بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ البحث المراد طرحه هنا هو «الحكمة النظرية والحكمة العملية في نهج البلاغة» وسنشير باختصار ـ قبل تناول الموضوع ـ إلى معنى الحكمة النظرية وإلى معنى الحكمة العملية، ثمّ نبين سبب اختياره من منظار نهج البلاغة.

 

تقسيم العلم:

يقسّم العلم الإستدلالي ـ الّذي له دور أساس في سعادة الإنسان ـ إلى قسمين: الأوّل الحكمة النظرية، والثاني الحكمة العملية، وتدور الاُمور مناط البحث فيهما تارة خارج حدود حرية الاختيار البشري، وتارة داخل هذه الحدود.

والأوّل: كالبحث في مسائل التوحيد والنبوة والمعاد وسائر المسائل النظرية التي لا تأثير لوجود الإنسان في وجودها موجوداً أم لم يكن، فإنّ وجودها محفوظ في محله، ولا يبلغ الإنسان الكمال إلاّ بمعرفته لها والتدقيق فيها، فهي إذن اُصولا لا تنتفي بانتفاء الإنسان.

والثاني: الحكمة العملية، وهي مسائل لا توجود إلاّ بوجود الإنسان كتلك المتعلقة بالأخلاق، وتهذيب النفس وتربية الروح، وتدبير المنزل، وإدارة المجتمع ومثيلاتها، وبديهي أنّ وجود هذه المسائل مرتبط بوجود الإنسان.

وقد قسّموا العلوم الإنسانية التي لها دور مؤثر في كمال الإنسان إلى قسمين، الأوّل: هو الحكمة النظرية، والثاني: هو الحكمة العملية.

وقسّموا كلا من الحكمة النظرية والحكمة العملية إلى أقسام متعددة لا يتسع هذا البحث لتناول فروعها وأقسامها كافة.

 

الحكمة النظرية والحكمة العملية من منظر نهج البلاغة:

إنّ السبب في استخلاص هذا البحث من منظار نهج البلاغة هو أنّ صاحب هذا النهج ـ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ـ من الكمال في الحكمة النظرية وفي الحكمة العملية، فهو حكيم بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى، وحكمته هذه ليست خارجة عن حدود الطاقة البشرية، بل في حدود ما يقوى عليه الإنسان السائر نحو الكمال، وقد بلغ أميرالمؤمنين عليّ(عليه السلام) أرفع مستويات الحكمة.

 

الحكمة النظرية للإمام عليّ(عليه السلام)

لا بأس ـ قبل الدخول في البحث ـ من عرض مقدّمة نشير فيها إلى سمو مقام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ورفعته في الحكمتين النظرية والعملية، إلاّ أ نّه مع صعوبة ذلك وعدم تيسره إلاّ لمعصوم مثله فإننا سنعرض لتعريف المقام الرفيع لعليّ(عليه السلام)ورفعته، بغية الخروج بفائدة من هذه المعرفة، كما سنستعين بأقواله أيضاً في ذلك، فالإستعانة بكلماته وبكلمات تلامذة مدرسته يمكنها أن تعرفنا ـ إلى حد ما ـ على أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) حيث يذكر بعض خصائصه في نهج البلاغة ممّا يوضح علو مقامه الحكيم.

ففي وصف له وهو يذكر تتلمذه على يد الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول(عليه السلام):

«يَرْفَعُ لي فِي كُلِّ يَوْم عَلَماً مِنْ أخْلاقِهِ، وَيَأْمُرُني بِالإقْتِدَاءِ بِهِ.

وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَة بِحِرَاءَ، فَأَرَاهُ وَلاَ يَرَاهُ غَيْرِي، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذ فِي الاِْسْلاَمِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا، أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ»(1).

وهذا بين من أن شامة عليّ(عليه السلام) التي يشم بها نسيم الغيب، هي في الحقيقة عين الشامة التي يمتلكها الأنبياء(عليهم السلام).

فعندما قدم إخوة يوسف(عليه السلام) من مصر وجلبوا قميصه قال يعقوب وهو على بعد فراسخ عديدة (إنّي لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون)(2).

لقد كان يعقوب على يقين من أ نّه يشم ريح يوسف، إذ الشامة المنبعثة من الغيب ليست شامة ملكية ولا مادة، إنّها كالنبوة لا علاقة لها بعالم الطبيعة والملك كي تشم بالمشام الظاهرية، أمر كهذا لابدّ له من حاسة شامة ملكوتية غيبية كالنبوة التي هي أمر غيبي.

إنّ أميرالمؤمنين(عليه السلام) يصف نفسه بأ نّه يرى نور الوحي والرسالة ويشم رائحة النبوة ثمّ يقول: أ نّه سأل الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) عن رنة الشيطان التي سمعها:

«وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ: هذَا الشَّيْطَانُ قَدْ آيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ، وَتَرَى مَا أَرَى، إِلاَّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيّ، وَلكِنَّكَ وَزِيرٌ، وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْر»(3).

أي أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنّ رنة الشيطان هذه هي حسرته أطلقها بعد أن عرف أ نّه لا يعبد في مكان يكون للوحي والنبوة والرسالة نفوذ، هكذا عرف الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، عليّاً(عليه السلام).

أمّا الإمام عليّ(عليه السلام) نفسه فيقول: «يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ»(4).

