بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة:

الحمد لله على إنعامه وإفضاله، وصلّى الله على جوهر الوجود محمّد وآله، ونخصّ بالذكر منهم أخاه وصهره وابن عمّه ووزيره وخليفته في أمّته أمير المؤمنين وقائد الغرّ المحجّلين، الذي أكرمه ربّ الخلائق بأن قرن نوره في الخلق بنور نبيّه، وجعله له أخاً بنصّ آية المباهلة وحديث المؤاخاة، وأبى أن يزوّجه إلاّ من سيّدة نساء العالمين، وأكرمه بأن جعل نسل نبيّه (صلى الله عليه وآله) في صُلبه، فرزقه سبطي نبيّ الرحمة وسيّدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين (عليهما السلام) شنفي العرش.

لا يُماري أحد أن كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) قد ارتفع ـ بالمسحة الإلهيّة التي تعلوه ـ عن أن يُشبه كلام المخلوقين، وبأريج العبق النبويّ الذي يفوح منه عن أن يمازج كلام أحد من أرباب الفصاحة المشهورين.

رغم أنّ أمير المؤمنين ومولى الموحّدين (عليه السلام) في متانة بلاغة كلامه وقوّة حجّته وبيانه لم يتكلّف ـ وهو يدير اللغة كيف يشاء ـ انتقاء الألفاظ، ولا تعمّد ـ وهو يسوق جحافل الفصاحة أنّى أراد ـ اختيار العبارات؛ فقد تحدّث هذا العقل النورانيّ الذي لم ير شيئاً إلاّ ورأى اللهَ قَبْله ومعه وبعده، تحدّث لعباد الله (عز وجل) ليرفعهم إلى مشهد النور الأعلى، وينتشلهم من ظلمات النفس ومزالق الهوى.

ارتفع أمير المؤمنين (عليه السلام) بالفصاحة العربيّة عن أن تنصبّ ـ كما هو حال معظمها ـ في التوافه، فتكون مسوقة لبيان صفة فَرَس أو بعير أو حمار وحشيّ؛ وسما بها عن أن تتلخّص في نوازع البشر المخلوق من الطين.

لم يعهد العرب فصيحاً يسوق الكلام في توحيد الله تعالى، ولم تعرف في فصحائها من يتحدّث في صفات الملائكة وعبادتها، فحقّ لها أن تدهش وتعجب وهي تُصغي إلى رجلٍ هو أعرف بطُرق السماوات منه بطرق الأرض...

لكنّ العجب سيزول، والاستغراب سينحسر حين يعي المرء أنّ هذا المتكلّم هو باب مدينة علم الرسول (صلى الله عليه وآله) وخازن علمه، وأنّه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمنـزلة هارون من موسى (عليه السلام)، وأنّه الأُذن الواعية التي صبّ فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمر ربّه العِلم صبّاً، فحقّ لها أن تعي وتحفظ.

ولقد قيّض الله تبارك وتعالى في الأعصر المختلفة مَن نظم عقوداً مختارة من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) يبهر سنا بريقها الناظر، وهيّأ من عباده من تصدّى لاستثارة غوامض حِكمه ودقائق مواعظه المُرزئة بالدرّ والجواهر.

ومن هؤلاء الذين قيّضهم الله سبحانه في عصرنا الحاضر رجلٌ من هذه السلالة الطاهرة، وُفّق في الجمع بين منهج الحوزة العلمية ومنهج الممارسة الخطابيّة والمنبر الحسينيّ، وكانت النجف يومذاك لم تألف بعدُ ظاهرة العالم الخطيب والخطيب العالم.

بلى، شُغف العلاّمة الشهيد السيّد حسن القبانچي (رحمه الله) بأهل البيت (عليهم السلام) شغفاً ملك عليه نفسه، فنذر حياته في إحياء آثارهم، فحاز بذلك القدح المعلّى... وهاتيك مؤلّفاته تشهد له بالسعي الدؤوب في هذا الشأن، وتلك تقريظات العلماء الأعلام لمؤلّفاته تُغني عن كلّ مقال.

