينهما أو يبغّض أحدهما إلى الآخر أو يحبّبه إليه .

فأمّا أن يحصل المرض و الموت من غير أن يصل إلى بدنه شي‏ء فلا يجوز ذلك .

-----------
( 122 ) الخلاف للشيخ الطوسي ، ج 2 ، ص 423 424 .

[ 439 ]

ثمّ ذكر رحمه اللّه احتجاج الطرفين بآية « يخيّل إليه » و سورة الفلق ، ثمّ قال : و روى الجمهور عن عائشة أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله سحر حتّى يرى أنّه يفعل الشي‏ء و لا يفعله ، و أنّه قال لها ذات يوم : أشعرت أنّ اللّه تعالى أفتاني فيما استفتيته إنّه أتاني ملكان فجلس أحدهما عند رأسي و الآخر عند رجلي ، فقال : ما وجع الرجل ؟ فقال : مطبوب . قال : من طبّه ؟ قال : لبيد بن أعصم اليهوديّ في مشط و مشاطة في جفّ طلعة في بئرذي أزوان . رواه البخاريّ . و « جفّ الطّلعة » وعاؤها ، و « المشاطة » الشعر الّذي يخرج من شعر الرأس و غيره إذا مشط ، فقد أثبت لهم سحرا .

و هذا القول عندي باطل ، و الروايات ضعيفة خصوصا رواية عائشة لاستحالة تطرّق السحر إلى الأنبياء عليهم السلام .

ثمّ قال : إن كان للسحر حقيقة فهو ما يعدّ في العرف سحرا ، ثمّ ذكر القصّتين للنجاشيّ و الساحرة ، ثمّ قال : فهذا و أمثاله مثل أن يعقد الرجل المزوّج فلا يطيق و طي امرأته هو السحر المختلف فيه ، فأمّا الّذي يقال من العزم على المصروع فلا يدخل تحت هذا الحكم ، و هو عندي باطل لا حقيقة له و إنّما هو من الخرافات .

و قال الشهيد رفع اللّه درجته في الدروس : تحرم الكهانة و السحر بالكلام و الكتابة و الرقية و الدخنة بعقاقير الكواكب و تصفية النفس و التصوير و العقد و النفث و الأقسام و العزائم بما لا يفهم معناه و يضرّ بالغير فعله . و من السحر الاستخدام للملائكة و الجنّ و استنزال الشياطين في كشف الغائب و علاج المصاب ، و منه الاستحضار بتلبيس الروح ببدن منفعل كالصبيّ و المرأة و كشف الغائب عن لسانه .

و منه النيرنجات ، و هي إظهار غرائب خواصّ الامتزاجات و أسرار النيّرين ،

و تلحق به الطلسمات ، و هي تمزيج القوى العالية الفاعلة بالقوى السافلة المنفعلة ليحدث عنها فعل غريب . فعمل هذا كلّه و التكسّب به حرام ، و الأكثر على أنّه لا حقيقة له ، بل هو تخييل . و قيل : أكثره تخييل و بعضه حقيقيّ ، لأنّه تعالى وصفه بالعظمة في سحرة فرعون ، و من التخييل إحداث خيالات لا وجود لها في الحسّ المشترك للتأثير في شي‏ء آخر و ربّما ظهر إلى الحسّ .

[ 440 ]

و تلحق به الشعبذة ، و هي الأفعال العجيبة المرتّبة على سرعة اليد بالحركة فيلبّس على الحسّ و قيل : الطلسمات كانت معجزات للأنبياء .