وعبارته هذه هي من العبارات المعروفة في الخطبة الشقشقية، حيث يصف الإمام(عليه السلام) نفسه فيها بأ نّه جبل شاهق تنحدر عنه العلوم، وطبيعي أ نّه لا ينحدر السيل عن كلّ جبل إلاّ إذا كان مرتفعاً ـ فهو يرى أن لا قدرة لطائر ذروته وقمته، ولا قدرة للفكر البشري الإعتيادي أن يصل إلى المقام العالي الّذي وصله(عليه السلام)، كما أنّ العلوم تنساب من هذا الحكيم الإلهي وتنحدر كانحدار السيل، لذا لا قدرة للأفراد الإعتياديين على هضمها واستيعابها، ولما لم يكن الوقوف أمام السيل ميسوراً فإنّه لابدّ من الاستفادة من أطرافه وحوافه.

أمّا مقامه العلمي الرفيع فيقول عنه(عليه السلام): «أَيُّهَا النَّاسُ، سَلُوني قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُوني، فَلاََنَا بِطُرُقِ السَّماءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الاَْرْضِ»(5).

وبهذا يشير إلى خصوصيتين له هما من خصائص الكون إذ في الكون عالم ظاهر وعالم باطن... عالم غيب وعالم شهادة، وتدلل العبارة السابقة على أنّ الجانب الغيبي للإمام عليّ(عليه السلام) هو أقوى من جانب الشهادة وأبلغ.

فهو يقول فيها إنّ معرفتي للعلوم والمعارف السماوية أكثر من الشهادة، كما أنّ الموجود المرتبط بعالم الغيب هو أقوى من الموجود المرتبط بعالم الشهادة.

ويقول(عليه السلام): «وَاللهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُل مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَمَوْلِجِهِ وَجَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ، وَلكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فيَّ بِرَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أَلاَ وَإِنِّي مُفْضِيهِ إلَى الْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُؤْمَنُ ذلِكَ مِنْهُ»(6).

إنّ هذه الإحاطة العلمية لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بعالم الغيب هي الحاكمة على عالم الشهادة عنده.

يقول(عليه السلام): «ذلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ، وَلَنْ يَنْطِقَ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ: أَلاَ إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتي، وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ، وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ»(7).

فهو يرى(عليه السلام) أنّ العلم الإلهي يتجلّى في القرآن غير أنّ الناس لا يرون هذا التجلّي الإلهي.

يقول: «فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ، بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ»(8).

أي: أنّ الله تعالى هو المتكلم بهذا الكلام المسطور في الكتاب العزيز، وقد تجلّى سبحانه لمستمعيه بكلماته، فالقرآن صفة فعل الله ومظهره الناشىء من ظهور الصفة المنبعثة من ظهور الذات ـ وهناك عدة مراتب تفصل بين مقام الفعل ومقام الذات ـ فالقرآن هو تجلّي فعل الله ومظهر أوصافه، فأميرالمؤمنين(عليه السلام) يرى أن الله تجلّى للناس في القرآن، لكنهم لم يروا هذا التجلي، وأراهم قدرته فلم يروها، لهذا لابدّ لنا من شخص يرى تجلي قدرة الحقّ وظهورها، ليتمكن من توضيحها للناس وإبلاغها.

كانت هذه نماذج سلّطت الأضواء على الإحاطة العلمية لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في مجال الحكمة النظرية.

 

الحكمة العملية للإمام عليّ(عليه السلام):

أمّا فيما يتعلق بالنماذج والنصوص التي تدلل على الإحاطة الكاملة لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بالحكمة العملية فإننا نحتاج إليها لاستكمال البحث وإثرائه، فما لم يكن واضحاً في هذه المقدّمة أنّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) حكيم في مجال الحكمة النظرية، وحكيم كامل في مجال الحكمة العملية لا يكون البحث مثمراً ولا غنياً، إذ أنّ بحثاً كهذا لابدّ له من أن يصدر من مصدر الحكمة ويتدفق من ينبوعها.

يقول(عليه السلام): «وَإِنِّي لَمِنْ قَوْم لاَ تَأخُذُهُمْ فِي اللهِ لَوْمَةُ لاَئِم، سِيَماهُمْ سِيَما الصِّدِّيقِينَ» أي أنّ مظهرنا هو مظهر الصديقين الصادقين في ميدان الاعتقاد والأخلاق والعمل، حيث أنّ الصدق في هذه المحاور الثلاثة ملكة راسخة لأهل البيت(عليهم السلام) «وَكَلاَمُهُمْ كَلاَمُ الاَْبْرَارِ» وقد أشار القرآن الكريم إلى معنى الأبرار ونعتهم بنعوت خاصة «عُمَّارُ اللَّيْلِ» أي يقيمون الليل إحياءً، فهو عامر بيقظتهم الإيجابية، ومن هنا فهو حي غير خرب، أمّا من يقطع الليل نوماً فإنّ ليله لا يكون حباً ولا معموراً، إنّ إحياء الليل وإعماره هو الّذي يضيء النهار، «وَمَنَارُ النَّهَارِ» أي أنّ النهار لا يضاء إلاّ بالضمائر النيرة، فمثلما تنير الشمس الطبيعية فإنّ أولياء الله ينورون المجتمع كما تنير الشمس الطبيعية، فالنهار يستضيء بهم والليل يحيا بهم، إنّهم يمنحون العصر نوراً والأرض بركة.

