تبيان

مع أنّ الظاهر اتّحاد الروايتين بينهما اختلاف كثير ، و بعض فقرات الرواية الأولى مذكورة في خطبة أخرى سنشير إليها و قد مرّ معنى الاخلاص . و « باطن الدنيا » ما خفي عن أعين الناس من مضارّها و وخامة عاقبتها للراغبين إليها فالمراد بالنظر إليه التفكّر فيه و عدم الغفلة عنه ، أو ما لا يلتفت الناس إليه من تحصيل المعارف و القربات فيها فالمراد بالنظر إليه الرغبة و طموح البصر إليه ، و إنّما سمّاه باطنا لغفلة أكثر الناس عنه و لكونه سرّ الدنيا و حقيقتها و غايتها الّتي خلقت لأجلها . و المراد

[ 501 ]

بظاهرها و شهواتها الّتي تغرّ أكثر الناس عن التوجّه إلى باطنها . و المراد بآجل الدنيا ما يأتي من نعيم الآخرة بعدها أضيف إليها لنوع من الملابسة ، أو المراد بآجلها ما يظهر ثمرتها في الآجل من المعارف و الطاعات ، و أطلق الآجل عليه مجازا .

« و ما علموا أنّه سيتركهم » الأموال و الأولاد و ملاذّ الدنيا . و « الاماتة » الإهلاك المعنويّ بحرمان الثواب و حلول العقاب عند الإياب . و « ما يميتهم » اتّباع الشهوات النفسانيّة و الاتّصاف بالصفات الذميمة الدنيّة . و في الرواية الثانية نسبة الخشية إلى الإماتة و العلم بالترك لأنّ الترك معلوم لا بدّ منه بخلاف الإماتة إذ يمكن أن تدركهم رحمة من اللّه تلحقهم بالسعداء أو للمبالغة في اجتناب المنهيّات من الأخلاق و الأعمال بأنّهم يتركون ما خشوا أن يميتهم فكيف إذا علموا . و « الاستكثار » عدّ الشي‏ء كثيرا أو جمع الكثير من الشي‏ء ، و يقابله الاستقلال بالمعنيين . و « الدّرك » محرّكة ، اللّحاق و الوصول إلى الشي‏ء يقال : أدركته إدراكا و دركا . و الضمير في « دركهم » يرجع إلى غيرهم ، و يحتمل الرجوع إليهم أيضا .

و « السلم » بالفتح و الكسر ، الصلح ، يذكّر و يؤنّث و في نسخ النهج بالكسر . و « سالمه » أي صالحه . و « ما سالم الناس » ما مالوا إليه من متاع الدنيا و زينتها و ملاذّها . و « ما عادى الناس » ما رفضوه من العلوم و العبادات و الرغبة في الآخرة و ثوابها . و « بهم علم الكتاب » لأنّه لولاهم لما علم تفسير الآيات و تأويل المتشابهات و هذه من أوصاف أئمتنا المقدّسين صلوات اللّه عليهم أجمعين . و يحتمل أن تشمل الحفظة لأخبارهم المقتبسين من أنوارهم . و « به علموا » لدلالة آيات الكتاب على فضلهم و شرف منزلتهم كآيات المودّة و التطهير و الولاية و غيرها ، و لو عمّم الكلام حتّى يدخل فيه العلماء الرّبّانيّون ، فالمراد به أنّه علم فضلهم بالآيات الدّالّة على فضل العلماء كقوله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ 183 و قوله عزّ و جلّ : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ؟ 184 و قوله سبحانه : وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوِتيَ

-----------
( 183 ) الفاطر : 28 .

-----------
( 184 ) الزمر : 9 .

[ 502 ]

خَيْراً كَثِيراً 185 إلى غير ذلك من الآيات . و قيل : « به علموا » لاشتهارهم به عند الناس .

« و بهم قام الكتاب » أي بهم صارت أحكامه قائمة في الخلق معمولا بها . « و به قاموا » أي ارتفعت منزلتهم و فازوا بالزلفى بالعمل بما فيه أو ببركته انتظم الأمر في معاشهم ، و قال بعض الشارحين : أي قاموا بأوامره و نواهيه ، فلا يكون الباء مثلها في « بهم قام الكتاب » . و قال بعضهم : « بهم قام الكتاب » لأنّهم قرّروا البراهين على صدقه و صحّته ، « و به قاموا » أي باتّباع أوامر الكتاب ، لأنّه لو لا تأدّبهم بآداب القرآن و امتثالهم أوامره لما أغنى عنهم علمهم شيئا .