و أمّا الكيمياء فيحرم المسمّى بالتكليس بالزيبق و الكبريت و الزّاج و التصدية و بالشعر و البيض و المرار و الأدهان كما تفعله الجهّال ، أمّا سلب الجواهر خواصّها و إفادتها خواصّ أخرى بالدواء المسمّى بالإكسير أو بالنار الملينة الموقدة على أصل الفلزّات أو لمراعاة نسبها في الحجم و الوزن ، فهذا ممّا لا يعلم صحّته و تجنّب ذلك كلّه أولى و أحرى . 123 و قال الشهيد الثاني رفع اللّه مقامه : السّحر هو كلام أو كتابة أو رقية أو أقسام و عزائم و نحوها يحدث بسببها ضرر على الغير و منه عقد الرجل عن زوجته بحيث لا يقدر على وطيها و إلقاء البغضاء بينهما ، و منه استخدام الملائكة و الجنّ و استنزال الشياطين في كشف الغائبات و علاج المصاب ، و استحضارهم و تلبّسهم ببدن صبيّ أو امرأة و كشف الغائب على لسانه ، فتعلّم ذلك و أشباهه و عمله و تعليمه كلّه حرام و التكسّب به سحت و يقتل مستحلّه . و لو تعلّمه ليتوقّى به أو ليدفع به المتنبّي بالسّحر فالظاهر جوازه و ربّما وجب على الكفاية كما هو خيرة الدروس . و يجوز حلّه بالقرآن و الأقسام كما ورد في رواية القلا .

و هل له حقيقة أو هو تخييل ؟ الأكثر على الثاني و يشكل بوجدان أثره في كثير من الناس على الحقيقة ، و التأثّر بالوهم إنّما يتمّ لو سبق للقابل علم بوقوعه ، و نحن نجد أثره فيمن لا يشعر به أصلا حتّى يضرّ به . و لو حمل تخييله على ما تظهر من تأثيره في حركات الحيّات و الطيران و نحوهما أمكن ، لا في مطلق التأثير و إحضار الجانّ و شبه ذلك فإنّه أمر معلوم لا يتوجّه دفعه .

ثمّ قال : و الكهانة عمل يوجب طاعة بعض الجانّ له و اتّباعه [ له ] بحيث يأتيه بالأخبار و هو قريب من السّحر . ثمّ قال : و الشعبذة عرّفوها بأنّها الحركات السريعة

-----------
( 123 ) الدروس للشهيد الأوّل ، كتاب المكاسب .

[ 441 ]

الّتي تترتّب عليها الأفعال العجيبة ، بحيث يتلبّس [ 124 ] على الحسّ الفرق بين الشي‏ء و شبهه لسرعة الانتقال منه إلى شبهه .

أقول : و نحو ذلك قال المحقّق الأردبيليّ روّح اللّه روحه في شرح الإرشاد و قال : الظاهر أنّ له حقيقة بمعنى أنّه يؤثّر بالحقيقة لا أنّه إنّما يتأثّر بالوهم فقط و لهذا نقل تأثيره في شخص لم يعرف و لا يشعر بوقوعه فيه ، نعم يمكن أن لا حقيقة له بمعنى أن لا يوجد حيوان بفعله ، بل يتخيّل كقوله تعالى : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى 125 مع أنّه لا ثمرة في ذلك ، إذ لا شكّ في عقابه و لزوم الدية و عوض ما يفوت بفعل الساحر عليه .

و قال ابن حجر في « فتح الباري » في العين : تقول : « عنت الرجل » أصبته بعينك فهو معيون و معين و رجل عاين و معيان و عيون . و العين يضرّ باستحسان مشوب بحسد من حيث الطبع يحصل للمبصور منه ضرر . و قد استشكل ذلك على بعض الناس فقال : كيف يعمل العين من بعد حتّى يحصل الضرر للمعيون ؟ و الجواب أنّ طبائع الناس تختلف ، فقد يكون ذلك من سمّ يصل من عين العاين في الهواء إلى بدن المعيون .

و قد نقل عن بعض من كان معيانا أنّه قال : إذا رأيت شيئا يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني و يقرّب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد و لو وضعتها بعد طهرها لم يفسد ، و كذا تدخل البستان فتضرّ بكثير من العروش من غير أن تمسّها . و من ذلك أنّ الصحيح قد ينظر إلى العين الرمد فيرمد و يتثأب [ 126 ] بحضرته فيتثأب هو ، أشار الى ذلك ابن بطّال .