«مُتَمَسِّكُونَ بِحَبْلِ اللهِ، يُحْيُونَ سُنَنَ اللهِ وسُنَنَ رَسُولِهِ»(9) أي إنّني من قوم يحيون السنن الإلهية ويحكّمون قوانين الله «لاَ يَسْتَكْبِرُونَ وَلاَيَعْلُونَ وَلاَيَغُلُّونَ»(10)إنّهم لا يتكبّرون ولا يتعالون ولا يعتدون، «وَلاَ يُفْسِدُونَ».

ثمّ يقول في نهاية خطبته: «قُلُوبُهُمْ فِي الْجِنَانِ، وَأَجْسَادُهُمْ في الْعَمَلِ»(11) أي قلوبهم في الجنّة وأجسادهم منهمكة في العمل والجدّ، فأرواحهم في الملأ الأعلى أمّا أجسادهم فتتحرك على هذا العالم، فيتزامن نعيم الروح في الجنّة مع انشغال الجسم بالعمل.

إنّه(عليه السلام) من طراز اُولئك الأتباع الصادقين للوحي، حيث لم يتخلف لحظة واحدة عن السير في طريقه.

يقول(عليه السلام): «أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى الله وَلاَ عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ»(12) أي لم أمتنع لحظة واحدة عن تنفيذ أمر الله أو عن الإنقياد لقيادة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، لقد كانت طاعتي طاعة محضة لا يشوبها شيء.

ثمّ يقول(عليه السلام): «فَوَالَّذِي لاََإِلهَ إِلاَّ هُوَ إِنِّي لَعَلَى جَادَّةِ الْحَقِّ»(13) أي اُقسم بالله أ نّي سائر في طريق الحقّ وفي جادة الحقيقة.

«وَإِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّةِ الْبَاطِلِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ»(14) أي أنّ اُولئك المخالفين ما هم إلاّ في منزلق الباطل، أمّا أنا فثابت على طريق الحقّ والحقيقة.

كانت هذه نماذج قصيرة عرفت عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) على لسانه نفسه، حيث كان لابدّ لنا من تعريفه(عليه السلام) على لسانه أو على لسان الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا ريب في أنّ الأثر يدل على المؤثر، وأنّ ضوء الشمس يدل على طلوعها.

 

الشخصية العلمية والعملية لعليّ(عليه السلام) على لسان تلامذة مدرسته:

نعرض هنا إلى نماذج من أقوال بعض تلامذة الإمام عليّ(عليه السلام) وبعض الناهلين من مدرسته، وهم يعرفون شخصيته العلمية والعملية.

ومن اُولئك ثقة الإسلام الكليني ـ عليه رضوان الله تعالى ـ حيث يعدّ من كبار تلامذته(عليه السلام) ومفخرة من مفاخر الشيعة ينقل ـ في كتابه القيّم «الكافي» الّذي ضم بين دفّاته اُصول وفروع الدين حتى أصبح موسوعة كبيرة لأقوال وأحاديث المعصومين ـ في باب جوامع التوحيد خطبة التوحيد التي خاطب الله بها قبل مخاطبته لجيشه الّذي أعده لقتال معاوية.

وتحدّث في الحمد والثناء والصفات ومعرفة الله سبحانه والتعريف به ـ أي في مجال الحكمة النظرية ـ وقال: «الحمد لله الواحد الأحد الصمد المتفرّد الّذي لا من شيء كان ولا من شيء خلق ما كان»(15).

وسنذكر حينما نتحدث في الفصل المتعلق بشرح الحكمة النظرية وجهات نظر الحكماء الإسلاميين في جملته هذه، خاصة رأي المحقق الميرداماد المذكور في كتابه ـ القبسات ـ ، كما سنشير إلى وجهة نظر تلميذه الكبير صدر المتألهين وبقية الحكماء الإسلاميين الذين تأثروا بهذا البيان القيم.

ثمّ ينتهي الكليني في نقل خطبة أميرالمؤمنين(عليه السلام) حتى نهاية الخطبة حيث جاء فيها: «بذلك أصف ربّي فلا إله إلاّ الله، من عظيم ما أعظمه، ومن جليل ما أجّله، ومن عزيز ما أعزه، وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً»(16).

كيف الوصول إلى سعاد ودونها *** قلل الجبال ودونهنّ حتوف

إنّ هذه الخطبة التي نقلها لنا الكليني في كتابه «الكافي» والتي تناولت موضوع التوحيد بنحو مفصّل هي من الخطب التي سجّلت قبل أن يؤلّف السيد الرضي(رضي الله عنه) نهج البلاغة بسنين طويلة، وقد علق عليها الكليني بقوله: «وهذه الخطبة من مشهورات خطبه(عليه السلام)،... وهي كافية لمن طلب علم التوحيد، إذا تدبرها وفهم ما فيها، فلو اجتمعت ألسنة الجن والإنس ليس فيها لسان نبيّ على أن يبيّنوا التوحيد بمثل ما أتى به (بأبي واُمّي(صلى الله عليه وآله وسلم)) ما قدروا عليه، ولولا إبانته (صلوات الله عليه) ما علم الناس كيف يسلكون سبيل التوحيد»(17).

إنّ ادعاء الكليني (رضوان الله عليه) هذا يعتبر تحدياً عاماً للجميع ومثله مثل تحدي الله للإنس والجن للإتيان بمثل القرآن.

