قال (عليه السلام) في خطبة له:

[ يوصي فيها بعدم الغفلة ويحذر من الكذب والرياء والحسد]

«فَاسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُمْ وَاصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ الْأَيَّامِ الَّتِي تَكُونُ مِنْكُمْ فِيهَا الْغَفْلَةُ وَالتَّشَاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ وَلَا تُرَخِّصُوا لِأَنْفُسِكُمْ فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الظَّلَمَةِ وَلَا تُدَاهِنُوا فَيَهْجُمَ بِكُمُ الْإِدْهَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ وَإِنَّ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ وَالْمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ وَالْمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ وَالشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ وَغُرُورِهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ لِلْإِيمَانِ وَمَحْضَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبٌ لِلْإِيمَانِ الصَّادِقُ عَلَى شَفَا مَنْجَاةٍ وَكَرَامَةٍ وَالْكَاذِبُ عَلَى شَرَفِ مَهْوَاةٍ وَمَهَانَةٍ وَلَا تَحَاسَدُوا فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ».(1)

* * *

ضبط الألفاظ اللغويّة:

(الرخصة) التسهيل في الامر، والجمع رُخَص كغُرفة وغُرَف، و(الادهان) والمداهنة: إظهار خلاف ما تُضمر والغش، و(المنساة) و(المحضرة) محل النسيان والحضور، و(الشَّفا) طرف كل شيء، (والشرف) محرّكة: المكان العالي، و(المهواة) محل السقوط، و(المهانة) الذلّة والحقارة.

* * *

المعنى:

قوله (عليه السلام): «فاستدركوا بقيّة أيامكم واصبروا لها أنفسكم» أي تداركوا ما أسلفتم من الذنوب والخطيئات فيما بقي لكم من الأوقات، واحبسوا أنفسكم عليها بتحمّل مشاقّ الطاعات.

وفي الحديث: الصبر صبران: صبر على ما تكره وصبر عمّا تحب،(2) فالصبر الأوّل مقاومة النفس للمكاره الواردة عليها وثباتها وعدم انفعالها، وقد يسمّى سعة الصدر، وهو داخل تحت الشجاعة. والصبر الثاني مقاومة النفس لقوتها الشهويّة، وهو فضيلة داخلة تحت العفّة.

قوله (عليه السلام): «فإنّها قليل في كثير الأيام التي تكون منكم فيها الغفلة والتشاغل عن الموعظة» يعني أنّ الأيام الباقية التي يمكن فيها الاستدراك والتدارك قليلة في جنب الأيام التي تكون فيها الغفلة والتشاغل التي هي كثيرة بالنسبة إليها.

ولعلّ الإتيان بلفظة «تكون» دون «كانت» للإشعار بأنّ غفلتهم ليست مختصّة بما مضى، بل ربّما تكون فيما يأتي أيضاً، وذلك لما علم من حالهم أنّهم لا يستغرقون أوقاتهم الآتية بالتدارك والطاعة، فأمر (عليه السلام) بالتدارك فيما هو آت، إذ ما مضى قد فات، فافهم.

قوله (عليه السلام): «ولا تُرخّصوا لأنفسكم فتذهب بكم الرّخص فيها مذاهب الظلمة»، أي مسالكها، والظاهر أنّ المراد بالترخيص للنفوس المسامحة والمساهلة لها، فيكون المقصود بالنهي المواظبة عليها ومجاهدتها.

 

[جهاد النفس]:

روى الكليني بإسناده عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) بعث سرّية، فلمّا رجعوا قال (صلى الله عليه وآله): مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر، فقيل: يا رسول الله ما الجهاد الاكبر؟ قال: جهاد النفس».(3)

وفي الوسائل عن الصدوق بإسناده عن شعيب العقرقوفي، عن الصادق (عليه السلام)، قال: «من ملك نفسه إذا رغب وإذا رهب وإذا اشتهى وإذا غضب وإذا رضي حرّم الله جسده على النار».(4)

وعن الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن محمد بن محمد بن خالد رفعه، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «أقصر نفسك عمّا يضرّها من قبل أن تفارقك، واسْعَ في فكاكها كما تسعى في طلب معيشتك، فإنّ نفسك رهينة بعملك».(5)

هذا، ويحتمل أن يكون المراد به الترخيص في الشبهات المؤدي إلى الاقتحام في الهلكات، فيكون مساقه مساق ما رواه الصدوق عنه (عليه السلام) قال: «إنّ أميرالمؤمنين خطب الناس فقال في كلام ذكره: «حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك، فمن ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له أترك، والمعاصي حمى الله فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها».(6)

ونظيره ما رواه في الوسائل عن الكراجكي في كتاب كنـز الفوائد مسنداً عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «قال جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيّها الناس حلالي حلال إلى يوم القيامة، وحرامي حرام إلى يوم القيامة، ألا وقد بينّهما الله (عز وجل) في الكتاب وبيّنتهما لكم في سنّتي وسيرتي، وبينهما شبهات الشيطان وبِدع بعدي، من تركها صلح له أمر دينه وصلحت له مروّته وعرضه، ومن تلبّس بها ووقع فيها واتّبعها كان كمن رعى غنمه قرب الحمى، ومن رعى ماشيته قرب الحمى نازعته نفسه إلى أن يرعاها في الحمى، ألا وإنّ لكلّ ملك حمى، ألا وإنّ حمى الله (عز وجل) محارمه، فتوقّوا حمى الله ومحارمه»، الحديث.(7)

قوله (عليه السلام): «ولا تداهنوا فيهجم بكم الإدهان على المعصية» والمراد بالمداهنة أمّا المساهلة للنفس، فتكون هذه الجملة تأكيداً للجملة السابقة، وأمّا ترك المناصحة والصدق وإظهار خلاف ما تضمر ـ أعني النفاق ـ وهو الأظهر.

ومنه الحديث القدسيّ لعيسى (عليه السلام) «قل لمن تمرّد عليّ بالعصيان وعمل بالادهان؛ ليتوقّع عقوبتي».(8) ومثله في حديث الباقر (عليه السلام) قال: «أوحى الله (عز وجل) إلى شُعيب النبي (عليه السلام): إنّي معذّب من قومك مأة ألف، أربعين ألفاً من شرارهم وستّين ألفاً من خيارهم، فقال: يا ربّ هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ فأوحى الله إليه: داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي»(9).

* * *

قوله (عليه السلام): «عباد الله إنّ أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربّه» وذلك لأنه لمّا كان مقصود الناصح بنصحه إيصال المنفعة إلى المنتصح، وكان أعظم المنافع وأجلّها هو السعادة الأبديّة والعناية السرمديّة المستفادة من طاعة الله، لا جرم كان أنصح الناس لنفسه أكثرهم طاعة لربّه.

* * *

قوله (عليه السلام): «وإنّ أغشّ الناس لنفسه أعصاهم لربّه» والغشّ خلاف النصح، وهو عبارة عن عدم الخلوص وعن إظهار خلاف ما يضمر، ولما كان غرض الغاشّ من غشّه إيصال الضرر إلى المستغشّ، وكان أعظم المضار هو الشقاوة الأبديّة والعقوبة الدائمة الناشئة من عصيان الله، لا جرم كان أغشّ الناس لنفسه أكثرهم معصية لربّه.