وصف العلاّمة الحجّة المحقّق السيّد محمّد صادق بحر العلوم كتاب «الجواهر الروحيّة» للمؤلّف (قدس سره) بأنّه غرّة في جبين الدهر، وجوهرة ثمينة لا يقدّرها إلاّ عباد الله المخلصون، والعلماء العارفون بالحقائق.(1)

وكتب العلاّمة آية الله السيّد محمّد جواد الطباطبائي التبريزي في مقدّمته لكتاب «عليّ والأُسس التربويّة» يقول: «ومن أبدع ما أشرقت علينا شمسه في أسفاره الجليلة النافعة كتاب «علي والأسس التربويّة في شرح الوصيّة»، فإنّك بالنظر في صفحات هذا السفر الجليل تعرف قيمة ما يُسديه إلى أمّته من وقتٍ لآخر بتلك المؤلّفات القيّمة والصحف الخلقيّة العظيمة التي تهديها سواء السبيل، وتسمو بها إلى الحياة الطيّبة، حياة الحكمة والرشد والفضيلة والمروءة وغيرها من الخلال التي تكفل للأمّة السعادة والهناء».(2)

أمّا كتابه «مسند الإمام علي (عليه السلام)» الذي أنفق على تأليفه أكثر من عشرين عاماً من عمره الشريف، فقد وصفه المفكّر الإسلامي آية الله العظمى السيّد الشهيد محمد باقر الصدر بأنّه من أهم مصادر المعرفة الإسلاميّة.(3)

وكتب عنه آية الله العظمى الشيخ مرتضى آل ياسين:

«...شاء التوفيق الإلهيّ أن يدفع بمؤلّف هذا السفر القيّم فضيلة السيّد الجليل والخطيب الفاضل النبيل الألمعي الزكي السيّد حسن القبانچي أيّده الله إلى الإلمام بما يسع الإلمام به من تلك الأحاديث ليجمعها في إطار واحد، فنهض ـ حفظه الله ـ بهمّة لا تعرف الكلل، ورغبة عارمة لا يعتريها الملل، فسجّل كلّ ما ظفر به من الأحاديث العلوية على صفحات هذا الكتاب... فجاء الكتاب ـ ولله الحمد ـ كتاباً فائقاً في ترتيبه وتبويبه، ورائقاً في تأليفه وتصنيفه، كلّ ذلك بفضل الجهد العظيم الذي عاناه في سبيل جمعه ووضعه».(4)

وقد مُنح الكتاب المذكور جائزة أفضل مؤلَّف لسنة 1380 هـ ش (1422هـ) التي دُعيت في الجمهورية الإسلامية في إيران بسنة الإمام عليّ (عليه السلام).

 

كتاب «صوت الإمام عليّ (عليه السلام) في نهج البلاغة»:

يقول خطيب العلماء (رحمه الله) في رسالة بعثها إلى نجله سماحة العلاّمة الحجّة السيّد صدر الدين القبانچي:

«وبعد، إنّ كتابنا «صوت الإمام عليّ (عليه السلام) في نهج البلاغة» هو مختارات من خطب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كنّا نحاضر بها في بعض المناسبات مع شرحٍ واف أخلاقيّ وأدبي وتاريخي، وردّ ونقد، وأمام الكتاب أقوال وآراء لجمهرة من عباقرة العلم والأدب حول نهج البلاغة».(5)

جمع المؤلّف (رحمه الله) في كتابه هذا فأوعى، فقد ضمّنه كلمات أقطاب العلم وعباقرة الأدب في نهج البلاغة تكشف عن شغفهم به وإذعانهم بعظمته، ونِعم ما قيل في حقّه.