قال تعالى: (قل لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً)(18).

ثمّ يشرح الكليني(رضي الله عنه) الخطبة المشار إليها والتي جاء فيها: «لا من شيء كان ولا من شيء خلق ما كان» أي لم يكن الله من شيء ولا ما خلق، وبديهي أنّ قوله(عليه السلام) هذا لا ينطوي على تناقض ـ كما قد يتوهّم ـ ليحصل دفع النقيضين، وقد أشار الحكماء الإسلاميون ونبّهوا على هذه النقطة، هذا هو رأي الكليني في الحكمة النظرية لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام).

 

قول ابن أبي الحديد في الإمام عليّ(عليه السلام):

نشير في هذا المجال إلى واحد آخر من الناهلين من المدرسة العلوية الرفيعة لتتضح الإحاطة الحكيمة لأميرالمؤمنين(عليه السلام) بالحكمة النظرية وبالحكمة العملية.

ينقل ابن أبي الحديد خطبة لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بعد الابتداء بسورة التكاثر المباركة: (ألهاكم التكاثر* حتى زرتم المقابر)(19) جاء فيها: «يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ! وَزَوْراً مَا أَغْفَلَهُ! وَخطراً مَا أَفْظَعَهُ»(20) أمّا آخرها فقوله: «وَإِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَات هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَة، أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ الدُّنْيَا»(21) ثمّ يقول(عليه السلام) في جملة طويلة له في الخطبة ذاتها: «لاَ يَتَعَارَفُونَ لِلَيْل صَبَاحاً، وَلاَ لِنَهَار مَسَاءً. أَيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً»(22).

إنّ هذه الخطبة في الحقيقة هي من غرر نهج البلاغة التي لم يتمكن شرّاح النهج من سبر غورها مع ما بذلوه من جهد فيها.

يقول ابن أبي الحديد المعتزلي في هذه الخطبة: «هذا موضع المثل: ـ ملعاً يا ظليم ولا فالتخويف ـ (23) من أراد أن يعظ ويخوّف، ويقرّع صفاة القلب، ويعرّف الناس قدر الدنيا وتصرّفها بأهلها، فليأت بمثل هذه الموعظة، بمثل هذا الكلام الفصيح وإلاّ فليمسك، فإنّ السكوت أستر، والعي خير من منطق يفضح صاحبه.

ومن تأمل هذا الفصل، علم صدق معاوية في قوله فيه: «والله ماسنّ الفصاحة لقريش غيره» وينبغي لو اجتمع فصحاء العرب قاطبة في مجلس، وتلي عليهم أن يسجدوا له كما سجد الشعراء لقول عدي بن الرقاع:

تزجي أغنّ كأن أبرة روقه *** قلم أصاب من الدواة مدادها

فلما قيل لهم في ذلك، قالوا: أنا نعرف مواضع السجود في الشعر، كما تعرفون مواضع السجود في القرآن»(24).

وقد طرح هذا الموضوع في درس العلاّمة الاُستاذ الطباطبائي ـ دام ظله ـ وفي حضوره وتساءلنا كيف يتمتع ابن أبي الحديد بهذه الرؤية الرفيعة؟ فقال الاُستاذ: «لم يقل ابن أبي الحديد شططاً، فمثلما يسجد لكلام الله يسجد لخطب عليّ بن أبي طالب، لأن محتواها قرآني وبهذا يكون سجودهم في الحقيقة لكلام الله لا لكلام المخلوق».

ويقسم ابن أبي الحديد ويقول:

«واُقسم بمن تقسم الاُمم كلّها به، لقد قرأت هذه الخطبة منذ خمسين سنة وإلى الآن أكثر من ألف مرة، ما قرأتها قط إلاّ وأحدثت عندي روعة وخوفاً وعظة، وأثرت في قلبي وجيباً»(25).

ونحن أيضاً نأمل أن نترك هذه المواعظ الحكيمة لهذا الحكيم الإلهي أثرها الطيب في قلوبنا.

اتضح ـ ممّا سبق ـ أنّ موضوع البحث هو الحكمة النظرية والحكمة العملية في نهج البلاغة، ففي الدرس الأوّل تناولنا تعريف الحكمة النظرية والحكمة العملية، وأوضحنا سبب شرح هاتين الحكمتين من منظار نهج البلاغة، كما بيّنا ـ وإلى حد ما ـ المستوى الرفيع لأميرالمؤمنين(عليه السلام)، وانتهينا إلى أ نّه حكيم كامل في الحكمة النظرية والحكمة العملية، وبيّنا في المقدّمة أيضاً معنى الحكمتين على لسانه(عليه السلام)وعلى لسان عدد من كبار تلامذته.

 

ابن سينا والإمام عليّ(عليه السلام):

ابن سينا حكيم من حكماء الإسلام المشهورين، فقد كتب ـ هذا الحكيم المتأله ـ رسالة في «المعراج» ذكر فيها حديثاً لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قاله في أميرالمؤمنين ويتعلّق الحديث بالعقل واكتسابه، قال(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه: «يا عليّ إذا تقرّب الناس إلى الله بأنواع البرّ، تقرّب إليه أنت بالعقل تسبقهم»، جاء ذلك في الرسالة المعراجية المكتوبة باللغة الفارسية لابن سينا، وأورده أحد المحشّين في حاشية كتاب الشفاء مترجماً وقال: «إنّ عليّ بن أبي طالب بين أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)هو كالمعقول بين المحسوس، فهو عقل وغيره حس، وطبيعة الحواس أ نّها بحاجة إلى العقل لقيادتها»(26).