و قال الخطابيّ : في الحديث أنّ للعين تأثيرا في النفوس و إبطال قول الطباعيّين أنّه لا شي‏ء إلاّ ما تدركه الحواسّ الخمس و ما عدا ذلك لا حقيقة له .

و قال المازريّ : زعم بعض الطباعيّين أنّ العاين تنبعث من عينه قوّة سمّيّة

[ 124 ] « يتلبّس » أي يلتبس .

-----------
( 125 ) طه : 66 .

[ 126 ] « التثاؤب » أن يسترخى ، فيفتح فمه بلا قصد ، و الاسم « الثؤباء » .

[ 442 ]

تتّصل بالمعين فيهلك أو يفسد و هو كاصابة السمّ من نظر الأفعى ، و أشار إلى منع الحصر في ذلك مع تجويزه و أنّ الّذي يتمشّى على طريقة أهل السنّة أنّ العين إنّما تضرّ عند نظر العاين بعادة أجراها اللّه تعالى أن يحدث الضرّ عند مقابلة شخص لآخر ، و هل ثمّ جواهر خفيّة اولا ؟ هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته و لا نفيه .

و من قال ممّن ينتمي إلى الإسلام من أصحاب الطبائع بالقطع بأنّ جواهر لطيفة غير مرئية تنبعث من العاين فتتّصل بالمعيون و تتخلّل مسامّ جسمه فيخلق الباري‏ء الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السموم . فقد أخطأ بدعوى القطع ، و لكنّه جائز أن يكون عادة ليست ضرورة و لا طبيعة . انتهى .

و هو كلام سديد و قد بالغ ابن العربيّ في إنكاره فقال : ذهبت الفلاسفة إلى أنّ الإصابة بالعين صادرة عن تأثير النفس بقوّتها فيه ، فأوّل ما يؤثّر في نفسها ثمّ يؤثّر في غيرها .

و قيل : إنّما هو سمّ في عين العاين يصيبه بلفحه [ 127 ] عند التحديق إليه ، كما يصيب لفح سمّ الأفعي من يتّصل به .

ثمّ ردّ الأوّل بأنّه لو كان كذلك لما تخلّفت الإصابة في كلّ حال ، و الواقع بخلافه ، و الثاني بأنّ سمّ الأفعي جزء منها و كلّها قاتل ، و العاين ليس يقتل منه شي‏ء في قولهم إلاّ بصره و هو معنى خارج عن ذلك .

قال : و الحقّ أنّ اللّه يخلق عند بصر العاين إليه و إعجابه [ به ] إذا شاء ما شاء من ألم أو هلكة ، و قد يصرفه قبل وقوعه بالاستعاذة أو بغيرها و قد يصرفه بعد وقوعه بالرقية أو بالاغتسال أو بغير ذلك . انتهى كلامه .

و فيه : [ بعض ] ما يتعقّب ، فإنّ الّذي مثّل بالأفعي لم يرد أنّها تلامس المصاب حتّى يتّصل به من سمّها و إنّما أراد أنّ جنسا من الأفاعي اشتهر أنّها إذا وقع بصرها على الانسان هلك ، فكذلك العاين . و ليس مراد الخطابيّ بالتأثير المعنى الّذي تذهب إليه

-----------
( 127 ) « لفحت النار أو السموم فلانا » أصاب حرّها وجهه و أحرقه .