وفي هاتين الجملتين من الأمر بالطاعة والتحذير عن المعصية ما لا يخفى، إذ أحبّ المخلوقات إلى الانسان نفسه، فهو دائماً طالب لمحابّها ومنافعها، هارب عن مضارّها ومكارهها، فيلزم له الاتيان بالطاعة والحذر عن المعصية، لكون الأولى جالبة للمحبوب والأخرى كاسبة للمكروه.

* * *

قوله (عليه السلام): «والمغبون من غبن نفسه». أصل الغبن هو الخداع، فالغابن خادع والمغبون مخدوع، والغبن في البيع هو بيع الكثير بالقليل، ولمّا كانت الشهوات الدنيويّة واللذائذ العاجلة زهيدة قليلة في جنب الثمرات الأخرويّة والمنافع الآجلة، وكان المشتغل باللذّات الدنيّة والصارف عمره في الشهوات الخسيسة قد فوّت على نفسه المنافع الكثيرة والنعم الخطيرة، فكأنّه قد باع الكثير بالقليل، وفوّت على نفسه الخطير بالحقير، لا جرم كان هو غابناً لنفسه وخادعاً لها حيث بخسها ما تستحقّه من ثواب الله ورضوانه، ومنه قوله تعالى: «يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ».(10)

قال الطبرسي في تفسيره: هو تفاعل من الغبن، وهو أخذ شرٍّ وترك خيرٍ، أو أخذ خير وترك شرٍّ، فالمؤمن ترك حظّه من الدنيا وأخذ حظّه من الآخرة، فترك ما هو شرّ له وأخذ ما هو خير له فكان غابناً، والكافر ترك حظّه من الآخرة وأخذ حظّه من الدنيا، فترك الخير وأخذ الشرّ فيكون مغبوناً، فيظهر في ذلك اليوم الغابن والمغبون.(11)

ولمّا كانت السعادات الأخرويّة أنفس متاع لا متاع فوقه، والغبن فيها أعظم غبن لا غبن مثله، لذلك حصر (عليه السلام) المغبون فيمن غبن في ذلك، وقال: «المغبون من غبن نفسه» على طريق المبالغة، ومثله قوله (عليه السلام): «والمغبوط من سلم له دينه» فإنّ سلامة الدين لمّا كانت أعظم نعمة لا نعمة فوقها، كان المنعم بذلك أحقّ بأن يغبط ويتمنّى مثل ما له من غير أن يريد زواله، وبهذا القيد تفترق الغبطة من الحسد.

* * *

قوله (عليه السلام): «والسعيد من وُعظ بغيره» أي السعيد في الآخرة من لاحظ حال الغير فاتّعظ به، بأن ينظر إلى حال الصالحين وما لهم وما أعدّ الله لهم وبشّرهم به في كتابه الكريم، من الجنان والغلمان والحور العين والشراب من الكوثر والتسنيم، يحذو حذوهم ويسلك مسالكهم، ويلاحظ مصير المجرمين ومقرّهم وما هيّأ الله لهم وأنذرهم به من الجحيم وظلٍّ من يحموم وشراب من الزقوم والحميم، فيعدل عن جادّتهم ويتنحّى عن قدّتهم.

قوله (عليه السلام): «والشقّي من انخدع لهواه وغروره» كما قال سبحانه: «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ»(12) وقال أيضاً: «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُور»(13) أي الخداع الذي لا حقيقة له، وهو المتاع الرديّ الذي يدلّس به على طالبه حتّى يشتريه ثم يتبيّن له رداءته، والشيطان هو المدلّس.

 

[مجالسة أهل المعاصي تسلب الإيمان]:

قوله (عليه السلام): «واعلموا أنّ يسير الرياء شرك، فكيف بكثيره، ومجالسة أهل الهوى منساة للايمان ومحضرة للشيطان» أراد بمجالسة أهل الهوى مجالسة أهل المعاصي إنّ كون مجالسة أهل المعصية ومخالطتهم موجبة لنسيان الايمان ولحضور الشيطان واضح، لأنّ الفسّاق بإقبالهم إلى اللعب واللهو والفسق والفجور والسيّئآت بما فيهم من دواعي الهوى والشهوات يسوّد ألواح خاطرهم ويرين وجه قلوبهم فيغفلون بذلك عن ذكر الحقّ وتذكّر الآخرة، ويزيد الغفلة شيئاً فشيئاً ويشتدّ، فيخرج نور الايمان من قلوبهم ويضمحلّ ويمحو، ويحضر الشيطان في مجالسهم لإغوائهم وإضلالهم، فمن جلس معهم وخالطهم تكون المجالسة والمخالطة ـ لا محالة ـ مؤثّرة فيه، إذ المرء على دين خليله وقرينه، فيقتدي بهم ويحذو حذوهم ويعمل عملهم، فيكون ناسي الايمان وقرين الشيطان.

 

[أحاديث في النهي عن مجالسة أهل المعاصي]:

ويدلّ على ذلك الأخبار المستفيضة بل المتواترة، ففي الوسائل عن الكليني مسنداً عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: ما اجتمع ثلاثة من الجاحدين إلاّ حضرهم عشرة أضعافهم من الشياطين، فإن تكلّموا تكلّمت الشياطين بنحو كلامهم، وإذا ضحكوا ضحكوا معهم، فإذا نالوا من أولياء الله نالوا معهم، فمن ابتُلي من المؤمنين بهم فإذا خاضوا في ذلك فليقم ولا يكن شرك شيطان ولا جليسه، فإنّ غضب الله لا يقوم له شيء، ولعنته لا يردّها شيء، ثمّ قال: فإن لم يستطع فليُنكر بقلبه وليقم ولو حلب شاة أو فواق ناقة».(14)

وعن عمرو بن يزيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المرء على دين خليله وقرينه».(15)

وعن أبي حمزة عن علي بن الحسين (عليه السلام) في حديث طويل: «إيّاكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين، احذروا فتنتهم وتباعدوا من ساحتهم».(16)

ومن كتاب صفات الشيعة معنعناً عن محمد بن قيس عن أبي جعفر، عن آبائه، عن علي (عليه السلام) قال: «مجالسة الأشرار تورث سوء الظنّ بالأخيار، ومجالسة الأخيار تُلحق الأشرار بالأخيار، ومجالسة الفجّار للأبرار تُلحق الفجّار بالأبرار، فمن اشتبه عليكم أمره ولم تعرفوا دينه فانظروا إلى خُلطائه، فإن كانوا أهل دين الله فهو على دين الله، وإن لم يكونوا على دين الله فلا حظّ لهم في دين الله، إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُواخينّ كافراً ولا يخالطنّ فاجراً، ومن آخى كافراً وخالط فاجراً كان فاجراً كافراً».(17)

ولنعم ما قيل في هذا المعنى:

عن المرء لا تسل وسَل عن قرينه فكلّ قرين بالمقارن يقتدي(18)

ومن مجالس الشيخ حسن ابن شيخنا الطوسي 0 مسنداً عن أبي الخير قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «أربعة مفسدة للقلوب: الخلوة بالنساء والاستمتاع منهنّ، والأخذ برأيهنّ، ومجالسة الموتى، فقيل: يا رسول الله وما مجالسة الموتى؟ قال: كلّ ضالّ عن الإيمان وجائر عن الأحكام»(19) والأخبار في هذا المعنى كثيرة ولا حاجة إلى الزيادة.