وبناءً على هذا فإنّ شرح الحكمة النظرية والحكمة العملية من منظار نهج البلاغة ما هو في الحقيقة إلاّ ابراز لهاتين الحكمتين على لسان شخص هو نفسه حكيم كامل فيهما، وما دامت أهم مسائل الحكمة النظرية هي التوحيد والنبوة والمعاد، وأهم مسائل الحكمة العملية هي الأخلاق وتهذيب النفس، فإننا سننقل من نهج البلاغة نصوصاً تتعلق بالحكمة النظرية وبالحكمة العملية.

 

الحكمة النظرية: توحيد الحقّ تعالى:

يعتبر توحيد الحقّ تعالى أوّل موضوعات الحكمة النظرية ويقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): «أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ» أي أن معرفة الله هي أوّل الدين.

إنّ هذا القسم من أقسام الحكمة النظرية هو البداية التي ينطلق الإنسان منها لمعرفة مبدئه، يقول الإمام عليّ(عليه السلام): «أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْديقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الاِْخْلاصُ لَهُ، وَكَمَالُ الاِْخْلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ»(27).

وهنا ينبغي أن نتساءل هل ان معرفة الله ممكنة أم لا؟ وإذا كانت ممكنة فما السبيل إليها؟ وإذا كانت خلاف ذلك فلماذا جعلت أوّل الدين؟

يجيب الإمام عليّ(عليه السلام) عن كلّ هذه الأسئلة في احدى خطبه ويشير إلى أن القدر اللازم والضروري من معرفة الله ميسّر للبشر ومودع في كيانهم، بل وممتزج بفطرتهم بالنحو الّذي يؤمّن لهم المعرفة اللازمة، ولكنه لم يودع في فطرتهم أكثر ممّا يحتاجون إليه.

يقول(عليه السلام) في خطبته التي يشرح فيها الصفات الربوبية: «لَمْ يُطْلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ، ولَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفِتِهِ»(28) أي أن الله تعالى لم يطلع الإنسان على عمق الصفات وكنهها، وذلك لمحدودية العقل وعدم قدرته على الإحاطة بالصفات اللامحدودة، إذ لا يمكن للعقل المحدود أن يدرك صفة غير محدودة مطلقاً، كما لا يمكن لمحدود أن يعرف غير المحدود، سواء كانت تلك المعرفة عن طريق العقل أو الفكر أو العرفان، وسواء كانت بالدماغ أو القلب، فهي غير ميسورة في الحالتين.

يقول(عليه السلام): «الَّذِي لاَ يُدْركُهُ بُعْدُ الهِمَمِ، وَلاَ يَنَالُهُ غَوْصُ الفِطَنِ»(29) فلا المفكرون قاردون بإعمال الذهن على معرفة ذات الله كما هي عليه، ولا العارفون قادرون بتأملاتهم على ذلك، إنّه لا يمكن الوصول إلى قعر بحر المعرفة للتعرف على حقيقة ذات الله، وحتى لو خاضوا بحر المعرفة، أو أرادوا التحليق إلى قمتها فإنّهم سيتوقفون عند حدّ معين.

ولما لم يكن هناك طريق من العلو إلى الكنه، ولا من السفل إليه، فلا يمكن معرفة الله على ما هو عليه لا بالذهن ولا بالقلب، لا بالفلسفة ولا بالعرفان، لا بالفكر ولا بالشهود ذلك لأنّه: «لَيْسَ كمثله شَيْء»(30).

إنّ معرفة الله معرفة ملازمة للاعتراف بالعجز دوماً، أي أننا نجد الاعتراف بالعجز إلى جانب معرفتنا مهما كانت هذه المعرفة واسعة.

وإلى هذا أشار(عليه السلام) في قوله السابق ومؤدّاه، إلهي إنّ معرفتي لا تدرك كنهك ولا تصل إلى عمقك، كما يقول: «لَمْ يُطْلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ»(31) أي أنّ حدّه هو أ نّه سبحانه لا حدّ له، «ولَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفِتِهِ»(32) فلم يحجب الله القدر اللازم ممّا ينبغي حصوله للإنسان من المعرفة لله سبحانه، سواء كان ذلك عن طريق الشهود أو عن طريق الفكر، أي عن طريق القلب وعن طريق العقل«لا يَنَالُهُ غَوْصُ الفِطَنِ» وكذا «لاَ يُدْركُهُ بُعْدُ الهِمَمِ».

إذن يمكن إدراك ذلك القدر من المعرفة بالفكر، مضافاً إلى إمكان معرفته بالشهود القلبي فبالإضافة إلى ما يشاهده القلب يمكن الحصول على المعرفة أيضاً عن طريق الفكر، إلاّ أن ما يشاهده القلب هو أنفع، مع أ نّه أصعب ممّا يحصل عليه الفكر عن طريق أعمال العقل.

فالوصول إلى ذروة الفكر وتسلّق قمته أسهل من خوض غمار البحر والغوص في عمقه، كما أنّ السفر جواً أسهل من السفر بحراً، كذلك الغوص في قعر بحار العرفان هو أصعب من التحليق في سماء الإستدلال الفلسفي.

