بطلان اُصول الديالكتيك من منظار نهج البلاغة:

إنّ نهج البلاغة يشطب على اُصول الديالكتيك ويخطأها، وكمثال على ذلك رأيه في الحركة العامة التي تعتبر أحد أهم اُصول الديالكتيك وتعني أ نّه لا وجود لموجود غير متحرك وغير داخل في إطار الحركة أو أ نّه خارج عن إطارها وسيطرتها.

ويرى ابن سينا، أنّ موجودات الكون عند المفكرين الماديين منحصرة في المادة، أي أنّ كلّ موجود مادي، وإذا كان هناك شيء لا مادة له ولا حركة فهذا يعني أ نّه لا وجود له، وهذا هو السر الّذي يكمن وراء زعم الماركسيين، بأنّ البحث في ما وراء الطبيعة وفي الله سبحانه هو بحث لا طائل تحته، وأ نّه بحث عقيم، وما نظريات المفكرين الإلهيين إلاّ خرافات.

إنّهم يقولون أنّ كلّ موجود مادي هو في حال حركة وتغيّر بالضرورة، ولا يوجد عندنا موجود لا يخضع للحركة، كما لا يوجد موجود لا يقبل التغير، ولما كان البحث في مجال الله وفي سائر الاُمور الميتافيزيقية التي لا تخضع للحركة ولا سبيل للتغير والتحول إليها فإنّهم ـ أي الماركسيين ـ يزعمون أ نّه بحث لا فائدة منه، وإذا ما حصل بحث فإنّ نتائجه ستكون خرافات، باعتبار أنّ الموجود غير المادي وغير المتحرك هو موجود خرافي، وبهذا يعتقدون بعدم جدوى البحث في المسائل الميتافيزيقية، وأنّ النتائج التي يصل إليها المفكرون الإلهيون ماهي إلاّ نتائج خرافية ويعتقدون أنّ أهم اُصول الديالكتيك هو الحركة العامة، وأنّ تناسق الموجودات بعضها مع البعض الآخر ما هو إلاّ نتيجة طبيعية لتحركها.

أمّا أميرالمؤمنين(عليه السلام) فيرى في خطبته التوحيدية الطويلة ـ التي يقول الشريف الرضي في تعليقه عليها: «وتجمع هذه الخطبة من اُصول العلم ما لا تجمعه خطبة غيرها»(1).

يرى أنّ الله سبحانه غير خاضع للحركة، ولا تتحكم اُصولها ولا قوانينها بذاته، فلا هو سبحانه يعمل بالحركة، ولا للحركة سبيل إلى ذاته أو إلى عمله إذ الله ذات بلا حركة كما أنّ عليّته وفاعليته ليستا دائرة مدار الحركة، يقول(عليه السلام): «فَاعِلٌ لاَ بِاضْطِرَابِ آلَة، مُقَدِّرٌ لاَ بِجَوْلِ فِكْرَة، غَنِيٌّ لاَ بِاسْتِفَادَة. لاَ تَصْحَبُهُ الاَْوْقَاتُ، وَلاَ تَرْفِدُهُ الاَْدَوَاتُ، سَبَقَ الاَْوْقَاتَ كَوْنُهُ... »(2).

 

تنزيه ذات الباري تعالى وعليته وعمله عن الحركة:

في هذا المجال ثلاثة موضوعات هي:

أوّلا: إنّ الله ووجوده منزّه عن الحركة.

ثانياً: تنزّه علّية الله وفاعليته وتأثيره عن الحركة.

ثالثاً: عمل الله، يعني فعل الله وخلقه، حيث أنّ قسماً منه مجرّد ومصون عن حركة التغيير، والقسم الآخر خاضع للحركة ومشمول بالتحول والتغير.

يقول(عليه السلام): «لاَ يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ وَالْحَرَكَةُ»(3) أي أنّ الله غير متحرك وغير ساكن إذ أنّ السكون والحركة متقابلان وأنّ تقابلهما بتعبير صدر المتألهين، تقابل العدم والملكة، ونجد مصداقه في الموجود المادي الموجود بالقوّة ولكونه موجوداً ذا مادة فإنّه مادي وإذا لم يكن متغيراً فلا محالة سيكون ساكناً، أمّا إذا كان متغيراً فإنّه سيكون متحركاً.

ـ والآن هل لدينا موجود ساكن أم لا فإنّه موضوع آخر ـ وما نحن بصدده هو أنّ السكون مقابل الحركة وأنّ الجسم المادي هو مصداق الاثنين معاً. أمّا ما ليس له مادة وهو الخالق للجسم وللمادة فإنّه لا محالة يكون ثابتاً لا ساكناً ولا متغيراً فله ثبوت وليس له سكون، إذ السكون في مقابل الحركة التي هي صفة الموجود المادي.

لذا يرى أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنّ الله لا يقبل الحركة ولا السكون، كما لا يقبل التغير ولا سبيل للجمود وللسكون إليه، لأنّ الله هو خالق الحركة ومفيضها، وإذا ما خلق الله شيئاً فسوف لن تكون لذلك الشيء قدرة ولا سيطرة على الله.

ويستدل أميرالمؤمنين(عليه السلام) على ذلك بقوله: «لاَ يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ وَالْحَرَكَةُ» فلا وجود لنظام التغير فيه إنّه ثابت، بل فوق التحول والتغير لأنّ الغرض من التحول والتغير هو الوصول إلى الكمال، والكمال غير المحدود هو هداف المتحركين والسائرين، أمّا الله سبحانه فلا حركة له لأنّ الحركة لا تهدف سوى الوصول إلى الكمال، وهو نفسه كمال لا محدود وكمال محض.

إذن لا تجري على الله الحركة ولا السكون.

يقول(عليه السلام): «وَكَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ، وَيَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ، وَيَحْدُثُ فِيهِ مَا هُوَ أَحْدَثَةُ»(4) أي كيف يمكن لحركة أن تفرض سيطرتها وحكومتها على الله وهو خالقها، وكيف يمكن لصفة أن تعرض على الله وقد أوجدها هو سبحانه «وَكَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ».

إنّه لا حكومة لقانون الحركة والسكون على الله لأ نّها مخلوقة له، كما لا حكومة لقانون التحول والتكامل عليه لأ نّه مخلوق له، كما لا حكومة لظاهرة النظام والتناسق المادي التي خلقها الله على الله سبحانه. «وَكَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ، وَيَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ، وَيَحْدُثُ فِيهِ مَا هُوَ أَحْدَثَةُ».

ولو كان الله موجوداً قابلا للحركة لكان له جزء، ولكان له ماض ومستقبل، يقول(عليه السلام): «إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ، وَلَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ، وَلاَمْتَنَعَ مِنَ الاَْزَلِ مَعْنَاهُ»(5).

أي أنّ موجوداً كهذا الموجود خاضع للحركة لا يمكن أن يكون أزلياً أبدياً ولا بسيطاً مجرداً يقول(عليه السلام): «وَخَرَجَ بِسُلْطَانِ الاْمْتِنَاعِ مِنْ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ مَا يُؤثِّرُ فِي غَيْرِهِ. الَّذِي لاَ يَحُولُ وَلاَ يَزُولُ، وَلاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ الاُْفُولُ»(6).

فلا تجد تغيراً وزوالا أو تحولا في الله، كما أ نّه سبحانه لا يتنقل من مكان إلى آخر، وأ نّه لا حركة في ذاته، ولا حركة في صفاته.

أمّا عالم الخلق وعالم الطبيعة فإنّنا نجد أنّ للحركة سبيلا في جوهر وذات موجوداتهما كما أنّ للتحول والتغير سبيلا إلى أوصافهما، بينما نجد أنّ ذات الله وصفاته التي هي عين ذاته منزهة عن التغير والتحول. أمّا صفاته الفعلية التي هي باطن الوجود الخارجي للعالم فهي دائرة في مدار الحركة، لأنّ العالم الخارجي هو عين عالم الإمكان، وأ نّه فعل الله وصفة ذاته إلاّ أ نّه ليس هو ذات الله سبحانه.

إنّ ما يتمخض عن بحثنا في هذا الجانب من الحكمة النظرية هو أنّ معرفة الله أوّل الدين وأ نّه لا يمكن معرفة كنه ذات الله، وأنّ السبيل أمام المفكرين والعرفاء مفتوح بالقدر اللازم في اطار وحدود قوس معرفتهم.