كلامُ عليٍّ كلامٌ عليّ           وما قاله المرتضى مُرتضى

ثمّ أفرد (رحمه الله) باباً أسماه «نهج البلاغة في الشعر العربي»، وعقّب عليه بايراد مختارات من خطب الإمام عليّ (عليه السلام) وشرحها، في انتقاء بديع لتلك الشروح للعبارة الأجزل والأجمل، لا يشغله ذلك عن التوسّع ـ حيثما أحسّ بذلك ضرورة ـ في البحث، فقد رأيناه يورد أبحاثاً موسّعة قرآنيّة وعلميّة وتاريخية وأدبية وأخلاقيّة، يحدو به شعوره بمسؤوليته ـ كعالمٍ عامل وخطيب واعظ ـ في وضع البلسم على الجرح، امتثالاً منه لأمر مولاه مولى الموحّدين (عليه السلام) الذي افترض على العالِم أن يكون طبيباً دوّاراً بطبّه، متحرّياً في خُطاه وعظ الناس وهدايتهم إلى مرضاة الله تعالى، في وعيٍ كامل منه (قدس سره) بأنّ الفقيه ـ كلّ الفقيه ـ من لم يُقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤيسهم من روح الله.

وكان من ديدنه أن تزدان أبحاثه المختلفة بعدد كبير من الشواهد القرآنية والأحاديث المعتبرة عن المعصومين (عليهم السلام).

ولأجل أهميّة هذا الكتاب وقيمته العلميّة ارتأت مؤسسة إحياء التراث الشيعي تحقيقه ونشره ووضعه بين أيدي القرّاء الأعزاء، مساهمةً منها في نشر التراث الشيعيّ المتميّز.

 

نشاطات مؤسسة إحياء التراث الشيعي:

تأسّست هذه المؤسسة في 15 جمادى الآخرة لسنة 1424هـ في النجف الأشرف بعد زوال النظام البعثي الحاقد، وتركّزت نشاطاتها منذ ذلك الحين في عدّة محاور:

1 ـ صيانة التراث الشيعي من خلال جمع واقتناء الكتب الخطيّة، واستنساخ المخطوطات في داخل العراق وخارجه.

2 ـ نشر التراث الشيعي: من خلال إعداد فهارس المخطوطات وطباعتها، علاوة على إنجاز مشروع نفائس التراث الشيعي الذي تكفّل بإعداد أقراص ليزرية تخصّصيّة عن النفائس الخطيّة في أهم مكتبات النجف الأشرف وتقديمها للباحثين عبر برنامج كمبيوتري علمي وفنّي.

3 ـ قسم التحقيقات الذي يتولّى مهمة تحقيق وطباعة كتب التراث الشيعي، وإصدار مجلّة التراث الشيعي الفصليّة، وتهيئة مكتبة عامّة للباحثين، فضلاً عن حقل الدراسات الكومبيوتريّة.

4 ـ قسم الانترنيت الذي يتضمّن إنشاء بنك للمعلومات يتكفّل بتبادل المعلومات والنسخ الخطّيّة مع المكتبات العالميّة عبر الانترنيت، إضافة إلى إنشاء صفحة خاصّة بالمؤسسة على الانترنيت.

ناهيك عن الخدمات العامّة التي تقدمها المؤسسة من خلال دعم المكتبات ومراكز التحقيق، والتعاون الثقافي مع كبار الباحثين والمحقّقين.

 

عملنا في الكتاب:

قامت المؤسسة بتحقيق هذا السفر النادر وتصحيحه وتخريج آياته وأحاديثه وأشعاره وشرح بعض كلماته المبهمة، وقمنا بإضافة بعض العناوين حيثما وجدنا لذلك ضرورة، وكلّنا أمل في أن نكون قد قدّمنا الكتاب للقارئ الكريم في حلّة قشيبة تجمل بأمثاله ونظائره.

وإذ تبادر مؤسسة إحياء التراث الشيعي إلى نشر هذا السفر القيّم ووضعه بين يدي القراء الكرام، تأمل أن تواصل الخطى الحثيثة الجادّة في مجال إحياء تراث أهل البيت (عليهم السلام)، واللهَ تعالى نسأل أن يوفّقنا لخدمة الدين وأهله، إنّه خير ناصر وخير مُعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

 

شكر وتقدير:

تتقدم المؤسسة بالشكر الجزيل إلى الاخوة الافاضل في لجنة التحقيق ونخص بالذكر سماحة الشيخ رحيم مبارك لجهدهم الكبير في تحقيق الكتاب. كما نشكر الأخ الفاضل ياسر الصالحي مسؤول قسم الكمبيوتر سائلين المولى تعالى أن يوفقهم ويسدّد خطاهم.