و « دون ما يخافون » أي غير ما يخافون من عذاب الآخرة و البعد من رحمة اللّه ، و في بعض النسخ : « فوق ما يخافون » .

قوله عليه السلام « أيّها المعلّل نفسه » أقول : بعض هذه الفقرات مذكورة في كلام له عليه السلام ذكره حين سمع رجلا يذمّ الدّنيا كما سيأتي . و قال الجوهريّ : « علّله بالشي‏ء » أي لهّاه به كما يعلّل الصبيّ بشي‏ء من الطعام يتجزّأ به عن اللبن ، يقال : « فلان يعلّل نفسه تعلّة و تعلّل به » أي تلهّى به و تجزّء . و قال :

« الركض » تحريك الرجل ، و « ركضت الفرس برجلي » إذا استحثثته ليعدو ، ثمّ كثر حتّى قيل : « ركض الفرس » إذا عدا . « و الحبائل » جمع الحبالة و هي الّتي يصاد بها ،

أي تركض لأخذ ما وقع في الحبائل الّتي نصبتها في الدنيا ، كناية عن شدّة الحرص في تحصيل متمنّياتها أو المعنى : نصب لك الشيطان مصائد فيها ليصطادك بها و أنت تركض إليها حتّى تقع فيها جهلا و غرورا .

« المجتهد في عمارة ما سيخرب منها » أي تسعى بغاية جهدك في عمارة ما تعلم أنّه آئل إلى الخراب و لا تنتفع به . ثمّ بيّن عليه السلام ما يمكن أن يستدلّ به على خرابها و عدم بقائها بقوله « ألم تر إلى مصارع آبائك » ، يقال : « صرع فلان من دابّته » على صيغة المجهول ، أي سقط و « صرعه » أي طرحه على الأرض ، و الموضع مصرع . و

-----------
( 185 ) البقرة : 269 .

[ 503 ]

« الثرى » بالفتح ، الندى أو التراب النديّ و في المصباح : « بلي الثوب يبلى من باب تعب بلى بالكسر و القصر و بلآء بالفتح و المدّ » خلق فهو بال ، و « بلي الميّت » أفنته الأرض ، و قوله « في البلى » كأنّه حال عن آبائك . و في النهج : « متى استهوتك أم متى غرّتك ؟ أ بمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع أمّهاتك تحت الثرى ؟ » . 186 و « الجنادل » جنع « جندل » كجعفر هي الحجارة ، و قال الجوهريّ :

« مرّضته تمريضا » إذا قمت عليه في مرضه . 187 و « العلّة » المرض ، و « علّله » أي قام عليه في علّته يطلب دواءه و صحّته و يتكفّل بأموره .

و قال الجوهريّ : « استوصفت الطبيب لدائي » إذا سألته أن يصف لك ما تتعالج به . 188 انتهى . و « الاستعتاب » الاسترضاء ، كناية عن طلب الدعاء أو رضاهم إذا كانت لهم موجدة ، و في بعض النسخ : « تستغيث » و هو أظهر .

و في القاموس : « أغنى عنه غناء فلان » و معناه : ناب عنه و أجزأ مجزأه . 189 و قال الراغب : « أغنى عنه كذا » إذا اكتفاه ، قال [ اللّه ] تعالى : مَا اَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَ مَا كَسَبَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ و قال : لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَ لاَ أَوْلاَدُهُمْ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمْتِّعُونَ و قال : لاَ يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ 190 .

و في القاموس : « نجع الطعام كمنع نجوعا » هنأ آكله و العلف في الدابّة ،

و الوعظ و الخطاب فيه دخل فأثر كأنجع و نجّع . 191

-----------
( 186 ) نهج البلاغة ، الحكمة رقم 131 .

-----------
( 187 ) الصحاح ، ص 1106 .

-----------
( 188 ) الصحاح ، ص 1439 .

-----------
( 189 ) القاموس ، ج 4 ، ص 371 .

-----------
( 190 ) مفردات غريب القرآن ، ص 366 . و الآيات على الترتيب في : المسد : 2 و الحاقّة 28 و آل عمران : 10 و آل عمران : 116 و الشعراء : 207 و المرسلات : 31 .

-----------
( 191 ) بحار الأنوار ، الطبعة الجديدة ، ج 69 ، كتاب الإيمان و الكفر ، ص 319 .

[ 504 ]