* * *

قوله (عليه السلام): «جانبوا الكذب فإنّه مُجانب للإيمان».

أراد بذلك أنّ كلاً من الكذب والإيمان مجانب من الآخر، وأنّ بينهما تباعداً وتجانباً، وذلك على القول بكون الإيمان عبارة عن مجموع المعرفة وما يتبعها من الأعمال الصالحة واضح، لأنّ الصدق على ذلك جزء للإيمان والكذب مضادّ له فيكون مضادّاً للإيمان، وأمّا على كونه عبارة عن نفس المعرفة، فلأنّ الإيمان من أعظم الفضائل المنجية، والكذب من أخسّ الرذائل المهلكة، والتباعد بين الفضيلة والرذيلة والإنجاء والإهلاك أيضاً ظاهر.

كما أشار (عليه السلام) إلى ذلك وأوضحه بقوله: «الصادق على شفا منجاة وكرامة» أي على طرف من النجاة والكرامة ومشارف عليهما، أو على طرف من محلّ النجاة وقريب منها يكاد أن يقع فيها وفي الكرامة الدنيويّة والأُخرويّة، «والكاذب على شرف مهواة ومهانة» أي على مكان عال من الهوى والهوان، أو مشارف لمحلّ السقوط والذلّة يكاد أن يسقط منها إلى الجحيم ويقع في العذاب الأليم، قال الشاعر:

لا يكذب المرء إلاّ من مهانته
لعفن جيفة كلب خير رائحة

    

أوعادة السوء أو من قلّة الأدب
من كذبة المرء في جدٍّ وفي لعب(20)

* * *

[الحسد وأثره النفسي]:

ثمّ نهى (عليه السلام) عن الحسد بقوله: «ولا تحاسدوا» وهو من أعظم الموبقات، وعلّله بقوله: «فإنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النارُ الحطب» وهو أيضاً مضرّ بالنفس والجسد.

أمّا بالنفس فقد قال الصادق (عليه السلام): «الحاسد مضرّ بنفسه قبل أن يضرّ بالمحسود، كإبليس لعنه الله أورث بحسده له اللعنة، ولآدم (عليه السلام) الاجتباء والهدى والرفع إلى محلّ حقائق العهد والأصطفاء، فكن محسوداً ولا تكن حاسداً، فإنّ ميزان الحاسد أبداً خفيف بثقل ميزان المحسود، والرزق مقسوم، فماذا ينفع الحسد الحاسد؟ وماذا يضرّ المحسود الحسد؟».(21)

إنّ الحسد يُذهل نفس الحاسد ويغرق فكره بالاهتمام بأمر المحسود حتّى لا يبقى له فراغ بتحصيل المنافع العائدة إليها، بل ويمحو ما حصلت لها من الملكات الخيرية والحسنات المنقوشة في جوهرها بطول تعوّد الحسد وتمادي اشتغال الفكر فيه وكثرة الحزن والهمّ، لأنّ نعم الله سبحانه على عباده غير معدودة، وفيوضاته غير متناهية، فإذا كان حسد الحاسد على الخلق بتلك الآلاء والنعم دام عليه الهمّ والغمّ، فيضيق وقته بل ينقطع عن إتيان الحسنات ويُلقي نفسه في المهلكات، وهو معنى قوله (عليه السلام): «إنّه يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب» أي يستأصله ويفنيه ويبطله مثل استيصال النار للحطب وإفنائها له.

وأمّا بالجسد فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «صحّة الجسد في قلّة الحسد».(22) وسرّه أنّ الحسود إذا دام عليه الحزن والغمّ بتواتر الآلام والنعم على المنعم أورث ذلك له طول السهر وتمادي الفكر وضيق العيش وضنك المعيشة وقلّة الراحة ومضيق الباحة، فينقطع عنه الابتهاج، ويؤدّي ذلك إلى فساد المزاج.

وجاء في المجلّد التاسع من حلية الأولياء ص 147: قال الشافعي محمد بن إدريس: الحسد إنّما يكون من لؤم العنصر، وتعادي الطبائع، واختلاف التركيب، وفساد مزاج البنية، وضعف عقد العقل، الحاسد طويل الحسرات عادم الدرجات.

 

[الحسد ومنشؤه]:

إنّ المداخل التي يأتي الشيطان من قِبلها في الأصل ثلاثة: الشهوة، والغضب والهوى؛ فالشهوة بهيميّة، والغضب سَبعيّة، والهوى شيطانيّة، فالشهوة آفة لكنّ الغضب أعظم منه، الغضب آفة لكنّ الهوى أعظم منه، فقوله تعالى: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ» المراد آثار الشهوة، وقوله «وَالْمُنْكَرِ» المراد منه آثار الغضب، وقوله «وَالْبَغْيِ»(23) المراد منه آثار الهوى، فبالشهوة يصير الإنسان ظالماً لنفسه، وبالغضب يصير الإنسان ظالماً لغيره، وبالهوى يتعدّى ظلمه إلى حضرة جلال الله تعالى، ولهذا قال (صلى الله عليه وآله): الظلم ثلاثة: فظلم لا يُغفر، وظلم لا يُترك، وظلم عسى الله أن يتركه، فالظلم الذي لا يُغفر هو الشرك بالله، والظلم الذي لا يُترك هو ظلم العباد بعضهم بعضاً، والظلم الذي عسى الله أن يتركه هو ظلم الإنسان نفسه.(24) فمنشأ الظلم الذي لا يُغفر هو الهوى، ومنشأ الظلم الذي لا يُترك هو الغضب، ومنشأ الظلم الذي عسى الله أن يتركه هو الشهوة، ثمّ لها نتائج: فالحرص والبخل نتيجة الشهوة، والعجب والكبر نتيجة الغضب، والكفر والبدعة نتيجة الهوى، فإذا اجتمعت هذه الستّة في بني آدم تولّد منها سابع وهو الحسد، وهو نهاية الأخلاق الذميمة، كما أنّ الشيطان هو النهاية في الأشخاص المذمومة، ولهذا السبب ختم الله مجامع الشرور الإنسانيّة بالحسد، وهو قوله: «وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ»(25) كما ختم مجامع الخبائث الشيطانيّة بالوسوسة، وهو قوله «يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ»(26) فليس في بني آدم أشرّ من الحسد، كما أنّه ليس في الشياطين أشرّ من الوسواس، بل قيل: الحاسد أشرّ من إبليس؛ لأنّ إبليس رُوي أنّه أتى باب فرعون وقرع الباب، فقال فرعون: من هذا؟ فقال إبليس: لو كنتَ إلهاً لما جهلتني، فلمّا دخل قال فرعون: أتعرف في الأرض شرّاً منّي ومنك؟ قال: نعم الحاسد، وبالحسد وقعت في هذه المحنة. تفسير الرازي ج1، ص 266، ط مطبعة البهيّة، مصر.