 

مؤسسة إحياء التراث الشيعي

النجف الأشرف

السيّد محمد القبانچي

 

 

 

تقديم

بقلم نجل المؤلف سماحة السيد صدر الدين القبانچي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سياسة الإمام علي (عليه السلام):

هل نجح الإمام علي (عليه السلام) في سياسته مع الأحداث التي عاصرت حكومته أم أخفق؟

رغم وجود وجهتي نظر مختلفة لدى الباحثين والمحللين إلا أن هناك إجماعاً لدى كل الدارسين لشخصية الإمام علي (عليه السلام) وسيرته قديماً وحديثاً وسواء من الخصوم أو الأصدقاء, مسلمين وغير مسلمين على أن الإمام علي (عليه السلام) استطاع أن يجسد النموذج المثالي للحكم الدستوري والمبدئي العادل.

لقد استطاع الإمام علي (عليه السلام) ـ ليس على مستوى النظرية فحسب وإنما على مستوى الممارسة والتطبيق ـ أن يضع أصولاً ثانية لحكم دستوري حرّ بما لم تستطع التجربة البشرية المعاصرة أن تصل إلى مثله.

 

الأصول الثلاثة:

ويستطيع الباحث في سياسة الإمام علي (عليه السلام) ومواقفه, والقارئ لخطبه ورسائله في نهج البلاغة خاصة أن يلتمس ثلاثة أصول اعتمدها الإمام في سياسته هي العدالة, والمبدئية، والحرية.

إن موقفه من أخيه عقيل حين طلب منه أكثر من استحقاقه من بيت المال يمثل صورة رائعة لالتزام العدالة في التوزيع, والتعالي على جميع المحسوبيات والمنسوبيات في إدارة البلاد, حيث رفض الإمام أن يعطيه أكثر مما يعطي سائر المسلمين واستعد أن يتحمل خسارة سياسية بانسحاب عقيل من صفوفه دون أن يتراجع عن مقتضيات العدالة المرّة.

كما أن موقفه من معاوية حين عزله عن ولاية الشام يمثل صورة بطولية رائعة لالتزام المبدئية في التحرك السياسي بعيداً عن الخضوع للمصالح المؤقتة والمكاسب السياسيّة.

كما أن موقفه من طلحة والزبير حينما أجازهما بالذهاب إلى المدينة المنوّرة وهو يعلم أنهما لا يريدان العمرة بل يريدان الغدرة ـ كما قال (عليه السلام) ـ يدلل بشكل واضح مدى التزام الإمام علي (عليه السلام) الشديد بالحرية السياسية في التحرك.

 

هذا الكتاب:

إن كتاب (صوت الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة) لمؤلفه العلامة الكبير والباحث المحقق السيد حسن القبانچي (قدس سره) هو محاولة لالتقاط صور جميلة لمواقف الإمام علي (عليه السلام) التي يجسّد فيها قيم العدالة, والحرية والمبدئية.

ومن الحق أن نشيد هنا بالجهود العلمية الكبيرة لمؤلف هذا الكتاب وخاصة ما يتعلق منها بالإمام علي (عليه السلام) وقد لاحظنا لدى ترجمتنا لحياة المؤلف في كتابنا (خطيب العلماء) مدى العلاقة الوثيقة والانشداد الروحي المستحكم للمؤلف مع جدّه الإمام علي (عليه السلام) والتي برزت بشكل واضح في مجمل خطاباته ومؤلفاته.

 

كتابات المؤلف في الإمام علي (عليه السلام):

لقد كتب عن الإمام علي (عليه السلام) ثلاثة مؤلفات:

الأول: «علي والأُسس التربوية»:

وهو أول كتاب صدر للمؤلف ويتضمَّن شرحاً وافياً لوصية الإمام علي (عليه السلام) لولده الحسن (عليه السلام).

ويبدو أن المؤلف قد انفرد بهذا الكتاب, وسجّل السبق في مجال شرح وصية الإمام علي (عليه السلام).

الثاني: «مسند الإمام علي (عليه السلام)»:

وهو موسوعة ضخمة جمع فيها المؤلف أكثر من أحد عشر ألف نصّاً للإمام علي (عليه السلام).

