من وصية له إلى ولده الحسن (عليهما السلام): [ في محبّة الآخرين والنهي عن الظلم والعجب]

«يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا وَلَا تَظْلِمْ كَمَا لا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ وَلَا تَقُلْ مَا لا تَعْلَمُ وَإِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ وَلَا تَقُلْ مَا لا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ وَآفَةُ الْأَلْبَابِ فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ وَلَا تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ وَإِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ».(1)

* * *

[الشرح]:

في رسائل الإمام علي (عليه السلام) وفي عهوده ووصاياه، وفي خطبه وسائر أقواله روائع خالدة تناولها من الإنسان جواهر وغاية، ومن الكون معنى وشكلاً، ومن أحوال زمانه وأحداث عصره، ودفعها عقله الحكيم إلى خياله وقلبه حقائق علميّة خالصة، فإذا بها لا تمرّ على خياله الخصب وعاطفته الحارّة إلاّ لتتحرّك وتنحو وتنبعث وفيها امتدادات ونبض وخفوق، فما هي إلاّ حياة من الحياة. وإنّها لتراث عظيم للإنسانيّة، بوصفها دستوراً جليلاً في الأخلاق الخاصّة والعامّة لا تسمو عليه دساتير الأنبياء والمفكّرين والحكماء في مختلف العصور والأمكنة.

ونلفت النظر هنا بصورة خاصّة إلى فقرات هذه الوصيّة النيّرة، إلى ما يبدو فيها من الآثار العلويّة من دعوة إلى السلم والمؤاخاة، والتصافي في سبيل الإنطلاق إلى الميادين الإنسانيّة الرحبة، وفي سبيل إكرام الحياة واحترام الأحياء، وإنّه ليجدر بمثيري الحروب اليوم ومسبّـبي ويلات الشعوب والأفراد أن يسمعوا كلمات جبّار الفكر العربي علي بن أبي طالب (عليه السلام) ويعوها ويُطأطئوا رؤوسهم لصاحبها العظيم، وإليكم بعض روائعه في هذا الفصل.

 

[نفسك ميزانك]:

قوله (عليه السلام): «يا بُنيّ اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبِب لغيرك ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لها».

يريد (عليه السلام) أن يكون ولده المحبوب على أقسط حال مع من يألف معه ويكتنف به، فإنّ أوسط ما يلمّ به الإنسان في حلّه ومرتحله هو نفسه، فإذا جعل نفسه ميزاناً بينه وبين غيره، فبطبع الحال أنّه لا يروقه إلا الخير والصلاح العام لمن أشير إليهم.

وهنالك مغازٍ شريفة أخلاقيّة ألمح إليها (عليه السلام) من انتهاء ذلك إلى الغاية القصوى من مكارم الأخلاق؛ لأنّ الإنسان إذا علم منه أن يحبّ لأمته ما يحبّه لنفسه، فإنّ هناك مجلبة الحبّ الصميم ومدعاة الإخاء المتواصل.

هل يستطيع إنسان أن يعمل بهذا الحديث الشريف «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لغيره ما يحبّ لنفسه»؟(2) ومن الذي ينظر إلى نفسه بالعين التي ينظر بها إلى غيره ويساوي بين أعزّ الناس عليه وبين من لا يمتّ إليه بصلة؟ إن الحبّ لا يُصنع باليد، ولا يهبط على القلب من السماء، بل له بواعث وأسباب خاصّة لا تتّصل بالإرادة والاختيار، إنّ كثيراً من الاغنياء ينفقون من أموالهم على الخير ولا يحبّون أن يموت أحد من الجوع، ولكن لم تبلغ بهم الرحمة والانسانيّة أن يحبّوا لغيرهم ما يحبّونه لأنفسهم، إذ مهما كان قصد الغنيّ شريفاً، ومهما رغب في الخير، فإنّه لا يحبّ لأحد ما يحبّه لنفسه، والذي يعمل بهذه النصيحة ـ من حيث يشعر أو لا يشعر ـ هو الفقير الذي لا تصلح حاله إلاّ بصلاح المجتمع، ولا يستطيع أن يتعلّم أو يتطبّب ويعمل إلاّ إذا كان كلّ من العلم والطبّ والعمل مضموناً لكلّ فرد على السواء ودون استثناء، وعلى هذا فمعنى الحديث هو النهي عن الاستغلال والطمع، والأمر بالتعاون والتعاضد على تحقيق العدالة الإجتماعيّة، وإنّ الله لا يأمر بالحبّ ولا ينهى عن البغض، وإنّما يأمر الإنسان أن يكون في عون أخيه الإنسان وبرّه ومناصرته التي تبعث على الحبّ، وينهى عن خذلانه واستعباده والاعتداء على حريّته التي توجب البغض.

قوله (عليه السلام): «ولا تَظلِم كما لا تحبّ أن تُظلَم، وأحسن كما تحبّ أن يُحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، وأرضَ من الناس بما ترضاه لهم من نفسك».

هذه جمل شريفة لذات ما تقدّم به (عليه السلام) من مكارم الأخلاق وموجبات الفضائل ومقوّمات عالم الاجتماع، فهي ـ كما أسلفناه ـ ممّا تقمع جذور والظلم وتكسح جذومه، وتقيم قوائم الاحسان وترسّخ قواعده وتسدّد الأمت والأود ممّا يستقبحه الإنسان من نفسه ومن كلّ أحد. وأمر (عليه السلام) أن يتّخذ ولده البارّ نفسه مقياساً لما يرتضيه لأيّ إنسان من المحتّم أن يعاشره ويرعى الصلة بين نفسه وبينه.

وقوله (عليه السلام): «ولا تقل ما لا تعلم وإن قلّ ما تعلم».

هذا أيضاً تعليم راقٍ للإنسان الكامل، فإنّه (عليه السلام) كان يربأ بمن سمع قيله ووعى عظته أن يكون مهذاراً يلهج بما لا يعنيه، فتفضحه فيما يقول أكذوبته، ويقعد به عن مرتقى الكمال مينه، وقد أدمج في هذا النصح الأبويّ نصيحة أخرى، فأشار إليه بما هو مزيج نفسيّته الكريمة من التنازل عن الخيلاء ومساقط الكبر بالاعتراف بقلّة ما عنده من العلم، لا سيّما إذا اتّخذ من العلم الربوبيّ مقياساً لما عنده من المعارف، وتتمّة هذه النصيحة هو قوله: «ولا تقل ما لا تحبّ أن يُقال لك» التي هي لدة صويحباتها في نواميس عالم الاجتماع ومن متمّمات الإلفة وموجبات الإخاء، لاسيّما إذا عرف المجتمع أنّه غير خادش للعواطف الانسانيّة ولا مضيّع للحقوق البشريّة. فهم يصافونه في السرور والعلانية، ويُلقون إليه من أفلاذ أكبادهم ومايغالون به ولا يرخصون، فهو حبيب كلّ من يعرفه بهذه الصفة، وكذلك في كلّ من يتحلّى بما هنالك من ضرائب حميدة وطقوس تروق المجتمع في الحلّ والمرتحل.

* * *

 

[العجب آفة نفسية]:

قوله (عليه السلام): «إنّ الإعجاب ضدّ الصواب وآفة الألباب».

أشار (عليه السلام) إلى وخامة العُجب المضادة لكمال النفس، وأنّه ضدّ الصواب، ولمّا كان الصواب هو سلوك طريق الله باستجماع مكارم الأخلاق، وكان الإعجاب من رذائل الأخلاق، كان مضادّاً للصواب مضادّة الرذيلة للفضيلة، وبأنّه آفة للعقول، إذ هو من أكبر أمراض العقل وآفاته المهلكة، كما أشار إليه الرسول (صلى الله عليه وآله): بقوله: «ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه».(3)

فإنّ المعجب بما لديه يجعجع به الحال عن تحرّي مراقي السعادة والتقدّم، بحسبان أنّ ما عنده وافٍ لما ينبغي أن يتحرّاه من مناهج الأمور، فيبقى عاطلاً لا يجد وسيلة إلى التقدّم، ويكون منتهى أمره الخسران، ومقتبل مصيره الفشل، وهنا يستيقن أنّ الإعجاب ضدّ الصواب وآفة الألباب، لملازمته الخمود في العقل والخمول للنظر في صالح النفس، وأيّ سقوط أحطّ من هذا، وأيّ تدهور أوضع منه؟

نظر المهلّب بن أبي صفرة ـ أيّام إمرته في البصرة ـ إلى شاب معجب بنفسه يمشي الخيلاء، فقال له: يا بني أعدل عن سيرك هذا، فانزعج الشاب وقال له: أتعرفني من أنا؟ قال: نعم أوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت ما بينهما تحمل العذرة.(4)

[قصيدة إيليا أبي ماضي]:

يقول إيليا أبو ماضي من شعرياته:

نسي الطينُ ساعةً أنّه طينٌ
وكسا الخزُّ جسمَه فتباهى
يا أخي لا تَمِل بوجهك عني
أنت لم تصنع الحرير الذي تلبس
أنت لا تأكل النضار إذا جعتَ
أنت في البردة الموشّاة مثلي
لك في عالم النهار أمانٍ
ولقلبي كما لقلبك أحلام
أأمانيّ كلّها للتلاشي
أأماني كلّها من ترابٍ
لا فهذي وتلك تأتي وتمضي
أيّها المزدهي إذا مسّك السقم
وإذا راعك الحبيب بهجرٍ
أنت مثلي يهشّ وجهُك للنُّعمى
قمرٌ واحد يطلّ علينا
إن يكن مشرقاً لعينيك إنّي
النجوم التي تراها أراها
أنت مثلي من الثرى وإليه

 

حقيرٌ فصال تيهاً وعربدْ
وحوى المالَ كيسُه فتمرّد
ما أنا فحمة ولا أنت فرقد
ولا اللؤلؤ الذي تتقلّد
ولا تشرب الجمان المنضّد
في كسائي الرديم تشقى وتسعد
ورؤى والظلام فوقك محتد
حسانٌ فإنّه غير جلمد
وأمانيك للخلود المؤكّد
وأمانيك كلّها من عسجد
كذويها وأيّ شيء يؤبّد
ألا تشتكي ألا تتنهّد؟
ودعتك الشكوى ألا تتوجّد؟
وفي حالة المصيبة يكمد
وعلى الكوخ والبناء الموطّد
لا أراه من كُوة الكوخ أسود
حين تخفى وعندما تتوقّد
فلماذا يا صاحبي اِلتيه والصد؟

* * *

[أحاديث في ذمّ العجب]:

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله».(5)

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لولا أنّ الذنب خير للمؤمن من العُجب ما خلّى الله (عز وجل) بين عبده المؤمن وبين ذنب أبداً».(6)

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «من دخله العُجب هلك».(7)

وقال (عليه السلام): «سيّئة تسؤك خير عند الله من حسنة تعجبك».(8)

وقال (عليه السلام): «الإعجاب يمنع الازدياد».(9)

وقال (عليه السلام): «عُجب المرء بنفسه أحد حسّاد عقله».(10)

وقال ابن مسعود: «الهلاك في اثنين: القنوط والعُجب».