 

[الحسد وعلله.. وآثاره]:

أعظم الرذائل في المجموعة الإنسانية الحسد المتولّد من اقتران الطمع والبغض، فهذه الصفة متّصفة بالدناءة والتسفّل والخبث والحرص والنذالة والقحّة والاعوجاج والتحيّل كالطمع، وبالكبرياء والرياء والظلم والعتوّ كالبغض، ولا يكتفي الحسود بأن يشتهي كرامة غيره واقتداره وماله، بل يشتهيها لزعمه أنّها ينبوع السعادة واللذّات، وكما يتمتّع بها لو حصلت له بدون نظر إلى القوانين الأدبيّة، هكذا يتمنّى الحصول عليها، فيطلب الغنى من البطالة، والاعتبار من السخافة، ويحتقر المراتب الطبيعيّة المتعلّقة بعلوّ مقام الإنسان في الهيئة الاجتماعيّة، فيحسد على منصب أو علم أو اعتبار أو حذق أو براعة أو مال أو جمال، وهذا الهمّ الشديد شغل شاغل له ليلاً ونهاراً يحمله على ترك فروضه اليوميّة التي لو اشتغل بها لألهاه ذلك عن هذه الوساوس الواخزة، ولا يرتضي بما قُسم له، ولا يرجو تغيّر ما هو عليه، يخجل من المخالطة، يضطرب بأمر المستقبل، يتيه في ظلام الفناء، ويرود كالثعلب الرواغ حول أموال الناس ومراتبهم التي يراها ويشتهيها ويرى أنّها لزيادة شقائه تنمو وينمو فيه معها الطمع، وحينئذ ينفتح للبغض في قلبه باب، فيرى من الناس من يقاسون الشقاء والذلّ، ومن يتمتع بالمال والاعتبار سليماً آمناً، ويتبيّن له من البعض أنّهم يحولون بينه وبين مرامه ويضادّون ميله ويتجاوزون مقاصده ويجذبون إليهم نظر الجمهور.

الذي لا يبالي بذاك الحسود فينقلب الحال معه ويمسخ مسخاً ثانياً، وذلك أنّ المال أو الاعتبار الذي يطمع فيه ولم يقدر على إيجاده وتحصيله بالشغل، له صاحب يحقّ له التمتّع به، فيصير عدوّاً له، وبالحريّ هو يصير لصاحب المال والاعتبار عدوّاً أزرق ألدّ أحمق، فينصبّ في تجاويف قلبه سمّ البغضاء على سمّ الطمع، فلا يزال شاغلاً خاطره بالغنى والجاه، فيمقت كلّ غني ووجيه، ويقابل بين نفسه وهؤلاء المتموّلين وأهل الاعتبار، فيتوهّم أنّه فوقهم فضلاً، فيحاول تبليغ ذلك إلى الناس، ويجتهد في إقناعهم أنّه أولى بالغنى والاعتبار.

وبعض الناس ـ كما هو معلوم ـ يخبط في ظلام العسف خبطاً، فيخدع بظواهر الأمور ويجهل حقيقة التعقّل والحشمة والفضائل الحقيقية في إجمالها، وهذا الحسود يستعمل كلّ فنٍ وحيلة لسدل برقع الانخداع على عيون معارفه، ويعطيه الحسد عقلاً ونشاطاً فيخطو في سبيل ضرر القريب أكثر ممّا خطا في سبيل تحصيل المال والاعتبار، فيذهب من مكان إلى مكان معذّباً بالأمر نفسه، يضرب أخماساً لأسداس، يتطلّب الحصول على ثروة الناس أو مراكزهم بطرق المكر والاحتيال، وقد استولى على تصوّره أنّه إذا أتلف عدوّه يحصل على الغِنى، وإذا خفض من شأنه ارتفعت منـزلته، فيكون أوّل الاغراض التي يوجّه إليها سهام خبثه إهلاك عدوه قبل الحصول على ثروته، ناسياً قول القائل:

أيا حاسداً لي على نعمتي
أسأتَ على الله في حكمه
فأخزاك ربّي بأن زادني

أتدري على من أسأت الأدبْ
لأنّك لم ترضَ لي ما وهب
وسدّ عليك وجوه الطلب

وصاحب هذه الرذيلة قلّما ينتهي إلى الغاية التي يقصدها، فيخدعه بغضه وطمعه، ولا يزال قلبه معذّباً بناره، قال الشاعر:

خلِّص فؤادك من غلٍّ ومن حسدٍ فالغلّ في القلب مثل الغلّ في العنق(27)

وقالت العرب: داء الأسد أسلم من داء الحسد، وقالوا: الحسود غضبان على القدر، وقالوا: ثلاثة لا يهنأ لصاحبها عيش: الحقد والحسد وسوء الخلق، وقالوا: بئس الشقاء الحسد. وقال علي (عليه السلام): «الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له».(28) وقال بعضهم: الحسد داءٌ منصف، يفعل في الحاسد أكثر من فعله في المحسود. وفي الحديث النبويّ: « قاتل الله الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله».(29) وقالوا: يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل حسده إلى المحسود: أوّلها غمّ لا ينقطع، ثانيها مصيبة لا يُؤجر عليها، ثالثها مذمّة لا يُحمد عليها، رابعها سخط الربّ، خامسها يغلق عنه باب التوفيق.

وإذا قابلنا الحسد مع سائر الرذائل وجدناه أقبحها، فإنّ البخيل يتمتّع بماله، والنهم يشبع من طعامه، وسائر الرذائل تجد ما يخمد قوّتها، وأمّا الحسد فلا يزال يشبّ ضرامه في فؤاد صاحبه ما دامت دواعي الحسد موجودة، كالنار لا تزال تلتهب ما دام الوقود يُطرح فيها، ومع ذلك لا يزال الحسود يرى أنّه تنقصه أمور كثيرة وتؤلمه أخرى، فينقصه الشبع والريّ، وتؤلمه جراح الوساوس وقهر فؤاده، فيكون ميّتاً في صورة حيّ، وتنغّص معيشته فيأكل بعضه بعضاً كالذئب يعيش من شحمه، وكالهرّ الذي يلحس المبرد وهو يلحس من دمه، قال الشاعر:

اصبر على كيد الحسود
فالنار تأكل بعضها

 

فإنّ صبرك قاتله
إن لم تجد ما تأكله(30)

فالحسد إذاً أخبث الأخلاق الرديئة، وبه كانت أول سقطة العالم العظمى في الخطيئة، وأوّل قتيل قُتل على الأرض، الشيطان حسد آدم فأهبطه، وقابيل حسد هابيل فقتله.

 

[علة قتل قابيل لأخيه هابيل]:

وما جاء في بعض الأحاديث من أنّ قابيل قتل أخاه هابيل بسبب التزاوج لا صحّة له، وهو شبهة مغلوطة بعيدة عن الواقع ولا يتقبّلها الذوق، وإنّما التقاتل كان من أجل الوصيّة ومواريث النبوّة.

زعم بعض المؤرّخين على أنّ سبب التقاتل بين الأخوين ـ قابيل وهابيل ـ أنّ كل واحد منهما تزوّج أخت الآخر، وأنّ شقيقة قابيل كانت أجمل من شقيقة هابيل، فأخذ قابيل من أجل ذلك الحسد على هابيل فحقد عليه فقتله، ثمّ قالوا: وهذا أصل سلسلة البشر وينبوع الإنسانيّة، وهذا مُنافٍ لناموس الاجتماع وشرف الإنسانيّة، وإن صحّ هذا يكون وجود الخليقة من الزنا، يقول أبو العلاء المعري رداً على هذا الزعم المغلوط.