ويرى المؤلف أن هذه الموسوعة هي حصيلة عمره والتي أفنى في إنجازها أكثر من عشرين عاماً في ظروف معقّدة وصعبة عاشها العراق وعاشتها الحوزة العلمية في النجف الأشرف في ظل عهد البعث الأسود البائد.

حيث آثر المؤلف أن يعكف في منزله لإنجاز هذه الموسوعة بعيداً عن ملاحقات السلطة الغاشمة التي كانت تقطع الطريق علىحركة علماء الدين وتحدّد أدنى مستوى من فعالياتهم.

فمنذ عام 1974 ميلادياً حيث ارتكبت سلطة البعث جريمة إعدام الشهيدين العلامة السيد عز الدين القبانچي (رحمه الله) (ابن المؤلف) والعلامة السيد عماد الدين الطباطبائي (رحمه الله) (ابن أخت المؤلف) في أول ظاهرة إعدام لعلماء الدين.

منذ ذاك التاريخ عاش المؤلف حصاراً وملاحقةً وتهديداً متواصلاً من قبل أزلام السلطة اضطره أن يكون حبيس داره عاكفاً على إنجاز هذه الموسوعة المباركة (مسند الإمام علي (عليه السلام)).

الثالث: «صوت الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة»:

وهو هذا الكتاب الذي بين يديك.

وقد كان والدي الشهيد مؤلف هذا الكتاب قد طلب مني وأنا في بلاد الهجرة (إيران) عبر رسالة خطيّة رفعها إلي أن أكتب مقدمة لهذا الكتاب.

وشاءت الأقدار أن لا نلتقي, ولا يطبع هذا الكتاب إلا بعد شهادة مؤلفه عام 1991 ميلادياً إبان الهجوم الإجرامي لسلطات البعث على مدينة النجف الأشرف واقتحامها بالدبابات وقصفها بصواريخ أرض أرض واعتقال أكثر من مائة من علمائها وفضلائها ثم قتلهم جماعياً حيث لم تزل أجسامهم مفقودة تحت الثرى ضمن عشرات المقابر الجماعية التي لم يعثر عليها بعد.

كلمة شكر:

والآن حيث تصدى أخي العزيز سماحة السيد محمد القبانچي لتحقيق ونشر هذا الكتاب من خلال مؤسسته الموقرة «مؤسسة إحياء التراث الشيعي» ورغب إليّ أن أقدّم له مقدمة استجبت له في ذلك شاكراً جهده وعمله في إخراج هذا الكتاب إلى النور سائلاً الله تعالى أن يجعله في الباقيات الصالحات من أعماله, وأن يتقبل هذا الكتاب من مؤلفه, ويزيد في درجاته, ويحشره مع أجداده الطيبين محمد وآله الطاهرين.

النجف الأشرف

ليلة 5 شوال / 1425هـ

صدر الدين القبانچي

 

 

 

«مقدمة وذكرياتٌ»

بقلم الدكتور الشيخ محمد حسين الصغير

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد حسن السيد علي الحسيني القبانچي النجفي... أحد أعلام النجف البارزين علماً وعملاً وأدباً ومعرفة. وهو أستاذ جليل، وخطيب كبير، ومبلّغ يقظ، يتمتع بحسن السيرة ونقاء السريرة، ذو خلق رفيع، وتواضع جمّ، وسمتٍ روحي، مبتسم الثغر، صبيح الوجه، عفيف اليد، رقيق اللسان، ظاهر الأناقة، يخضب كريمته بالسواد، حتى إذا أمتحن باستشهاد أولاده ترك الخضاب.

ولد كما أعرفه في النجف الأشرف عـام 1328هـ = 1907م ونشأ بين أحضان العلماء وأكناف الخطباء، وأندية الأدباء.

فقرأ مبادئ العلوم العربية والشرعية لدى أساتذة متخصصين، من أبرزهم: الشيخ علي ثامر، والسيد حسن الحكيم، والشيخ زين العابدين العاملي وتخرج في الخطابة بعناية الشيخ محمد حسين الفيخراني أشهر خطباء عصره، وأفاد من صلته بآية الله العظمى السيد محمد جواد الطباطبائي التبريزي قدس سره الشريف، فهو صهره على إبنته العلوية الصابرة المحتسبة.