وعن علي بن سويد، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن العُجب الذي يفسد العمل؟ فقال: «العُجب درجات: منها أن يزيّن للعبد سوء عمله فيراه حسناً فيعجبه ويحسب أنّه يُحسن صنعاً، ومنها أن يؤمن العبد بربّه فيمنّ على الله (عز وجل) ولله عليه فيه المنّ».(11)

وقال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): قال الله (عز وجل) لداود (عليه السلام): «يا داود بشّر المذنبين وأنذر الصدّيقين، قال: كيف أبشّر المذنبين وأنذر الصدّيقين؟ قال: يا داود بشّر المذنبين أنّي أقبل التوبة وأعفو عن الذنب، وأنذر الصدّيقين ألاّ يُعجبوا بأعمالهم، فإنّه ليس من عبد أنصبه للحساب إلاّ هلك».(12)

وقال (عليه السلام): أتى عالمٌ عابداً فقال له: كيف صلاتك؟ فقال: مثلي يسأل عن صلاته وأنا أعبد الله منذ كذا وكذا؟! قال: كيف بكاؤك؟ قال: أبكي حتّى تجري دموعي، فقال له العالم: إن ضحكك وأنت خائف أفضل من بكائك وأنت مُدلّ، إنّ المدلّ لا يصعد من عمله شيء.(13)

قال عبد الرحمن بن الحجّاج: قلت لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام): الرجل يعمل العمل وهو خائف مشفق، ثمّ يعمل شيئاً من البرّ فيدخله شبه العُجب به، فقال: هو في حاله الأولى وهو خائف أحسن حالاً منه في حال عجبه.(14)

قال أبو عبد الله (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «بينما موسى (عليه السلام) جالس إذا أقبل إبليس وعليه برنس ذو ألوان، فلمّا دنى موسى خلع البرنس وقام إلى موسى فسلّم عليه، فقال له موسى: من أنت؟ قال: أنا إبليس، قال: لا قرّب الله دارك، قال: إنّي إنّما جئت لأسلّم عليك لمكانك من الله، فقال له موسى: فما هذا البرنس؟ قال: به اختطف قلوب بني آدم، فقال موسى: فأخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذتَ عليه؟ قال: إذا أعجبته نفسه واستكثر عمله وصغر في عينه ذنبُه».(15)

عن أحدهما ـ يعني أحد الإمامين (عليهما السلام) قال: دخل رجلان المسجد أحدهما عابد والآخر فاسق، فخرجا من المسجد والفاسق صدّيق والعابد فاسق، وذلك أنّه يدخل العابد مدلاّ بعبادته، والفاسق يدخل وهو نادم على فسقه مستغفراً لذنبه.(16)

وفي كتاب (أصول الكافي) عن داوود الرقي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «اتّقوا الله ولا يحسد بعضكم بعضاً، إنّ عيسى ابن مريم كان من شرايعه السيح في البلاد، فخرج في بعض سيحه ومعه رجل من أصحابه قصير كان كثير اللزوم لعيسى (عليه السلام)، فانتهى عيسى إلى البحر قال: «بسم الله» بصحّة ويقين منه فمشى على ظهر الماء، فقال الرجل القصير حين نظر إلى عيسى جازه «بسم الله» بصحّة ويقين منه فمشى على الماء ولحق بعيسى، فدخله العُجب بنفسه، فقال: هذا عيسى روح الله يمشي على الماء، وأنا أمشي على الماء، فما فضله عليّ؟ فرمس في الماء فاستغاث بعيسى، فتناوله من الماء فأخرجه، فقال له: ما قلتَ يا قصير؟ قال: قلت «هذا روح الله يمشي على الماء وأنا أمشي على الماء» فدخلني من ذلك عجب، فقال له عيسى: لقد وضعتَ نفسك في غير الموضع الذي وضعك الله فيه، فمقتك الله على ما قلتَ، فتُب إلى الله (عز وجل) ممّا قلت، فتاب الرجل وعاد إلى مرتبته.(17)

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده محمّد بن الحنفيّة: «إيّاك والعُجب وسوء الخلق وقلّة الصبر، فإنّه لا يستقيم لك على هذه الخصال الثلاث صاحب، ولا يزال لك عليها من الناس مُجانب».(18)

* * *

 

ومن خطبة له (عليه السلام): في وصف آل محمد (عليهم السلام)

«هُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ وَلَجَأُ أَمْرِهِ وَعَيْبَةُ عِلْمِهِ وَمَوْئِلُ حُكْمِهِ وَكُهُوفُ كُتُبِهِ وَجِبَالُ دِينِهِ بِهِمْ أَقَامَ انْحِنَاءَ ظَهْرِهِ وَأَذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرَائِصِهِ».(19)

* * *

ضبط الألفاظ اللغوية:

(اللجاء) محرّكة كالملجأ الملاذ من لجأ إليه كمنع وفرح: لاذ. و(العيبة) ما يُجعل فيه الثياب، وفي الرجل موضع سرّه، و(الموئل) المنجا، من وئل إليه يئل، و(الكهف) غار واسع في الجبل، وفلان كهف لأنّه يُلجأ إليه كالبيت على الاستعارة، و(الانحناء) الاعوجاج، و(الارتعاد) الاضطراب، و(الفرائص) جمع الفريصة، وهي اللحمة بين الجنب والكتف لا تزال ترتعد.

* * *

المعنى:

أشار (عليه السلام) في هذه الفقرات النيّرة إلى آل محمد (عليهم السلام)، ووصفهم بثمانية أوصاف إشارة إلى علوّ مقامهم وسموّ مكانهم ورفعة درجاتهم وعظمة شأنهم، والمراد بآله (صلى الله عليه وآله) هم الأئمّة المعصومون سلام الله عليهم أجمعين.

ومن العجب أنّ الشارح البحراني العلاّمة ابن ميثم (قدس سره) جعل الأمور المذكورة أوصافاً لأهل النبي (صلى الله عليه وآله) الأدنين من بني هاشم، كالعبّاس وحمزة وجعفر وعلي بن أبي طالب (عليه السلام).

أمّا علي فمُسلَّم، وأمّا العبّاس وحمزة وجعفر ونظراؤهم من سائر بني هاشم فأين لهم قابليّة لحفظ سرّ الله، أم أنّى لهم استعداد لأن يكونوا لجاء أمرالله؟ أم كيف لهم الاحاطة بكتب الله؟ بل القابل لها ولسائر الأوصاف المذكورة إنّما هم آل الله وآل رسوله الذين هم العروة الوثقى ومنار الهدى وأعلام التقى وكهف الورى وهم الملجأ والمنجى.

جاء في كتاب (مشارق الأنوار) تأليف الشيخ رجب البرسي الحلي عن محمد بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: نحن جنب الله، ونحن صفوة الله، ونحن خيرة الله، ونحن مستودع مواريث الأنبياء، ونحن أُمناء الله، ونحن وجه الله، ونحن أئمّة الهدى، ونحن العروة الوثقى، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ونحن الأوّلون، ونحن الآخرون، ونحن أخيار الدهر ونواميس العصر، ونحن سادة العباد وساسة البلاد، ونحن النهج القويم والصراط المستقيم، ونحن عين الوجود وحجّة المعبود، ولا يقبل الله عمل عاملٍ جهل حقّنا، ونحن قناديل النبوّة مصابيح الرسالة، ونحن نور الأنوار وكلمة الجبّار، ونحن راية الحقّ التي من تبعها نجا ومن تأخّر عنها هوى، ونحن أئمّة الدين وقادة الغرّ المحجّلين، ونحن معدن النبوّة وموضع الرسالة، وإلينا تختلف الملائكة، ونحن السراج لمن استضاء، والسبيل لمن اهتدى، ونحن القادة إلى الجنّة، ونحن الجسور والقناطر، ونحن السنام الأعظم، وبنا ينـزل الغيث، وبنا تنـزل الرحمة، وبنا يُدفع العذاب والنقمة.

فمن سمع هذا الهدى فليتفقّد قلبه في حبّنا، فإن وجد فيه البغض لنا والانكار لفضلنا فقد ضلّ عن سواء السبيل؛ لأنّا نحن عين الوجود وحجّة المعبود وترجمان وحيه وعيبة علمه وميزان قسطه، ونحن فروع الزيتونة وربائب الكرام البررة، ونحن مصباح المشكاة التي فيها نور النور، ونحن صفوة الكلمة الباقية إلى يوم الحشر، المأخوذ لها الميثاق والولاية من الذرّ».(20)

ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: «أيها الناس نحن أبواب الحكمة ومفاتيح الرحمة وسادة الأمة، وأمناء الكتاب وفصل الخطاب، وبنا يُثيب الله وبنا يعاقب، ومن أحبّنا أهل البيت عظم أحسانه ورجح إيمانه وقبل عمله وغفر زللـه، ومن أبغضنا لا ينفع إسلامه، وإنّا أهل بيت خصّنا الله بالرحمة والحكمة والنبوّة والعصمة، ومنا خاتم الأنبياء.

ألا وأنا راية الحقّ التي مَن تلاها سبق، ومن تأخّر عنها مرق، ألا وإنّنا خيرة الله اصطفانا على خلقه وائتمننا على وحيه، فنحن الهداة المهديّون، ولقد علمت الكتاب، ولقد عهد إليّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما كان وما يكون، وأنا أخو رسول الله وخازن علمه، أنا الصدّيق الأكبر ولا يقولها غيري إلاّ مُفترٍكذّاب، وأنا الفاروق الأعظم».(21)

وفيه: عنهم (عليهم السلام) أنهم قالوا: «كونوا لنا زَيناً ولا تكونوا علينا شَيناً، فإنّه ليس بين الله وبين أحد في خلقه قرابة، ألا من ائتّم بإمام فليعمل عمله، فما معنا براءة من النار، وليس لنا على الله من حجّة، فاحذروا المعصية لنا والمغالاة فينا، فإنّ الغُلاة شر خلق الله، يصغّرون عظمة الله ويدّعون الربوبيّة لعباد الله، والله إنّ الغلاة شرّ من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا، وإلينا يرجع الغالي فلا نقبله، لأنّ الغالي اعتاد ترك الصلاة والزكاة والصوم فلا يقدر على ترك عادته، وبنا يلحق المقصّر فنقبله؛ لأنّ المقصّر إذا عرف عمل».(22)

وفيه: عنهم (عليهم السلام) أنهم قالوا: «نزّهونا عن الربوبيّة وارفعوا منّا حظوظ البشريّة ـ يعني الحظوظ التي تجوز عليكم ـ فلا يُقاس بنا أحد من الناس، فإنّا نحن الأسرار الإلهيّة المودعة في الهياكل البشريّة، والكلمة الربّانيّة الناطقة في الأجساد الترابيّة، وقولوا بعد ذلك ما استطعتم، فإنّ البحر لا ينـزف، وعظمة الله لا توصف».(23)

جنّبوهم قول الغلاة وقولوا
فإذا عدت السماء مع الأرض

 

ما استطعتم في فضلهم أن تقولوا
إلى فضلهم فذاك قليل(24)

فهم في الأجساد أشباح، وفي الأشباح أرواح، وفي الأرواح أنوار، وفي الأنوار أسرار، فهم الصفوة والصفات والأصفياء، وإليه الإشارة بقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «لولانا ما عُرف الله، ولولا الله ما عُرفنا».(25)

وفيه أيضاً ص 126 فهؤلاء سادة الأنام، ومصابيح الظلام، وكسبة الاعتصام، وذروة الاحتشام، وأُمناء الملك العلاّم، الذين اصطفاهم للخطاب، وارتضاهم بميراث الحكمة والكتاب، وإليهم الإشارة بقوله: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا»(26) فهم السادة الأبرار المصطفون الأخيار الذين وصفهم بالطهارة والعصمة في الكتاب فقال: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(27) فهم الذرّية الفاخرة وسادة الدنيا والآخرة، الذي دلَّ الكتاب على أنّهم الهُداة المهديّون، فقال في وصفهم ربُّ العالمين: «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ»(28) ثمّ شهد الرسول بأنّهم سفينة النجاة، فقال وقوله الحقّ: «أهلُ بيتي كسفينة نوح، مَن ركبها نجا، ومن تأخّر عنها ضلّ وغوى»(29) ثمّ أبان لنا ربّ الأرباب أنّهم ورثة الحكمة والكتاب، فقال: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ».(30)

فهم الذريّة الطاهرون والعترة المعصومون، ثم صرّح الذكر المبين أنّهم ولاة الدين، فقال: «إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ»(31) فإليهم الإياب وعليهم الحساب يوم الحساب.