إذا ما رأينا آدماً وفعاله
علمنا بأنّ الناس من أصل فاجر

 

وتزويجه بنتيه لابنَيه بالخنا
وأنّ جميع الخلق من عنصر الزنا

والقول السديد ما ورد عن أئمّة الهدى (عليهم السلام)، فقد روى الصدوق في علل الشرائع عن الصادق (عليه السلام) أنّه سُئل عن بدء النسل من ذريّة آدم (عليه السلام) وقيل له: إنّ عندنا أناساً يقولون: إن الله تعالى أوصى إلى آدم أن يزوّج بناته من بنيه، وأنّ هذا الخلق أصله كلّه من الأخوة والأخوات. فقال (عليه السلام): سبحان الله وتعالى عن ذاك علوّاً كبيراً، يقول من يقول هذا أنّ الله جعل أصل صفوة خلقه وأحبائه وأنبيائه ورُسله والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات من حرام، ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من الحلال، وقد أخذ ميثاقهم على الحلال والطهر الطاهر الطيب، والله لقد نُبّئت أنّ بعض البهائم تنكّرت له أخته فلمّا نزى عليها ونزل كُشف له عنها وعلم أنّها أخته أخرج غرموله ثمّ قبض عليه بأسنانه وقلعه ثمّ خرّ ميتاً».(31)

وفي رواية أخرى ما يقرب من ذلك، مع أشدّ التأكيد في تحريم الأخوات على الأخوة، وأنّه لم يزل كذلك في الكتب الأربعة المشهورة، وإنّ جيلاً من هذا الخلق رغبوا عن علم أهل بيوتات الأنبياء وأخذوا من حيث لم يؤمروا بأخذه، فصاروا إلى ما قد ترون من الضلال والجهل. إلى أن قال: ما أراد من يقول هذا وشبهه إلاّ تقوية حُجج المجوس، فمالهم قاتلهم الله. وساق الحديث إلى أن قال: إن الله أنزل لشيت بن آدم حوراء من الجنّة اسمها نزلة، وليافث بن آدم حوراء أخرى اسمها منـزلة، وأمر آدم أن يزوّج ولديه منهما، وولد الصفوة من النبيّين والمرسلين من نسليهما، ومعاذ الله أن يكون ذلك على ما قالوا من الأمر للأخوة والأخوات.(32)

وروى العيّاشي في تفسيره عن الباقر (عليه السلام) أنّه قيل له: إنّ الناس يزعمون أنّ آدم زوّج ابنته من ابنه، فقال (عليه السلام): قد قال الناس ذلك، ولكن أما علمت أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لو علمت أنّ آدم زوّج ابنته من ابنه لزوّجت زينب من القاسم، وما كنت لأرغب عن دين آدم».(33)

وبالتالي إنّ سبب التقاتل هو أنّ الله تعالى أوحى إلى آدم (عليه السلام) أن يدفع مواريث النبوّة ومنصب الخلافة بعده إلى هابيل لاستعداده الفطريّ وعارضته القويّة، فحسده قابيل على هذه الموهبة، وقال له: أنا أكبر منك سنّاً، فأنا أولى بالكرامة والوصيّة، فنازعه في ذلك، فأمرهما آدم (عليه السلام) بأمر من الله تعالى أن يُقرّبا قرباناً، فمن تُقبّل قربانه كان أولى بالموهبة، فرضيا بهذا الفرض، وكان هابيل صاحب ماشية وقابيل صاحب زرع، فقرّب هابيل كبشاً من أفضل غنمه، وقرّب قابيل من شرّ زرعه ما لم يكن ينقى، ثمّ صعدا فوضعا القربان على الجبل، فأتت النار من السماء فاستولت على قربان هابيل وتجنّبت قربان قابيل، فدخل قابيل الحسد والحقد لهابيل وبغى عليه، وقد أشار الجليل جلّ وعلا إلى هذه الفذلكة بقوله «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآْخَرِ»(34) الآية، فسوّل له إبليس قتله فقال له: والله لأقتلنّك. فقال هابيل: «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَِقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ»(35) فلم يدرِ كيف يقتله، فتراءا له إبليس فقال له: ضع رأسه بين حجرين ثمّ اشدخه، فلمّا أجرى هذه العملية ورآه قتيلاً وقف متحيّراً لم يدرِ ما يصنع به بعد القتل، فبعث الله غرابين فأقبلا يقتتلان أمامه حتّى قتل أحدهما صاحبه، فعمد الحيّ إلى القتيل فحفر له بمخالبه في الأرض حفرة ثمّ طرحه فيها وواراه في التراب حتّى أخفى أثره، فقال قابيل عند منظره ومشاهدته هذا الصنع من الغراب «يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ»(36) ندم الحيرة ورقّة الطبع، فحفر له عند ذلك حفرة كما شاهد الغراب وقبره.

وبالتالي لم يكن شيء أمحق للإيمان من الحسد ولا أهتك للستر منه، وذلك أنّ الحاسد معاند لحكم الله، باغ على عباده، عاتٍ على ربّه، يعدّ نعم الله نقماً، وعدل قضائه حيفاً، للناس حال وله حال، لا يهدأ ليله، ولا ينام جشعه، ولا ينفعه عيشه.

قال بعض الحكماء عن الحاسد: واعجباه لرجل أسلكه الشيطان مهاوي الضلالة وأورده قحم الهلكة، فصار لنعم الله تعالى بالمرصاد، إن أنالها من أحبّ من عباده أشعر قلبه الأسف على ما لم يقدر له، وأغار الكلف بما لم يكن يناله.

وفي الحديث النبويّ: «إنّ لنعم الله أعداءً، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله».(37)

وقال (صلى الله عليه وآله): «إنّ الله تعالى أوحى إلى موسى (عليه السلام): يا بن عمران لا تحسد الناس على ما آتيتُهم من فضلي، ولا تمدّنَّ عينيك إلى ذلك ولا تتبعه نفسك، فإنّ الحاسد ساخط لنعمي، صادّ لقسمي الذي قسمتُ بين عبادي، ومن كان كذلك فلستُ منه وليس منّي».(38)

وعن معاوية بن وهب قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «آفة الدين الحسد والعجب والفخر».(39)

وعن فضيل بن عياض عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنّ المؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط».(40)

وعن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «إنّ الرجل ليأتي بأدنى بادرة فيكفر، وإنّ الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب».(41)

وفي الوسائل من المجالس مسنداً عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): «أصول الكفر ثلاثة: الحرص، والاستكبار، والحسد».(42)

وفي الأنوار النعمانيّة للسيّد المحدّث الجزائري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم: «ستّة يدخلون النار قبل الحساب بستّة: الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالكبر، والتجّار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهالة، والعلماء بالحسد».(43)

ومع ذلك فإنّ الحسد من دواعي نشر الفضائل المطوية وزيادة في فضل صاحبها، إذ تتّجه إليه الأعين وتعرف حقيقة استحقاقه، قال الشاعر:

وإذا أراد الله نشر فضيلة طُويت أتاح لها لسانَ حسودِ(44)

 

[علي والحاسدون]:

إنّ أعداء علي (عليه السلام) أخفوا فضائله حسداً وكتموا مناقبه حقداً، ومع ذلك فقد كانت تنطق بها ألسنتهم، وتنقل من أفواههم، وتدوّن بأقلامهم وتنشر بإرادتهم، لما جعل الله لعلي (عليه السلام) من الكرامة العالية والفضائل التي لم تكن لغيره من مخلوق الله عدا النبي (صلى الله عليه وآله).