وأنّ استدلال عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) قائم على أساس نظام العليّة والمعلول، وأ نّه يرى العالم والكون من هذا المنظار، كما يرى أنّ الموجودات كافة معلولة وأنّ الله تعالى علة لها وخالق.

آمل أن يمنّ الله ـ الّذي هو مبدأ كلّ الفيوضات ـ على الجميع بأفضل الفيوض وهو معرفته التي هي أوّل الدين.

تناولنا فيما تقدم من البحث الحكمة النظرية والحكمة العملية من منظار نهج البلاغة، وقد اتضح ـ إلى حدّ ما ـ معنى الحكمة النظرية والعملية حيث عرضنا لتوضيحهما بنحو موجز، وبيّنا السبب الّذي دعانا إلى بحثهما من منظار نهج البلاغة.

أمّا ما تعني به الحكمة النظرية فهو البحث في الموضوعات التي تعدّ نظرية صرفة، والتي يكون وجودها وعدمه غير متعلق بوجود الإنسان وعدمه فسواء أكان الإنسان موجوداً أم لم يكن فإنّها موجودة.

أمّا الحكمة العملية فتعني بالموضوعات المرتبط وجودها وعدمه بالإنسان، فإذا وجد الإنسان وجدت وإذا انتفى انتفت هي الاُخرى.

وبناءً على فإن الحكمة النظرية تبحث في المبدأ، والمعاد، والملائكة، والعالم المجرد، وعالم الملكوت، والمادة، والحركة التكاملية للمادة، وأمثال ذلك.

أمّا الحكمة العملية فيدور البحث فيها حول الأخلاق، والفضائل النفسية، ومعنى العدالة، والتقوى والزهد وكيفية نيل الملكات النفسية ونظائرها. وتختلف هاتان الحكمتان أي ـ الحكمة النظرية والحكمة العملية ـ عن العقل النظري وعن العقل العملي لكونهما نوعين من المعارف وأمّا العقل النظري والعقل العملي فهما طاقتان من الطاقات الإنسانية فالعقل النظري هو الجانب الإدراكي للإنسان حيث يدرك بواسطته الاُمور ويفهمها، وإنّ ما يتلقاه من معلمه ويدركه من المبادىء العالية هو بواسطة العقل النظري، كما أنّ ما يفعله الإنسان وما يؤثر به على من هو دونه إنّما يتم بواسطة العقل العملي.

إنّ العقل النظري في الحقيقة هو السبيل الّذي يتلقى الإنسان بواسطته الفيض ممّا فوقه، كما أنّ السبيل التي تقوم بعملية ترجمة وتجسيد هذا الفيض على الأرض هي العقل العملي.

إذن فالعقل النظري والعقل العملي هما طاقتان من الطاقات الإنسانية، وما الحكمة النظرية والحكمة العملية إلاّ نوعان من العلوم والمعارف الإنسانية. غير أ نّه يمكن أن يكون إنسان ما فعالا في مجال العقل النظري وضعيفاً في مجال العقل العملي أو بالعكس، كما يمكن أن يكون ضعيفاً في المجالين أو فعالا في الإثنين معاً، ويذكر توضيح هذه الأقسام الأربعة عادة عند شرح مسائل الحكمة النظرية.

وفي هذه المقدّمة المختصرة ينبغي أن يتضح الفرق بين الحكمة النظرية والحكمة العملية، كما ينبغي أن يتضح اختلاف الحكمة النظرية والحكمة العملية عن العقل النظري وعن العقل العملي.

أمّا سبب بحث هذين الموضوعين من منظار نهج البلاغة فيرجع إلى أن نهج البلاغة كلام إنسان كامل، وحكيم كامل في الحكمة النظرية، كما هو حكيم بارز في الحكمة العملية إنّه مصداق الإنسان الكامل الّذي أفاض الله عليه الحكمة، (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد اُوتي خيراً كثيراً)(7).

الإمام عليّ(عليه السلام) يعرّف نفسه:

لا بأس للتعريف بعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بكونه حكيماً في كلتا الحكمتين أن نستعين بكلماته نفسه. فأميرالمؤمنين(عليه السلام) وغيره من أهل بيت العصمة والطهارة(عليهم السلام) يعرفون أنفسهم بأ نّهم عين الحكمة المتدفقة، ففي خطبة لأميرالمؤمنين(عليه السلام) يقول: «نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، وَمَحَطُّ الرِّسَالَةِ، وَمُخْتَلَفُ الْمَلاَئِكَةِ، وَمَعَادِنُ الْعِلْمِ، وَيَنَابِيعُ الْحُكْمِ»(8).

أي أننا شجرة النبوة الضاربة جذورها في أهل البيت الذين نالوا مقام النبوة الشامخ، وأصبحوا محل نزول فيض الرسالة ومحل رواح الملائكة وغدّوها، إننا مقر العلم وينبوع الحكم والحكمة معاً.

وإلى هذا المعنى نظر بعض الطالبيين فقال يفتخر على بني عمّ له ليسوا بفاطميين:

هل كان يعتقد البراق أبوكم *** أم كان جبريل عليه ينزل

أم هل يقول له الإله مشافهاً *** بالوحي: قم يا أيّها المزمّل(9)

بل يمكن القول أ نّه إذا كان هناك علماً فإنّ مركزه وقاعدته ومنطلقه هو عليّ وأبناؤه(عليهم السلام)، وإذا كانت هناك حكمة ـ نظرية كانت أم عملية ـ فمصدرها أهل البيت(عليهم السلام)، ومثلما أنّ القرآن مبين وشارح دقيق للحكمة النظرية والعملية فإنّ أميرالمؤمنين(عليه السلام) هو الآخر مبيّن بنحو دقيق لهما باعتباره تلميذاً ممتازاً من تلامذة المدرسة الإسلامية من جهة، وباعتباره القرآن الناطق ـ كما مرّ ـ من جهة اُخرى.

فهو(عليه السلام) يصف نفسه بما يصف الله ـ تبارك وتعالى ـ به القرآن، يقول سبحانه في بيان عظمة القرآن: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله)(10) أي أنّ لهذا القرآن وزناً وثقلا لو وقع على جبل لتصدع وتلاشى، وهكذا العقل فإنّه لا يستطيع استيعاب المسائل الصعبة حيث تسبب له صداعاً وألماً.

إذن فالجبل غير قادر على تحمل معارف القرآن السامية، وإنّه يتعرض للتصدع وبالتالي للتبعثر والتلاشي إذا ما أنزل عليه، فهو لا يتمكن من استيعاب المعارف الرفيعة للعالم المجرد، وهذا مثال يوضح الممثل له.

ثمّ يقول القرآن الكريم في ذيل الآية آنفة الذكر (وتلك الأمثال نضربها للناس).

أمّا أميرالمؤمنين(عليه السلام) فإنّه ـ وكما نعت الله القرآن بأ نّه يمتلك وزناً لا يسع الجبل تحمله يعرّف نفسه وحبّه بقوله: «لَوْ أَحَبَّنِي جَبَلٌ لَتَهَافَتَ»(11) قال ذلك عن نفسه عند وفاة أحد أصحابه المقربين وأحد تلامذة مدرسته سهل بن حنيف الأنصاري، فهو يرى(عليه السلام) أ نّه لو أراد جبل استيعاب محبته وتحملها، لتلاشى، أي ليس لجبل أن يتحمل محبته، وأ نّه غير قادر على إدراك ولاية عليّ(عليه السلام) ومعرفتها مثلما هو غير قادر على تحمل المعاني السامية للقرآن واستيعابها.

وممّا جاء على لسانه(عليه السلام) في هذا المجال قوله: «مَا شَكَكْتُ في الحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ»(12) أي أ نّني رأيت الحقّ من اللحظة التي أرينيه إياه، فكان الحقّ مشهوداً وظاهر إليَّ من غير شك فيه.

وهذا الكلام يتطابق مع قوله(عليه السلام): «فَإِنِّي وَلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ»(13) أي أ نّي ولدت على فطرة التوحيد، وقد أرى الحقّ مذ ذاك، ودل عليه فلم يشك فيه، والحق هنا يشمل الحكمة النظرية والحكمة العملية.