ثمّ اعلم أنّ حكم يوم المعاد إليهم وحساب العباد عليهم، فقال: «وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ»(32) فالشهيد محمّد النبي، والسائق علي الولي، ثمّ أبان للخلق عددهم ونبأهم فقال: «وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً»(33) فهم السادة النقباء والأسباط الأوصياء، ثم خصّهم بالشرف والفخار وحصر فيهم العلم والافتخار فقال: «وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ»(34) فآباؤهم محمد وعلي وفاطمة وإخوانهم الحسن والحسين وذرّياتهم الخلفاء من عترة الحسين إلى آخر الدهر، ثمّ قال: «وَاجْتَبَيْناهُمْ» فتعيّن شرفهم وفضلهم، ووجب اتّباعهم وانقطاع الكلّ عن مرتبتهم، ونزول الخلائق عن رفعتهم.

ثمّ أكّد ذلك وعينّه وأشاع فضلهم وبينّه، وإنّ الإمامة لا تكون إلاّ في المعصوم البريء من السيّئات المطهر من الخطيئات، وأخرج من سواهم من دائرة الشرف والحكم، وأشار إلى ذلك رمزاً فقال لنوح: «فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي»(35) فقال: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ»(36) ثمّ بيّن لعباده أنّهم أئمّة الحقّ، وأوضح لهم أنّهم الداعون إلىالصدق، وأنّ من اتّبع غيرهم ضلّ وزلّ، فقال: «أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(37) ثمّ توعّد عباده وخوّفهم أن يتّبعوا غيرهم فقال: «اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ»(38) والصدق فيهم ومنهم، ثمّ أمر عباده أن يدينون بطاعتهم قال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً»(39) فجعل ولايتهم السلم والسلام، ثمّ بيّن في الآيات أنّه اصطفاهم على الخلائق وارتضاهم للغيب والحقائق فقال: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ»(40) ثمّ بيّن أنّهم بنعم الله محشورون، وعلى فضل الله محسودون فقال: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً»(41) والملك العظيم هو وجوب الطاعة على سائر العباد.

ثمّ أوجب على العباد طاعتهم بالتصريح فقال: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ»(42) يعني الذين قرنهم بالكتاب والرسول، ثمّ نهى عباده أن يتفرّقوا عنهم فقال: «وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ»(43) يعني علياً وعترته، ثمّ قال: «وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ» يعني غيرهم «فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ» فتضلّ بكم عن سبيله، فجعلهم سبيله الهادي إليه وطريقه الدالّ عليه، ثمّ جعل من مال عنهم تابعاً للشيطان ومخالفاً للقرآن وعاصياً للرحمن، فقال: «وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ»(44) وهي طريق أعدائهم، ثمّ بيّن أنّ مَن اتّبعهم نال الرضوان وفاز بالغفران ونجا من النيران، فقال «وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ».(45) ومعناه قفوا عند علي وعترته فهم الباب، وتمسّكوا بحبّهم تأمنوا العذاب، واتّبعوا سبيله فهو أمّ الكتاب، واعلموا أنّ علياً مولاكم يُغفر لكم خطاياكم، ثمّ عدّد مقاماتهم في الكتاب وعيّنهم بالخصّ والنصّ فقال: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَْقْرَبِينَ»(46) يعني رهطك المصطفين، ثمّ خصّهم بجوامع الشرف والتفضيل، وهذا هو الفضل الذي لا يُجحد والشرف الذي لا يُحدّ، ثمّ باهل بهم الأعداء فجعلهم على إثبات دينه شهداء، وعلى نبوّة نبيّه أدلاّء فقال: «فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ»(47) ثمّ خصّهم بالمقام الخاصّ وجعلهم قنطرة الإخلاص ونهج النجاة والخلاص، فقال: «وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ»(48) وهي خصوصيّة خصّ بها الربّ الكريم فاطمة الزهراء بضعة الرؤف الرحيم، ثمّ أوجب محبّتهم على العباد وجعلهم الذُخر يوم المعاد، فقال: «لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى»(49) ثمّ ذكر قصّة نوح فقال: «يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً»(50)، وقال عن هود «يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً»(51) وقال لمحمد (صلى الله عليه وآله) «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى»(52) فلم يفرض لهم المودّة إلاّ لأنّهم نجوم الولاية وشموس الهداية لم يرتدّوا عن الملّة، ولم يفارقوا الكتاب والسنّة، لا بل هم الكتاب والسنّة. ففرض مودّتهم وطاعتهم، فمن أخذ بها وجب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يحبّه لأنّه على منهاجه، ومن لم يأخذ بها وجب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يُبغضه لأنه ضيّع فريضة أمره الله والرسول بها، لا بل هي رأس الفرض وتمام كلّ سنّة وفرض، فأيّ شرف أعلى على هذا المقام؟

ثمّ إنّ الله لم يبعث نبيّاً إلاّ وأمره أن لا يسأل أمّته أجراً على نبوّته، بل الله يوفّيه أجره، وفرض لمحمد (صلى الله عليه وآله) موّدة أهل بيته وأمره أن يبيّن فضلهم، فمن أخذ بعده المودّة فهو مؤمن مخلص قد وجبت له الجنّة، ثمّ قرن ذكر محمّد بذِكره في الصلاة، وقرن ذكرهم بذكر نبيه، فدلّ بذاك على رفيع شرفهم، وبيّن ذلك الصادق الأمين من قوله: «اللهمّ صلّ على محمد وآل محمد، كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد»،(53) ثمّ أعطاهم من الفضل ما لم يبلغ أحد وصفه، فسلّم على الأكبر من رسله ولم يسلّم على آلهم، فقال: «سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ»،(54) ثمّ قال: «سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ»،(55) ثم قال: «سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ»(56) ثمّ قال: سلام على آل محمد (صلى الله عليه وآله) فقال: «سَلامٌ عَلى آلْ ‏ياسِينَ»(57) وياسين اسم محمد بلغة طي.

ثمّ أنزل في كتابه ما فرّق به من الآل والأمّة فقال: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى»(58) فرضي لهم ما رضي لنفسه، فبدأ لنفسه ثمّ بدأ برسوله ثم بآل رسوله، فجعل لنفسه نصيباً ثمّ للنبي ثمّ لآله، ثمّ قرّبهم إليه بالطاعة فقال: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ»(59) فبدأ بنفسه ثمّ برسوله المخبر عنه ثمّ بالهداة المهديّين من عترته، ثمّ أكّد لهم الولاية فقال: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا»(60) فجعل ولايتهم مع ولاية الرسول مقرونة بولايته، كما جعل سهمهم مع سهم الرسول مقروناً بسهمه في القسمة والغنيمة فسبحان من فضّلهم ورفعهم واختارهم على العالمين.

ثمّ أنّه لما أنزلت آية الصدقة، نزّه نفسه ورسوله ونزّه أهل بيته، فقال: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ»(61) إلى آخر الآية، فلم يجعل له سهماً ولا لرسوله ولا لآل رسوله في الصدقات؛ لأنّها من أوساخ الناس، وهم مطهّرون من الأدناس، فهم الآل الذين أمر الله بطاعتهم، وذوو القربى الذين أمر الله بمودّتهم وصلتهم، والموالي الذين أمر الله بطاعتهم ومعرفتهم، وأهل الذكر الذين أمر الله بمسألتهم، ورضي لهم ما رضي لنفسه، ونزّههم ممّا نزّه من نفسه، وجعلهم آل الرسول خاصّة، فقال: «قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً»(62) فهم آل الرسول وعترته وأهل الله وخاصّته، ومعدن التنـزيل ونهايته، وسدنة الوحي وخزنته، كما قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام) للمأمون في مشاجرته: أيحلّ لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لو كان حيّاً أن يتزوّج إليك؟ فقال المأمون: نعم، فقال الرضا (عليه السلام): لكنّه لا يحلّ له أن يتزوّج إليّ، فقال المأمون: نعم لأنّك ابنه،(63) وهذا هو الفرق ما بين الآل والأصحاب؛ لأنّ المأمون كان يزعم أنّ آل رسول الله أصحابه وأمّته، فأبان لهم الإمام من آله وأصحابه، ثمّ أنّه قال له سبحانه في لفظ التخصيص: «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ»(64) فلفظ الأمر هنا خاصّ ومعناه عامّ، لأنّه أدخله مع الأمّة لعموم الأمر، وميّزهم عنهم بتخصيص لفظ الأهل، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد نزول هذه الآية يأتي إلى باب الزهراء (عليها السلام) فيقف هناك ويقل: الصلاة يا آل محمد الصلاة».(65)

 

[الأمر الأول: أهل البيت (عليهم السلام) موضع سرّ الله]:

وبالتالي فأوّل الأوصاف المذكورة ما أشار إليه (عليه السلام) بقوله: «هم موضع سرّه».

والمراد بالسرّ علم لا يجوز إظهاره للعموم، والأئمّة (عليهم السلام) موضعه ومأواه، ومستقرّه ومقامه، وخُزّانه وحفّاظه، لا يظهرونه أو لا يظهرون منه إلاّ ما يحتمل على من يتحمّل، إذ العموم لا يقدر على تحمّل أسرار الله سبحانه، ولذلك قال علي بن الحسين (عليهما السلام): لو عَلِم أبو ذر بما في قلب سلمان لقتله(66).

