تبيين

قال ابن أبي الحديد : قد اختلف الناس في المعنيّ بهذا الكلام و من هذا الأخ المشار اليه ؟ فقال قوم : هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و استبعده قوم لقوله عليه السلام « و كان ضعيفا مستضعفا » فإنّه لا يقال في صفاته صلّى اللّه عليه و آله مثل هذه الكلمة و إن أمكن تأويلها على لين كلامه و سجاحة أخلاقه ،

إلاّ أنّها غير لائقة به عليه السلام . و قال قوم : هو أبوذرّ الغفاريّ و استبعده قوم لقوله عليه السلام « فإن جاء الجدّ فهو ليث غاد وصلّ واد » فإنّ أباذر لم يكن من المعروفين بالشجاعة و البسالة . و قال قوم : هو مقداد بن عمرو المعروف بمقداد بن الأسود و كان من شيعة عليّ عليه السلام و كان شجاعا مجاهدا حسن الطريقة و قد روي في فضله حديث صحيح مرفوع . و قال قوم : إنّه ليس بإشارة إلى أخ معيّن و لكنّه كلام خارج مخرج المثل كقولهم « فقلت لصاحبي و يا صاحبي » . و هذا عندي أقوى الوجوه .

انتهى . 143 و لا يبعد أن يقال : إنّ قوله عليه السلام « فإن جاء الجدّ فهو ليث غاد . . . » إلى آخره لا يقتضي الشجاعة و البسالة في الحرب ، بل المراد الوصف بالتصلّب في ذات اللّه و ترك المداهنة في أمر الدين و إظهار الحقّ ، بل في العدول عن لفظ الحرب إلى الجدّ بعد الوصف بالضعف ، إشعار بذلك . و قد كان أبوذرّ معروفا بذلك ، و إفصاحه عن فضائح بني أميّة في أيّام عثمان و تصلّبه في إظهار الحقّ أشهر من أن يحتاج إلى البيان .

و قال الشارح ابن ميثم : ذكر هذا الفصل ابن المقفّع في أدبه و نسبه إلى الحسن بن عليّ عليهما السلام و المشار إليه قيل : هو أبوذرّ الغفاريّ و قيل : هو عثمان ابن مظعون . انتهى . 144 و أقول : لا يبعد أن يكون المراد به أباه عليه السلام ، عبّر هكذا لمصلحة .

« و كان رأس ما عظم به في عيني » أي و كان أقوى و أعظم الصفات الّتي صارت أسبابا لعظمته في عيني فإنّ الرأس أشرف ما في البدن ، و في القاموس : « الرأس

-----------
( 143 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 19 ، ص 183 ، ط بيروت .

-----------
( 144 ) شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 389 .

[ 453 ]

أعلى كلّ شي‏ء » . و « الصغر » وزان « عنب و قفل » خلاف الكبر و بمعنى الذلّ و الهوان ، و هو خبر « كان » ، و فاعل « عظم » ضمير الأخ ، و ضمير « به » عائد إلى الموصول و الباء للسببيّة .

« كان خارجا من سلطان بطنه » أي سلطنته كناية عن شدّة الرغبة في المأكول و المشروب كمّا و كيفا . ثمّ ذكر عليه السلام لذلك علامتين حيث قال :

« فلا يشتهي ما لا يجد » و في النهج : « فلا يتشهّى » . و يقال : « تشهّى فلان » إذا اقترح شهوة بعد شهوة ، و هو أنسب . « و لا يكثر » في الأكل « إذا وجد » و الإكثار من الشي‏ء الإتيان بالكثير منه ، و المراد به إمّا الاقتصار على ما دون الشبع ، أو ترك الإفراط في الأكل أو ترك الإسراف في تجويد المأكول و المشروب .