وقد عزمنا ـ بناءً على هذه النقاط ـ على شرح الحكمة النظرية والحكمة العملية وفقاً لوجهة نظر إنسان كامل في الحكمتين معاً، لذا سنتناول المسائل المتعلقة بالحكمة النظرية طبقاً لما وصل إلينا من كلامه(عليه السلام) بعد أن أوضحنا معنى الحكمة النظرية والحكمة العملية والفرق بينهما وبين العقل النظري والعملي، وبعد أن بينا سبب بحث الموضوع من منظار أميرالمؤمنين(عليه السلام).

 

قيام نظام الخلق على أساس العلّية:

لقد فهمنا ممّا جاء في كلام الإمام(عليه السلام) ـ في الدرس السابق ـ أنّ عالم الخلق ونظام الوجود قائم على أساس نظام العلة والمعلول، يقول(عليه السلام): «وَكُلُّ قَائِم فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ» أي أنّ كلّ موجود غير الله هو معلول، وأنّ الله هو العلة، وبناءً على هذا فإنّ هذا البحث المعمق المطروح في دائرة الإلهيات يجد قيمته في منظور أميرالمؤمنين(عليه السلام) المنطوي على أنّ: كلّ موجود فهو إمّا علة وإمّا معلول.

فنظام الوجود هو نظام العلّية، والموجود الّذي يكون عين ذاته هو العلة المحضة، أمّا الموجودات التي لا يكون وجودها عين ذاتها فهي موجودات معلولة لا محالة.

وبناءً على هذا فإنّ لعليّ(عليه السلام) استدلالات يستنكر فيها وجود بناء من غير بان وفعل من غير فاعل يقول(عليه السلام): «فَالوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمُقَدِّرَ، وَ جَحَدَ الْمُدَبِّرَ» ويقول(عليه السلام) أيضاً: «وَعَجِبْتُ لِمَنْ شَكَّ فِي اللهِ، وَهُوَ يَرَى خَلْقَ اللهِ»(14) أي إنّني لأعجب ممن ينكر الله وهو يرى خلقه، وكيف ينكر الإنسان الخالق وهو يرى الخلق؟ والخلق موجود لا يمتلك وجوده ولابدّ له من خالق ومن موجد.

أمّا إذا كان وجود الخلق عين ذاته فلماذا كان مسبوقاً بالعدم؟ ولماذا يتعرض للفناء؟ إنّ ما يكون مسبوقاً بالعدم وما يؤول إليه لا يمكن أن يكون وجوده ملكاً له، وإذا كان كذلك فإنّه محتاج مفيض يفيض الوجود عليه، ولهذا عجب(عليه السلام) ممن رأى الخلق وأنكر الخالق ولم يؤمن بالله، وقول الإمام عليّ(عليه السلام) هذا هو في الحقيقة نفس قوله تعالى: (أفي الله شك فاطر السموات والأرض)(15).

ويستدل عليّ(عليه السلام) أيضاً بالظواهر الباطنية والتغيرات النفسية على وجود الله تعالى شأنه فيقول: «عرفت الله بفسخ العزائم وحلّ العقود»(16) أي إنّني عرفت الله بما يطرأ على الروح من تغيّر وتبدّل، فرأيت الإنسان يصمم على شيء ثمّ يندم عليه، ويعزم ثمّ يتراجع، يعتقد ويؤمن بشيء ثمّ يتخلف عنه، والسبب هو أنّ هذه الوقائع النفسية ليست قائمة بنفسها، كما أ نّها ليست قائمة بالإنسان نفسه، لأ نّها إذا كانت قائمة بنفسها فلماذا تقبل حيناً وتدبر آخر، لماذا تكون إيجابية حيناً وسلبية حيناً آخر، تكون موجودة حيناً ومعدومة حيناً آخر، أمّا إذا كانت قائمة بالنفس فلماذا تسلب منها.

إنّ صفحة النفس إذن ما هي إلاّ صفحة قابلة وليست خالقة، فهي تقبل الوقائع العلمية ولكن لا بنحو الإنفعال، بل باعتبارها مرآة ومجلاة.

إنّ الروح مرآة العلوم حيث تنبض العلوم في صفحتها، ومن هذا يتمخض أنّ سلسلة التغيرات والإرادات والعزائم وإقدام الآراء والعقائد وإحجامها لا تنبع من هذه الآراء والعقائد ولا من الروح نفسها التي هي مجلى لهذه الآراء والعقائد.

إنّه(عليه السلام) يستدل على وجود الله بأصل وجود الخلق حيناً، كما يستدل بحدوث الخلق وكونه ظاهرة وحدثاً على عدم حدوث الله وعلى أ نّه أزلي، وكذا يستدل على عدم وجود المماثل والشريك والنظير لله في عام الخلق والإمكان (ليس كمثله شيء)(17).

ثمّ يتناول(عليه السلام) أصل الإيجاد والخلق بالشرح لينتهي إلى أنّ الله يخلق ويعمل بلا حركة.

إنّ هذه الاستدلالات تشير إلى عدم إمكانية معرفة الله ـ تعالى ـ بالاعتماد على اُصول الديالكتيك، ذلك لأ نّه لا يمكن إثبات الله ولا معرفة صفته ولا حتى إثباتها من خلال قانون الحركة أو من خلال مقولة أن لا وجود لموجود من غير حركة، وأنّ الكون كله في حال حركة منظمة، لا يمكن ذلك لأنّ وجود الله منزّه عن الحركة والتغير، كما أنّ فعله سبحانه هو الآخر منزّه عن الحركة والتغير، فالله موجود بلا حركة، وفعله أيضاً خلق بلا تغير، بل أنّ فعله هو الموجد للتغير، وهو الخالق للحركة، إذن فلا الله يتحرك ولا فعله الّذي يعتمد على إرادته يتحرك.

إنّ مجال الحركة ـ في الحقيقة ـ يستوعب عالم الطبيعة والمادة، ولا سبيل لها إلى الله ولا إلى إرادته، غير أ نّها تمتد إلى خلق الله وما يوجده.

إذن لابدّ من النظر إلى هاتين المسألتين على أ نّهما فوق الحركة، أي لا سبيل للحركة إلى ذات الله ولا تعرض عليه، فلا مقام ذات الله يتحرك ولا الحركة تتحكم به.

إنّ في عالم الطبيعة موجودات مادية تمتد الحركة إلى عمقها كما تمتد إلى أوصافها غير أ نّها لا سبيل لها إلى ماهيتها، فالحركة موجودة في أصل وجود الطبيعة، أي أنّ وجودها وجود سيّال جاد، وكذا الأوصاف والحوادث الوصفية في طبيعة الموجود المادي هي أيضاً سيّالة جارية، أمّا الله فلا سبيل للحركة إلى ذاته ولا عروض لصفة الحركة عليه، ذلك أنّ كلّ موجود مادي قابل للإتصاف يجب أن يكون في قبوله للصفة مادياً وبالقوّة كي يقبل الإتصاف ويكون متصفاً بنحو كامل، ويستدل أميرالمؤمنين(عليه السلام) على ذلك بقوله: «الْحَمْدُ للهِِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ»(18).

إنّ وجود الخلق يدلّ على أنّ هناك خالقاً موجوداً إذ لا يمكن أن يوجد موجود بلا موجود، وأن يكون خلق في الكون بلا خالق يقول: «وَبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّته»(19) لأنّ هذه المخلوقات حادثة وأ نّها ما كانت موجودة في البدء فظهرت، إذن فخالقها منزه عن الحدوث، وبطبيعة الحال إنّ الشيء المنزّه عن نقص الحدوث يكون أزلياً، إذ لو لم يكن الله أزلياً لكان حادثاً، ومحتاجاً إلى مبدأ أزلي نظير سائر الحوادث والممكنات.

إنّ أميرالمؤمنين(عليه السلام) يعتمد في الكثير من استدلالاته على الأزلية وعلى عدم محدودية الله، فهو يعتمد عليها وعلى عدم التناهي في خطبته بنحو بارز ويرى أ نّه لمّا كانت مخلوقاته حادثة فيعني أ نّه ليس بحادث وأ نّه أزلي، باعتبار أنّ الحادث لا يحتاج إلى حادث مثله، بل إلى أزلي، وجاء ذلك في قوله(عليه السلام): «وَبِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لاَ شَبَهَ لَهُ»(20) فلما كانت كلها متشابهة في الأوصاف وفي النوع وفي الجنس وفي العديد من خصائصها الذاتية ونظيره بعضها البعض فإنّها لابدّ لها من مبدأ لا نظير له كي يوجدها (ليس كمثله شيء) فهو يخلق الموجودات التي لها أشباه ونظائر، إذ لو كان للخالق شبيه ونظير وجامع مشترك مع غيره لكان محتاجاً إلى مميز ذاتي، أي إلى شيء يفصله عن شبيهه ويميّزه عن عديله، في حين لا يوجد أي شبه بين الله وغيره لأنّه «وَالْحَادِّ وَالْـمَحْدُودِ، وَالرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ»(21) أي لما كان الله خالقاً فلا شبه له بالمخلوق، وكذا لمّا كان حاداً وخالقاً للمحدود فلا شبه له بالمحدود، ذلك أ نّه لو كان له شبيه لكان محدوداً فلا نجده في الشبيه والنظير.