[ 443 ]

الفلاسفة ، بل ما أجرى اللّه به العادة من حصول الضرر للمعيون . و قد أخرج البزّاز بسند حسن عن جابر رفعه قال : أكثر من يموت بعد قضاء اللّه و قدره بالنفس ، قال الراوي : يعني بالعين . و قد أجرى اللّه العادة بوجود كثير من القوى و الخواصّ في الأجسام و الأرواح ، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل فترى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك و كذا الاصفرار عند رؤية من يخافه ، و كثير من الناس يسقم بمجرّد النظر إليه و يضعف قواه . و كلّ ذلك بواسطة ما خلق اللّه تعالى في الأرواح من التأثيرات و لشدّة ارتباطها بالعين نسب الفعل إلى العين و ليست هي المؤثّرة ، و إنّما التأثير للروح . و الأرواح مختلفة في طبائعها و قواها و كيفيّاتها و خواصّها ، فمنها ما يؤثر في البدن بمجرّد الرؤية من غير اتّصال به لشدّة خبث تلك الروح و كيفيّتها الخبيثة .

و الحاصل أن التأثير بإرادة اللّه تعالى و خلقه ليس مقصورا على الاتّصال الجسمانيّ ، بل يكون تاره به و تارة بالمقابلة و أخرى بمجرّد الرؤية و أخرى بتوجّه الروح كالّذي يحدث من الأدعية و الرقى و الالتجاء إلى اللّه تعالى و تارة يقع ذلك بالتوهّم و التخيّل . و الّذي يخرج من عين العاين سهم معنويّ إن صادف بدنا لا وقاية له أثّر فيه و إلاّ لم ينفذ السهم بل ربّما ردّ على صاحبه كالسهم الحسّيّ سواء .

و قال في بيان السحر : قال الراغب و غيره : السّحر يطلق على معان :

أحدها : مادقّ و لطف ، و منه « سحرت الصبيّ » خدعته و استملته ، فكلّ من استمال شيئا فقد سحره ، و منه إطلاق الشعراء سحر العيون لاستمالتها النفوس ، و منه قول الأطبّاء : « الطبيعة ساحرة » ، و منه قوله تعالى : بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ 128 أي مصروفون عن المعرفة ، و منه حديث : « إنّ من البيان لسحرا » .

الثاني : ما يقع بخداع و تخييلات لا حقيقة لها ، نحو ما يفعله المشعبد من صرف الأبصار عمّا يتعاطاه بخفّة يده ، و إلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعىَ و قوله تعالى : سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ 129 . و من هناك سمّوا

-----------
( 128 ) الحجر : 15 .

-----------
( 129 ) الأعراف : 116 .

[ 444 ]

موسى عليه السلام ساحرا و قد يستعان في ذلك بما يكون فيه خاصيّة كحجر المقناطيس .

الثالث : ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب من التقرّب إليهم ، و إلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : وَ لَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ .

الرابع : ما يحصل بمخاطبة الكواكب و اشتراك روحانيّاتها بزعمهم ، قال ابن حزم : و منه ما يؤخذ من الطلسمات كالطابع المنقوش فيه صورة عقرب في وقت كون القمر في العقرب فينفع من لدغة العقرب ، و قد يجمع بعضهم بين الأمرين : الاستعانة بالشياطين و مخاطبة الكواكب ، فيكون ذلك أقوى بزعمهم .

ثمّ السحر يطلق و يراد به الآلة الّتي يسحر بها ، و يطلق و يراد به فعل الساحر و الآلة تارة تكون معنى من المعاني فقط كالرّقى و النفث ، و تارة تكون من المحسوسات كتصوير صورة على صورة المسحور ، و تارة يجمع الأمرين الحسّيّ و المعنويّ و هو أبلغ .

و اختلف في السحر فقيل : هو تخييل فقط و لا حقيقة له ، و قال النوويّ :

و الصحيح أنّ له حقيقة و به قطع الجمهور و عليه عامّة العلماء و يدلّ عليه الكتاب و السنّة المشهورة . انتهى .