« كان خارجا من سلطان فرجه » أي لم يكن لشهوة فرجه عليه سلطنة بأن توقعه في المحرّمات أو الشبهات و المكروهات ، فذكر لذلك أيضا علامتين فقال :

« فلا يستخفّ له عقله و لا رأيه » في القاموس : « استخفّه » ضدّ استثقله ، و « [ استخفّ ] فلانا عن رأيه » حمله على الجهل و الخفّة و أزاله عمّا كان عليه من الصواب . 145 و قال الراغب : فاستخفّ قومه 146 أي حملهم على أن يخفّوا معه أو وجدهم خفافا في أبدانهم و عزائمهم ، قيل : معناه : وجدهم طائشين . و قوله عزّ و جلّ وَ لاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقنُونَ 147 أي لا يزعجنّك و يزيلنّك عن اعتقادك بما يوقعون من الشبه . 148 و قال البيضاويّ في قوله سبحانه فاستخفّ قومه : فطلب منهم الخفّة في مطاوعته ، أو فاستخفّ أحلامهم ، و قال في قوله تعالى و لا يستخفنّك : و لا يحملنّك على الخفّة و القلق « الّذين لا يوقنون » بتكذيبهم و إيذائهم .

و أقول : هذه الفقرة تحتمل وجوها :

-----------
( 145 ) القاموس ، ج 3 ، ص 136 .

-----------
( 146 ) الزخرف : 54 .

-----------
( 147 ) الروم : 60 .

-----------
( 148 ) مفردات غريب القرآن ، ص 152 .

[ 454 ]

الأوّل أن يكون المستتر في « فلا يستخفّ » راجعا إلى الفرج و الضمير في « له » راجعا إلى الأخ ، و يكون عقله و رأيه منصوبين أي كان لا تجعل شهوة الفرج عقله و رأيه خفيفين مطيعين لها .

الثاني يكون الضمير في « يستخفّ » راجعا إلى الأخ و في « له » إلى الفرج ، أي لا يجعل عقله و رأيه أو لا يجدهما خفيفين سريعين في قضاء حوائج الفرج .

الثالث أن يقرأ « يستخفّ » على بناء المجهول و « عقله » و « رأيه » مرفوعين و ضمير « له » إمّا راجع إلى الأخ أو إلى الفرج .

و ما قيل بأنّ « يستخفّ » على بناء المعلوم و « عقله » و « رأيه » مرفوعان و ضمير « له » للأخ ، فلا يساعده ما مرّ من معاني الاستخفاف .

« كان خارجا من سلطان الجهالة » بفتح الجمى و هي خلاف العلم و العقل .

« فلا يمدّ يده » أي إلى أخذ شي‏ء كناية عن ارتكاب الأمور ، « إلاّ على ثقة » و اعتماد بأنّه ينفعه نفعا عظيما في الآخرة أو في الدّنيا أيضا إذا لم يضرّ بالآخرة . « كان لا يتشهّى » أي لا يكثر شهوة الأشياء كما مرّ . « و لا يتسخّط » أي لا يسخط كثيرا لفقد المشتهيات أو لا يغضب لإيذاء الخلق له لقلّة عطائهم .

في القاموس : « السّخط » بالضمّ و كعنق و جبل ، ضدّ الرضا و قد سخط كفرح و تسخّط ، و « أسخطه » أغضبه و « تسخّطه » تكرّهه و « [ تسخّط ] عطاءه » ستقلّه و لم يقع منه موقعا . 149 « و لا يتبرّم » أي لا يملّ و لا يسأم من حوائج الخلق و كثرة سؤالهم و سوء معاشرتهم ، في القاموس : « البرم » السأمة و الضّجر و « أبرمه فبرم كفرح و تبرّم » أملّه فملّ .

« كان أكثر دهره » أي عمره ، و « أكثر » منصوب على الظرفيّة . « صمّاتا » بفتح الصاد و تشديد الميم و قري‏ء بضمّ الصاد و تخفيف الميم مصدرا ، فالحمل على المبالغة . و في النهج : « صامتا فإن قال بذّ القائلين و نقع غليل السائلين » . قال في النهاية

-----------
( 149 ) القاموس ، ج 2 ، ص 361 .

[ 455 ]

في الحديث : « بذّ القائلين » أي سبقهم و غلبهم يبذّهم بذّا . انتهى . و « نقع الماء » العطش ، أي مكّنه . و « الغليل » حرارة العطش ، و يمكن أن يكون « البذّ » بالفصاحة و « النقع » بالعلم و الجواب الشافي .

« كان لا يدخل في مراء » أي مجادلة في العلوم للغلبة و إظهار الكمال ، قال في المصباح : « ماريته أماريه مماراة [ و ] مراء » جادلته ، و يقال : « ماريته » أيضا إذا طعنت في قوله تزييفا للقول و تصغيرا للقائل ، و لا يكون المراء إلاّ اعتراضا . « و لا يشارك في دعوى » أي في دعوى غيره لاعانته أو وكالة عنه .