وفي البحار من كتاب السيد حسن بن كبش بإسناده عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا أبا محمد إنّ عندنا سرّاً من سرّ الله وعِلماً من علم الله لا يحتمله مَلَك مقرّب ولا نبيّ مُرسَل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، والله ما كلّف الله أحداً ذلك الحمل غيرنا، ولا استعبد بذلك أحداً غيرنا، وإنّ عندنا سرّاً من سرّ الله وعِلماً من علم الله أمرنا الله بتبليغه، فبلّغنا عن الله (عز وجل) ما أمرنا بتبليغه، فلم نجد له موضعاً ولا أهلاً ولا حمالة يحملونه، حتّى خلق الله لذلك أقواماً خُلقوا من طينة خلق منها محمّد (صلى الله عليه وآله) وذرّيته، ومن نور خلق الله منه محمّداً وذريته، وصنعهم بفضل صنع رحمته التي منها محمّداً وذرّيته، فبلّغناهم عن الله (عز وجل) ما أمرنا بتبليغه، فقبلوه واحتملوا ذلك عنا فقبلوه واحتملوه، وبلغهم ذِكرنا فمالت قلوبهم إلى معرفتنا وحديثنا، فلولا أنّهم خُلقوا من هذا لما كانوا كذلك، ولا والله ما احتملوه.

ثمّ قال (عليه السلام): إنّ الله خلق قوماً لجهنم والنار، فأمرنا أن نبلّغهم كما بلّغناهم، فاشمأزّوا في ذلك ونفرت قلوبهم وردّوه علينا ولم يحتملوه وكذّبوا به وقالوا: ساحر كذّاب، فطبع الله على قلوبهم وأنساهم ذلك، ثمّ أطلق الله لسانهم ببعض الحقّ، فهم ينطقون به وقلوبهم مُنكِرة، ليكون ذلك دفعاً عن أوليائه وأهل طاعته، ولولا ذلك ما عُبد الله في أرضه، فأمرنا الله بالكفّ عنهم والكتمان منهم، فاكتموا ممّن أمر الله بالكفّ عنهم، واستروا عمّن أمر الله بالستر والكتمان منهم.

قال: ثمّ رفع (عليه السلام) يده وبكى، وقال: «اللهمّ إنّ هؤلاء لشرذمة قليلون، فاجعل محياهم محيانا ومماتهم مماتنا، ولا تسلّط عليهم عدوّاً لك فتفجعنا بهم، فإنّك إن فجعتنا بهم لم تُعبد أبداً في أرضك».(67)

قال ميرزا حبيب الله الخوئي (رحمه الله): وبهذه الرواية يحصل الجمع بين قولهم (عليهم السلام) «إنّ حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا مَلَك مقرب أو نبيّ مرسل أومؤمن امتحن الله قلبه للإيمان» وبين الخبر الخالي من الاستثناء، فإنّ الثاني محمول على السرّ المختص بهم (عليهم السلام) الذي لا يحتمله أحد غيرهم، والأوّل محمول على السرّ الذي هو أدنى من ذلك، وهو السرّ الذي تقدّم إليهم النصّ من الله سبحانه لإظهاره لبعض خواصّهم على مراتب استعدادهم، وهو الذي أشار إليه الصادق (عليه السلام) بقوله: «لو علم أبوذر ما في قلب سلمان لقتله» فإنّ أبا ذر لا استعداد له على احتمال السرّ الذي احتمله سلمان، وكذلك كميل بن زياد مع كونه من خواصّ أصحاب أميرالمؤمنين (عليه السلام) لا يحتمل ما احتمله أبو ذر (رضي الله عنه)، فهو وإن كان صاحب سرّه (عليه السلام) لكن بالنسبة إلى غيره من سائر الناس، ولذلك أنّه بعدما سأل منه (عليه السلام) عن الحقيقة وأجاب بقوله (عليه السلام): ما لك والحقيقة؟ قال: أو لست صاحب سرّك؟ فلم يقرّه (عليه السلام) على عموم ما ادعاه، بل أجاب بقوله: بلى ولكن يترشّح عليك ما يطفح مني. فإنّ استدراكه (عليه السلام) بقوله: ولكن...، إشارة إلى أنّ ما يظهر من السرّ عليه من قبيل نداوة الطفحان ورشحته الفائضة من جوانبه، وأنّه ليس صاحب السرّ على نحو العموم.

وبالتالي: فقد وضح وظهر ممّا ذكرنا أنّ أسرار الله سبحانه هي علوم لا يجوز إظهار ما جاز إظهارها منها إلا للكمّل على اقتضاء مراتب الاستعداد.

وقد روي في الخرائج بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: أتى الحسين (عليه السلام) ناس فقالوا له: يا أبا عبد الله حدّثنا بفضلكم الذي جعل الله لكم، فقال: إنّكم لا تحتملونه ولا تطيقونه، قالوا: بلى نحتمل، قال: إن كنتم صادقين فليتنحّ اثنان وأحدّث واحداً، فإن احتمله حدثتكم، فتنحّى اثنان وحدّث واحداً، فقام طائر العقل ومرّ على وجهه وذهب، وكلّمه صاحباه فلم يردّ عليهما شيئاً وانصرفوا.(68)

وفيه بالاسناد المذكور قال: أتى رجل الحسين بن علي (عليهما السلام) فقال: حدّثني بفضلكم الذي جعل الله لكم، فقال: إنّك لن تطيق حمله، قال: بل حدّثني يا بن رسول الله، إنّي أحتمله، فحدّثه بحديث، فما فرغ الحسين (عليه السلام) من حديثه حتّى ابيضّ رأس الرجل ولحيته وأُنسي الحديث، فقال الحسين (عليه السلام)، أدركته رحمةُ الله حيث أُنسي الحديث.(69)

 

[حديثنا صعب مستصعب]:

وفي البحار من كتاب المحتضر للحسن بن سليمان من كتاب ابن شريفة الواسطي يرفعه إلى ميثم التمار، قال: بينما أنا في السوق إذ أتى أصبغ بن نباتة فقال: ويحك يا ميثم، لقد سمعت من أمير المؤمنين (عليه السلام) حديثاً صعباً شديداً، قلت: وما هو؟ قال: سمعته يقول: إنّ حديث أهل البيت صعب مستصعب لا يحتمله إلا مَلَك مقرب أو نبيّ مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان. فقمت من فورتي فأتيت علياً (عليه السلام) فقلت: يا أمير المؤمنين حديث أخبرني به أصبغ عنك قد ضقت به ذرعاً، فقال (عليه السلام): ما هو؟ فأخبرته به، فتبسّم ثم قال: اجلس يا ميثم، أو كلّ علم يحتمله عالم؟ إنّ الله تعالى قال للملائكة: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ»(70) فهل رأيت الملائكة احتملوا العلم؟ قال: قلت: إنّ هذا أعظم من ذلك، قال: والأخرى، إنّ موسى بن عمران أنزل الله عليه التوراة فظنّ أن لا أحد أعلم منه، فأخبره أنّ في خلقه أعلم منه، وذلك إذ خاف على نبيه العُجب، قال: فدعا ربّه أن يرشده إلى العالم، فجمع الله بينه وبين الخضر(عليه السلام)، فخرق السفينة فلم يحتمل ذلك موسى، وقتل الغلام فلم يحتمله، وأقام الجدار فلم يحتمله.

وأمّا النبيّون فإنّ نبيّنا (صلى الله عليه وآله) أخذ يوم غدير خُمّ بيدي فقال: اللهمّ من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، فهل رأيت أحداً احتمل ذلك إلاّ من عصم الله منهم، فأبشروا ثمّ أبشروا، قد خصّكم بما لم يخصّ به الملائكة والنبيين والمرسلين فيما احتملتم ذلك في أمر رسول الله وعلمه، فحدّثوا عن فضلنا ولا حرج، وعن عظيم أمرنا ولا أثم، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «أمرنا معاشر الأنبياء أن نُخاطب الناس على قدرعقولهم».(71)

 

الثاني: [أهل البيت (عليهم السلام) ملتجأ أمر الله]

ما نبّه عليه (عليه السلام) بقوله: «ولجاء أمره» قال ابن ميثم البحراني: أشاد بكونهم (عليهم السلام) ملجأ أمره إلى أنّهم الناصرون له والقائمون بأوامر الله والذابّون عن الدين، فإليهم يلتجئ، وبهم يقوم سلطانه.

قال الخوئي (رحمه الله): المستفاد من ظاهر كلامه (عليه السلام) أن المراد بالأمر هو الأمور الدينيّة وأنّهم ملجأ لنفس الأوامر، والأظهر الأقوى عندي أنّ المراد أنّهم لجاء للعباد في الأوامر الدينية، بمعنى أنّ الخلق إذا تنازعوا في شيء منها وعجزوا فيها عن النيل إلى الواقع فهم الملجأ والملاذ؛ لأنّهم أُولو الأمر، قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً».(72)

قال علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره: حدّثني أبي عن حماد، عن حريز، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: نزل فإن تنازعتم في شيء فأرجعوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولى الأمر منكم.(73)

وهو يدلّ على أنّ المنـزل «فأرجعوه» مكان «فردّوه»، ويحتمل أن يكون تفسيراً له، ويدلّ أيضاً على أنّ الموجود في مصحفهم قول «وإلى أولي الأمر منكم»، وعلى ذلك فالآية صريحة في الدلالة على المطلوب من ردّ الأمور الدينية التي اختلف فيها إلى كتاب الله وإلى رسوله والأئمة (عليهم السلام).

وأمّا على ما هو الموجود في هذه المصاحف التي بأيدينا فالدلالة أيضاً غير خفيّة على مذهبنا؛ لأنّ الردّ إلى الأئمة القائمين مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد وفاته هو مثل الردّ إلى الرسول في حياته، لأنّهم الحافظون لشريعته والخلفاء في أمته، فجروا مجراه فيه، ومثلها قوله تعالى:

«وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الأَْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ».(74)

روي في البحار في تفسير العياشي عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر (عليه السلام) في هذه الآية، قال: هم الأئمة (عليهم السلام).(75)

وعن عبد الله بن جندب قال كتب إلي أبو الحسن الرضا (عليه السلام): «ذكرت ـ رحمك الله ـ هؤلاء القوم الذين وصفت أنّهم كانوا بالأمس لكم إخواناً، والذين صاروا إليه من الخلاف لكم والعداوة لكم والبراءة منكم، والذي تأفّكوا ـ أي تكلّفوا ـ به من حياة أبي صلوات الله عليه ورحمته، وذكر في آخر الكتاب: إنّ هؤلاء القوم سنح لهم شيطان اغترّهم بالشبهة ولبّس عليهم أمر دينهم، وذلك لما ظهرت فريتهم واتّفقت كلمتهم ونقموا على عالمهم وأرادوا الهدى من تلقاء أنفسهم فقالوا: لم، ومن، وكيف، فأتاهم الهلاك من مأمن احتياطهم، وذلك بما كسبت أيديهم «وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ»،(76) ولم يكن ذلك لهم ولا عليهم، بل كان الفرض عليهم والواجب لهم من ذلك الوقوف عند التحيّر وردّ ما جهلوا من ذلك إلى عالمه ومستنبطه، لأنّ الله يقول في محكم كتابه:

«وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الأَْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ».(77)

يعني آل محمد (عليهم السلام)، وهم الذين يستنبطون من القرآن ويعرفون الحلال والحرام، وهم الحجّة على خلقه.(78)

 

[أهل البيت (عليهم السلام) هم ولاة الأمر]:

هذا وقد ظهر مما ذكر أنّ الأئمة (عليهم السلام) هم ولاة الأمر، وأنّهم المقصودون بأولي الأمر في الآيتين، أمّا الآية الثانية فلما ذكرنا، وأمّا الآية الأولى فللأخبار المستفيضة.