درس على يديه الفسلفة والحكمة وحضر بحثه الخارج فقهاً وأصولاً، واقتبس من صفاته الكريمة العليا الشيء الكثير، فهو بحق خريج مدرسته، وساعده الأيمن في إدارة شؤونه الحوزوية.

إمتدت صلتي بالسيد القبانچي (رحمه الله) طيلة أربعين عاماً، فما رأيته إلا باسماً متفائلاً، وعاملاً صامتاً، ورائداً متحفزاً. امتهن الخطابة فأبدع فيها بعرض جديد، وأسلوب جديد، وبصيرة نافذة، فأطلّ بها على المستمعين في العالم الإسلامي ـ العراق ـ إيران ـ الخليج، بمعلومات قيمة، وبيان رصين، ومنهج هادف.

وكان لمسيرته العلمية الهادئة أثرها الكبير في معارفه المتحضرة، وكان لانفتاحه الذهني دوره في آرائه الأنسانية، وذلك بتأثير بيئة النجف الأشرف المتنورة التي خلقت منه داعية إصلاحياً، وخطيباً مجدداً في ميدان المنبر الحسيني الشريف.

كان السيد القبانچي نور الله مرقده، يجمع بين نشاط الشباب الثائر، ووقار الشيوخ المهيب، يجتمع بعلية القوم فيأخذ عنهم تجاربه في الحياة والعلم والإجتماع والسلوك، ويعنى بالشبيبة الصاعدة فيمنحهم الحبّ والودّ الخالص في قابلية تجذب إليه القلوب وتستهوي الأفئدة، فيقبلون عليه إفادة وإستزادة وتوجيهاً نادراً، وكان هدفه من هذا وذاك إعداد كلمة الله في الأرض، والأنخراط في تأييد الخط المرجعي المستقيم، لأنه يمثل أطروحة أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

وهكذا نجد السيد القبانچي مناضلاً في ميادين الجهاد، ومحاضراً على أعواد المنبر، ومتفتحاً يحتضن الجيل الجديد، وإنسانياً يلقاك بالأبسامة الصادقة، ويحدثك بسكينة ووقار، وأنت تجد في ذلك متاعاً أيّ متاع، وتنعم بلذة ماوراءها لذة.

يسعى إلى الخير بأمكاناته المتيسرة، ويعمل جاهداً للحق بطاقاته كلها، وهو بطبيعته قوي العزيمة، طيب الضمير، صادق اللهجة، يفيض لطفاً وحناناً، ويصدر عنك وفي نفسك شوق لحديثه، وتعلقٌ بشخصيته، يعظم إخوانه في الدين، دون تكلف في السيرة، أو أنانية في المسيرة.

كان كما وصفه الحكيم المتأله آية الله السيد محمد جواد الطباطبائي التبريزي (عالم الخطباء وخطيب العلماء) وهو تقييم موضوعي، فالعلم سبيل المتألهين، والخطاب طريق العاملين.

كافح ظلم الطغاة وعسف السلطان، فبعّد وشرّد، وسجن وأعتقل، وحوصر وروقب، وهو ثابت الجنان، قوي الأعصاب، إعتبرته في مبحث سابق أحد سبعة من النجف الأشرف ممن جاهدوا جور الحاكمين، ورؤوس الطائفية، وإرادة الشر لم يرد في ذلك إلاّ خير البلاد ووحدة المسلمين، وتلاحم الصف العراقي.

وكان رائده أن ينعم المجتمع بثقافة الإسلام وتعاليمه بما فجّره القرآن العظيم من ثروة فكرية تمثل تعاليم السماء وتنشر رسالة الإسلام الخالدة في ظل ذلك البحر المتلاطم من معارف الأئمة المعصومين عليهمالسلام.

وقد ظفر في هذا التوجه الفريد بأستقطاب عنصر الشباب والطبقة الواعية المثقفة، فلهم عليه إقبال شديد، وله معهم مطارحات رائعة، أكسبته ذلك الشيء الثمين الذي يحدب عليه الأخلاقيون، وهو الحب الخالص في ذات الله تعالى.