لكن محلّ النزاع أنّه : هل يقع بالسحر انقلاب عين أولا ؟ فمن قال إنّه تخييل فقط منع من ذلك ، و من قال له حقيقة اختلفوا [ في أنّه ] هل له تأثير فقط بحيث يغيّر المزاج فيكوّن نوعا من الأمراض أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصيّر الجماد حيوانا مثلا و عكسه ؟ فالّذي عليه الجمهور هو الأوّل ، و ذهبت طائفة قليلة إلى الثاني . فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهيّة فمسلّم و إن كان بالنّظر إلى الواقع فهو محلّ الخلاف ، فإنّ كثير ممّن يدّعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه .

و نقل الخطابيّ أنّ قوما أنكروا السحر مطلقا و كأنّه عنى القائلين بأنّه تخييل فقط و إلاّ فهي مكابرة .

و قال المازريّ : جمهور العلماء على إثبات السحر و أنّ له حقيقة و نفى بعضهم حقيقته و أضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة ، و هو مردود لورود النقل بإثبات

[ 445 ]

السحر و لأنّ العقل لا ينكر أنّ اللّه تعالى قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفّق و تركيب أجسام أو مزج بين قوى على ترتيب مخصوص ، و نظير ذلك ما يقع من حذّاق الأطبّاء من مزج العقاقير ببعض حتّى ينقلب الضارّ منها بمفرده فيصير بالتركيب نافعا . و قيل : لا يزيد تأثير السحر على ما ذكر اللّه تعالى في قوله : مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ 130 لكون المقام مقام تهويل ، فلو جاز أن يقع أكثر من ذلك لذكره .

قال المازريّ : و الصحيح من جهة العقل أنّه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك ،

قال : و الآية ليست نصّا في منع الزيادة و لو قلنا إنّها ظاهرة في ذلك .

ثمّ قال : و الفرق بين السّحر و المعجزة و الكرامة أنّ السّحر يكون بمعاناة أقوال و أفعال حتّى يتمّ للسّاحر ما يريد ، و الكرامة لا تحتاج إلى ذلك بل إنّما تقع غالبا اتّفاقا ، و أمّا المعجزة فتمتاز من الكرامة بالتّحدّي .

و نقل إمام الحرمين الإجماع على أنّ السحر لا يظهر إلاّ عن فاسق و الكرامة لا تظهر عن [ 131 ] الفاسق . و نقل النوويّ في زيادات الروضة عن المستولى [ 132 ] نحو ذلك و ينبغي أن يعتبر بحال من يقع الخارق منه ، فإن كان متمسّكا بالشريعة متجنّبا للموبقات فالّذي يظهر على يده من الخوارق كرامة و إلاّ فهو سحر لأنّه ينشأ عن أحد أنواعه كإعانة الشياطين .

و قال القرطبيّ : السحر حيل صناعيّة يتوصّل إليها بالاكتساب غير أنّها لدقّتها لا يتوصّل إليها إلاّ آحاد الناس . و مادّتها الوقوف على خواصّ الأشياء و العلم بوجوه تركيبها و أوقاته ، و أكثرها تخييلات بغير حقيقة و إيهامات بغير ثبوت فيعظم عند من لا يعرف ذلك ، كما قال اللّه تعالى عن سحرة فرعون : وَ جَاؤُوا بِسِحْرِ عَظِيمٍ 133 ، مع أنّ حبالهم و عصيّهم لم تخرج عن كونها حبالا و عصيّا .

-----------
( 130 ) البقرة : 102 .

[ 131 ] في اكثر النسخ : على فاسق .

[ 132 ] في ( خ ) : المستوفى .

-----------
( 133 ) الأعراف : 116 .

[ 446 ]

ثمّ قال : و الحقّ أنّ لبعض أصناف السحر تأثيرا في القلوب كالحبّ و البغض و إلقاء الخير و الشرّ في الأبدان بالألم و السقم ، و إنّما المنكر أنّ الجماد ينقلب حيوانا و عكسه بسحر الساحر و نحو ذلك . انتهى .