إنّه لو كان له نظير لكانت مساحة وجوده محدودة، ولكانت مساحة نظيره محدودة أيضاً، ولكان هو بالتالي محدوداً، في حين أ نّه لا يمكن أن يكون محدوداً، وما دام الله غير محدود فإنّه لا يمكن فرض الشبيه له، ففرض الشريك والشبيه له هو فرض محال، لا فرض المحال، فإنّنا إذا اعتبرنا الله غير محدود سوف لن يبقى محل لإله آخر، كما أ نّنا إذا اعتبرناه وجوداً محضاً فإنّه لن يبقى مكان لشريك، ذلك أ نّه لو كان له ثان وشريك ونظير، لتعين حدّه ولتعيّن بالتالي حدّ لله، ولكان الإثنان محدودين وناقصين.

إنّ عليّاً(عليه السلام) يرى أنّ الله وجود غير محدود، وأنّ الوجود اللا محدود لا يقبل الشريك، ولا يمكن أن يحاط بالحواس الظاهرية، ولا يمكن اكتناهه ولا الإحاطة به بالحواس الباطنية أيضاً، يقول(عليه السلام): «لاَ تَسْتَلِمُهُ الْمَشَاعِرُ، وَلاَ تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ»(22) فلا هو سبحانه يحس بالحواس والمشاعر الظاهرية، ولا هو يمكن أن يحجب بحجاب، وإنّنا حينما نقول أنّ الله لا يدرك بالحواس لا يعني أ نّه محجوب وله حاجب وساتر يؤطّره لأنّ هذا يجعل الله محدوداً.

وهكذا حينما نقول أنّ الله لا يحاط به باعتبار عدم محدوديته وأ نّه لا يخضع لإحاطة الحس ولا لإحاطة العقل.

إنّ للعقل قدرة على فهم الأشياء ومعرفتها، أمّا معرفته في مجال الله فهناك معرفة وهناك اعتراف، فمهما تعمق العقل في معرفة الله فإنّه لابدّ لمعرفته هذه من أن تشفع بالاعتراف، كما أن المستوى الّذي يبلغه من المعرفة والفهم في أنّ الله غير قابل للإكتناه (ليس كمثله شيء) يملي عليه أن يعترف ويقول بما نسب إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «ما عرفناك حقّ معرفتك»(23) ذلك أ نّه يجب أن يكون الاعتراف بالعجز قريناً لمعرفة العقل لله، وهذا لا يعنى أن لله حجاباً، وما حجاب جماله إلاّ جلاله، والسبب هو أ نّه لا سبيل للستر والحجاب إلى الوجود المحض.

لقد تبيّن ممّا سبق أن محور الموضوع يدور حول عدم محدودية الله سبحانه حيث يقول(عليه السلام): «والحادّ والمحدود» أي أن الله هو واضع الحدّ إلاّ أ نّه ليس بمحدود ولا متناه.

يقول(عليه السلام) في خاتمة هذا المقطع من الخطبة: «مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ»(24) أي أن من يصف الله يكون قد حده، والمعنى بالوصف هنا هو وصفه سبحانه بصفات زائدة على الذات وهي الصفات الإمكانية التي تجعل حداً للموجود، وإذا كان محدوداً فإن ذلك لا يكون لائقاً بالله تعالى شأنه إذا الوجود المحض غير محدود، ولكونه غير محدود فإن جميع المحدودات محتاجة إليه ولا سبيل للحركة إلى ذاته، وأ نّه لا يفعل بالحركة، وهذان الإثنان هما جزء من الصفات السلبية حيث أن أحدهما كائن في مقام الذات، والآخر في مقام الفعل.

يقول(عليه السلام): «وَالْخَالِقُ لاَ بِمَعْنَى حَرَكَة وَنَصَب»(25) أي أ نّه لما كان الله غير محدود فهو غير فاقد لأي كمال ولأي سمو كي يتحرك صوب ذلك السمو، حيث أن كلّ موجود متحرك يكون له هدف واتجاه يتجه إليه في خاتمة المطاف، سواء أكانت حركته جوهرية أم حركات اُخرى، ففي أية مقولة كانت الحركة، أي سواء أكانت في مقولة: «أن يفعل أن ينفعل» ونظائرها أو في موضع الحركة كالمقولات الخمس الاُخرى: تحت، فوق، يمين، يسار، وصوب، إذ المتحرك الفاقد لواحد من هذه الأهداف يسعى بالحركة للوصول إلى ذلك الهدف لبلوغ الكمال، أمّا إذا كان هناك من هو وجود محض، وكان كمالاً محضاً فلا يوجد صوب ولا جهة غير واجد لها، وغير حاضر فيها وغير محيط بها، وغير مسيطر عليها، إذن لا داعي لافتراض الحركة في ذات الواجب تعالى.

كما أن فعله هو الآخر لا يحتاج إلى الحركة، فهو ليس نظير كتابة الكاتب، أو قول القائل، أو خريطة المهندس، أو معالجة الطبيب أو تعليم الاُستاذ ، حيث أن هذه مرافقة للحركة.

إن الإرادات الجديدة التي تظهر في ذهن إنسان ما تدفعه إلى فعل أعمال جديدة، وقبول الإرادات الجديدة هو تحول وتغيّر كما أن القيام بأعمال جديدة هو الآخر تغير.

إن إرادة الله التي هي صفة للفعل وحدث إنّما تنبع من داخل الفعل نفسه لا من مقام الذات، أمّا الإرادة المنزهة عن الحركة فهي الإرادة الذاتية التي هي عين العلم، وهي عبارة عن ابتهاج ذاتي، من حيث المفهوم، أمّا من حيث المصداق فإنّها عين علم القدرة ومنزهة عن الحركة، أمّا الإرادة التي هي عين عالم الوجود والتي وردت الإشارة إليها في الكتاب وفي السنّة فهي الإرادة الفعلية، ولكن الله حينما يفعل وحينما يخلق شيئاً ما، لا يخلق ذلك بالحركة كي يتحرك، كما لا يؤدي عملاً بالحركة، ولا يصنع شيئاً بها، لا يمنح الحياة بالحركة ولا غير ذلك، إذن: «وَالْخَالِقُ لاَ بِمَعْنَى حَرَكَة وَنَصَب».

إن النصب والتعب هو النتيجة الطبيعية للحركة التي لابدّ لها من الانتهاء إلى الخواء والفناء بفعل التحوّل والتغيّر، أمّا عالم الثبات فلا يتعرض للاضمحلال ولا للتعب.

إن هذه القواعد الكلية العقلية لا تسري عليها السنة ولا الشهر، كما لا تتعرض للتعب لأ نّها لا تتحرك في الأرض ولا تجري الحركة عليها في الزمن، فلا هي تجري ولا هي مجرى لسيال آخر، إنّها لا تجري ولا يعبر عليها عابر، فلا هي خاضعة لتغيرات الزمان، ولا هي تجري على مجرى كي تتعرض لتأثيرات التغيير من السفل.

إنّها حينما لا تكون هكذا وتكون منفصلة عن دائرة والمادة تكون ثابتة، وبديهي أن لا يكون سكون فيها ولا يكون سبيل للحركة إليها. وبناءً على هذا الإستدلال لا يمكن مطلقاً اثبات فاعلية الله ولا معرفته باُصول الديالكتيك، كما لا يمكن أيضاً اثبات صفة الذات ولا معرفتها، هذا إذا كانت اُصول المعرفة هي اُصول الديالكتيك، أمّا من يستدل بالحركة على المحرك الأوّل كأرسطو فهو يعتمد على اُصول الميتا فيزيقيا لا على اُصول الديالكتيك، فهو يقول: إنّ الحركة تحتاج إلى محرك غير متحرك كما قسّم الموجود إلى قسمين: ثابت وسيّال، ثمّ أ نّه يرى أن السيّال محتاج إلى الثابت، وأن المتحرك محتاج إلى المتحرك، وإذا كان المحرّك متحركاً فإنّه سيكون في مصافّ بقية المحتاجين.