* * *

يقول السيّد الرضي:

علامة العزّ أن حُسدت به إنّ المعالي قرائن الحسد

* * *

ويقول الشيخ محمّد علي الحلي الشفهيني:

يا من إذا عُدّت مناقب غيره
إنّي لأعذر حاسديك على الذي
إن يحسدوك على عُلاك فإنّما

 

رجحت مناقبُه وكان الأفضلا
أولاك ربُّك ذو الجلال وفضّلا
متسافل الدرجات يحسد مَن علا(45)

* * *

وقال الشيخ هاشم الكعبي:

إنّي لأعذر حاسديك على العُلا
فليحسد الحسّاد مثلك إنّه
ما أنصفتك عصابةٌ جهلتك إذ

 

وعلاك عذري لو عذرت حسودا
شرف يزيد على المدى تجديدا
جعلت لذاتك في الوجود نديدا

* * *

وقال مهيار الديلمي:

ألا سَل قريشاً ولُم منهمُ
وقل: ما لكم بعد طول الضلال
أتاكم على فترة فاستقام
وولّى حميداً إلى ربّه
ومن جعل الأمر من بعده
وسمّاه مولىً بإقرار مَن
فمِلتم بها حسد الفضل عنه

 

من استوجب اللوم أو فَنّدِ
لم تشكروا نعمة المرشد
بكم جائرين عن المقصد
ومن سنّ ما سنّه يحمد
لحيدر بالخبر المسند
لو اتّبع الحقّ لم يَجحَدِ
ومن يكُ خيرَ الورى يُحسَدِ(46)

وسُئل محمد بن إدريس الشافعي عن علي (عليه السلام) قال: ما أقول في شخص أخفى أعداؤه فضائله حسداً له، وأخفى أولياؤه فضائله خوفاً وحذراً على أنفسهم، وظهر فيما بين هذين فضائل طبقت الشرق والغرب»(47) فأخذ الشاعر هذا المعنى ونظمه وسبكه سبكاً لطيفاً فقال:

لقد كتمت آثار آل محمّد
وقد شاع من بين الفريقين نبذة

 

محبّوهمُ خوفاً وأعداؤهم بُغضا
بها ملأ الله السموات والأرضا(48)

* * *

أجل لقد كانت مزايا علي (عليه السلام) تظهر على ألسنة أعدائه وشانئيه، فمن ذلك ما كان معاوية يتفوّه وينطق به، وهو أعدى عدوٍّ لعلي (عليه السلام) والمؤسّس للسبّ عليه على المنابر وفي الصلوات الخمس.

 

[معاوية ينطق بالحق]:

ذكر المؤرّخ ابن قتيبة في كتابه (الإمامة والسياسة) أنّ محجن إبن أبي محجن الثقفي قدم على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين إنّي أتيتك من عند العيّي الجبان البخيل ابن أبي طالب. فقال له معاوية: لله أنت أتدري ما قلت؟! أما قولك «العيّي» فو الله لو أنّ ألسن الناس جُمعت فجعلت لساناً واحداً لكفاها لسان علي، وأمّا قولك إنّه جبان، فثكلتك أمك، هل رأيتَ أحداً قطّ بارزه إلاّ قتله؟ وأمّا قولك «بخيل»، لو كان له بيتان أحدها من تِبر والآخر من تبن لأنفد تبره قبل تبنه. فقال له: فعلام تقاتله إذاً؟ قال: على دم عثمان وعلى هذا الخاتم الذي من جعله في يده جازت طينته وأطعم عياله وادّخر لأهله. فضحك الثقفي ثمّ لحق بأمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: يا أمير المؤمنين هَب لي يدي بجرمي، لا دنيا أصبتُ ولا آخرة. فضحك علي وقال له: أنت منها على رأس أمرك، وإنّما يأخذ الله العباد بأحد الأمرين(49).

* * *

جاء في المجلّد التاسع من حلية الأولياء ص 145، ط مطبعة السعادة بمصر:

عن محمد بن إدريس الشافعي: قال: دخل رجل من بني كنانة على معاوية بن أبي سفيان، فقال له معاوية: هل شهدت بدراً؟ قال: نعم. قال: مثل من كنت؟ قال: غلام قمدود مثل عطباء الجلمود، قال: فحدّثني ما رأيت وحضرت، قال: ما كنّا إلا شهوداً كأغياب، وما رأينا ظفراً كان أوشك منه، قال: فصِف لي ما رأيت. قال: رأيت في سرعان الناس علي بن أبي طالب غلاماً شاباً ليثاً عبقريّاً يفري الفري، لا يثبت له أحد إلاّ قتله، ولا يضرب شيئاً إلاّ هتكه، لم أر من الناس أحداً قطّ أنفق منه، يحمل حملة ويلتفت التفاتة كأنّه ثعلب روّاغ، وكأنّ له عينين في قفاه، وكأنّ وثوبه وثوب وحش يتبعه رجل، مُعلم بريش نعامة، كأنّه جمل يحطم يبساً، ولا يستقبل شيئاً إلا هدَّه، ولا يثبت له شيء إلاّ ثكلته أمه، شجاع أبله يحمل بين يديه ولا يلتفت وراءه. قال: فرأيت ماذا؟ قال: رأيت ما وصفتُ لك، ورأيت جدّك عتبة وخالك الوليد حين قُتلا، ورأيت ما وصفت لمن حضر من أهلك لم يعف عنه، قال: فكنت في المنهزمين؟ قال: نعم قال: لمّا انهزمت عشيرتُك فأين كنت منهم، قال: لمّا انهزمت كنت في سرعانهم، قال: فأين رحت؟ قال: ما رحت حتّى نظرت إلى الهضاب، قال: لقد أحسنت الهرب، قال: فعلى ما احتسبه أبوك، وبعده ما اتّعظت بمصرع كمصرع جدك وخالك وأخيك، قال: إنّك لغليظ الكلام، قال: إني ممّن يضر. قال: إنّكم تبغضون قريشاً، قال: أمّا من كان منهم أهله فنبغضه، قال: ومن الذين هم أهله؟ قال: من قطع القرابة واستأثر بالفيء وطلب الحق فلمّا أُعطيه منعه، قال: ما فيكم خير من أن يسكت عنكم، قال: ذاك إليك، قال: قد فعلت. قال: قد سكتّ.

ونظير هذه القصة أنّه أهديت لمعاوية هدية مثمنة وكان عنده عمرو بن العاص وولده يزيد لعنه الله، فتطاولت أعناقهما إليها ورامها كلّ منهما لنفسه، فأدرك معاوية ما بأنفسهما، فقال: ليقل كلّ منّا بيتاً من الشعر، فمن كان شعره أجود فهي له، ولنجعل موضع النظم علي بن أبي طالب، ثمّ ابتدأهم معاوية فقال:

خير البرية بعد أحمد حيدرٌ فالناس أرضٌ والوصيُّ سماءُ

فقال يزيد:

كمليحةٍ شهدت لها ضرّاتُها والحسن ما شهدت به الضرّاءُ

فقال ابن العاص:

ومناقب شَهِد العدوُّ بفضلها والفضل ما شهدت به الأعداءُ

فاستحقّها عمرو، فأخذ وانصرف.