و قال شارح المقاصد : السحر إظهار أمر خارق للعادة من نفس شريرة خبيثة بمباشرة أعمال مخصوصة يجري فيها التعلّم و التلمّذ ، و بهذين الاعتبارين يفارق المعجزة و الكرامة و بأنّه لا يكون بحسب اقتراح المعترض و بأنّه يختصّ ببعض الأزمنة أو الأمكنة أو الشرائط و بأنّه قد يتصدّى لمعارضته و يبذل الجهد في الإتيان بمثله و بأنّ صاحبه ربما يعلن بالفسق و يتّصف بالرّجس في الظاهر و الباطن و الخزي في الدنيا و الآخرة . . . إلى غير ذلك من وجوه المفارقة . و هو عند أهل الحقّ جائز عقلا ثابت سمعا و كذلك الإصابة بالعين .

و قالت المعتزلة : هو مجرّد إراءة مالا حقيقة له منزلة الشعبدة الّتي سببها خفّة حركات اليد أو خفاء وجه الحيلة فيه .

لنا على الجواز ما مرّ في الإعجاز ، من إمكان الأمر في نفسه و شمول قدرة اللّه له فإنّه هو الخالق و إنّما الساحر فاعل و كاسب ، و أيضا إجماع الفقهاء و إنّما اختلفوا في الحكم . و على الوقوع وجوه :

منها قوله تعالى : يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَ مَا اُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَ مَارُوتَ إلى قوله فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ وَ مَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ 134 . و فيه إشعار بأنّه ثابت حقيقة ، ليس مجرّد إراءة و تمويه و بأنّ المؤثّر و الخالق هو اللّه تعالى وحده .

و منها سورة الفلق ، فقد اتّفق جمهور المسلمين على أنّها نزلت فيما كان من سحر لبيد بن أعصم اليهوديّ لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حتّى مرض ثلاث ليال .

و منها ما روي أنّ جارية سحرت عايشة و أنّه سحر ابن عمر حتّى تكوّعت يده .

-----------
( 134 ) البقرة : 102 .

[ 447 ]

فإن قيل : لو صحّ السحر لأضرّت السحرة بجميع الأنبياء و الصالحين و لحصّلوا لأنفسهم الملك العظيم ، و كيف يصحّ أن يسحر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قد قال اللّه : وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ 135 وَ لاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى 136 . و كانت الكفرة يعيبون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بأنّه مسحور ، مع القطع بأنّهم كاذبون .

قلنا : ليس الساحر يوجد في كلّ عصر و زمان و بكلّ قطر و مكان و لا ينفذ حكمه كلّ أوان و لا له يد في كلّ شي‏ء [ 137 ] و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله معصوم من أن يهلكه الناس أو يوقع خللا في نبوّته لا أن يوصل ضررا و ألما إلى بدنه ، و مراد الكفّار بكونه مسحورا أنّه مجنون أزيل عقله بالسحر حيث ترك دينهم .

فان قيل : قوله تعالى في قصّة موسى عليه السلام يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعىَ يدلّ على أنّه لا حقيقة للسحر ، و إنّما هو تخييل و تمويه .

قلنا : يجوز أن يكون سحرهم إيقاع ذلك التخيّل و قد تحقّق ، و لو سلّم فكون أثره في تلك الصورة هو التخييل لا يدلّ على أنّه لا حقيقة له أصلا .

و أمّا الإصابة بالعين و هو أن يكون لبعض النفوس خاصيّة أنّها إذا استحسنت شيئا لحقه الآفة ، فثبوتها يكاد يجري مجرى المشاهدات الّتي لا تفتقر إلى حجّة ، و قد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : « العين حقّ يدخل الرّجل القبر و الجمل القدر » . و قد ذهب كثير من المفسّرين إلى أنّ قوله تعالى : وَ إِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَ يَقُولُونَ الآية 138 نزلت في ذلك .

و قالوا : كان العين في بني أسد ، فكان الرجل منهم يتجوّع ثلاثة أيّام فلا يمرّ به شي‏ء يقول فيه : « لم أر كاليوم » إلاّ عانه ، فالتمس الكفّار من بعض من كانت له هذه الصنعة أن يقول في رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ذلك ، فعصمه اللّه . و اعترض الجبائيّ أنّ القوم ما كانوا ينظرون إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله نظر استحسان بل مقت و نقص .