 

[الدليل النقلي]:

أمّا الأخبار فمنها ما رواه في البحار عن تفسير فرات بن إبراهيم، عن عبيد بن كثير معنعناً، أنّه سُئل جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن قول الله: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ».(79)

قال: أولي الفقه والعلم، قلنا: أخاصّ أم عامّ؟ قال (عليه السلام): بل خاصّ لنا.(80)

وفي الكافي عن جابر الجعفي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن هذه الآية، قال: الأوصياء.(81)

وفيه أيضاً عن بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله (عز وجل): «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَْماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ».(82)

فقال (عليه السلام): إيّانا عنى، أن يؤدّي الأول إلى الإمام الذي بعده الكتب والعلم والسلاح، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل الذي في أيديكم، ثمّ قال للناس: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ»(83) إيّانا عنى خاصّة، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا، فإن خضتم تنازعاً في أمر فردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم، كذا نزلت، وكيف يأمرهم الله (عز وجل) بطاعة ولاة الأمر ويرخّص في منازعتهم، إنّما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ».(84) والأخبار في هذا الباب كثيرة لا تحصى.

 

[الدليل العقلي]:

وأمّا دليل العقل فلأنّه سبحانه أمر بوجوب طاعة أولي الأمر على نحو العموم، فلا بدّ من كونه معصوماً، وإلاّ لزم أن يكون تعالى قد أمر بالقبيح، لأنّ من ليس بمعصوم لا يُؤمَن صدور القبيح عنه، فإذا وقع كان الاقتداء به قبيحاً، والمعصوم بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) منحصر بإجماع الأمة في الأئمّة.

ويحتمل أن يكون المراد بالأمر في قوله (عليه السلام): (ولجاء أمره) الأعمّ من الأمورالدينيّة، وربّما فسّر به في الآيتين أيضاً، فالمراد به على ذلك جميع الأمور المقدّرة المشار إليها في قولها سبحانه: «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ»(85) وفي قوله: «فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ».(86)

وقد جاء في رواية الكافي عن الباقر (عليه السلام) أنّه لينـزل في ليلة القدر إلى وليّ الأمر تفسير الأمور سنة سنة، يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا وكذا، وفي أمر الناس بكذا وكذا.(87) وهذا الاحتمال أقرب بالنظر إلى عموم وظيفتهم (عليهم السلام).

الثالث: [أهل البيت (عليهم السلام) عيبة علم الله]

ما أشار إليه (عليه السلام) بقوله: «وعيبة علمه» يعني أنّ علمه مودع عندهم كالثياب النفسيّة المودعة في العيبة، وتشبيههم بالعيبة من حيث إنّهم كانوا حافظين وصائنين له عن الضياع والاندراس حسن الاستعارة بالعيبة الحافظة للباس عن الأدناس.

قال البحراني: وكونهم عيبة علمه مرادف لكونه موضع سرّه، إذ يقال في العرف: فلان عيبة العلم إذا كان موضع أسراره.

قال الخوئي: أمّا ترادفها في اللغة والعرف فقد صرّح به بعض اللغويّين أيضاً، ولكن الظاهر أنّ السرّ أخصّ من العلم، لما قد عرفت سابقاً من أنّ السرّ هو العلم الذي يُكتم، وقد صرّح به غير واحد من اللغويين، وهو المتبادر منه أيضاً، فيكون حقيقة فيه. وعلى هذا فيكون العلم أعمّ منه، وهو الأنسب بالمقام أيضاً من حيث إنّ التأسيس أولى من التأكيد.

وكيف كان، فلا غبار على أنّ علم الله وعلم رسوله المتلقّى منه سبحانه مودع عندهم وهم الحافظون له.

 

[الدليل النقلي]:

ويدلّ عليه الأخبار المتواترة القطعية.

منها ما رواه الكليني في الكافي بإسناده عن يونس بن رباط قال: دخلت أنا وكامل التمّار على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له كامل: جُعلت فداك حديث رواه فلان. فقال: أذكره، فقال: حدّثني أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) حدّث علياً (عليه السلام) بألف باب يوم توفّي رسول الله، كلّ باب يفتح له ألف باب، فذلك ألف ألف باب، فقال: لقد كان ذلك، قلت: جُعلت فداك فظهر ذلك لشيعتكم ومواليكم؟ فقال (عليه السلام): يا كامل، باب أو بابان، فقلت له: جُعلت فداك فما يروي من فضلكم من ألف ألف باب إلاّ باب أو بابان؟ قال: فقال: وما عسيتم أن ترووا من فضلنا؟ ما تروون من فضلنا إلاّ ألفاً غير معطوفة.(88)

وفي البحار من كتاب المحتضر للحسن بن سليمان من نوادر الحكمة يرفعه إلى أبي بصير قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه المفضّل بن عمر فقال: مسألة يابن رسول الله، فقال (عليه السلام): سَل يا مفضّل، قال: ما منتهى علم العالم؟ قال (عليه السلام): قد سألت جسيماً، لقد سألت عظيماً، ما السماء الدنيا في السماء الثانية إلاّ كحلقة درع ملقاة في أرض فلاة، وكذلك كلّ سماء عند سماء أخرى، وكذلك السماء السابعة عند الظلمة، ولا الظلمة عند النور، ولا ذلك كلّه في الهواء، ولا الأرضين بعضها في بعض، ولا مثل ذلك كلّه في علم العالم ـ يعني الإمام ـ إلا مثل مدٍ من خردل دققتَه دقّاً ثمّ ضربته بالماء، حتّى إذا اختلط ورغا أخذتَ منه لعقة بأصبعك، ولا علم العالم في علم الله إلاّ مثل حبّة من خردل دقته دقاً ثم ضربته بالماء حتّى إذا اختلط ورغا انتهزت منه برأس ابرة نهزة، ثمّ قال (عليه السلام): يكفيك من هذا البيان بأقلّه، وأنت بأخبار الموت تصيب».(89)

وفي كتاب المحتضر أيضاً نقلاً من كتاب الأربعين رواية سعد الأربلي عن عمّار بن خالد، عن إسحاق الأزرق، عن عبد الملك بن سليمان قال: وجد في ذخيرة أحد حواري المسيح رقّ مكتوب بالقلم السرياني منقولاً من التوراة، وذلك لمّا تشاجر موسى والخضر (عليهما السلام) في قضية السفينة والغلام والجدار ورجع موسى إلى قومه، سأله أخوه هارون عمّا استعمله مع الخضر وشاهد من عجائب البحر.

قال: بينما أنا والخضر على شاطئ البحر إذ سقط بين أيدينا طائر أخذ في منقاره قطرة من ماء البحر ورمى بها نحو المشرق، ثم أخذ ثانية ورمى بها نحو المغرب، ثمّ أخذ ثالثة ورمى بها نحو السماء، ثمّ أخذ رابعة ورمى بها نحو الأرض، ثمّ أخذ خامسة وألقاها في البحر، فبهت الخضر وأنا، قال موسى: فسألت الخضر عن ذلك، فلم يجب، وإذا نحن بصياد يصطاد فنظر إلينا وقال: مالي أراكما في فكر وتعجّب؟ فقلنا: في أمر الطائر، فقال: أنا رجل صيّاد وقد علمتُ إشارته وأنتما نبيّان لا تعلمان، قلنا: ما نعلم إلاّ ما علّمنا الله (عز وجل)، قال: هذا طائر في البحر يسمّى مسلم، لأنّه إذا صاح يقول في صياحه مسلم، وأشار بذلك إلى أنّه يأتي في آخر الزمان نبي يكون عِلم أهل المشرق والمغرب وأهل السماء والأرض عند عِلمه مثل هذه القطرة الملقاة في البحر ويرث علمه ابنُ عمّه ووصيّه، فسكن ما كنّا فيه من المشاجرة واستقلّ كلّ واحد منا علمه بعد أن كنّا به معجبين، ومشينا ثمّ غاب الصياد فعلمنا أنّه مَلَك بعثه الله إلينا يعرّفنا بنقصنا حيث ادّعينا الكمال.(90) وبهذه الأخبار يعرف المعيار إجمالاً لعلومهم (عليهم السلام)، وفيها كافية لن ألقى السمع وهو شهيد.

الرابع: [أهل البيت (عليهم السلام) موئل حكم الله]

ما أشار إليه (عليه السلام) بقوله: «وموئل حكمه» والمراد بالحكم أمّا الأحكام الشرعية ـ أي خطاب الله المتعلق بأفعال المكلّفين من حيث الاقتضاء أو التخيير ـ وإما القضاء الرافع للخصومات، وعلى أيّ تقدير فهم موئله ومنجاه، إليهم يلتجئ فيه، وبهم يحصل الخلاص والنجاة، لأنّ ما عندهم هو الحكم المتلقّى من الوحي الإلهيّ الذي هو مطابق للواقع والواقع مطابق له، وهو كلّه صواب لا ريب فيه، وهم المرشدون إليه والأدلاّء عليه.

ويشهد به ما في البحار من مجالس المفيد بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «أما أنّه ليس عند أحد من الناس حقّ ولا صواب إلاّ شيء أخذوه منّا أهل البيت، ولا أحد من الناس يقضي بحقّ ولا عدل إلاّ ومفتاح ذلك القضاء وبابه وأوّله وسنّته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فإذا اشتبهت عليهم الأمور كان الخطأ من قِبلهم إذا أخطأوا، والصواب من قِبل علي بن أبي طالب (عليه السلام) إذا أصابوا.(91)

وفي البحار عن بصائر الدرجات عن المفضّل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «أُعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد: علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب».(92)

وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يا أبا بصير إنّا أهل بيت أُوتينا علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب، وعرفنا شيعتنا كعرفان الرجل أهل بيته».(93)

والمراد بفصل الخطاب الحكم الفاصل بين الحقّ والباطل، أو المفصول الواضح الدلالة على المقصود، أو ما كان من خصائصهم من الحُكم المخصوص في كلّ واقعة والجوابات المسكتة للخصوم في كلّ مسألة.

إذا عرفت ما ذكرناه فنقول: إنّ اللازم حينئذ أخذ الأحكام منهم والرجوع إليهم، ولا يجوز الاستبداد بالعقول الناقصة والآراء الفاسدة في الأحكام الشرعية والاعتماد فيها على الأقيسة والاستحسانات، وقد قال أبوالحسن (عليه السلام) فيما رواه في بصائر الدرجات عن محمد بن حكيم، عنه (عليه السلام)؛ إنّما هلك مَن كان قبلكم بالقياس، وإنّ الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيّه (صلى الله عليه وآله) حتّى أكمل له جميع دينه في حلاله وحرامه، فجاءكم بما تحتاجون إليه في حياته وتستغنون به وبأهل بيته بعد موته، وإنّها مخبية عند أهل بيته، حتّى أنّ فيه لأرش الخدش، ثم قال (عليه السلام): «إنّ أبا حنيفة لعنه الله ممّن يقول: قال عليّ وقلت أنا»(94).