« و لا يدلي بحجّة حتّى يرى قاضيا » في المصباح : « أدلى بحجّته » أثبتها فوصل بها ، و في القاموس : « أدلى بحجّته » أحضرها و « [ أدلى ] إليه بماله » دفعه ، و منه : وَ تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ 150 .

أقول : و في النهج : « حتّى يأتي قاضيا » ، و هذه الفقرة أيضا يحتمل وجوها :

الأوّل ما ذكره بعض شرّاح النهج : أي لا يدلي بحجّته حتّى يجد قاضيا ، و هو من فضيلة العدل في وضع الأشياء مواضعها . انتهى .

و أقول : المعنى أنّه ليس من عادته إذا ظلمه أحد أن يبثّ الشكوى عند النّاس كما هو دأب أكثر الخلق ، بل يصبر إلى أن يجد حاكما يحكم بينه و بين خصمه ، و ذلك في الحقيقة يؤول إلى الكفّ عن فضول الكلام و التكلّم في غير موقعه .

الثاني أن يكون المراد أنّه يصبر على الظلم و يؤخّر المطالبة إلى يوم القيامة ،

فالمراد بالقاضي الحاكم المطلق و هو اللّه سبحانه ، أولا ينازع الأعداء إلاّ عند زوال التقيّة ، فالمراد بالقاضي الامام الحقّ النافذ الحكم .

الثالث أن يكون المراد نفي إتيانه القاضي لكفّه عن المنازعة و الدعوى و صبره على الظلم أي لا ينشي‏ء دعوى و لا يأتي بحجّة حتّى يحتاج إلى إتيان القاضي .

الرابع ما ذكره بعض الأفاضل حيث قرأ « يري » على بناء الافعال و فسّر

-----------
( 150 ) البقرة : 188 .

[ 456 ]

القاضي بالبرهان القاطع الفاصل بين الحقّ و الباطل ، أي كان لا يتعرّض للدعوى إلا أن يظهر حجّة قاطعة و لعلّه أخذه من قول الفيروزآباديّ القضاء الحتم و البيان و سمّ قاض قاتل ، و لا يخفى بعده مع عدم موافقته لما في النهج .

« و كان لا يغفل عن إخوانه » أي كان يتفقّد أحوالهم في جميع الأحوال كتفقّد الأهل و العيال « و لا يخصّ نفسه بشي‏ء من الخيرات دونهم » بل كان يجعلهم شركاء لنفسه فيما خوّله اللّه و يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه و يكره لهم ما يكره لنفسه .

« كان ضعيفا » أي فقيرا منظورا إليه بعين الذلّة و الفقر كما قيل ، أو ضعيفا في القوّة البدنيّة خلقة و لكثرة الصيام و القيام . « مستضعفا » أي في أعين الناس للفقر و الضعف و قلّة الأعوان ، يقال : « استضعفه » أي عدّه ضعيفا . و قال بعض شرّاح النهج : « استضعفه » أي عدّه ضعيفا و وجده ضعيفا و ذلك لتواضعه و إن كان قويّا .

« و إذا جاء الجدّ كان ليثا عاديا » في أكثر النسخ بالعين المهملة و في بعضها بالمعجمة . و في النهاية فيه : ما ذئبان عاديان ، « العادي » الظالم و « قد عدا يعدو عليه عدوانا » ، و أصله من تجاوز الحدّ في الشي‏ء . و « السبع العادي » أي الظالم الّذي يفترس الناس . انتهى . و « الجدّ » بالكسر ، ضدّ الهزل و الاجتهاد في الأمر و المراد به هنا المحاربة و المجاهدة .

و في النهج : « فإن جاء الجدّ فهو ليث عاد و صلّ واد » و في أكثر نسخه « غاد » بالمعجمة من « غدا عليه » أي تكبّر . و قال بعض شارحيه : الوصف بالغادي لأنّه إذا غدا كان جائعا فصولته أشدّ ، و المناسب حينئذ أن يكون « ليث » منوّنا و في النسخ « ليث غاد » بالاضافة فكأنّه من إضافة الموصوف إلى الصفة ، و في بعض نسخه بالمهملة كما مرّ ، و في بعضها « غاب » بالبآء الموحّدة بعد العين المعجمة و هو الأجمة و يسكنها الأسد و المناسب حينئذ الاضافة .