وخلاصة القول: أنّ باب معرفة الله مفتوح ـ وبالقدر اللازم ـ أمام البشر، سواء عبر الفكر أو المشاهدة أو أي طريق آخر: «ولَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفِتِهِ» فالعالم والكون ما هو إلاّ آيات ودلائل، مخلوقة لتدل عليه، وقد بيّنا ذلك مفصلا في بحوث التفسير الموضوعي للقرآن الكريم»(33).

«فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلاَمُ الْوُجُودِ، عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي الْجُحُودِ، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقولُ الْمُشَبِّهُونَ بِهِ وَالْجَاحِدُونَ لَهُ عُلوّاً كَبِيراً»(34).

وإذا كان أميرالمؤمنين(عليه السلام) قد دلّ على أوّل الدين في خطبه فإنّه نفى إمكانية معرفة كنه الله في خطبة اُخرى.

كما أوضح في احدى خطبه التوحيدية الطويلة ممّا يمكن الإستعانة به على معرفة الله بنحو استدلالي.

 

دور الإستدلال في معرفة الله:

يقوم نظام الكون والوجود على نظام العلة والمعلول، أي أنّ كلّ موجود لا يكون وجوده عين ذاته هو موجود معلول محتاج إلى ذات يكون وجودها عين ذاتها.

يقول عليّ(عليه السلام) في صدر خطبة له:

«مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ، وَلاَ حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ، وَلاَ إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ، وَلاَ صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَتَوَهَّمَهُ، كُلُّ مَعْرُوف بِنَفْسِهِ مَُصْنُوعٌ، وَكُلُّ قَائِم فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ»(35) أي أن كلّ موجود مهما كان نصيبه من الوجود، هو موجود معلول إلاّ الله تعالى شأنه، وهذا يرسّخ ويؤكد نظام العليّة والمعلول، كما يقسّم عالم الوجود إلى قسمين، قسم العلة وهو الله تعالى، وقسم المعلول وهو عالم الخلق.

إنّ أميرالمؤمنين(عليه السلام) يرى في نصه السابق، أنّ كلّ موجود غير الله وكلّ قائم أياً كان، هو معلول، أمّا الله تعالى فليس كذلك، ولما كان كلّ معلول محتاجاً إلى علة، فالخلق معلول له.

وفي النهاية نحصل على نتيجة تقضي بأن: كلّ موجود هو إمّا علة وإمّا معلول، وبهذا يكون الوجود على قسمين، علة وآخر معلول، عندئذ تكون المحصلة هي أن عالم الوجود معلول، وأنّ الله تعالى هو علة ذلك الوجود والسبب هو أن غير الله أيا كان ومهما كان فهو معلول، باعتبار أنّ وجوده ليس عين ذاته، إذ لو كان وجوده عين ذاته لما كان له سبق ولا عدم، ولما انتهى إلى الفناء بعد ذلك، «وَكُلُّ قَائِم فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ».

وقد بيّن(عليه السلام) هذا الموضوع في خطبة له أيضاً فقال: «فَالوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمُقَدِّرَ، وَ جَحَدَ الْمُدَبِّرَ»(36) إذن من ذا الّذي هندس الكون بهذه الهندسة وهذا التقدير والنظم؟ ومن ذا الّذي شاده؟ ومن ذا الّذي أوجد هذا التنسيق الفريد الّذي نشاهده في الكون بنحو أصبح فيه دليلا للعلم وهادياً له يقوده إلى الخالق؟

وإذا كان العلم عبارة عن سلسلة من القواعد المنظّمة يكون قد استوحى قواعده من عالم الخلق، فإنّه مستوحى فالرياضيات إذا كانت تمتلك قدرة البرهان فإنّها لا تعدو كونها مظاهر إمكانية مستوحاة من العالم الخارجي، وهكذا سائر العلوم فإن نظمها وتناسقها ـ بغض النظر عن كونها سلسلة موجودات إمكانية ـ فإنّها تمثل بنفسها آيات منتزعة من عالم الخلق وهذا بحدّ ذاته دليل على النظم والتناسق.

يقول(عليه السلام): «فَالوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمُقَدِّرَ، وَ جَحَدَ الْمُدَبِّرَ» أي الويل لمن أنكر الله وادّعى أنّ الكون ما هو إلاّ المادة المشهودة ليس غير، وأنّ هذه المادة بما يحدث فيها من تغيّر وتفاعل تنطوي على آثار ونتائج من غير الحاجة إلى الخالق.

إنّهم «زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارعٌ، وَلاَ لاِخْتِلاَفِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ»(37)يعتقدون بأن عالم الطبيعة قد أوجدهم وأوجد نباتاتهم، في حين أ نّه لا يوجد شيء في عالم الطبيعة قائم بنفسه، وإنّ للنبات زارعاً ومقوّماً هو الله سبحانه، كما أنّ السذّج من الناس يتصوّرون أنّ النباتات الصحراوية تنمو لوحدها، وأنّ نشوء الإنسان كنشوئها حيث تنشأ من غير زارع يغرسها ويتعّهدها «كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارعٌ، وَلاَ لاِخْتِلاَفِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ» أي أ نّهم ظنّوا أن نشوءهم كان كنشوء النباتات الطبيعية الناشئة من غير زارع، كما ظنوا أن التباين والإختلاف بينهم هو عدم وجود تشابه بين وجه ووجه مطلقاً، ولا بين صوت وصوت ولا بين لهجة ولهجة، وأنّ هذا الاختلاف ما هو إلاّ مصادفة محضة ولم يحدث نتيجة لنظم ولوجود خالق مبدع ومصور (هو الّذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء)(38).