وكذلك لا يجوز الرجوع في المرافعات إلى قضاة السوء، فمن رجع إليهم كان بمنـزلة الذين قال عنهم الله (عز وجل): «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ»(95) الآية.

 

الخامس: [أهل البيت (عليهم السلام) كهف الكتب السماويّة]

ما أشار إليه (عليه السلام) بقوله: «وكهف كتبه» تشبيههم بالكهف باعتبار أنّهم يُلتجأ إليهم فيها، أَو أنّهم المأوى لها والحاوون لما فيها، كالكهف الذي يحوي من يأوي إليه.

قال العلاّمة الشيخ عبد الصمد التبريزيّ في الدّرة النجفية:

«وإنّهم أهلُ حفظها وعندهم عِلم ظاهرها وباطنها، وهذا الحكم ظاهر الصدق للرواية والدراية، أمّا الرواية فلقوله (عليه السلام): لو كُسرت لي الوسادة ثمّ جلست عليها لحكمتُ بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الانجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، واللهِ ما من آية نزلت في برّ أو بحر أو سهل أو جبل أو سماء أو أرض أو ليل أو نهار إلاّ أنا أعلم فيمن نزلت، وفي أيّ وقت نزلت،(96) ولقول الصادق (عليه السلام): إنّ الله (عز وجل) لم يُعطِ الأنبياء شيئاً إلاّ وقد أعطى محمداً (صلى الله عليه وآله) جميع ما أعطى الأنبياء، وعندنا الصحف التي قال الله (عز وجل) «صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى»(97) قيل: هي الألواح؟ قال: نعم».(98)

وأمّا الدراية فإنّ الرجوع بكتب الأخبار والتتبّع بطريقتهم لأرباب الملل في احتجاجاتهم شاهد على المدّعى.

 

[مناظرة الإمام الرضا (عليه السلام) مع الجاثليق ورأس الجالوت وبقية المذاهب]:

وقد روى المجلسيّ (قدس سره) في البحار عن محمّد بن فضل الهاشمي في رواية طويلة نكتفي بذكر موضع الحاجة منها، قال: لمّا توفّي موسى بن جعفر (عليه السلام) أتيتُ المدينة فدخلت على الرضا (عليه السلام) قلت: إنّي سائر إلى البصرة وقد عرفت كثرة خلاف الناس، وقد نُعي إليهم موسى وما أشكّ أنّهم سيسألون عن براهين الإمام (عليه السلام)، ولو أريتني شيئاً من ذلك، فقال الرضا (عليه السلام): لم يَخْفَ عليَّ هذا، فأبلغ أولياءنا بالبصرة أنّي قادم عليهم، ولا قوّة إلاّ بالله، ثمّ أخرج إليّ جميع ما كان للنبي (صلى الله عليه وآله) عند الأئمّة من بُردته وقضيبه وسلاحه وغير ذلك، فقلت: متى تقدم عليهم؟ قال: بعد ثلاثة أيام من وصولك ودخولك البصرة... إلى أن قال: فلمّا كان اليوم الثالث من دخولي البصرة فإذا الرضا (عليه السلام) قد وافى، فقصد منـزل الحسن بن محمد وأخلى له داره وقام بين يديه يتصرّف بين أمره ونهيه، فقال: يا محمد أحضر جميع القوم الذين حضروا عند محمد بن الفضل وغيرهم من شيعتنا، وأحضر جاثليق النصارى ورأس الجالوت، ومُر القوم يسألوا عمّا بدا لهم. فجمعهم كلّهم والزيديّة والمعتزلة... إلى أن قال: فقال لهم الرضا (عليه السلام): لا تتفرّقوا فإني إنّما جمعتكم لتسألوا عمّا شئتم من آثار النبوّة وعلامات الإمامة التي لا تجدونها إلا عندنا أهل البيت: فهلمّوا مسائلكم، فسُئل (عليه السلام) عن كلّ مسألة، فأجابهم عمّا سألوا، حتّى انتهى الأمر إلى الجاثليق، فالتفت إليه الرضا (عليه السلام) فقال: هل دلّ الإنجيل على نبوّة محمد (صلى الله عليه وآله)، قال: لو دلّ الإنجيل على ذلك ما جحدنا، فقال (عليه السلام): أخبرني عن السكتة التي لكم في السفر الثالث، فقال الجاثليق: إسم من أسماء الله تعالى ولا يجوز لنا أن نظهره، قال الرضا (عليه السلام): فإن قررتك أنّه إسم محمد (صلى الله عليه وآله) وذكره، وأقرّ عيسى به، وأنّه بشّر بني إسرائيل بمحمّد (صلى الله عليه وآله) لتقرّ به ولا تُنكره، قال الجاثليق: إن فعلتَ أقررتُ، فإنّي لا أردّ الإنجيل ولا أجحده، قال الرضا (عليه السلام): فخُذ على السفر الثالث الذي فيه ذِكر محمّد (صلى الله عليه وآله) وبشارة عيسى بمحمّد (صلى الله عليه وآله)، قال الجاثليق: هاتِ، فأقبل الرضا (عليه السلام) يتلو ذلك السِفر من الأنجيل حتّى بلغ ذكر محمد (صلى الله عليه وآله) فقال: يا جاثليق من هذا الموصوف؟ قال الجاثليق: صِفه، قال (عليه السلام): لا أصفه إلاّ بما وصفه الله، هو صاحب الناقة والعصا والكساء، النبيّ الأمّيّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والأنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويُحلّ لهم الطيّبات ويُحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، يهدي إلى الطريق الأقصد والمنهاج الأعدل والصراط الأقوم، سألتُك يا جاثليق بحقّ عيسى روح الله وكلمته، هل تجدون هذه الصفة في الإنجيل لهذا النبي (صلى الله عليه وآله)؟ فأطرق الجاثليق مليّاً وعلم أنّه إن جحد الأنجيل كفر، فقال: نعم هذه الصفة من الإنجيل، وقد ذكر عيسى في الإنجيل هذا النبي ولم يصحّ عند النصارى أنّه صاحبكم، فقال الرضا (عليه السلام): أمّا إذا لم تكفر بجحود الانجيل وأقررت بما فيه من صفة محمد (صلى الله عليه وآله)، فخُذ علي في السفر الثاني فإنّي أُوجدك ذِكره وذِكر وصيّه وذِكر ابنته فاطمة وذِكر الحسن والحسين، فلمّا سمع الجاثليق ورأس الجالوت علما أنّ الرضا (عليه السلام) عالم بالتوراة والانجيل، فقالا: واللهِ قد أتى بما لا يمكننا ردّه ودفعه إلاّ بجحود التوراة والانجيل والزبور، ولقد بشّر به موسى وعيسى ولكن لم يتقرّر عندنا بالصحّة أنّه محمد هذا، فأمّا اسمه فمحمد فلا يجوز لنا أن نقرّ لكم بنبوّته، ونحن شاكّون أنه محمّدكم أو غيره، فقال الرضا (عليه السلام): احتججتم بالشكّ، فهل بعث الله قبل أو بعد من ولد آدم إلى يومنا هذا نبيّاً اسمه محمد أو تجدونه في شيء من الكتب التي أنزلها الله على جميع الأنبياء غير محمد؟ فأحجموا عن جوابه، قالوا: لا يجوز لنا أن نقرّ لك بأنّ محمداً هو محمّدكم؛ لأنّا إن أقررنا لك بمحمّد ووصيّه وابنته وابنيهما على ما ذكرتم أدخلتمونا في الإسلام كرهاً، فقال: الرضا (عليه السلام): أنت يا جاثليق آمن في ذمّة الله وذمّة رسوله لا يبدرك منّا شيء تكره ممّا تخافه وتحذره، قال: أمّا إذ قد أمنتني فإنّ هذا النبي الذي اسمه محمّد وهذا الوصيّ الذي اسمه عليّ، وهذه البنت التي اسمها فاطمة، وهذان السبطان اللذان اسمهما الحسن والحسين في التوراة والأنجيل والزبور، قال الرضا (عليه السلام): فهذا الذي ذكرته في التوراة والأنجيل والزبور من اسم هذا النبيّ وهذا الوصيّ وهذه البنت وهذين السبطين صدق وعدل أم كذب وزور؟ قال: بل صدق وعدل ما قال إلاّ الحقّ، فلمّا أخذ الرضا (عليه السلام) إقرار الجاثليق بذلك، قال لرأس الجالوت: فاسمع الآن يا رأس الجالوت السفر الفلاني من زبور داود، قال: هاتِ بارك الله عليك وعلى ولدك، فتلا الرضا (عليه السلام) السفر الأول من الزبور حتّى انتهى إلى ذِكر محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فقال: سألتُك يا رأس الجالوت بحقّ الله هذا في زبور داود ولك من الأمان والذمة والعهد ما قد أعطيته الجاثليق؟ فقال رأس الجالوت: نعم هذا بعينه في الزبور بأسمائهم، قال الرضا (عليه السلام): بحقّ العشرة الآيات التي أنزلها الله على موسى بن عمران في التوراة، هل تجد صفة محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين في التوراة منسوبين إلى العدل والفضل؟ قال: نعم، ومن جحدها كافر بربّه وأنبيائه، قال له الرضا (عليه السلام): فخُذ الآن في سفر كذا من التوراة، فأقبل (عليه السلام) يتلو التوراة ورأس الجالوت يتعجّب من تلاوته وبيانه وفصاحته، حتّى بلغ ذكر محمد، قال رأس الجالوت: نعم هذا أحماد وإليا وبنت أحماد وشبر وشبير، تفسيره بالعربية محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فتلا الرضا (عليه السلام) إلى تمامه، فقال رأس الجالوت لمّا فرغ من تلاوته: والله يابن محمّد لولا الرئاسة التي حصلت لي على جميع اليهود لآمنتُ بأحمد واتّبعتُ أمرك، فوالله الذي أنزل التوراة على موسى والزبور على داود ما رأيتُ أقرء للتوراة والإنجيل والزبور منك، ولا رأيت أحسن تفسيراً وفصاحة لهذه الكتب منك.

إلى أن قال محمد بن فضيل: كان فيما أوصاني به الرضا (عليه السلام) في وقت منصرفه من البصرة أن قال لي: صِر إلى الكوفة فاجمع الشيعة وأعلِمْهم أنّي قادم عليهم إلى أن قال: انظر يا محمّد مَن بالكوفة من المتكلّمين والعلماء فأحضِرهم، فأحضرناهم، فقال لهم الرضا (عليه السلام): إنّي أريد أن أجعل لكم حظّاً من نفسي كما جعلتُ لأهل البصرة، وإنّ الله قد علّمني كلّ كتاب أنزله، ثمّ أقبل على جاثليق ـ وكان معروفاً بالجدل والعلم والانجيل ـ فقال: يا جاثليق هل تعرف لعيسى صحيفة فيها خمسة أسماء يعلّقها في عنقه، إذا كان بالمغرب فأراد المشرق فتحها فأقسم على الله باسمٍ واحد من خمسة الأسماء أن تنطوي له الأرض، فيصير من المغرب إلى المشرق ومن المشرق إلى المغرب في لحظة؟

فقال الجاثليق: لا عِلم لي بها، وأمّا الأسماء الخمسة فقد كانت معه يسأل الله بها أو بواحد منها يُعطيه الله جميع ما يسأله.