وخلاصة القول: أن ذات الله وصفة ذاته منزهة عن الحركة والتحوّل والتغيّر، ولكي يكون هذا واضحاً لا بأس بالاستدلال ثانية على ذلك بما يستدل به الإمام عليّ(عليه السلام) على عدم وجود الحركة في ذات الله وصفته تبارك وتعالى.

يقول(عليه السلام): «الأحد بلا تأويل عدد»(26) أي أن الله أحد وأن وحدته أحدية لا عددية، فالعدد كمية تعرض على المادة وأن الشيء الّذي ليس بمادة ولا سبيل للمادة إليه لا يقبل الكمية، وحينما لا تجد الكمية سبيلا لها إليه فإنّه لا سبيل للقواعد الرياضية أيضاً إليه، وإذا تعذّر نفوذ القواعد الرياضية إليه فإنّه لا يمكن إثبات الله بالمنطق الرياضي، ولا سبيل إلى معرفة الأوصاف الذاتية لله ولا إلى إثباتها، ذلك لأنّ المنطق الرياضي هو التفسير الكمّي للعالم، وإذا كان هناك سبيل للكمية فإنّه يعني أن هناك سبيل للمنطق الرياضي أيضاً، كما أ نّه إذا كانت هناك كمية عددية ومادية فإنّنا سوف يمكننا أن نستعين بالمنطق الرياضي، أمّا إذا لم يكن هناك مادة لم تكن كمية وهذا أمر بديهي وضروري ، فالمكان الّذي لا وجود للمادة فيه لا يكون موجوداً مادياً، ولا تكون صفاته الذاتية مادة ولا مادية، وبالتالي لا يمكن أن يستفاد من اُصول المنطق الرياضي في اثبات الرياضي في اثبات الله، وكذا لا يستفاد منها في مجال اثبات صفاته، باعتبار أن المنطق الرياضي الّذي هو تفسير كمّي للأشياء ينحصر محل عمله وفعله في الأشياء ذات الكمية، الشيء الّذي يكون بهذا النحو يكون للرياضيات دور مؤثر في معرفته، أمّا الشيء الّذي لا حركة له، ولا جمع ولا تفريق فلا.

وهنا لا بأس بتوضيح ذلك وهو أن الجمع عبارة عن وضع شيئين أحدهما إلى جانب الآخر، والتفريق هو تفريق الشيء، وأن تكامل الجمع والتفريق الرياضي يكون في الضرب والتقسيم وفي ميدان المعادلات الجبرية، حيث تعمل في مجال الحركة، إذ المجال الّذي لا حركة فيه ولا جمع ولا تفريق لا يكون فيه ضرب ولا تقسيم، ولا سبيل لواحد من هذه الاُمور إليه كما لا سبيل للمعادلات الجبرية إليه أيضاً، وإذا كان الأمر كذلك فإنّه لا سبيل للمنطق الرياضي إليه بالضرورة، كما أ نّه لا سبيل للكمية الرياضية إليه.

إنّه ـ بناءً على أقوال الموحدين في الحكمة النظرية ـ لا يمكن اثبات الله ومعرفته بالمنطق الرياضي كما لا يمكن اثبات صفات الله ومعرفتها أيضاً، إلاّ أن ـ ذلك يكون ميسوراً إذا ما اعتمدنا على الإيمان بالغيب الّذي تعرضنا له في دروس تفسير القرآن الخالية من المنطق الرياضي ومن اُصول الديالكتيك ـ وكذا يمكن ذلك من خلال تقسيم الموضوع إلى ثابت وسيّال.

ومن ثمّ الاستدلال على ذلك بالاعتماد على الاُصول العامة، وكذا من خلال الاعتماد على براهين الإمام عليّ(عليه السلام) وأدلته حيث يقول: «الْحَمْدُ للهِِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ، وَبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّته، وَبِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لاَ شَبَهَ لَهُ»(27) وهذا استدلال خال من المنطق الرياضي، ومن اُصول الديالكتيك.

آمل أن يمن الله علينا بأفضل النعم التي هي أوّل الدين، أي معرفته سبحانه، ومعرفة أوصافه الذاتية، والإيمان به وبما جاء به الأنبياء من عنده، وأن لا يسلبنا هذه النعمة العظمى أبداً، وأن ينوّر قلوب الناس بذلك.

تناولنا فيما تقدم شرحاً للحكمة النظرية والحكمة العملية من منظار نهج البلاغة لسيد الموحّدين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، وأوضحنا معنى الحكمة النظرية والحكمة العملية، والفرق بينهما وبين العقل النظري والعقل العملي، كما بيّنا سبب بحث الموضوع في إطار نهج البلاغة، ولمعرفة منزلة عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)في اطار الحكمتين ينبغي أن نعتمد أقواله التي قالها في تعريف نفسه(عليه السلام)، مضافاً إلى أقوال العرفاء والحكماء والعلماء الذين نقلنا آراءهم فيه(عليه السلام).

جاء في احدى الرسائل التي بعث بها(عليه السلام) إلى معاوية بن أبي سفيان وهو يشرح فيها جانباً من فضائل أهل البيت(عليهم السلام) قوله: «لَوْلاَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ»(28) أي لولا نهي الله تعالى في القرآن الكريم عن تزكية النفس بقوله: (فلا تزكوا أنفسكم)(29) لذكرت جانباً من فضائل أهل بيتي.

ولمّا كان ذكر فضائل أهل البيت بحد ذاته، هو تعداد، لنعم الله، وهو كمال الخضوع والعبودية لله تعالى شأنه فإنّه(عليه السلام) يقول: «فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا، وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا»(30) أي أننا ممن تربى ونشأ وترعرع في أحضان الوحي، وأن باقي الناس ينهلون من معيننا ويتربون في أحضاننا، إننا اكتسبنا العلوم الالهية من مدرسة الوحي أمّا غيرنا فقد اكتسبوا العلوم منّا، انّنا جلسنا إلى مائدة الوحي، وجلس غيرنا إلى مائدة وعظنا، انّنا لم نحتج إلى غير الله، أمّا الآخرون فمحتاجون إلى الممر الّذي يمر منه فيض الله، ونحن ذلك الممر.

وقد جاءت هذه العبارة الرفيعة: «إِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا، وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا» أيضاً في أحد توقيعات بقية الله الإمام المهدي أرواحنا له الفداء.

وبديهي أن من يتتلمذ في أحضان الوحي من غير واسطة يكون حكيماً فرداً، والرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)هو من هذا النوع ، وينطبق عليه هذا الوصف، حيث تلقى الحكمة والمعرفة من الله عبر الوحي، ونهل من معارف القرآن بلا واسطة، وعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) الّذي هو بمنزلة نفس الرسول الأكرم ـ طبقاً لآية المباهلة ـ هو الآخر نهل من نفس هذه المدرسة وتلقى العلم اللدنّي.

إنّه(عليه السلام) في الحقيقة حكيم تفجّرت الحكمة من قلبه على لسانه، فهو مصداق قول الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): «من أخلص لله أربعين يوماً فجّر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه»(31) أي من عاش أربعين يوماً خالصاً من أي شائبة لوجه الله وكانت أفعاله وأقواله وحركاته وسكناته لمدة أربعين يوماً في الله، وكانت كلها في أطار قوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي لله ربّ العالمين)(32) وتجلّت في قلبه العبادات الإلهية خالصة لوجه الله تعالى فإنّ ينابيع الحكمة تتفجر من قلبه على لسانه.

يقول(عليه السلام): «مَا شَكَكْتُ في الحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ»(33) أي لم أشك ولم أرتب فيما انطوت عليه الحكمة النظرية من اُصول، مثلما لم يتأخر عن ممارسة ومزاولة ما تدعو له الحكمة العملية، إنّه(عليه السلام) بلغ في الحكمة النظرية حداً قال فيه: «لاَ تَسْأَلُوني عَنْ شَيْء فِيَما بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ ... إِلاَّ نَبَّأْتُكُمْ ...»(34) أي أني مستعد للإجابة عن كلّ ما تودّون سؤاله من الحوادث التي ستقع من الآن وحتى يوم القيامة.