يقول(عليه السلام): «وَلَمْ يَلْجَأُوا إِلَى حُجَّة فِيَما ادَّعَوا، وَلاَ تَحْقِيق لِمَا دْعَوْا»(39) أي لم يقيموا دليلا على زعمهم فـ: (حجتهم داحضة عند ربّهم)(40) فاستدلالهم باطل لا دليل لهم عليه.

بعد ذلك يتساءل الإمام عليّ(عليه السلام) عن مدى إمكانية وجود الموجود المادي إثر حركة مادية؟ وهل أن أدعياء هذا الزعم لا يعلمون أنّ الحركة في الحقيقة ما هي إلاّ حدث يحتاج إلى خالق، وما يحصل عليه هذا الحدث من كمالات بعد الحدوث لا يكون قد امتلكها من قبل ليمنحها لنفسه، وإنّما اكتسبها اكتساباً، والمكتسب عادة يحتاج إلى مانح ومعطي، ولهذا يرى(عليه السلام) أن لا دليل ولا حجة لمنكري الله وأنّ دعواهم تفتقر إلى بيّنة وإلى شاهد: «وَلَمْ يَلْجَأُوا إِلَى حُجَّة فِيَما ادَّعَوا» أي لم يستدلوا على زعمهم هذا «وَلاَ تَحْقِيق لِمَا دْعَوْا» وان ما أودعوا في وعاء القلب واختزنوه لم يقم على دليل أو فحص وتدقيق في حين أن ذلك ضروري للقلب لأ نّه وعاء المطالب «إِنَّ هذهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا»(41)أي أنّ هذه القلوب آنية أفضلها هو ما كان أكثرها استيعاباً للمعارف الإلهية، وما كان مجرداً عن عالم الطبيعة لأنّ كلّ موجود مادي يقل استيعابه كلّما زيد في مظروفه إلاّ القلب، فإنّه ليس فقط لا يقل استيعابه، بل يزيد المظروف في سعته كلما ازداد.

وهذا يتفق مع ما جاء في نهج البلاغة من قول لعليّ(عليه السلام): «كُلُّ وِعَاء يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ إِلاَّ وِعَاءَ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ يَتَّسِعُ»(42) إذ كلّ إناء يضيق بدخول شيء فيه إلاّ قلب الإنسان فإنّه إناء للأفكار ودخولها فيه ليس فقط لا يقلل من استيعابه، بل يوسّعه ويفتح أمامه الآفاق ويشرح الصدر، فكلما فهم أكثر واستوعب، كلما كان مهيئاً لاستيعاب أشمل وأكثر.

إنّ العلم ييسّر سبيل انشراح الصدر، كما أن شهود العارف يسهّل انشراح القلب، وهكذا فتفكّر الحكيم يمهّد السبيل أمام تطوّر الفكر ليفتح له الآفاق عبر العقل.

إنّ الحكيم إذا ما اتخذ القلب طريقاً للسباحة فإنّه سيكون أمهر سبّاح، وإذا ما اتخذ الفلسفة والحكمة سبيلا فإنّه سيكون أمهر حكيم، وكذا إذا ما اتخذ العرفان اُسلوباً فإنّه سيكون أكثر عرفاناً، هذا إذا سلك الطريق الصحيح، إذ لا نهاية للصراط المستقيم وإنّ الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، فينبغي أن يكون السير في وسط الصراط المستقيم وباعتدال من غير انحراف إلى أحد طرفيه، عندئذ سيجد السائر أن الطريق أمامه مفتوح سواء أسلك طريق «بُعْدُ الهِمَمِ» أو سلك طريق «غَوْصُ الفِطَنِ»... سلك طريق التفكير الفلسفي أو سلك طريق الشهود العيني.

إنّ السائر على الصراط المستقيم هو أعمق إدراكاً، كما أ نّه أكثر استعداداً للإكتساب والتفكر، أمّا اُولئك المنكرون لله فقد غمروا الروح الإلهية والوعاء الملكوتي (القلب اللطيف» بظنون وأوهام وجعلوه مخزناً لها، إنّهم فسحوا المجال أمام سلسلة من الموضوعات لتجد طريقها إلى قلوبهم من غير تحقيق، وجعلوا القلب وعاءً للظنون وَلاَ تَحْقِيق لِمَا دْعَوْا».

ثمّ يقول(عليه السلام): «وَهَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَان، أَوْ جِنَايَةٌ مِن غير جان؟»(43) أي هل يمكن لبناء أو يوجد بنفسه؟ أو يبنى من غير معمار أو مهندس؟ فهل لجدار أو سقف أو بيت يبنى من غير بان؟ وهل أنّ هذا الكون العظيم وهذا الإنسان المحيّر للعقول هو الّذي أوجد نفسه؟

وهلا ساوى هذا الكون وهذا الإنسان حائطاً حيث لا يمكن أن يوجد من غير بان؟ وهلا كان هذا البناء المحكم البنيان والدقيق لداخل الكون وخارجه مساو لغرفة من طين لا يمكن أن توجد من غير فاعل؟ بل هل يكون فعل من غير فاعل؟ وهل اقتطفت فاكهة من غير قاطف؟ وهل يكون اعتداء من غير معتد؟

من هنا يمكن أن نخرج بنتيجة هي أ نّه لا يمكن أن يكون عمل بلا عامل أو فعل من غير فاعل أو معلول من غير علة، وهذا هو الأصل العام للخطبة المشار إليها والتي يقول(عليه السلام) فيها: «وَكُلُّ قَائِم فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ» فكما لا يمكن أن يكون بناء بلا بنّاء، ولا عمارة من غير معمار، ولا أثر من غير مؤثر، فإنّ عالم الخلق المنتظم هو الآخر لا يمكن أن يوجد بغير الله سبحانه، أي بغير خالق.