و قال الجوهري : « الصلّ » بالكسر ، الحيّة الّتي لا تنفع منها الرقية ، يقال :

« إنّها لصلّ صفا » إذا كانت منكرة مثلا الأفعى ، و يقال للرجل إذا كان داهيا منكرا :

« إنّه لصلّ أصلال » أي حيّة من الحيّات ، و أصله في الحيّات شبّه الرجل بها .

[ 457 ]

انتهى . 151 و ذكر الوادي لأنّ الأودية لانخفاضها تشتدّ فيها الحرارة ، فيشتدّ السمّ في حيّتها .

« كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله حتّى يرى اعتذارا » فيما يقع العذر أي فيما يمكن أن يكون له فيه عذر ، و في كلمة « المثل » إشعار بعدم العلم بكون فاعله معذورا إذ من الجائز أن يكون الفاعل غير معذور فيجب التوقّف حتّى يسمع الاعتذار و يظهر الحقّ ، فإن لم يكن عذره مقبولا لامه . و يحتمل أن يكون « حتّى » للتعليل أي كان لا يلومه بل يتفحّص العذر حتّى يجد له عذرا و لو على سبيل الاحتمال .

و في النهج : « و كان لا يلوم أحدا على ما يجد العذر في مثله حتّى يسمع اعتذاره » . و في بعض النسخ « على ما لا يجد » بزيادة حرف النفي فالمعنى : لا يلوم على أمر لا يجد فيه عذرا بمجرّد عدم الوجدان ، إذ يحتمل أن يكون له عذر لا يخطر بباله .

« و كان يفعل ما يقول و يفعل ما لا يقول » أي يفعل ما يأمر غيره به من الطاعات ، إشارة إلى قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ . 152 و قد قيل : إنّ المعنى « لم لا تفعلون ما تقولون » ، فإنّه إذا قال و لم يفعل ، فعدم الفعل قبيح لا القول . و يفعل من الخيرات و الطاعات ما لا يقوله لمصلحة تقيّة أو عدم انتهاز فرصة أو عدم وجدان قابل ، كما قال تعالى : فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى 153 ، كذا فهمه الأكثر . و يخطر بالبال أنّه المعنى أنّه يحسن إلى غيره سواء وعده و الإحسان أو لم يعده ،

كما فسّرت الآية المتقدّمة في كثير من الأخبار بخلف الوعد . و في النهج : « و كان يقول ما يفعل ، و لا يقول ما لا يفعل » ، و في بعض نسخه في الأوّل : « و كان يفعل ما يقول » .

« كان إذا ابتزّه أمران » كذا في أكثر النسخ بالبآء الموحّدة و الزاي على بناء الافتعال ، أي استلبه و غلبه و أخذه قهرا ، كناية عن شدّة ميله إليهما و حصول الدواعي في كلّ منهما .

-----------
( 151 ) الصحاح ، ص 1745 .

-----------
( 152 ) الصف : 2 .

-----------
( 153 ) الأعلى : 9 .

[ 458 ]

في القاموس : « البزّ » الغلبة و أخذ الشي‏ء بجفاء و قهر كالابتزاز ، و « بزبز الشي‏ء سلبه ك « ابتزّه » ، و لا يبعد أن يكون في الأصل : « انبراه » بالنون و البآء الموحّدة على الحذف و الإيصال أي اعترض له .

و في النهج « و كان إذا بدهه أمران نظر أيّهما أقرب إلى الهوى فخالفه » يقال :

« بدهه أمر » كمنعه أي بغته و فاجأه .

و هذا الكلام يحتمل معنيين :

الأوّل أن يكون المعنى : إذا عرضت له طاعتان كان يختار أشقّهما على نفسه لكونها أكثر ثوابا كالوضوء بالماء البارد و الحارّ في الشتاء ، كما ورد ذلك في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام .

و الثاني أن يكون معيارا لحسن الأشياء و قبحها كما إذا ورد عليه فعل لا يدري فعله أفضل أو تركه فينظر إلى نفسه و كلّما تهواه يخالفها كما ورد لا تترك النفس و هواها فإنّ رداها في هواها و هذا هو الغالب ، لكن جعلها قاعدة كلّيّة كما تقوله المتصوّفة مشكل لما نقل عن بعضهم أنّه مرّ بعذرة فعرضها على نفسه فأبت فأكلها ، و الظاهر أنّ أكلها كان عين هواها لتعدّه الرّعاع [ 154 ] من الناس شيخا كاملا و لكلّ عذرة آكلا .

« إلاّ عند من يرجو عنده البرء » أي ربّه تعالى فإنّه الشافي حقيقة أو المراد الطبيب الحاذق الّذي يرجو بمعالجته البرء فإنّه حينئذ ليس بشكاية ، بل هو طلب لعلاجه ، فالاستثناء منقطع . و في النهج : « و كان لا يشكو وجعا إلاّ عند برئه » أي يحكيه بعد البرء للشكر و التحدّث بنعمة اللّه ، فالاستثناء منقطع أو أطلقت الشكاية عليها على المشاكلة ، و قيل : أي كان يكتم مرضه عن إخوانه لئلاّ يتجشّموا زيارته .

« و لا يستشير » في المصباح : « شاورته في كذا و استشرته » راجعته لأرى رأيه فيه .

« فأشار عليّ بكذا » أراني ما عنده فيه من المصلحة فكانت إشارته حسنة و الا سيئة ؟ ؟ ؟

« المشورة » . و فيه لغتان : سكون الشين و فتح الواو و الثانية ضمّ الشين و سكون الواو

[ 154 ] « الرعاع » بالفتح ، سقاط الناس و سفلتهم و غوغاؤهم ، الواحد « رعاعة » ، و قيل : لا واحد له من لفظه .

[ 459 ]

وزان معونة ، و يقال : هي من « شار الدابّة » إذا عرضه في المشوار ، و يقال : من « أشرت العسل » شبّه حسن النصيحة بشري العسل .

« إلاّ من يرجو عنده النصيحة » أي خلوص الرأي و عدم الغشّ و كمال الفهم .

« كان لا يتبرّم » كأنّ إعادة تلك الخصال مع ذكرها سابقا للتأكيد و شدّة الاهتمام بترك تلك الخصال ، أو المراد بها في الأوّل تشهّي الدنيا و التسخّط من فقدها التبرّم بمصائب الدنيا و الشكاية عن الوجع ، و المراد هنا التبرّم من كثرة سؤال الناس و سوء أخلاقهم و التسخّط بما يصل إليه منهم و تشهّي ملاذّ الدنيا و التشكّي عن أحوال الدهر أو عن الاخوان . و الشكاية و التشكّي و الاشتكاء بمعنى و يمكن الفرق بأمور اخر بالتأمّل فيما ذكرنا .

« و لا ينتقم » أي من العدوّ حتّى ينتقم اللّه له كما مرّ . « و لا يغفل عن العدوّ » أي الأعداء الظاهرة و الباطنة كالشيطان و النفس و الهوى .

« فعليكم بمثل هذه الأخلاق » ، في النهج : « فعليكم بهذه الخلائق فالزموها و تنافسوا فيها ، فإن لم تستطيعوها فاعلموا أنّ أخذ القليل خير من ترك الكثير » .

أقول : لمّا كان الغرض من ذكر صفات الأخ أن يقتدي السامعون به في الفضائل المذكورة ، أمرهم عليه السلام بلزومها و التنافس فيها أو في بعضها إن لم يمكن الكلّ .

قوله عليه السلام « من ترك الكثير » أي الكلّ .

و أقول : في رواية النهج ترك بعض تلك الخصال و فيها زيادة أيضا و هي قوله « و كان إن غلب على الكلام لم يغلب على السكوت ، و كان على ما يسمع أحرص منه على أن يتكلّم » . و المراد بالفقرة الأولى أنّه إن غلبه أحد بالجدال و الخروج عن الحقّ عدل إلى السكوت و ترك المراء فكان هو الغالب حقيقة لعدم خروجه عن الحقّ أو المراد أنّ سكوته كان أكثر من غيره ، فالكلام أعمّ ممّا هو في معرض الجدال ، و أمّا الثانية فالحرص على الاستماع لاحتمال الانتفاع ، و قيل : صيغة التفضيل هنا ، مثلها في

[ 460 ]

قوله تعالى : أَ ذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ ؟ ( الفرقان : 15 ) . 155