وهذه العبارة هي غير عبارته التي يقول فيها: «أَيُّهَا النَّاسُ، سَلُوني قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُوني، فَلاََنَا بِطُرُقِ السَّماءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الاَْرْضِ»(35) فإنسان يتمتع بهذا البعد من النظر، وبهذا الشمول من الإشراف على عالم الطبيعة حري به أن يكون حكيماً كاملا في الحكمة النظرية وفي الحكمة العملية، وهذا ـ بحد ذاته ـ يفرض علينا أن نستعين به لتسليط الضوء على الحكمة النظرية وعلى الحكمة العملية.

وقد تناولنا في الدروس السابقة جانباً من مسائل الحكمة النظرية من منظار نهج البلاغة، وسنتناول في هذا الدرس جانباً من جوانب الحكمة العملية من منظار هذا الكتاب القيم.

 

الحكمة العملية:

وتنطوي هذه الحكمة على موضوعات كتهذيب النفس وتربيتها وتزكيتها وعلى تدبير المنزل وإدارة شؤون العائلة إدارة حسنة كما تنطوي على كيفية تربية أعضاء المنزل وعلى كيفية بناء العش العائلي، وعلى اُسس الأخلاق الصحيحة وإدارة المجتمع وسياسة الدولة وهذه بمجملها تؤلف أبعاد وموضوعات الحكمة العملية.

إنّ لتهذيب النفس وتدبير المنزل وإدارة الدولة بنحو إنساني وإسلامي سبيلا أصيلا ومهما هي الحكمة العملية، ومثلما أن هنالك قواعد وسبلا ترتبط بكلّ واحدة من هذه الموضوعات الثلاث فإن هناك سلسلة من القواعد العامة للحكمة العملية أيضاً هي الاُسس التي يعتمدها هذا الجانب من الحكمة سواء على صعيد تدبير المنزل أم على صعيد إدارة الدولة، وتهذيب النفس كما توجد سلسلة من الضوابط ترتبط بكلّ واحدة من هذه المراحل المختلفة، وواضح أن هذا التقسيم لا يفيد الحصر، وعلى أية حال فإن سلسلة الأبحاث والموضوعات التي تعود إلى كمال الإنسان ولها دور مؤثر في تسامي الإنسان هي أبحاث الحكمة العملية، ولعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) هذا الحكيم الفرد آراء ونظريات ينبغي الاستفادة منها في الخط العام وفي الخطوط الفرعية للحكمة العملية.

إنّه (عليه السلام) ينظر إلى الإنسان من نافذة التربية والتعليم على أ نّه موجود خالد بالرغم من أ نّه يعيش بالفعل في دائرة الزمن، ويتوالى عليه الليل والنهار ويخضع لقوانينهما فإنّه يرى أنّ الإنسان إذا ما انسلخ وخرج من عالم الطبيعة وخلف وراءه الدنيا فإنّه سيتحول إلى موجود سرمدي سواء أكان ارتحاله من الدنيا ليلا أم نهاراً.

يقول(عليه السلام) بعد ذكره للآية الشريفة (ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر)(36)والتي تنطوي على معان رفيعة ودقيقة يهتدى بها: «أَيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً»(37).

أي أن رحلة الإنسان من هذه الدنيا سواء أكانت ليلا أم نهاراً فإنّه سيكون سرمداً حيث لا تأثير لليل ولا للنهار ولا لطلوع الشمس أو غروبها ولا لظهور القمر والنجوم عليه، أي سوف لن يكون للزمن تأثير على بقائه إنّه برحلته من الدنيا يكون قد تجاوز حدود الليل والنهار وحل عالماً لا ليل فيه ولا نهار، وإن كان هناك تشابه بين ما يقع في البرزخ وما يقع في عالم الليل والنهار إلاّ أ نّه لا أثر لليل وللنهار بعد.

«أَيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فيه» أي سواء ماتوا أثناء الليل أم أثناء النهار «كان عليهم سرمداً»، وهذا لا يعني أن الليل يكون سرمدياً أو أن النهار يكون سرمدياً، إذ لا الليل ولا النهار سرمدي، بل إن الإنسان بعد الموت يكون قد سكن في عالم لا يخضع فيه للحركة، ويكون قد وصل إلى عالم ثابت ليس بسيار ولا متحرك وأن روحه بلغت محلا لا تغيّر فيه.

إن العالم السرمدي والموجود السرمدي والخصائص السرمدية لا يمكن معرفتها ولا إثباتها بواسطة أقيسة واُصول ديالكتيكية، كما لا يمكن معرفتها ولا إثباتها بواسطة المنطق الرياضي حيث اتضح ذلك ـ في الدرس السابق ـ وتبيّنت دائرة اُصول الديالكتيك وحدود المنطق الرياضي.

فاُصول الديالكتيك بإمكانها أن تكون فاعلة ومؤثرة في مجال المادة والكمية وكذا في مجال المادة والحركة، وهكذا المنطق الرياضي فإن له مساحة محدودة بإمكانه التأثير فيها، في حين أن هناك جانباً من العالم ثابت غير سيّار، مستقر غير متحرك، لا سكون فيه ولا حركة، لا جمع فيه ولا تفريق، لا تحوّل فيه ولا تغيّر، وبالتالي لا دور للمنطق الرياضي فيه ولا لاُصول الديالكتيك.

أمّا جسم الإنسان فإنّه يمر بهذه المراحل على امتداد نشأته الجسمانية، وأمّا روحه فهي سرمدية لذا فلابدّ لها من أوصاف سرمدية وكمالات سرمدية لأن الموجود السرمدي الّذي لا يموت ملازم لكمالات سرمدية من نوعه.

إنّ عليّاً(عليه السلام) يرى أن الذين ماتوا وخلّفوا الدنيا وراء ظهورهم وتعرّفوا على عالم ما بعد الموت لو اُتيحت لهم فرصة الحديث عمّا شاهدوه بعد الموت لما استطاعوا، ذلك لأ نّهم «أَيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارِ دَارِهِمْ أَفْظَعَ مِمَّا خَافُوا، وَرَأَوْا مِنْ آيَاتِهَا أَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوا»(38).

لقد شاهدوا من الأهوال والعقبات بعد الموت أكثر ممّا كانوا يظنون، إنّهم شاهدوا أفظع وأبشع ممّا كانوا يخافون، إذ أن ما سمعوا به في الدنيا كان يدرك بالحواس وبالمشاعر الدنيوية، أمّا الآن فقد اطلعوا بحواس ما بعد الدنيا على اُمور وحوادث لا يمكن إدراكها بالمشاعر والحواس والإدراكات الدنيوية، إنّ هذه الرؤية في الحقيقة هي رؤية من هو مطلع على ما خلف ستار الموت.

يقول(عليه السلام): «لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً»(39) أي لو رفع غطاء الموت وكشف الغطاء عن وجه البرزخ وأزيل الحجاب عن القيامة لما طرأ جديد على عليّ بن أبي طالب، وهذا يعني أن يقينه لا يقوى ولا يترسخ بذلك الكشف لما له من اطلاع كامل على ما هو قائم وعلى ما هو موجود.

إذن لو أراد الموتى أن يقدّموا لنا وصفاً عمّا واجهوه لما استطاعوا ذلك لأ نّهم شاهدوا أبلغ ممّا كانوا يخافون ويحذرون، إنّهم شاهدوا أفظع ممّا كانوا يظنون، يقول(عليه السلام): «فَلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا لَعَيُّوا بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَمَا عَايَنُوا»(40).

أي أ نّهم لو أُتيحت لهم فرصة الحديث لما قدروا عليه لما أصابهم ولما شاهدوه، فموجودات عالم البرزخ وحوادثه غير موجودات وغير حوادث عالمنا حيث لا تدرك بحواس وإدراكات العالم الّذي نحن فيه، إنّ أميرالمؤمنين(عليه السلام)يصف عقبات ما بعد الموت بهذا النحو، أمّا نفس الموت فإنّه مؤلم بنحو لا يتمكن فيه العقل حتى من فهم وإدراك لحظة الإنتقال من الدنيا إلى الآخرة، يقول(عليه السلام): «وإنّ للموت لغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة أو تعتدل على عقول أهل الدنيا»(41).