* * *

واستمرّ الحسد لعلي (عليه السلام) في سلسلة الأمويين وأتباعهم، إلاّ أنّ بني أميّة أشدّ وأحرّ حسداً.

 

[أعرابي يمدح علياً (عليه السلام) في مجلس الوليد]:

ذكر العلاّمة المجلسي (قدس سره) في مجلّد 11 في البحار ص 63 من الطبعة الأولى في أحوال الإمام الباقر (عليه السلام) أنّ الخليل بن أحمد العريضي قال: حضرت مجلس الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وقد اسحنفر ـ أي تحامل ـ في سب عليّ واثعنجر ـ امتلأ غيظاً ـ في ثلبه، إذ خرج عليه أعرابي على ناقة له وذفراها(50) يسيلان لإغذاذ السير دماً،(51) فلمّا رآه الوليد لعنه الله في منظرته قال: ائذنوا لهذا الإعرابي فإنّي أراه قد قصدنا، وجاء الأعرابي فعقل ناقته بطرف زمامها ثمّ أذن له بالدخول فدخل فأورده قصيدة لم يسمع السامعون مثلها جودة قطّ، إلى أن انتهى إلى قوله:

ولمّا أن رأيت الدهر آلى
وفدتُ إليك أبغي حسن عُقبى
وقائلة إلى من قد رآه
فقلت إلى الوليد أؤمّ قصداً
هو الليث الهصور شديد بأسٍ
خليفة ربّنا الراعي علينا

 

عليَّ ولحّ في إضعاف حالي
أسدّ بها خصاصات العيال
يؤمّ ومن يُرجّى للمعالي
وقاه الله من غِير الليالي
هو السيف المجرّد للقتال
وذو المجدِ التليد أخو الكمال

قال: فقبل الوليد مدحته وأجزل عطيّته وقال له: يا أخا العرب قد قبلنا مدحتك وأجزلنا صلتك، فاهجِ لنا علياً أبا تراب. فوثب الأعرابي لمّا سمع يتهافت قطعاً ويزئر حنقاً ويَشمَذِرُ شفقاً وقال: والله إنّ الذي عنيته بالهجاء لهو أحقّ منك بالمديح، وأنت أولى منه بالهجاء، فقال له جلساؤه: اسكت نزحك الله (أي أبعدك) قال: علام ترجوني وبم تبشّروني ولمّا أبديت سقطاً ولا قلت شططاً ولا ذهبت غلطاً، على أنّني فضّلت عليه من هو أولى منه بالفضل علي بن أبي طالب الذي تَجَلْبَبَ بالوقار ونبذ الشنار،(52) وعاف (أي كره) العار، وعهد الانصاف وأبدى الأوصاف وحصن الأطرف وتَأَلَّفَ الأشراف، وأزال الشكوك في الله بشرح ما استودعه الرسول من مكنون العلم الذي نزل به الناموس (أي الملك) وحياً من ربّه، ولم يَفتَر طرفاً ولم يصمت اَلِفاً ولم ينطق خُلفاً، الذي شرفه فوق شرفه وسَلَفُهُ في الجاهلية أكرم من سلفه، لاتُعرف المأدُبات في الجاهلية إلاّ بهم، ولا الفضل إلاّ فيهم، صفة من اصطفاها الله واختارها، فلا يغترّ الجاهل بأنّه قصد عن الخلافة بمثايرة من ثابر عليها وجالد بها والسِّلالِ المارقة والأعوان الظالمة.

ولئن قلتم ذلك كذلك، إنّما استحقها بالسبق تالله ما لكم الحجّة في ذلك، هلاّ سبق صاحبكم إلى المواضع الصعبة والمنازل الشعبة والمعارك المرّة كما سبق إليها علي بن أبي طالب الذي لم يكن بالقبعة ولا الهبعة ولا مضطغناً إلى الله ولا منافقاً رسول الله، كان يدرء عن الإسلام كلّ أصبوحة، ويذبّ عنه كلّ أمسية، ويلج بنفسه في الليل الديجور والمظلم الحلكوك مرصداً للعدوّ، هوذل(53) تارةً وتضكضك(54) أخرى، وياربّ لزَبَةٍ (أي شدة) آتية قِسَيّة وأوانٍ آن أرونان(55) قذف بنفسه في لهواتٍ وشيجة وعليه زغفَةُ(56) ابن عمه الفضفاضة، وبيده خِطّيَةٌ عليها سنانُ لَهذَمٍ(57) فبرز عمرو بن عبد ود القَرِم الأوِد والخصم الألد والفارس الأشدّ على فرسٍ عنجوج(58) كأنما نجر نجرةً باليلنجوج،(59) فضرب قونسه(60) ضربة قنع منها عنقه، أو نسيتم عمرو بن معدي كرب الزبيدي إذ أقبل يسحب ذلاذل درعه مدلاّ بنفسه، قد زحزح الناس عن أماكنهم ونهضهم عن مواضعهم ينادي: أين المبارزون يميناً وشمالاً؟ فانقضّ عليه كسودنيق أو كصيخورة منجنيق فوقصه وقص القطام بحجر الحمام وأتى به إلى رسول الله كالبعير الشارد يُقاد كرهاً وعينه تدمع وأنفه ترمع وقلبه يجزع.

هذا وكم له من يوم عصيب برز فيه إلى المشركين بنيّة صادقة وبرز غيره وهو أكشف أميل ـ أي جبان ـ أجمّ أعزل، ألا وإنّي مخبركم بخبر علي، إنه مُني بأوباش كالمراطة بين لغموط(61) وحجابة وفقامة، ومغذمرٌ(62) حملت به شَوهاً شهواء في أقصى مهيلها، فأتت به محضاً محياً وكلهم أهون على علي من سعدانة بقل، أفمثل هذا يستحقّ الهجاء وعزمه الحاذق وقوله الصادق وسيفه الفالق، وإنّما يستحق الهجاء من سامه إليه وأخذ الخلافة وأزالها عن الوارثة، وصاحبها ينظر إلى فيئه وكأن الشبادع(63) تلسبه، حتّى إذا لعب بها فريق بعد فريق وخريق بعد خريق، اقتصروا على ضراعة الرهز(64) وكثرة الأبز(65) ولو ردّوه إلى سَمت(66) الطريق والمِرت(67) البسيط والتامور(68) العزيز ألفوه قائماً واضع الأشياء في مواضعها، لكنّهم انتهزوا الفرصة واقتحموا الغصّة وباؤوا بالحسرة.

قال: فاربدّ وجه الوليد وتغيّر لونه وغصّ بريقه وشرق بعبرته كأنما فُقئ في عينه حبّ المض الحاذق، فأشار عليه بعض جلسائه بالإنصراف وهو لا يشكّ أنّه مقتول به، فخرج فوجد بعض الأعراب الداخلين فقال له: هل لك أن تأخذ خلعتي الصفراء وآخذ خلعتك السوداء وأجعل لك بعض الجائزة حظّاً؟ ففعل الرجل وخرج الأعرابي فاستوى على راحلته وغاص في صحرائه وتوغّل في بيدائه واعتُقل الرجل الآخر فضُرب عنقه وجيء به إلى الوليد، فقال: ليس هو، هذا صاحبنا، وأنفذ الخيل السراع في طلبه فلحقوه بعد لأي، فلمّا أحسّ بهم أدخل يده إلى كنانته يُخرج سهماً سهماً يقتل به فارساً بعد فارس، إلى أن قتل من القوم أربعين وانهزم الباقون فجاؤوا إلى الوليد فأخبروه بذلك، فأغمي عليه يوماً وليلة أجمع، فلما أفاق قيل له: ما تجد؟ قال: أجد على قلبي غمّة كالجبل من فوت هذا الإعرابي».

