مقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خليقته محمّد وآله الطاهرين ومن اتبعهم ووالاهم بإحسان إلى يوم الدين.

أمّا بعد، فإنّ الحوار عبارة عن تبادل الكلام بين شخصين أو أكثر، إمّا لغاية إظهار الحقّ وإبطال الباطل، أو لإثبات قوله، وإبطال قول صاحبه.

فالأوّل هو الجدال بالحقّ الّذي دعا إليه الكتاب العزيز بقوله: (ادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إنّ ربّك هو أعلمُ بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)(1).

والثاني هو الجدال المنهي عنه في غير واحد من الأحاديث والآثار، ويطلق عليه «المراء».

وقد كان الحوار شعار الأنبياء، وواقع رسالتهم في التبليغ والدعوة إلى الله، ومارسه المسلمون وأصحاب الفكر والنظر منهم ـ خلا بعض الحنابلة كالبربهاويّ ومن تبعه(2) ـ قروناً متطاولة، وكان شعار الجميع قوله سبحانه: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)(3).

وقد عرض القرآن الكريم جانباً من مناظرات الأنبياء وحواراتهم، كما تكفّلت كتب الحديث والتاريخ بعرض جانب آخر منها، ورائدنا في ممارسة هذا الاُسلوب الحضاري هو النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) الّذي نقل لنا التاريخ حواره مع نصارى نجران وخروجه منه ظافراً، وغير ذلك من الحوارات(4).

وممّا لفت نظري في هذه الأيام، هو اطلاعي على كتاب «تأمّلات في نهج البلاغة» تصدّرته مقدّمة لأحد علماء الحنابلة، يدعو فيها إلى تحكيم لغة الحوار، ويتمنّى شيوعها في الأوساط الإسلامية بعد غيابها في هذه الأيام، ويؤكد أن الكتاب الّذي هو بصدد التقديم له اُلّف على هذا الغرار.

فشكرت الله سبحانه على هذه النعمة، بالتزام جانب المرونة من أحد علماء الحنابلة، وكلّي أمل أن يكون هذا خطوة على طريق الانفتاح على الآخرين، والتخفيف من سورة العنف السائدة في كتاباتهم وأقوالهم وأفعالهم.

وقد وضعتُ هذا المؤلّف لمناقشة ما ورد في الكتاب الآنف الذكر من موضوعات، مستعيناً باللغة الهادئة والحوار البنّاء.

فاُقدم كتابي هذا إلى فضيلة الشيخ صالح بن عبدالله الدرويش ومؤلّف الكتاب ـ لو كانا شخصين ـ راجياً إمعان النظر فيما طرحتُ فيه من أفكار، فإن أصبتُ في أنظاري فذلك من فضل ربّي وإن أخطأت فالرجاء إرشادي إليه، وقد قال الإمام الصادق(عليه السلام): أَحبُّ أخواني من أهدى إليَّ عيوبي.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

17 جمادي الاُولى من شهور عام

1423 هـ

(1) النحل: 125.

(2) راجع كتاب السنّة: 71، للبربهاويّ.

(3) الأنبياء: 24.

(4) اُنظر حواره مع الأنصار في غزوة حنين.