وليس حديثي عن السيد القبانچي بدافع من الصداقة العريقة، فالصداقة شيء والبحث الموضوعي شيء آخر، وإنما ينطلق الحديث عنه للتعبير عن حقائق الأشياء الكامنة في تلك الضمائر العامرة بالإيمان والمثل العليا، وهي تسعى بأزاء ذيوعها بين الناس.

لقد أدرك السيد القبانچي أن الزمن يسرع بالتطور والتجديد، ويحث الخطى إلى التكامل المعرفي بما أتاحت له التقنيات الصناعية من وسائل النقل الثقافي المرئي والمسموع والمستخرج، فبادر إلى إستثمار ذلك عملياً، فأكب على البحث العلمي والتأليف، فحقق بذلك هدفاً مزدوجاً في توعية الجيل المعاصر من جهة، وأداء الرسالة من جهة أخرى.

ولقد إستعان في مخزونه الثقافي من خلال مكتبته الحافلة بأمهات المصادر والمراجع ونفائس الآثار، وأنا سعيد جداً لإحتفاظ هذه المكتبة وحتى اليوم بكيانها رغم الظروف المأساوية التي عانى منها السيد القبانچي في أيامه الأخيرة.

لقد عكف هذا العلم الشامخ على البحث الجدي المثمر، فأتحف المكتبة العربية بمؤلفات تعتبر في الطليعة من تراث النجف الأشرف.

وكان أبرز هذا المؤلفات:

1 ـ الجواهر الروحية في ثلاثة مجلدات.

2 ـ شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين (عليه السلام) في مجلدين.

3 ـ علي والأسس التربوية.

4 ـ مسند الإمام علي (عليه السلام) في عشرة مجلدات.

عدا مؤلفاته الخطية التي أرجو أن تأخذ طريقها للنشر.

وبين يديك اليوم هذا الكتاب القيم:

(صوت الإمام علي في نهج البلاغة).

وهو عبارة عن إختيار دقيق لخطب الإمام أمير المؤمنين من نهج البلاغة، ألقاها محاضراً في المحافل العامة والمآتم الحسينية، شرحها ما أستطاع إلى ذلك سبيلاً، وفصل القول فيها بالأدب والسياسة والتأريخ والدين والإجتماع.

وقد اشتمل هذا السفر على عدة أراء قيّمة لأساطين العالم في نهج البلاغة وصاحب نهج البلاغة، والكتاب لايحتاج إلى إطراء:

(سبوح لها منها عليها شواهد)

وأناخ الدهر بكلكله أوائل السبعينات، فأعدم أعز أبنائه، وتبعه بعد ذلك ثلاثة آخرون من ولده، وعدد من أرحامه فكانت المأساة في ذروتها، وقد جاوز آنذاك السبعين عاماً، فهدت هذه المصائب كاهله، وأودت بصحته، فبدأ عليه الانهيار والانكماش، لا يشكو إلا إلى الله ما نزل به، ولا يستعين بسواه، فكان بذلك رمز الصابر الصامت.

وللتأريخ، فأن الغريب في الأمر أن الناس تحاشت لقاءه والسلام عليه، لأنه في رصد ورقابة من أجهزة الأمن، وكنت لا أعبأ بذلك، وأستقبله استقبال الأحباء، وأجلس إليه فيبث إليّ لواعجه وأشجانه، ويدعو لي بالحفظ والسلامة، ويشكرني على ما يجد عندي من مواساة ومشاطرة الأسى.

وبعد حرب الكويت بقليل هجمت جلاوزة الطاغية عليه داره، وإستلته من سرير المرض، وهو طريح الفراش من عملية جراحية كبرى، وأخذ مخفوراً لا يدرى إلى أين، والى يومك هذا.

والذي أعتقده جازماً أنه دفن حياً، شأنه بذلك شأن مائة وثمانين مظلوماً من أساتذة الحوزة العلمية في النجف الاشرف.

فوا أسفاه على ذلك المحيا الطلق، ووالهفاه على تلك النفس الزكية.

 

محمد حسين علي الصغير

النجف الأشرف

 

(1) خطيب العلماء: 30.