 

[أعرابي يمدح علياً في مجلس معاوية]:

وروى العلاّمة المجلسي (قدس سره) أيضاً في المجلّد 8 من البحار ص 585، ط الأولى أنّه دخل أعرابي على معاوية وعنده أهل الشام ليس فيهم غيرهم، ومعاوية يكلّمهم ويقول لهم: يا أهل الشام قد عرفتم حبّي لكم وسيرتي فيكم، وقد بلغكم صنيع علي بالعراق وتسويته بين الشريف وبين من لا يُعرف قدره. فقال رجل منهم: لا يهدّ الله ركنك، ولا يعدمك ولدك، ولا يرينا فقدك.

قال: فما تقولون في أبي تراب؟ فقال رجل منهم ما أراد، ومعاوية ساكت وعنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم، فتذاكرا علياً بغير الحقّ، فوثب الأعرابي من آخر المجلس فقال: يا معاوية تسأل أقواماً في طغيانهم يعمهون، اختاروا الدنيا على الآخرة، والله لو سألتهم عن السنّة ما أقاموها، فكيف يعرفون علياً وفضله، أقبل عليَّ أخبرك ثمّ لا تقدر أن تُنكر أنت ولا من عن يمينك، يعني عمرو بن العاص.

هو والله الرفيع جاره، الطويل عماده، دمّر الله به الفساد، وأباد به الشرك، ووضع به الشيطان وأولياءه، وضعضع به الجور، وأظهر به العدل، ونطق زعيم الدين. وأطاب المورد، وأضحى الداجي، وانتصر به المظلوم، وهدم به بنيان النفاق، وانتقم به من الظالمين، وأعزّ به المسلمين، كريح رحمةٍ أثارت سحاباً متفرّقاً بعضه إلى بعض حتّى التحم واستحكم فاستغلظ فاستوى، ثمّ تجاوبت نواتقه، وتلألأت بوارقه واسترعد خرير مائه، فأسقى وأروى عطشانه، وتداعت جنانه، واستقلّت به أركانه، واستكثر وابله، ودام رزانه، وتتابع مهطوله، فرويت البلاد واخضرّت وأزهرت، ذاك علي بن أبي طالب سيّد العرب وإمام الأمّة وأفضلها وأعلمها وأجملها وأحكمها، أوضح للناس سيرة الهدى بعد السعي في الردى، وهو والله إذا اشتبهت الأمور وهاب الجسور واحمرّت الحدق وانبعث الفلق وأبرقت البواتر، استربط عند ذلك جاشه وعُرف بأسه، ولاذ به الجبان الهلوع فنفّس كربته وحمى حمايته، مستغنٍ برأيه عن مشورة ذوي الألباب، برأي صليب وحلمٍ أريب مجيب للصواب مصيب. فأمسك القوم جميعاً، وغضب معاوية لعنه الله وقال: أخرجوه، فأخرجوه من المجلس سحباً.

* * *

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 353 - 354، مج 2/ 123 من الطبعة الأولى.

(2) روضة الواعظين للفتال النيسابوري: 422؛ وسائل الشيعة 15: 228/ ح20376، وفيهما: «صبر على ما تحبّ، وصبر على ما تكره».

(3) الكافي 5: 12/ ح3.

(4) وسائل الشيعة 15: 162/ ح20215.

(5) الكافي 2: 455/ ح8.

(6) من لا يحضره الفقيه 4: 75/ ح5149.

(7) وسائل الشيعة 27: 169/ ح23515؛ بحار الأنوار 2: 260 - 261/ ح17.

(8) الكافي 8: 134.

(9) الكافي 5: 56/ ح1.

(10) التغابن: 9.

(11) تفسير مجمع البيان (10): الآية 31.

(12) القصص: 50.

(13) آل عمران: 185؛ الحديد: 20.

(14) وسائل الشيعة 16: 263/ ح21520.

(15) وسائل الشيعة 12: 48/ ح15610.

(16) الكافي 8: 16/ ح2.

(17) وسائل الشيعة 16: 265/ ح21526.

(18) منسوب إلى عدي. انظر فيض القدير للمناوي 3: 153.

(19) وسائل الشيعة 16: 266/ ح21530.

(20) شرح نهج البلاغة 6: 360 ولم ينسبه.

(21) بحار الأنوار 70: 255/ ح23، نقلاً عن مصباح الشريعة.

(22) بحار الأنوار 70: 256/ ح28.

(23) العنكبوت: 45.

(24) أنظر: تحف العقول: 293؛ روضة الواعظين: 466.

(25) الفلق: 5.

(26) الناس: 3 و4.

(27) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 318.

(28) عوالي اللئالي 1: 292/ ح169؛ بحار الأنوار 70: 256/ ح26 و29.

(29) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 316.

(30) بحار الأنوار 70: 258.

(31) علل الشرايع 1: 17/ ح1، باب 17.

(32) علل الشرايع 1: 18 - 20/ ح2، باب 17.

(33) تفسير العيّاشي 1: 312 / ح83.

(34) المائدة: 27.

(35) المائدة: 27 - 30.

(36) المائدة: 31.

(37) بحار الأنوار 70: 256/ ح26.

(38) الكافي 2: 307/ ح6.

(39) الكافي 2: 307/ ح5.

(40) الكافي 2: 307/ ح7.

(41) الكافي 2: 306/ ح1.

(42) وسائل الشيعة 15: 367/ ح20765.

(43) رواه المجلسي في البحار 73: 156.

(44) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 316.

(45) انظر الغدير 6: 388.

(46) انظر الغدير 4: 241.

(47) ذكره العلامة الحلّي في كشف اليقين: 4، ونسبه إلى بعض الفضلاء، ونسبه المحدّث القمّي في الكنى والألقاب 2: 350 إلى الشافعي.

(48) نسبه المحدّث القمّي في الكنى والألقاب 2: 350 إلى السيد تاج الدين العاملي.

(49) الإمامة والسياسة 1: 134.

(50) ذفراها: العظم خلف الأذن، أنظر: الصحاح/ الجوهري: 2/ 663.

(51) السير دماً: سرعة السير، أنظر: لسان العرب: 3/ 501.

(52) الشنار: العيب والعار. لسان العرب: 4/ 430.

(53) هوذل في مشيه: أسرع.

(54) تضكضك: انبسط وابتهج.

(55) أرونان: يوم صعب.

(56) الزعفة: الدرع.

(57) اللهذم: القاطع.

(58) العنجوج: جياد الخيل.

(59) اليلنجوج: أي العدو الذي يتبختر.

(60) قونسه: أي البيضة.

(61) لغموط: قليل الحياء.

(62) مغذمر: أي الغضب.

(63) الشبادع: العقارب.

(64) الرهز: الوطئ والدفع، تاج العروس: 4/ 91.

(65) في لسان العرب: 5/ 304: الأبز: الوثوب... والأباز: الوثاب.. والأباز: القفاز.

(66) سَمت: أي الحسن.

(67) المِرت: المفازة.

(68) التامور: الوعاء.