-----------
( 135 ) المائدة : 67 .

-----------
( 136 ) طه : 69 .

[ 137 ] في ( خ ) : شأن .

-----------
( 138 ) القلم : 51 .

[ 448 ]

و الجواب أنّهم كانوا يستحسنون منه الفصاحة و كثيرا من الصفات و إن كانوا يبغضونه من جهة الدين .

ثمّ للقائلين بالسحر و العين اختلاف في جواز الاستعانة بالرقى و العوذ و في جواز تعليق التمائم و في جواز النفث و المسح . و لكلّ من الطرفين أخبار و آثار ، و الجواز هو الأرجح و المسألة بالفقهيّات أشبه . انتهى .

و أقول : الّذي ظهر لنا ممّا مضى من الآيات و الأخبار و الآثار أنّ للسحر تأثيرا مّا في بعض الأشخاص و الأبدان كإحداث حبّ أو بغض أو همّ أو فرح ، و أمّا تأثيره في إحياء شخص أو قلب حقيقة إلى أخرى كجعل الإنسان بهيمة فلا ريب في نفيهما و أنّهما من المعجزات . و كذا في كلّ ما يكون من هذا القبيل كإبراء الأكمه و الأبرص و إسقاط يد بغير جارحة أو وصل يد مقطوع أو إجراء الماء الكثير من بين الأصابع أو من حجر صغير و أشباه ذلك .

و الظاهر أنّ الإماتة أيضا كذلك ، فإنّه بعيد أن يقدر الإنسان على أن يقتل رجلا بغير ضرب و جرح و سمّ و تأثير ظاهر في بدنه و إن أمكن أن يكون اللّه تعالى جعل لبعض الأشياء تأثيرا في ذلك و نهى عن فعله ، كما أنّه سبحانه جعل الخمر مسكرا و نهى عن شربه و جعل الحديد قاطعا و منع من استعماله في غير ما أحلّه ، و كذا التمريض ، لكنّه أقلّ استبعادا .

فان قيل : مع تجويز ذلك يبطل كثير من المعجزات ، و يحتمل فيه السحر .

قلنا : قد مرّ أنّ المعجزة تحدث عند طلبها بلا آلات و أدوات و مرور زمان يمكن فيه تلك الأعمال بخلاف السحر ، فإنّه لا يحصل إلاّ بعد استعمال تلك الأمور و مرور زمان . و أيضا الفرق بين السحر و المعجز [ ة ] بيّن عند العارف بالسحر و حقيقته و لذا حكم بعض الأصحاب بوجوب تعلّمه كفاية . و يروى عن شيخنا البهائيّ قدّس اللّه روحه أنّه لو كان خروج الماء من بين أصابع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مع قبض يده و ضمّ أصابعه إلى كفّه كان يحتمل السحر و أمّا مع بسط الأصابع و تفريجها فلا

[ 449 ]

يحتمل السحر ، و ذلك واضح عند من له دربة [ 139 ] في صناعة السحر .

و أيضا معجزات الأنبياء لا تقع على وجه تكون فيه شبهة لأحد إلاّ أن يقول معاند بلسانه ما ليس في قلبه ، فإنّ الساحر ربّما يخيّل و يظهر قطرات من الماء من بين أصابعه أو كفّه أو من حجر صغير و أمّا أن يجري أنهار كبيرة بمحض ضرب العصا أو يروّي كثيرا من النّاس و الدوابّ بما يجري من بين أصابعه بلا معاناة عمل أو استعانة بآلة ، فهذا ممّا يعرف كلّ عاقل أنّه لا يكون من السحر ، و كذا إذا دعا على أحد فمات أو مرض من ساعته ، فإنّ مثل هذا لا يكون سحرا بديهة .