إنّ هذا النمط من الإستدلال هو نفسه النمط الّذي يعتمده القرآن الكريم، وقد جرت معارفه على لسانه عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) باعتباره القرآن الناطق بنحو خطبة ورسالة جمعت في نهج البلاغة.

إنّ أوّل ما أكده الإمام عليّ(عليه السلام) في الخطبة التي نحن بصددها، هو نظام العلة والمعلول، وأفاد فيها، أنّ كلّ موجود معلول، وأنّ كلّ ما لا يكون وجوده عين ذاته معلول، كما أنّ كلّ موجود يستمدّ وجوده من غيره معلول أيضاً، وأنّ الوحيد الّذي يكون وجوده عين الوجود هو الله تعالى، وهو العلة لغيره لا غير، وهو الّذي يمكن أن يعرف بالقلب والفكر معاً.

قال(عليه السلام): «بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ، وَبِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُيُونِ»(44) إنّه(عليه السلام)أفاد ـ بعد أن ذكر لله عدة أوصاف ـ أنّ الله تعالى تجلّى للقلوب بآيات وعلامات ودلائل الخلق، أمّا إذا كانت مرآة القلب مشابة بالغبار فإنّها لا يمكنها أن تكون مجلاة لمعرفة الله، كما إذا كانت أفكار وآراء المفكرين الماديين مغبرة بغبار المادة فإنّها لا يمكنها أن تكون وسيلة تتجلّى فيها معرفة الله.

فلا غبار في الحقيقة على حقائق العالم والكون ولا حجاب، وإذا ما وجد فإنّه على صفحة مرآة فكر المفكر المادي وتفكيره.

يقول عليّ(عليه السلام) في حقائق العالم وموجوداته: «بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ، وَبِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُيُونِ».

أمّا عدم قدرة العيون على رؤية الله تعالى فإنّه يكمن في عدم محدوديته وعدم تناهيه وإنّ عدم انحصار وجوده في جهة معينة هو لعدم ماديته سبحانه.

ويذكر الإمام الرضا(عليه السلام) في جواب له على سؤال الفيلسوف المادي عن كيفية الإيمان بالله مع أ نّه ليس بشيء مرئي، أ نّه لو كان الله قابلا للرؤية لما كان إلهاً، وكذا لو كان مرئياً في جهة معينة لكان محتاجاً ممكناً وهذا يعني أ نّه لا يمكن أن يكون إلهاً، باعتبار أنّ النظر إليه محال لملازمة امتناع النظر إليه سبحانه باعتباره محض الوجود، وأ نّه وجود غير محدود: «وَبِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُيُونِ».

فالله لما سواه، وكلّ موجود غيره معلول له، وأ نّه خالق الموجودات وموجدها جميعاً.

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: 13/197 ط الثانية بيروت.

(2) يوسف: 94.

(3) شرح نهج البلاغة: 13/197.

(4) المصدر السابق: 1/151.

(5) المصدر السابق: 13/101.

(6) المصدر السابق: 10/10.

(7) المصدر السابق: 9/217.

(8) المصدر السابق: 9/103.

(9 و 10 و 11) المصدر السابق: 13/213.

(12) المصدر السابق: ج 10/179.

(13) المصدر السابق: ج 10/179.

(14) المصدر السابق.

(15) الكافي الاُصول والروضة للكليني: 4/165.

(16) المصدر السابق: 4/169.

(17) المصدر السابق: 4/192 ـ 193.

(18) الاسراء: 88.

(19) التكاثر: 1 ـ 2.

(20) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 11/145.

(21) المصدر السابق: 11/152.

(22) المصدر السابق: 11/150 و151.

(23) الملع: السير السريع، ويقال: خوّى الطائر، إذا أرسل جناحيه.

(24) المصدر السابق: 11/152.

(25) نهج البلاغة ابن أبي الحديد: 11/153.

(26) راجع توفيق التطبيق لعليّ بن فضل الله الكيلاني، تقديم وتحقيق الدكتور محمّد مصطفى حلمي ص 56 القاهرة.

(27) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/72.

(28) المصدر السابق: 3/216.

(29) المصدر السابق: 1/57.

(30) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3/216.

(31 و 32) المصدر السابق.

(33) هي بحوث تم طبع بعضها في بعض الأجزاء وباللغة الفارسية.

(34) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3/216.

(35) المصدر السابق: 13/69.

(36 و 37) المصدر السابق: 13/56.

(38) آل عمران: 6.

(39) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 13/56.

(40) الشورى: 16.

(41) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 18/346.

(42) المصدر السابق: 19/25.

(43) المصدر السابق: 13/56.

(44) المصدر السابق: 13/76.