قال: الله أكبر، إذاً ما تنكر الأسماء. فأمّا الصحيفة فلا يضرّ أقررتَ بها أم أنكرتها، اشهدوا على قوله.

ثمّ قال: يا معاشر الناس أليس أنصف الناس من حاجّ خصمه بملّته وكتابه ونبيّه وشريعته؟ قالوا: نعم، قال الرضا (عليه السلام): فاعلموا أنّه ليس بإمام بعد محمّد إلاّ من قام بما قام به محمّد حين يُفضي الأمر إليه، ولا يصلح للإمامة إلاّ من حاجّ الأمم بالبراهين للإمامة. فقال رأس الجالوت: وما هذا الدليل على الإمام؟

قال: أن يكون عالماً بالتوراة والانجيل والزبور والقرآن الحكيم، فيحاجّ أهل التوراة بتوراتهم وأهل الإنجيل بإنجيلهم وأهل القرآن بقرآنهم، وأن يكون عالماً بجميع اللغات حتّى لا يخفى عليه لسان واحد، فيحاجّ كلَّ قوم بلُغتهم، ثمّ يكون مع هذه الخصال تقيّاً نقيّاً من كلّ دنس، طاهراً من كلّ عيب، عادلاً منصفاً حكيماً رؤوفاً رحيماً مغفوراً عطوفاً صادقاً مشفقاً بارّاً أميناً مأموناً واثقاً قائماً، فقام إليه رجل فقال: يا بن رسول الله ما تقول في جعفر بن محمد؟ قال: ما أقول في إمامٍ شهدت أمّة محمّد قاطبة بأنّه كان أعلم أهل زمانه، قال: فما تقول في موسى بن جعفر؟ قال: كان مثله، قال: فإنّ الناس قد تحيّروا في أمره، قال: إنّ موسى بن جعفر عمّر برهة من الزمان فكان يكلّم الأنباط بلسانهم، ويكلّم أهل خراسان بالدريّة، وأهل روم بالروميّة، ويكلّم العجم بألسنتهم، وكان يرد عليه من الآفاق علماء اليهود والنصارى فيحاجّهم بكتبهم وألسنتهم، فلمّا نفذت مدّته وكان وقت وفاته أتاني مولى برسالته يقول: يا بُنّي إنّ الأجل قد نفد، والمدة قد انقضت، وأنت وصيّ أبيك، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا كان وقت وفاته دعا عليّاً وأوصاه ودفع إليه الصحيفة التي كان فيها الأسماء التي خصّ الله بها الأنبياء والأوصياء، ثمّ قال: يا علي ادن منّي، فغطّى رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأس علي (عليه السلام) بملاءة، ثمّ قال له: أخرِج لسانك، فأخرجه فختمه بخاتمه، ثمّ قال: يا علي اجعل لساني في فيك فمصّه وأبلغ عني كلّ ما تجد في فيك: ففعل علي ذلك، فقال له: إنّ الله فهّمك ما فهّمني، وبصّرك ما بصّرني، وأعطاك من العلم ما قد أعطاني إلاّ النبوّة فإنّه لا نبّي بعدي، ثمّ كذلك إمام بعد إمام، فلمّا مضى موسى علمت كلّ لسان وكلّ كتاب، انتهى.(99)

* * *

والمراد بالكتب إمّا كتب الله وهو على تقدير رجوع الضمير فيه إليه سبحانه، فالمراد بها القرآن وما أُنزل قبله من الصحف والكتب السماويّة.

أمّا كونهم كهف القرآن والحافظين له والعاملين به: تأويله وتنـزيله ظهره وبطنه وبطن بطنه وهكذا إلى سبعة أبطن، وكذلك سائر أوصافه من العموم والخصوص والإطلاق والتقييد والأحكام والتشابه إلى غير ذلك.

 

[عدد الكتب السماوية]:

وأمّا سائر الكتب السماويّة وهي مائة كتاب وأربعة كتب على ما تضمّنته رواية أبي ذر؛ قال: قلت: يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟ قال (صلى الله عليه وآله): مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل منها على آدم عشر صحف، وعلى شيث خمسين صحيفة، وعلى أخنوخ ـ وهو إدريس ـ ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشرة صحائف، وأنزلت التوراة والأنجيل والزبور والفرقان، وكانت صحف إبراهيم كلّها أمثالاً.(100)

وروى في البحار من إرشاد القلوب بالإسناد إلى المفيد، يرفعه إلى سلمان الفارسي (رضي الله عنه) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «يا سلمان الويل كلّ الويل لمن لا يعرف لنا حقّ معرفتنا وأنكر فضلنا، يا سلمان أيّما أفضل محمّد (صلى الله عليه وآله) أم سليمان بن داود (عليه السلام)؟

قال سلمان: قلت: بلى محمّد أفضل، فقال: يا سلمان فهذا آصف بن برخيا قدر أن يحمل عرش بلقيس من فارس إلى سبأ في طرفة عين وعنده عِلمٌ من الكتاب، ولا أفعل أنا ذلك وعندي مائة كتاب وأربعة وعشرون كتاباً؟ أنزل الله على شيث بن آدم خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم الخليل عشرين صحيفة والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، فقلت: صدقت يا سيدي، قال الإمام (عليه السلام): إنّ الشاكّ في أمورنا وعلومنا كالمستهزئ في معرفتنا أو حقوقنا، وقد فرض الله ولايتنا في كتابه في غير موضع، وبيّن ما أوجب العمل به وهو مكشوف».(101)

ومن كتاب التوحيد عن هشام بن الحكم من خبر طويل قال: جاء بريهة جاثليق النصارى فقال لأبي الحسن (عليه السلام): جُعلت فداك أنّى لكم التوراة والإنجيل وكتب الأنبياء؟

قال: هي عندنا وراثة من عندهم نقرؤها كما قرؤوها ونقولها كما قالوها، إنّ الله لا يجعل حجّة في أرضه يُسئل عن شيء فيقول: لا أدري، الخبر.(102)

ومن بصائر الدرجات بإسناده عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا محمّد عندنا الصحف التي قال الله «صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى»، قلت: الصحف هي الألواح؟ قال: نعم.(103)

هذا كلّه على احتمال أن يكون المراد بالكتب الكتب المنـزلة من الله سبحانه، وأمّا على تقدير رجوع الضمير في كتبه إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) فالمراد بالكتب القرآن وغيره ممّا أشير إليه في الأخبار. مثل ما رواه في البحار من البصائر بإسناده عن أبي الصباح الكناني، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: حدّثني أبي عمّن ذكره، قال: خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي يده اليمنى كتاب، وفي يده اليسرى كتاب، فنشر الكتاب الذي في يده اليمنى فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم كتاب لأهل الجنّة بأسمائهم وأسماء آبائهم لا يُزاد فيهم واحد ولا ينقص منهم واحد، قال: ثمّ نشر الذي بيده اليسرى فقرأ: كتاب من الله الرحمن الرحيم لأهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم لا يُزاد فيهم واحد ولا ينقص منهم واحد».(104)

ومن البصائر أيضاً بإسناده عن الأعمش قال: قال الكلبي: يا أعمش أيّ شيء أشدّ ما سمعت من مناقب علي (عليه السلام)؟ قال: فقال: حدّثني موسى بن طريف عن عباية، قال: سمعت علياً (عليه السلام) وهو يقول: «أنا قسيم النار، فمن تبعني فهو منّي، ومن عصاني فهو من أهل النار» فقال الكلبي: عندي أعظم ممّا عندك، أعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) كتاباً فيه أسماء أهل الجنة وأسماء أهل النار، فوضعه عند أم سلمة، فلمّا ولي أبو بكر طلبه فقالت: ليس لك، فلمّا ولي عمر طلبه فقالت: ليس لك، فلمّا ولي علي (عليه السلام) دفعته إليه.(105)

ومنه أيضاً بإسناده عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا محمد إنّ عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة! قال: قلت: جُعلت فداك وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله (صلى الله عليه وآله) أملاه من فلق ـ أي من شفته ـ فيه، وخطّه علي (عليه السلام) بيمينه، فيها كلّ حلال وحرام وكلّ شيء يَحتاج إليه الناس حتّى الارش في الخدش».(106)

وفي الاحتجاج في حديث طويل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: وكان (عليه السلام) يقول: علمنا غابر ومزبور ونكت في القلوب ونقر في الأسماع، وإنّ عندنا الجفر الأحمر والجفر الأبيض ومصحف فاطمة (عليها السلام)، وعندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس إليه، فسُئل عن تفسير هذا الكلام، فقال (عليه السلام): أمّا الغابر فالعلم بما يكون، وأمّا المزبور فالعلم بما كان، وأمّا النكت في القلوب فهو الإلهام، وأمّا النقر في الأسماع فحديث الملائكة نسمع كلامهم ولا نرى أشخاصهم، وأمّا الجفر الأحمر فوعاءٌ فيه سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولن يخرج حتّى يقوم قائمنا أهل البيت، وأمّا الجفر الأبيض فوعاء فيه توراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وكتب الله الأُولى، وأمّا مصحف فاطمة (عليها السلام) ففيه ما يكون من حادث وأسماء من يملك ومن لا يملك إلى أن تقوم الساعة، وليس فيه قرآن، وأمّا الجامعة فهو كتاب طوله سبعون ذراعاً إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) من فلق فيه وخطّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) بيده، فيه ـ واللهِ ـ جميع ما يحتاج الناس إليه إلى يوم القيامة، حتّى أنّ فيه أرش الخدش والجلدة والنصف الجلدة» الحديث.(107)

 

السادس: [أهل البيت (عليهم السلام) جبال الدين]

ما أشار إليه (عليه السلام) بقوله: «وجبال دينه» قال الشارح المعتزلي: لا يتحلحلون عن الدين أو أنّ الدين ثابت بوجودهم كما أنّ الأرض ثابتة بالجبال، لولا الجبال لمادت بأهلها.(108)

وقال البحراني: وأشار بكونهم جبال دينه إلى أنّ دين الله سبحانه بهم يعتصم عن وصمات الشياطين وتبديلهم وتحريفهم كما يعتصم الخائف بالجبل ممّن يؤذيه.

قال ميرزا حبيب الله الخوئي: والمعيار متقاربان والمقصود واحد، وهو أنّ وجودهم سبب لبقاء الدين وانتظام أمر المسلمين، وبهم ينفى عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

كما روي في البحار من كتاب قرب الاسناد عن هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام) أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال: «في كلّ خلف من أمتي عدل من أهل بيتي ينفي عن الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجهّال، وإنّ أئمتكم وفدكم إلى الله، فانظروا من توفدون في دينكم وصلواتكم».(109)

ومن علل الشرائع بإسناده عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنّ الله لم يدع الأرض إلاّ وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان من دين الله (عز وجل)، فإذا زاد المؤمنون شيئاً ردّهم، وإذا نقصوا أكمل لهم، ولولا ذلك لالتبس على المسلمين أمرهم»(110).