و أمّا جهة تأثيره ، فما كان من قبيل التخييلات و الشعبدة فأسبابها ظاهرة عند العاملين بها تفصيلا و عند غيرهم إجمالا ، كما مرّ في سحر سحرة فرعون و استعانتهم بالزئبق أو إرائتهم أشياء بسرعة اليد لا حقيقة لها .

و أمّا حدوث الحبّ و البغض و الهمّ و أمثالها ، فالظاهر أنّ اللّه تعالى جعل لها تأثيرا و حرّمها كما أومأنا إليه و هذا ممّا لا ينكره العقل ، و يحتمل أن يكون للشياطين أيضا مدخلا 140 في ذلك . و يقلّ أو يبطل تأثيرها بالتوكّل و الدّعاء و الآيات و التعويذات .

و لذا كان شيوع السحر و الكهانة و أمثالهما في الفترات بين الرّسل و خفاء آثار النبوّة و استيلاء الشياطين أكثر و تضعف و تخفى تلك الأمور عند نشر آثار الأنبياء و سطوع أنوارهم كأمثال تلك الأزمنة ، فإنّه ليس من دار و لا بيت إلاّ و فيه مصاحف كثيرة و كتب جمّة من الأدعية و الأحاديث و ليس من أحد إلاّ و معه مصحف أو عوذة أو سورة شريفة و قلوبهم و صدورهم مشحونة بذلك ، فلذا لا نرى منها أثرا بيّنا في تلك البلاد إلاّ نادرا في البلهاء و الضعفاء و المنهمكين في المعاصي ، و قد نسمع ظهور بعض آثارها في أقاصي البلاد لظهور آثار الكفر و ندور أنوار الإيمان فيها ، كأقاصي بلاد الهند

[ 139 ] « درب دربا و دربة » كان حاذقا في صناعته .

-----------
( 140 ) كذا .

[ 450 ]

و الصين و الترك .

و أمّا تأثير السحر في النبيّ و الإمام صلوات اللّه عليهما فالظاهر عدم وقوعه و إن لم يقم برهان على امتناعه إذا لم ينته إلى حدّ يخلّ بغرض البعثة كالتخبيط و التخليط ، فإنّه إذا كان اللّه سبحانه أقدر الكفّار لمصالح التكليف على حبس الأنبياء و الأوصياء عليهم السلام و ضربهم و جرحهم و قتلهم بأشنع الوجوه ، فأيّ استحالة على أن يقدروا على فعل يؤثّر فيهم همّا و مرضا ؟

لكن لمّا عرفت أنّ السحر يندفع بالعوذ و الآيات و التوكّل و هم عليهم السلام معادن جميع ذلك ، فتأثيره فيهم مستبعد و الأخبار الواردة في ذلك أكثرها عاميّة أو ضعيفة و معارضة بمثلها ، فيشكل التعويل عليها في إثبات مثل ذلك .

و أمّا ما يذكر من بلاد الترك أنّهم يعملون ما يحدث به السّحب و الأمطار ،

فتأثير أعمال مثل هؤلاء الكفرة في الآثار العلويّة و ما به نظام العالم ممّا يأبى عنه العقول السليمة و الأفهام القويمة و لم يثبت عندنا بخبر من يوثق بقوله .

و أمّا العين ، فالظاهر من الآيات و الأخبار أنّ لها تحقّقا أيضا ، إمّا بأن جعل اللّه تعالى لذلك تأثيرا و جعل علاجه التوكّل و التوسّل بالآيات و الأدعية الواردة في ذلك أو بأنّ اللّه تعالى يفعل في المعين فعلا عند حدوث ذلك لضرب من المصلحة ، و قد أومأنا إلى وجه آخر فيما مرّ .

و بالجملة لا يمكن إنكار ذلك رأسا لما يشاهد من ذلك عينا و ورود الأخبار به مستفيضا ، و اللّه يعلم و حججه عليهم السلام حقائق الأمور . 141