إن في الموت شدائد وحسرات وأهوال لا يمكن وصفها أبداً، كما لا تدرك عقول أهل الدنيا كنه الموت وحقيقته، حيث لا تستطيع عقول أهل الدنيا وصفه وتعريفه.

إن أمام الإنسان ـ كما ترتئيه الحكمة العملية ـ طريقاً مملوءاً بالإبتلاءات والعقبات لا يمكن طيّه بيسر، أمّا أميرالمؤمنين(عليه السلام) فإنّه يقدّم لنا نصائح وإرشادات تسهّل سلوك الدرب الشائك وتعرفّنا بعقباته، كما تحفّزنا على التأدب بآداب الدين، إنّه يوصينا بالعمل بعد العلم، وأن نبذل الجهد في هذا المجال، بل أن لا نكون عاملين غير عالمين، لكنه يرى أيضاً أن العقل أهم من العلم، وأن العلم لا يعدو إلاّ سلّماً للعقل ووسيلة له، ولا يكون العقل عقلا حتى يقترن بالعمل، إن هذا العقل وهذا النور إذا ما أشرق في عالم النفس وقام بتنظيم حركة الغرائز الجامحة فإنّه سيكون عقلا حقيقياً، إن النور الّذي يقود الغرائز والميول الحيوانية في الإنسان إلى شاطىء الأمن هو الّذي يعتبر عقلا.

إنّ عليّاً(عليه السلام) يدعو إلى التعلّم وإلى الإهتمام بالعلم والعمل به، يقول(عليه السلام): «رُبَّ عَالِم قَدْ قَتَلَهُ جَهْلُهُ، وَعِلْمُهُ مَعَهُ لاَ يَنْفَعُهُ»(42) أي أن هناك من العلماء والمفكرين من قتلهم جهلهم، فهم علماء غير عقلاء ذلك لأنّ علمهم بالرغم من مرافقته لهم لم ينجدهم والسبب هو أنّ العلم إذا لم يقترن بالعمل يكون حجاباً، وتشتدّ غلظة وسمك الحجاب كلما ازداد العلم غير المقرون بالعمل «العلم هو الحجاب الأكبر» ، بل إن علماً كهذا يتحوّل إلى جهل.

«رُبَّ عَالِم قَدْ قَتَلَهُ جَهْلُهُ» فنفس العلم يكون جهلا، يقول(عليه السلام): «لاَ تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلاً»(43) أي لا تسمحوا للعلم أن يكون عامل غرور فيدكوعكم إلى التكبّر بدلا من التواضع، بل استخدموه ليمهد سبل الطاعة بدلا من أن يهيّىء سبل المعصية والطغيان، فإذا أصبح العلم أداة وسبيلا للمعصية فإنّه يتحول إلى قاطع طريق بدلا من أن يوفر الأمن له، وبهذا يكون جهلا أي أ نّه حينما يكون باعثاً على الكبر يكون جهلا.

يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): «لاَ تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلاً وَيَقِينَكُمْ شَكّاً»(44) وهذا يعني أن على الإنسان بعد أن تعلم وأدرك مفاهيم الحكمة العملية أن يزاولها وأن يطبقها في حياته من خلال الإستعانة بالعقل العملي باعتبار أن العلم الّذي لا يقترن بالعمل يكون حجاباً وجهلا. وبديهي أن العلم إذا لم يكن هادياً فإنّه يكون قاطع طريق ويكون جهلا.

والسؤال الّذي يطرح نفسه هنا هو ما الّذي ينبغي فعله للوقوف أمام قاطع الطريق هذا ومواجهته؟

يجيب على ذلك أميرالمؤمنين(عليه السلام)، ويرى أن مواجهة قاطع الطريق هذا تكون من خلال الإعراض عن فعل المعاصي، ذلك لأنّ المعصية تجعل اليقين شكاً، والشاكّ عادة يكون حائراً لا يدري ماذا يعمل.

قال تعالى: (بل هم في شك يعلبون)(45) وقال: (وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ)(46) فهو تائه لا يهتدي إلى سبيل، لذا نجد أميرالمؤمنين(عليه السلام) يدعو إلى العمل باليقين فور حصوله، لأن اليقين غير المقترن بالعمل ـ من وجهة نظر الحكيم المتأله ـ يكون شكاً لا يقيناً، فقد تكون معرفة شخص ما بعلم الأخلاق معرفة جيدة، وبحث ودقّق في مسائله وموضوعاته، ولكن لم يمارس ذلك ولم يطبقه في حياته العملية، فإنّ علمه هذا شك لا يقين.

يقول(عليه السلام): «إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا، وَإِذَا تَيَقَّنْتُمْ فَأَقْدِمُوا»(47) أمّا قوله(عليه السلام): «الْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ، وَالْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلاَّ ارْتَحَلَ عنه»(48)فإنّه يعني أن العلوم العملية إذا ما عمل الإنسان بها فإنّها ستترسخ في الذهن، أمّا إذا تركها فإنهّا ستنسى «وآفة العلم الترك»، خاصة أن العلوم العملية تنسى عادة.

فالخطاط الماهر إذا ترك مهنة الحياكة فإنّه سينساها، وهكذا البنّاء الماهر فإنّه سينسى فن العمارة إذا ما ترك العمل، إذن فالعلوم العملية هي بهذا النحو وهو أ نّه لابدّ من مرافقة العمل فيها للعلم، بل أن المعصوم يسلط الضوء على هذا الأمر أكثر حيث يقول(عليه السلام): «الْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ» أي أن العلم في الأساس هو ما كان مقروناً بالعمل وإلاّ فهو جهل، وهذا هو المعنى بنسيان العلم، أي أن العمل غير المقرون بالعمل جهل وإن كان غياب العمل وعدم مرافقته للعلم، فإنّه يكون جهلا وإن كان في أصله نور.

إن العلم ينادي بالعمل ويطلب إليه أن اتبعني، فإذا استجاب للنداء فهو علم وإلاّ فإنّه سيرحل وسيحلّ الجهل محله، وهذا لا يعني أن الجهل أمر وجودي بل إن نفس رحلة العلم وموته هو جهل وهذا نظير الملكة وعدمها.

إن فقدان مصباح العلم هو السبب وراء عدم وصول الإنسان إلى الهدف، ومثله الإنحراف عن الجادة، والتيه، حيث لا يعتبر عملا وإن كان في الظاهر فعلا وحركة.

فالإنسان لا يكون عالماً بتأليف كتاب أو بتدريس أو بابتكار شيء ما، بل لابدّ لذلك العلم من عمل يقترن، وإلاّ فإن الجهل يكون أفضل من العلم مئة مرة، إذن فالعلم ميت بغير العمل وموته هو الّذي نسميه جهلا.

والعلم بهذا المعنى هو فحوى الحديث المنسوب إلى أميرالمؤمنين(عليه السلام)وإلى الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو: «العلم ينادي بالعمل وإلاّ ارتحل عنه» لذا يرى أميرالمؤمنين(عليه السلام) إن العالم غير المستفيد من علمه لا يعدو إلاّ كونه إنساناً جاهلا وإن كان شبيهاً بالعالم في ميدان التعلّم والعلم.

يقول الإمام عليّ(عليه السلام) في هذا الشأن: «الْعِلْمُ عِلْمَانِ مَطْبُوعٌ وَمَسْمُوعٌ»(49) أي أن قسماً من العلم يكتسب من المحيط الخارجي والقسم الآخر يتفجّر وينبع من داخل النفس «وَلاَ يَنْفَعُ الْمَسْمُوعُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَطْبُوعُ»(50) أي أن الإنسان ما لم ينبثق العلم من باطنه فإنّ علمه الخارجي المكتسب سوف لا يجدي نفعاً، وذلك كمواصلة الدراسة ومطالعة الكتب والحضور في حلقة الدرس وتعلم الخطابة،هذا لا ينفع ما لم ينبض ويتحرك ويتفجر العلم من داخل النفس.

إنّه لا فائدة ترتجى من وراء العلم المكتسب من الخارج حيث لا يكون أكثر من حجاب فوق حجاب ما لم تتفجر المعرفة من فطرة وباطن الإنسان، وما لم يتفجّر هذا العلم فإنّه لا فائدة من وراء العلم المكتسب للسير إلى العالم السرمدي.