وعن أبي حمزة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لن تبقى الأرض إلاّ وفيها من يعرف الحقّ، فإذا زاد الناس فيه قال: قد زادوا، وإذا نقصوا منه قال: قد نقصوا، وإذا جاؤوا به صدّقهم، ولو لم يكن كذلك لم يُعرف الحقّ من الباطل»(111) والأخبار في هذا المعنى كثيرة.

 

السابع والثامن: [أهل البيت (عليهم السلام) سبب قوام الدين]

ما أشار إليه (عليه السلام) بقوله: «بهم أقام انحناء ظهره، وأذهب ارتعاد فرائصه» والمراد بذلك ـ على تقدير رجوع الضمير في ظهره وفرائصه إلى الدين ـ واضح، وهو أنّهم أسباب لقوام الدين ورافعون لإضطرابه حسبما عرفتَ آنفاً. وأمّا على تقدير رجوعها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فهو إشارة إلى أنّ الله سبحانه جعلهم أعضاداً يشدّون أزره ويقومون ظهره، وانحناء ظهره كناية عن ضعفه في بدء الإسلام، وارتعاد الفرائص كناية عن الشيء ببعض لوازمه، إذ كان ارتعاد الفرائص من لوازم شدّة الخوف، يعني أنّ الله أزال عنه (صلى الله عليه وآله) بمعونتهم خوفه الذي كان يتوقّعه من المشركين على حوزة الدين، واتّصافهم (عليهم السلام) بهذين الوصفين ظاهر لا ريب فيه، لأنّهم لم يألوا جهدهم في نصرة النبي (صلى الله عليه وآله) وتقوية دينه قولاً أو فعلاً، وقد قال الله تعالى:

«وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ».(112)

وقد روى العامّة والخاصّة عن أبي هريرة قال: مكتوب على العرش «لا إله إلاّ أنا وحدي لا شريك لي، ومحمّد عبدي ورسولي أيّدتُه بعلي (عليه السلام)» فأنزل الله (عز وجل):

«هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ».(113)

فكان النصر عليّاً (عليه السلام)، ودخل مع المؤمنين فدخل في الوجهَين جميعاً، وبمضمونه أخبار أُخر من الطريقَين، وقال سبحانه أيضاً:

«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ».(114)

قال أبو هريرة: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو المعنيّ بقوله: «المؤمنين».(115)

وبالجملة فانتصار النبي (صلى الله عليه وآله) بأمير المؤمنين (عليه السلام) وحمايته له باليد واللسان وجدّه في إعلاء كلمة الإسلام ممّا هو غني عن البيان.

بدر له شاهد والشعب من أحد والخندقان ويوم الفتح إن علموا(116)

وكفى بذلك شاهداً مبيته على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى باهى الله سبحانه بذلك على ملائكته وأنزل:

«وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ».(117) (118)

وبرازه يوم الخندق لعمرو بن عبد ودّ، حتّى أنزل فيه: «وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ»(119) بعليّ بن أبي طالب، وقتله عمراً على ما ورد في الروايات الكثيرة،(120) وفي ذلك اليوم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ضربة عليّ أفضل من عبادة الثقلين.(121)

وأمّا سائر الأئمة (عليهم السلام) فقد كانت هممهم مقصورة على حماية حمى الدين وإحياء أحكام سيّد المرسلين، بعضهم بالقتال والجدال كالحسين (عليه السلام)، وبعضهم باللسان والبيان كسائر المعصومين (عليهم السلام)، وذلك مع ما هم عليه من التقيّة والخوف، ولذلك أنّ الصادقَين (عليهما السلام) لما تمكّنا من إظهار الأحكام ونشر الشرايع، وزالت عنهما التقيّة التي كانت على غيرهما، قصرا أوقاتهما في إحياء الشريعة وإقامة السنّة على ما هو معروف، وقد كان أربعة آلاف نفر من أهل العلم خرّيجي مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) حتّى صنّفوا من أجوبته في المسائل أربعمائة كتاب وهي معروفة بكتب الأصول، فبوجودهم استقام أمر الدين واستحكمت شريعة خاتم النبيّين، وبقائمهم يملأ الله الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً.

* * *

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 84، ط مكتبة المرعشي النجفي - قم.

(2) سنن ابن ماجة 1: 26/ ح66؛ منية المريد للشهيد الثاني: 190.

(3) الخصال للصدوق: 84/ ح11؛ وسائل الشيعة 1: 102/ ح245.

(4) تفسير القرطبي 18: 294 - 295.

(5) الكافي 1: 27/ ح31؛ بحار الأنوار 1: 161/ ح51.

(6) وسائل الشيعة 1: 104/ ح252.

(7) وسائل الشيعة 1: 75 - 76/ ح8.

(8) نهج البلاغة للشيخ محمد عبدة 4: 13/ الرقم 46؛ وسائل الشيعة 1: 105/ ح255.

(9) وسائل الشيعة 1: 105/ ح256.

(10) وسائل الشيعة 1: 105/ ح257.

(11) الكافي 2: 313/ ح3.

(12) الكافي 2: 314/ ح8.

(13) الكافي 2: 313/ ح5.

(14) الكافي 2: 314/ ح7.

(15) الكافي 2: 314/ ح8.

(16) الكافي 2: 314/ ح6.

(17) الكافي 2: 306/ ح3.

(18) الخصال للصدوق: 147/ ح178؛ بحار الأنوار 69: 315.

(19) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 138، ط مكتبة المرعشي - قم. نهج البلاغة لمحمّد عبده 1: 29 - 30؛ بحار الأنوار23: 117/ ح32.

(20) مشارق أنوار اليقين: 73 - 74.

(21) بحار الأنوار 26: 260/ ح37؛ مشارق أنوار اليقين: 75.

(22) مشارق أنوار اليقين: 101.

(23) مشارق أنوار اليقين: 101.

(24) مشارق أنوار اليقين: 101، وفيه: «فإذا عدت سماءً مع الأرض...».

(25) مشارق أنوار اليقين: 101.

(26) فاطر: 32.

(27) الأحزاب: 33.

(28) الأنعام: 90.

(29) يُعرف بحديث السفينة، وهو من الأحاديث المشهورة المتواترة. انظر على سبيل المثال: ذخائر العقبى لمحبّ الدين الطبري: 20؛ المعجم الكبير للطبراني 3: 46/ ح2637؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 218، ط قم؛ الجامع الصغير للسيوطي 1: 373/ الرقم 2442.

(30) الغاشية: 25.

(31) ق: 21.

(32) المائدة: 21.

(33) المائدة: 12.

(34) الأنعام: 87.

(35) هود: 45.

(36) هود: 46.

(37) يونس: 35.

(38) التوبة: 119.

(39) البقرة: 208.

(40) آل عمران: 33.

(41) النساء: 54.

(42) النساء: 59.

(43) الأنعام: 153.

(44) البقرة: 168؛ الأنعام: 142؛ النور: 21.

(45) البقرة: 58.

(46) الشعراء: 214.

(47) آل عمران: 61.

(48) الأسراء: 26.

(49) الشورى: 23.

(50) هود: 29.

(51) هود: 51.

(52) الشورى: 23.

(53) دعائم الإسلام 1: 29؛ عيون أخبار الرضا 2: 213/ ح1.

(54) الصافات: 79.

(55) الصافات: 109.

(56) الصافات: 120.

(57) الصافات: 130، وهي قراءة منسوبة إلى الإمام الرضا (عليه السلام) وإلى بعض الصحابة. انظر معجم القراءآت القرآنية في هذا الشأن، وانظر كلام ابن حجر في الباب الحادي عشر من الصواعق المحرقة.

(58) الأنفال: 41.

(59) النساء: 59.

(60) المائدة: 55.

(61) التوبة: 60.

(62) الطلاق: 10 و11.

(63) الفصول المختارة للمفيد: 37.

(64) طه: 132.

(65) ذخائر العقبى: 24؛ بحار الأنوار 37: 36/ ح3.

(66) الكافي 1: 401/ ح2.

(67) الكافي 1: 402/ ح5.

(68) الخرائج والجرائح 2: 795/ ح4.

(69) الخرائج والجرائح 2: 795/ ح5.

(70) البقرة: 30.

(71) بحار الأنوار 25: 383 - 384 / ح38.

(72) النساء: 59.

(73) تفسير القمّي 1: 141.

(74) النساء: 83.

(75) بحار الأنوار 23: 284.

(76) فصّلت: 46.

(77) النساء: 83.

(78) بحار الأنوار 23: 295 - 296/ ح36.

(79) النساء: 59.

(80) بحار الأنوار 23: 298/ ح47.

(81) انظر الكافي 1: 189/ ح16.

(82) النساء: 58.

(83) النساء: 59.

(84) الكافي 1: 276/ ح2.

(85) القدر: 4.

(86) الدخان: 4.

(87) الكافي 1: 248/ ح3.

(88) الكافي 1: 297/ ح9.

(89) بحار الأنوار 25: 385/ ح43.

(90) المحتضر: 100 - 101؛ بحار الأنوار 26: 199 - 200/ ح12.

(91) بحار الأنوار 2: 179/ ح1؛ أمالي المفيد: 95 - 96/ ح6.

(92) بحار الأنوار 26: 147/ ح27؛ بصائر الدرجات: 286/ ح2.

(93) بحار الأنوار 26: 146/ ح25؛ بصائر الدرجات: 286/ ح9.

(94) بصائر الدرجات: 167/ ح3.

(95) النساء: 60.

(96) شرح مائة كلمة لابن ميثم البحراني: 218.

(97) النجم: 36.

(98) بصائر الدرجات: 157/ ح11؛ بحار الأنوار 26: 61/ ح138.

(99) بحار الأنوار 49: 73 - 81/ ح1.

(100) عوالي اللئالي 1: 92؛ الخصال للصدوق 523 - 526/ ح13.

(101) بحار الأنوار 26: 221 - 222/ ح47.

(102) التوحيد للصدوق: 270 - 275/ ح37.

(103) بصائر الدرجات: 157/ ح8.

(104) بصائر االدرجات: 211/ح2؛ بحار الأنوار 17: 146 ـ 147/ ح40.

(105) بصائر الدرجات: 211/ح3.

(106) بصائر الدرجات: 163/ ح4؛ بحار الأنوار 26: 22/ح11.

(107) الاحتجاج للطبرسي 2: 134.

(108) شرح نهج البلاغة: 1: 138، ط مكتبة المرعشي النجفي - قم.

(109) بحار الأنوار 23: 30/ ح46.

(110) علل الشرايع 1: 200/ ح27.

(111) علل الشرايع 1: 200/ ح30.

(112) الأنفال: 63.

(113) أمالي الصدوق: 284/ ح312؛ نظم درر السمطين: 120.

(114) الأنفال: 64.

(115) بحار الأنوار 9: 94؛ مناقب آل أبي طالب 2: 311.

(116) مناقب آل أبي طالب 3: 307؛ بحار الأنوار 46: 127.

(117) البقرة: 207.

(118) شرح الأخبار للقاضي النعمان 2: 345؛ شواهد التنزيل 1: 103/ ح14.

(119) الأحزاب: 25.

(120) روضة الواعظين: 106؛ بحار الأنوار 20: 205.

(121) كشف اليقين للعلاّمة الحلّي: 83؛ عوالي اللئالي 4: 86/ ح102.