إن على الإنسان أن يعلم أ نّه موجود سرمدي وأن العلم غير المقرون بالعمل حجاب يمنع من رؤية العالم السرمدي كما يمنع من تهيئة واعداد الزاد السرمدي كما أن العلم المطبوع إذا لم يقترن بالعلم المسموع سيكون حجاباً هو الآخر ويكون صاحبه مستأكلا بالعلم.

إن العلم المطبوع يختلف عن المسموع في كون المسموع أو المكتسب إذا كان للفخر فإنّه يكون حجاباً ويكون جهلا وبهذا لا يكون علماً، لذا إذا لم يتفجّر نور المعرفة من الداخل فإن تحصيل المعارف من الخارج سوف لن يجدي نفعاً، وهذا هو معنى قوله(عليه السلام): «الْعِلْمُ عِلْمَانِ مَطْبُوعٌ وَمَسْمُوعٌ وَلاَ يَنْفَعُ الْمَسْمُوعُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَطْبُوعُ».

إن الإنسان إذا ما فهم أ نّه سرمدي وتعلّم المسائل السابقة وعمل بعلمه فإنّه سيكون كريم النفس، وهذه الكرامة إنّما تتقوم بالعلم والعمل به، فأميرالمؤمنين(عليه السلام) يدعوا الإنسان إلى عدم إهانة نفسه وتحقيرها وإلى تهذيب النفس وتزكيتها وإكرامها وإلى عدم استبدال كرامة النفس بأي شيء مهما كان، إنّه(عليه السلام) يدعو الإنسان إلى أن يمدّ يده إلى أي شخص وأن لا يعيش على الأماني ولا ينشغل بغير نفسه، ولا يستصحب شيئاً لا يكون له رفيقاً دائماً، أو يكون مجبوراً على مفارقته، كما يدعو الإنسان إلى عدم الإنشغال بما يلهيه.

إنّه(عليه السلام) يقول للإنسان إنّك مكرم: «وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّة وَإِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ»(51) أي صن نفسك عن كلّ عمل سيء ومهين، إذ أن كرامة النفس إنّما تتحقق وتحصل في عدم رغبتها في الدنيء وأن تسمو وتترفع عن الصغائر، وبناءً على هذا ينبغي للإنسان أن لا يسير خلف رغائب النفس حتى إذا وجت فيه رغبة وكان ما تدعوه إليه موضع حبه وتعلّقه «وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّة وَإِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً»(52) أي أ نّك تعلم أن صفقتك هذه خاسرة، وأ نّك بعت روحك بما لا قيمة له، ولم تحصل في هذا البيع والشراء على شيء، لقد استنفدت روحك الإلهية واستهلكتها من غير أن تحفل بشيء.

إنّ أميرالمؤمنين(عليه السلام) يرى أن من لم يصحبه رفيق سرمدي في سفره وكان قد أنفق الروح واستهلك العمر من أجله قد مني بهزيمة وخسارة لا تضاهيها خسارة. وسبب ذلك هو أ نّه بعد هذا الانفاق لم يحصل على عوض: «فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً» لاستهلاكك الروح الخالدة من أجل أمر فان.

يقول(عليه السلام): «ولاَ تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللهُ حُرّاً»(53) أي لا تدع قلبك معلقاً بشيء، ولا تكن أمعة لغيرك فتكون عبداً لغيرك وقد جعلك الله حراً، لهذا لا ينبغي التفريط بكرامة الحرية ممّا يستدعي العبودية للأهواء والنزوات والعبودية للأقوياء والمترفين.

كما يوصي أميرالمؤمنين(عليه السلام) بأنّ لا يقلق الإنسان لمن هو أقوى منه جسماً أو ثروة، ذلك لأنّ الإنسان خلق حراً فلا يدع كرامته تداس تحت أقدام ذوي القوة والثروة، «ولاَ تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللهُ حُرّاً» .

إنّ ما يتعلق قلب الإنسان به في الدنيا وينشدّ إليه لا يعبد وفي الحقيقة أكثر من كونه انشداداً وتعلقاً ببقايا الطعام والغذاء الّذي علق بين أسنان الجيل السابق الّذي مات وخلفه وراءه بعد أن استورثه هو الآخر عن الجيل الّذي سبقه، ثمّ استهلكه وجاء من بعد جيل آخر يمارس دوره ويحل مقامه.

ويطلق على بقية الطعام هذه اسم «اللماضة» بالعربية وكلّ ما هو على الأرض هو هذه اللماضة التي خلفها الراحلون الراقدون الآن تحت التراب، وما نحن فيه الآن هو لماضة ما استهلكوا وتنعّموا به.

والحرّ هو الّذي لم يتعلق قلبه بلماضات الدنيا ولم يصبح عبداً لها، وهذا التعبير والبيان هو لأميرالمؤمنين(عليه السلام) وهو من أرفع وأدق التعابير المستعملة في الحكمة العملية.

فهل الإنسان حرّ لا ينبغي له الوقوع في كيد اللماضة؟

إنّ الرئاسات والمناصب ليست إلاّ لماضة، إنّها كانت ملكاً للجيل الراحل فخلفها وراءه للاحق، أمّا هو فقد تحول إلى تراب، فالمنصب لماضة، والمال لماضة، والجاه لماضة، وكلّ ما هو غير سرمدي لماضة، كما أن كلّ ما هو بمنأى عن كرامة الإنسان الحرّ هو بقية الطعام التي كانت بين أسنان الجيل السابق فخلّفها ورحل، فلا ينشغل بها قلب أحد إلاّ إذا كان عبداً، أمّا الحر فإنّه بعيد عنها ولا شغل له بها، وأسمى منه من تحرّر من كلّ ما يطوّق النفس ويكبّلها.

نأمل أن يوفقنا الله لمعرفة السلوك السرمدي ولمعرفة التكاليف الإلهية، وأن يكون ما تعلّمناه نوراً ودليلا نستدلّ به ونعمل به.

أمّا نقاط البحث التي تعرضت للحكمة النظرية فكانت ترتبط بالنظرة الكلية للكون وبوجود الله وبأسمائه الحسنى سبحانه وبصفاته الذاتية وبالوحي وبالرسالة وبالنبوة وبالمعاد وبما يجري يوم القيامة وباُمور اُخرى لا علاقة لوجودها ولعدمها بإرادة الإنسان أو اختياره.

كما تناولنا عدداً من الاُمور ذات العلاقة بالحكمة العملية، وبقي أن نتناول أهم مسائل الحكمة النظرية كمعرفة الله والصفات الذاتية للحق بشيء من التفصيل.

(1 و 2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 13/232.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 13/76.

(3) المصدر السابق: 13/76.

(4) المصدر السابق: 13/76.

(5) المصدر السابق: 13/76 ـ 80.

(6) البقرة: 269.

(7) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 7/218.

(8) المصدر السابق: 7/218.

(9) الحشر: 21.

(10) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 18/275.

(11) المصدر السابق: 1/207.

(12) المصدر السابق: 4/54.

(13) المصدر السابق: 18/315.

(14) إبراهيم: 10.

(15) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 19/84.

(16) الشورى: 11.

(17 و 18) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/147.

(19 و 20 و 21) المصدر السابق: 9/147.

(22) ترجمة وتفسير نهج البلاغة: ج 11 ص 163 محمّد تقي الجعفري ط طهران 1983 م، وكذا راجع مرآة العقول ج 8/146 دار الكتب الإسلامية طهران.

(23 و 24 و 25) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 9/147.

(26) المصدر السابق: 9/147.

(27) المصدر السابق: 9/147.

(28) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 15/182.

(29) النجم: 32.

(30) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 15/182.

(31) سفينة البحار: 1/408.

(32) الأنعام: 162.

(33) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/207.

(34) المصدر السابق: 7/44.

(35) المصدر السابق: 13/101.

(36) التكاثر: 1 و2.

(37) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 11/150 ـ 151.

(38) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 11/151.

(39) شرح على المائة كلمة لابن ميثم البحراني: 52 من منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية قم المقدسة.

(40) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 11/151.

(41) المصدر السابق: 11/152.

(42) المصدر السابق: 18/269.

(43 و 44) المصدر السابق: 19/164.

(45) الدخان: 9.

(46) التوبة: 45.

(47) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 19/164.

(48) المصدر السابق: 19/284.

(49 و 50) المصدر السابق: 19/253.

(51) المصدر السابق: 16/93.

(52) المصدر السابق: 16/93.

(53) المصدر السابق: 16/93.